جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة التي هزّت عرش فرنسا

جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة التي هزّت عرش فرنسا
صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
11602
عدد القراءات

2018-03-08

عندما يسقط ذاك العلم الأسمر في تربة وهران مدمى

وهلال المفرق الأنور في التلة يطوى، ثم يرمى

عندما تبرق عينان ...نجوماً مشرقية

وترفان كطيرين جريحين على عشب وماء

عندما يشحب خدّان نديان، ولا يستفهم ثغر

ويكون الموت أحلى، وهو مرّ.

*من قصيدة "جميلة علم وهران"  للشاعر المصري صلاح عبدالصبور.

حفِل التاريخ البشري، ببطولات الرجال ومآثرهم، فخلدّ ذكراهم، فكان التاريخ حكراً لهم فعلاً وكتابةً، ولم يتسنّ لامرأة أن تكتب تاريخ بطولات النساء، اللاتي لم يقِل دورهن جسارة عن الرجال في مختلف مناحي الحياة، حتى أطلّت تلك الزهرة الجزائرية "جميلة بوحيرد"، تصنع وتكتب تاريخاً جديداً للنساء، وتتربع على عرش النضال والشعر والفن، كما لم تفعل امرأة قبلها، جميلة الجزائر، وصرخة الحرية، ومحررة الأوطان، كما وصفها الشعراء العرب.

كانت تهتف في الطابور المدرسيّ "الجزائر أمنا" بينما يهتف بقية الطلاب "فرنسا أمنا"

هوية النضال

وقعت الجزائر أسيرة الاحتلال الفرنسي منذ عام 1830، لمدة 132 عاماً، سُلبت فيها حُرية الجزائريين، ووقع فيها الشهداء، حتى صارت بلد "المليون شهيد"، واستمر نضال الشعب ضد الاحتلال، حتى الأول من تشرين الثاني (نوفمبر)، من العام 1954، انتفض الشعب الجزائري بثورته ضد الاحتلال، والتي أتت ثمارها في العام 1962، حتى حصلت الجزائر على استقلالها، في ذلك الوقت كانت الشابة الجزائرية "جميلة بوحيرد"، لأم تونسية، تستقي من والدتها حب الوطن، والتوق إلى الحرية.

وعلى الرغم من التحاقها بالمدارس الفرنسية، وعدم معرفتها باللغة العربية، إلا أنّ نزعتها المتمردة تبلورت منذ أن كانت في سنوات تعليمها الأولى، حينما تهتف في الطابور المدرسيّ "الجزائر أمنا"، بينما يهتف بقية الطلاب "فرنسا أمنا"، وهو ما يرويه عن رحلة نضالها الكاتب وأستاذ اللغة العربية الجزائري "شريبط أحمد شريبط"، في كتابه "جميلة بوحيرد"، الذي أرّخَ فيه لحياتها، وجمع كل ما كتبه الشعر العربي الذي توّج جميلة كما لم يتوّج امرأة قط.

أثنت جميلة بوحيرد لدى زيارتها أسوان مؤخراً على مصر وشعبها، قائلة: إنّ الشعب المصري شعب عظيم وكريم

التحقت جميلة بصفوف المجاهدين في الثورة الجزائرية الذين بلَغ قوامهم في بدء اندلاع الانتفاضة 1200 مجاهد، يمتلكون 400 قطعة من السلاح، فكانت مسؤولة زرع القنابل في معسكرات الاحتلال، وفي محاولة القضاء على الثورة يُعتقل أبرز رموزها، رمضان بن عبدالمالك، بالقرب من جبال ولاية مستغانم، ولم يُضعف ذلك من إرادة الثوار، ليتبلور نضال بوحيرد في العام 1957، حين أصابها المُحتل الفرنسي برصاصة في كتفها، أثناء زرع قنابل بأحد مقاهي الفرنسيين، ليتم اعتقالها على الفور، واتهامها بإلقاء قنابل على مقاهٍ فرنسية في العاصمة الجزائرية، أودت بحياة ثلاثة من الجنود، وتقع جميلة قيد الاعتقال، الذي مثّل انتفاضة شعبية وعالمية أخرى في وجه المُحتل الفرنسي.

فيلم "رياح الأوراس" رصد معاناة الشعب الجزائري من احتلال دام قرابة قرن ونصف القرن

ملحمة الأوراس

أحد أهم كلاسيكيات السينما الجزائرية التي تم إنتاجها، إبان تحرير الجزائر عام 1966، فيلم "رياح الأوراس، المُوقّع من المخرج "محمد الأخضر حمينة"، الذي رصد معاناة الشعب الجزائري من احتلال دام قرابة قرن ونصف القرن، وكان تتويجاً لمعركة جبال الأوراس التي بدأت فيها المواجهات العنيفة من قِبل الجيش الفرنسي، الذي قام بتمشيط جبال الأوراس، وقتل أحد مفجري الثورة "مراد ديدوش"، بعد معركة بدوار الصوادق، في الوقت الذي تحتدم فيه المعارك على الجبهة، بين جيش الاحتلال والثوار، كانت بوحيرد، تعاني التعذيب في السجن؛ حيث تعرضت للصعق الكهربائي، بشكل يومي، لتعترف على زملائها، وحين عجز المحتلون عن نزع الاعترافات منها، قرروا إحالتها للمحاكمة، التي علم الجميع نتيجتها مسبقاً، بعد عام من التعذيب ويأس سلطة الاحتلال من إخضاع جميلة بوحيرد، أحالوها للقضاء العسكري، وأثناء الجلسة التي حكم فيها بالإعدام على جميلة، انطلقت ضحكتها عالياً، لتصرخ في القضاه قائلة: "أعرف أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام، لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة"، ليهتز العالم أمام هذا الحُكم الغاشم من السلطات الفرنسية بحق جميلة، وتصبح حديث الأمم، يتغنى بها الشعراء، ويتصارع على تأريخ نضالها السينمائيون، وتتوّج عروساً للشعر العربي، وقديسة الشعراء.

ظل احتفاء الشعراء والفنانين بالمناضلة بوحيرد، متواصلاً، حتى بعد الرجوع عن حُكم الإعدام الذي أصدرته قوات الاحتلال الفرنسي للجزائر

خبر إعدامها أتى بمثابة صفعة قوية، فغدت حديث العالم آنذاك، بعد أن كانت قبل نضالها فتاة تهوى تصميم الأزياء، وتدرس فن الخياطة والتصميم، وتحب ركوب الخيل، وتمارس الرقص الكلاسيكي، وتعشق الحرية.

لم تتخط جميلة بوحيرد عتبة 22 عاماً حينما صدر قرار إعدامها من قبل محتلّي بلادها، وهو ما دفع العديد من دول العالم والشخصيات السياسية، وجبهات النضال، أن ترسل خطابات استنكار للأمم المتحدة التي اجتمعت لأجل حرية جميلة، وصدر قرار بتأجيل إعدامها، ليصبح حُكماً بالسجن مدى الحياة، ليتم ترحيلها إلى فرنسا، لتنفيذ عقوبة السجن، حتى تخرج مع زملائها بعد التحرير، في العام 1962، لتعود إلى الجزائر، وتستكمل مسيرتها السياسية.

ظل احتفاء الشعراء والفنانين بالمناضلة بوحيرد، متواصلاً، حتى بعد الرجوع عن حُكم الإعدام

المناضلة المُلهمة

استحقت بوحيرد أن تكون قديسة أحمد عبدالمعطي حجازي، في قصيدته بعنوان (قديستي)، حيث قال:" كان اسمها جميلة، أفديه من سمى، الوجه وجه طفلة لم تترك آلاماً، والعين عين ساحرة، مضيئة كحيلة، كأنما اصطادت رموشها الطويلة، من السما نحبها"، ثم جاء نجيب سرور معبراً عن حزنه وقلة حيلته تجاه قضيتها العادلة، ليكتب قصيدته "الجمعة الحزينة"، وهي الجمعة التي حُكم فيها بالإعدام على جميلة بوحيرد فقال: "غفرانك فالعين بصيرة، وذراعي يا أخت قصيرة، جدّ قصيرة، والكف بها كلمات عزاء، لا تُجدي في يوم الجمعة".

ظل احتفاء الشعراء والفنانين بالمناضلة بوحيرد، متواصلاً، حتى بعد الرجوع عن حُكم الإعدام، فكُتبت عريضة من المثقفين المصريين، تطالب بوقف إعدام جميلة، وقعها طه حسين وأم كلثوم، صبري موسى وإحسان عبد القدوس، وطوغان، وقائمة طويلة من المثقفين، انتفضت لأجل بوحيرد، ومن الغرب صرخ جان بول سارتر بكتابه "عارنا الذي في الجزائر"، فكان صفعة قوية من كبار فلاسفة القرن العشرين لبلاده المُستعمِرة، تنتقل جميلة إلى السينما، ليوقِع المخرج العالمي المصري يوسف شاهين في العام 1958 فيلمه (جميلة)، مكللاً نضالها فيصبح الفيلم رسالة موجهة للعالم أجمع، ثم مضى عبدالرحمن الشرقاوي يكتب مسرحيته البديعة "مأساة جميلة".

خرجت جميلة من سجنها لتصبح حرة عام 1962 وتحصل على منصب رئاسة اتحاد المرأة الجزائري بعد الاستقلال

خرجت جميلة من سجنها لتصبح حرة كما وطنها في عام 1962، وتحصل على منصب رئاسة اتحاد المرأة الجزائري بعد الاستقلال، ثم تعتزل السياسة بعد خلافاتها مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة.

دافع المحامي الفرنسي الشهير"جاك فيرجيس"، عن جميلة في سجنها، ثم تزوجا بعد خروجها من السجن بعد أن أعلن إسلامه ليصبح اسمه (منصور)، وينجب منها طفلين. وارتحل عن عالمنا في 2013 عن عمر يناهز 88 عاماً.

ولحظة حلت جميلة بوحيرد قبل أيام ضيفة على مسرح أسوان السينمائي الذي خصص لرصد نضالات النساء، قالت إنّ "الشعب المصري شعب عظيم وكريم"، مضيفة أنها تتذكر دائماً تضامن الشعب المصري مع قضية الشعب الجزائري وثورته ضد الاحتلال الفرنسي، وتكريمها من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه

2020-01-19

لن يُصدّق السائح الذي يزور وادي ميزاب الساحر للمرة الأولى، أنّه قد يتوه داخل ما اعتقد أنّه مجرّد واحة في وادٍ عميق وضيق؛ إذ إنّ الوادي الزاخر بالتنوّع التاريخي، والذي تمّ تصنيفه ضمن التراث الوطني الجزائري وأُدرج في قائمة التراث العالمي لليونسكو، ينطوي على كم هائل من المعالم والمواقع التي ترجع إلى حقب تاريخية مختلفة.

ويضم الوادي، الواقع في الصحراء على بعد حوالي 600 كلم من جنوب العاصمة الجزائرية، 5 قُصور تاريخية تتوزع على مسافة 10 كلم على طوله، تتخللها الواحات وعدد هائل من المعالم التاريخية التي تتميز في هندستها المعمارية المدهشة؛ حيث بُنيت على هضاب وتضاريس وعرة للغاية، رغم بساطة معدات السكان وأدواتهم في ذلك العصر.

تاريخ الوادي

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ، وتحديداً إلى العام 5000 قبل الميلاد؛ إذ عثر علماء الآثار على صناعات حجرية ونقوش صخرية ومعالم جنائزية ترجع إلى العصر الحجري الحديث، بحسب ما نقله برهان نور الدين عن مديرية السياحة والصناعات التقليدية لولاية غرداية الجزائرية. 

اقرأ أيضاً: أم درمان.. موت مدينة المهدي المقدسة
أمّا المُدن التي تُشكّل الوادي اليوم، فقد شيّدها الميزابيون الأمازيغ في القرن الحادي عشر، بعد قدومهم من مدينة "تاهرت" والتي تُعرف اليوم باسم "تيارت"، وهي مدينة جزائرية كانت عاصمة لما عرف قديماً بالمغرب الكبير؛ حيث غادرها الميزابيون بعد أن شب حريق ضخم في مساكنهم، واستقروا في الوادي الذي بنوا فيه مجموعة من المدن المحصّنة، لتشهد على جهود أجدادهم المبذولة لبناء حضارة الوادي.

مدن محصنة
تعتبر كل مدينة من مدن وادي ميزاب بمثابة قلعة مُحصنّة، شُيّدت لتكون حصناً منيعاً؛ إذ بُنيت جميعها على هضبة يتوسطها مسجد، يُمثّل آخر خط للدفاع عن المدينة في حال تعرضت للغزو أو الحصار؛ حيث تُخزن فيه الأسلحة والغذاء، وتحيط به المنازل على شكل حلقات ضيقة نزولاً حتى جدران المدن.
وتُمثّل مدينة غرداية، التي أُنشئت عام 1053 للميلاد، المدينة الرئيسية في الوادي، فهي عاصمة الميزابيين. ويتميّز قصر هذه المدينة بأزقته الضيقة. وفضلاً عن مسجد المدينة العتيق، تُمثّل ساحة السوق وواحات النخيل، ومقبرة "عمي سعيد" أبرز معالم المدينة.

مدينة غرداية

أمّا المدينة الأقدم بين مدُن الوادي، فهي مدينة "العطف"، أو "تَاجْنينْتْ" بالأمازيغية، والتي تمّ تشييدها قبل ما يزيد عن الألف عام؛ في 1011 للميلاد، ويتميّز قصر هذه المدينة بطابعه المعماري الخاص، فضلاً عن المتحف الذي يضم الأدوات التقليدية القديمة، كما تنضوي المدينة على مجموعة من المعالم السياحية، كساحة السوق، ومصلى الشيخ إبراهيم بن مناد.

مدينة العطف

يلي مدينة "العطف" من حيث تاريخ البناء، مدينة أُخرى تُسمّى بالأمازيغية "آت بنور"، وتُعرف باسم "بنورة"؛ حيث بُني قصر هذه المدينة، والذي يتمركز على ربوة جبل محاذٍ للوادي، عام 1064 للميلاد.

يعود تاريخ وادي ميزاب إلى ما قبل التاريخ إذ عثر علماء الآثار على حفريات ونقوش ترجع إلى العصر الحجري الحديث

وتُعدّ مدينة "بني يقزن"، التي تأسست عام 1321، وسُمّيت نسبة إلى القبيلة التي سكنتها، أكثر مُدن الوادي غموضاً، لما تحويه من قصور مُقدّسة، وهي أشد المدن حفاظاً على أصالتها الميزابية؛ حيث كانت تغلق بواباتها مع حلول الظلام ولا يسمح لغير قاطني المنطقة بدخولها، وظلت كذلك حتى وقت قريب. وأهم ما يميّز هذه المدينة هو سورها الدفاعي الذي يُحيط بها، والذي لا زال موجوداً حتّى اليوم.

وآخر هذه المُدن، التي تقع على مقربة من بعضها البعض، هي مدينة مليكة، التي تمّ إنشاء قصرها عام 1355 للميلاد. ويستطيع الزائر لقصر "مليكة" رؤية غرداية وبني يقزن من هناك، نظراً لعلوها الشاهق. ويُعدّ مصلى "سيدي عيسى" أشهر المعالم في هذه المدينة.
وبالإضافة إلى المدن السابقة، أنشأ المزابيون مدينتي "القرارة" و"المنيعة"؛ حيث تقع الأولى على بعد 110 كلم، وتبعد الثانية 270 كلم، عن ولاية "غرداية" التي تضم المدن الخمس الشهيرة.

صورة جوية لمدينة العطف

تنظيم اجتماعي محكم وثقافة مُحصنة من العولمة

صُممت المدن المزابية لتخدم مبدأ العيش المشترك والحياة الاجتماعية المتساوية؛ إذ أقيمت المنازل قرب بعضها البعض، تفصلها أزقة صغيرة مسقوفة بالغالب لاحترام خصوصية كل أسرة.

اقرأ أيضاً: "تمبكتو" مدينة الأولياء وإرهاب القاعدة
وتتجلى حضارة وادي ميزاب في حفاظ أهله على دينهم الإسلامي وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة، التي لم تتأثر بمحيطها الخارجي، حيث ظلت محافظة على ثقافتها، وعلى التناسق والتناغم في تركيبتها السكانية.
وقد اختار الميزابيون الصحراء هرباً من طرق القوافل والجيوش الغازية؛ إذ إنّ اعتناقهم للمذهب الإباضي، الذي ينسب إلى عبدالله بن إباض التميمي، ويطلق على أنصاره اسم "أهل الدعوة والاستقامة"، جعل منهم عرضة للاضطهاد، حتّى أنّ بعض المذاهب اعتبرتهم من الخوارج.

ساحة السوق في مدينة بني يقزن
نساء وادي ميزاب
تعرف نساء وادي ميزاب بحشمتهن، حيث قال "جوناثان أوكس" في دليله للسفر إلى الجزائر؛ "ستجد هنا أنّ كل النساء يلتزمن بتقليد لبس (الحايك)، وهو قطعة كبيرة من القماش تلف فيها المرأة جسمها ووجهها، تاركة العينين فقط لتتم رؤيتهما".

يمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً ويعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً

وتسمح تقاليد الوادي للفتاة غير المتزوجة بإظهار وجهها، وبعد زواجها عليها إخفاؤه وإظهار عين واحدة فقط، وإذا ما تعرضت إحدى هاته النساء لنظرات الرجال ستجدها تشبثت "بحايكها" وتشده على جسدها، لتضمن عدم ظهور أي شيء منه.
وسرى تقليد فيما مضى، حيث تواجه المرأة الجدار مباشرة في حال تقاطع طريقها مع طريق أحد الرجال الغرباء عند سيرها في أزقة المدن وطرقها المسقوفة، ولم يعد الأمر كذلك اليوم، إلا أنّ زائر هذه المدن سيلاحظ أنّ المرأة الميزابية ستفعل المستحيل لتجنب نظرات المارة، وستقوم بتغيير طريقها إذا ما شعرت أنّ رجلاً قادماً تجاهها، ويمنع أهل مدن ميزاب تصوير النساء قطعياً؛ إذ يعتبرون تصوير المرأة جريمة شرف سيواجه مقترفها غضباً عارماً.

للمشاركة:

عبدالله بن بيه: علّامة أربكت آراؤه تيارات الإسلام السياسي

2020-01-12

في قلب الصحراء الشاسعة؛ حيث يبدو هذا الاتساع اللانهائي وهو يفض الاشتباك بين السماء والأرض، تشكلت شخصية العلامة بن بيّة، وكأنّ هذا المكان يفتح طريقاً نحو الفضاء الرحب، يسلكه العابرون بوحي التأمل لحال البشر، إلى حيث جوهر الموجود وسر الوجود.

أسهمت مكانة والده القاضي المحفوظ في توجيه اهتمامه إلى دراسة علوم اللغة العربيّة والشريعة الإسلاميّة

في "تمبدغة" بولاية الحوض الشرقي الموريتانيّة، ولد عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّة، في العام 1935، وقد أسهمت مكانة والده القاضي المحفوظ في توجيه اهتمامه إلى دراسة علوم اللغة العربيّة والشريعة الإسلاميّة، ويبدو أنّ خصوصيّة المكان شكّلت رافداً مهماً في تكوين شخصيته؛ حيث كانت هذه المدينة، وإلى الآن، عاصمة للتراث والفنون، يقصدها عشاق الطرب والغناء من كل الأنحاء، وهو ما ساعد على تكوين شخصيّة وسطيّة، محبة للحياة، تختبر الحكم الشرعي في أرض الواقع، وتستمد من احتياجات الإنسان دلالات تتسم بالمرونة، مع إدراك حركة النص وإشاراته المتجددة في كل زمان.
من أرض المرابطين، خرج ابن بيّة إلى تونس؛ حيث درس القانون الشرعي، وتخرّج بتفوّق، ليعود إلى بلاده؛ إذ تقلّد عدة مناصب بوزارة العدل الموريتانيّة، إلى أن أصبح وزيراً للشؤون الإسلاميّة، كما شغل عدة حقائب وزارية مثل: العدل والتشريع والمصادر البشرية والتوجيه الوطني والمنظمات الحزبيّة وغيرها.
كان من الطبيعي أن يزعج هذا الفصل بين الديني والسياسي أنصار الحركات الإسلامية

النهج المقاصدي ودلالاته
في دراسته للمذهب المالكي، انطلق عبد الله بن بيّة من أصول الاستنباط إلى النهج المقاصدي، بالاعتماد على النظر والاجتهاد، انطلاقاً من توسع الإمام مالك وأصحابه في باب القياس، فانطلقوا من القياس على الأحكام المنصوص عليها، ثم تجاوزوا ذلك إلى القياس على الفروع والمسائل المستنبطة، وهي الأرضية التي انطلق منها تفكير الشيخ، ليتجاوز مسألة تقديم الخبر على القياس، إلى فضاء الدلالة والتأويل، وأرضنة مقاصد النص وفق ارتهانات الواقع.

مع نجاح الإخوان باختراق رابطة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وكان بن بيّه نائبا للاتحاد، آثر الانسحاب بعد مصادمات عديدة

وعليه، كان الواقع نقطة ارتكاز عَبَر من خلالها فكر بن بيّة من حيز التنميط الضيق، إلى حيث المعرفة الواعية بالحاضر وإشكالياته، وهو الأمر الذي جعل من آرائه مطلباً للأقليات الإسلاميّة في الغرب، وقد كشفت فتاواه إبّان عضويته في المجمع الأوروبي للإفتاء النقاب عن مهارات ذهنية فائقة، ومعرفة غزيرة بالنص وملابساته، وكيفية تطبيقه على الأرض، ليصبح وفق جامعة "جورج تاون" في العام 2009، واحداً من أكثر 50 شخصية إسلاميّة تأثيراً.
أسهم هذا النهج المقاصدي في تكوين رؤية إنسانية أكثر انفتاحاً تجاه الآخر، ترتكز على التعايش في إطار من المحبة والسلام، ونبذ كل أشكال الكراهية داخل العائلة الإبراهيمية، بل وتجاوزها لتشمل أيضاً الديانات الوضعيّة، فكان عبد الله بن بيّة أول رجل دين يفوز بجائزة الحرية الدينيّة التي يمنحها متحف الصحافة والإعلام بواشنطن، في العام 2016.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تمنح جائزة سفير الحريات الدينية للشيخ عبدالله بن بيه
وفي نيسان (أبريل) 2019، منحت الجمعية العالمية للدفاع عن الحرية الدينية، التابعة للأمم المتحدة بجنيف، الجائزة الدولية لسفير الحريات الدينية للشيخ عبدالله بن بيّه، رئيس منتدى تعزيز السلم، في إطار أعمال القمة العالمية الثانية حول الدين والسلام والأمن.
 مارس السياسة باسم المسؤولية والواجب الوطني وليس باسم الدين

الفقيه بين الديني والسياسي
مع استقلال موريتانيا في العام 1960، كان عبد الله بن بيّة من أبرز الشخصيات التي جرى الاعتماد على دورها السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال، وكان قبل تقلّده الحقائب الوزارية المتعددة، قد عُين مفوضاً سامياً للشؤون الدينيّة برئاسة الجمهورية، وكان أميناً لحزب الشعب الحاكم، وعضواً بمكتبه السياسي منذ العام 1970 إلى العام 1978، ومنذ اللحظة الأولى، فصل بن بيّة بين السياسي والديني، فمارس السلطة – كما يقول- انطلاقاً من الاشتراكية الاجتماعية، التي انتهجها الحزب، مؤكداً أنّه مارس السياسة باسم المسؤولية والواجب الوطني، وليس باسم الدين.

كان من الطبيعي أن تسبب آراء بن بيّة ارتباكاً لتيار الإسلام السياسي، ولأصحاب النزعة الأصولية التقليدية

كان من الطبيعي أن يزعج هذا الفصل بين الديني والسياسي أنصار الحركات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، والتي أولت منطقة غرب أفريقيا اهتماماً خاصاً منذ العام 1944، من خلال قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، وكان الإخوان قد نشطوا في موريتانيا، من خلال حركة الإصلاحيين الوسطيين، منذ منتصف السبعينيات .
ومع نجاح جماعة الإخوان في اختراق رابطة الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وكان الشيخ نائباً للاتحاد، آثر الانسحاب بعد مصادمات عديدة، وفي ذلك يقول: " عندما رأيت أنّ هنالك أموراً انزلقت واندفعت في سبيل غير صحيح بالنسبة لي، تركتها علانية واستَقَلْتُ منها، وأقصد بذلك الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين". وقد صدق حدسه؛ حيث تحول الاتحاد فيما بعد إلى كيان موجه، يتم فيه تدجين الأيديولوجيا الإسلاموية، والترويج لها بإكسابها شرعية دينية.
والرجل يتبنى رؤية صريحة في ضرورة الفصل بين الديني والسياسي، يقول ابن بيّة: "لا يمكن لأي حركة سياسية إسلامية تلبس لباس التقوى التحدث باسم الدين، وتتكلم باسم السياسة، هذا أضر بالمنطقة العربية وأدّى إلى شروخ كثيرة وكثيرة".

اقرأ أيضاً: إيران وفلسطين: كيف تاجر الإسلام السياسي بالقضية؟
ويؤكد بن بيّه أنّ توظيف التراث في وقتنا الراهن أصبح من أخطر الأمور؛ لأنه توظيف يناقض السياق التاريخي، من أجل تحقيق أغراض شخصيّة أو أهداف سياسيّة، ويستشهد في ذلك بالشيخ تقي الدين بن تيمية، الذي أفتى بأشياء ثم رجع عنها وفقاً للأحداث، وتبدل الظروف.
كما يرى أنّ الحركات الإسلاموية  انطلاقاً من مركزية السياسي، "تجعل من العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق كلها لواحق لمقاصد سياسية، وهو أمر مذموم وقد يكون بهذا الاعتبار لمصطلح الإسلام السياسي مسؤوليته في مأزق الأمة".

في مواجهة سهام الكراهية

كان من الطبيعي أن تسبب آراء بن بيّة ارتباكاً لتيار الإسلام السياسي، ولأصحاب النزعة الأصولية التقليدية، والذين صوبوا إليه سهام النقد المحملة بالكراهية، لكنه واصل طريق الدعوة إلى السلم، من منطقه الخاص، ذلك أنّ تحقيق السلم، هو الضمان الذي يراه مقدمة أسياسية لتحقيق العدل.
في العام 2015، وقف عبد الله بن بيّة على منبر الأمم المتحدة، مخاطباً العالم، داعياً إلى مكافحة التطرف بكل السبل، ومحاولاً إظهار ما في الإسلام من سماحة ومحبة وقدرة على التعايش مع الجميع، لينفي تهمة الإرهاب عن الإسلام، انطلاقاً من رؤية فقهية ترتكز على تعزيز احتمالات السلم والتعايش بين الجميع.

اقرأ أيضاً: تركيا وقناع الإسلام السياسي في المنطقة العربية
وعلى الفور، انهالت الاتهامات، وكان أكثرها فجاجة ما قام به محمد الشنقيطي، أستاذ تاريخ الأديان بكلية قطر للدراسات الإسلامية، والذي استخدم خطاباً مسيئاً، اتهم فيه الشيخ بتشويه الإسلام، متهكماً بقوله: "المسلمون يتعرضون للإبادة كل يوم، والشيخ بن بيّة مشغول بإقناع العالم أنّ الإسلام لا يمارس الإبادة". هذا المنطق المعكوس الذي أثار حالة من الاستياء لم يكن مستغرباً، في ظل حالة التربص التي باتت تميز الكتلة الإسلاموية، وتمنحها مبرراً للحياة.

للمشاركة:

الشاعر بدر الدين الحامد: أنا في سكرَين من خمر وعين

2020-01-07

في سوريا، عندما يذكَر اسم الشاعر السوري، بدر الدين الحامد (1897- 1961)، تحضر في أذهان السوريين قصيدتان للشاعر؛ الأولى يمكن اعتبارها من أشهر القصائد الوطنية السورية، وهي "قصيدة الجلاء"، والتي كتبها الشاعر بمناسبة رحيل الاستعمار الفرنسي عن سوريا، في 17 نيسان (أبريل) 1946، والتي حفظها أغلب السوريين عن ظهر قلب، يقول الشاعر في مطلعها: "بـلَـغـتِ ثـأرَكِ لا بـغـيٌ ولا ذامُ/ يـا دارُ ثـغـرُكِ مـنـذ اليومِ بسَّامُ/ ولّـت مـصـيـبَـتُكِ الكبرى مُمَزّقةً/ وأقـلـعـتْ عـن حِمى مروانَ آلامُ/ لـقـد طـويتِ سجوفَ الدّهرِ صابرةً/ الـسّـيـفُ مـنـصلتٌ والظّلمُ قوّامُ/ عـلـى روابـيـكِ أنـفاسٌ مطهَّرةٌ/ وفـي مـحـانـيـكِ أشلاءٌ وأجسامُ/ هـذا الـتـرابُ دمٌ بـالـدّمعِ ممتزجٌ/ تـهـبُّ مـنـه عـلى الأجيالِ أنسامُ/ ...".
أما القصيدة الثانية، وهي ليست وطنية بل غزلية، فقد استمرت شهرتها وصداها إلى اليوم؛ لأنّ حنجرة الفنان السوري، صباح فخري، لم تتوقف عن ترديد كلماتها، والتي يقول الشاعر في مطلعها: "أنا في سكرَين من خمر وعين/ واحتراقٍ في لهيب الشفتين/ لا تزدني بل فازدني فتنة في الحاجبين/ يا حبيبي أقبل الليل فهيَّا للمدام/ وأرسل العود غنّينا تراتيل الغرام/ نفحتني بالأشواق منك أنفاس الهيام/ يا حبيبي إن تكن لي فعلى الدنيا السّلام...".
تخرَّج في "الكلية الصلاحية" بالقدس
ولدَ بدر الدين الحامد وعاش في مدينة حماة السورية. درس على يد والده العلوم الدينية واللغة العربية، ومن ثم أنهى مرحلتَي التعليم الابتدائية والثانوية، عام 1923، ثم تخرَّج في "الكلية الصلاحية" في مدينة القدس، كما تأثّر بدر الدين في بداية نشأته بمحيطه العائلي، ورغم أنّ عائلته كانت محافظة، لكنّ والده وأخواله وإخوته كانوا أدباء وعلماء؛ إذ إنّ أخاه، الشيخ محمد الحامد، كان من أبرز علماء الدين في بلاد الشام، كما أنّ الصحفي السياسي والناشر نجيب الريس (1898- 1952) هو أخوه من أمّه.

 الصحفي السياسي والناشر نجيب الريس
عندما غزا الاحتلال الفرنسي سوريا، عام 1920، كان بدر الدين الحامد في عزّ شبابه، وساهمت هذه المرحلة في تشكيل وعيه، وسيكون لها الأثر في كتابته للشعر، إضافة إلى انخراطه في مجال السياسة والشأن العام؛ إذ شارك بدر الدين في الحركات الوطنية في ذلك الوقت، وكتب قصائد شعر قومية وسياسية، وشارك في محاربة الاستعمار؛ إذ انضمّ إلى حزب "الكتلة الوطنية" الذي كان يتزعمه الزعيم السياسي (ورئيس الجمهورية السورية الأولى في وقت لاحق) شكري القوتلي (1891- 1967).

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
شارك بدر الدين الحامد في انتفاضة حماة، عام 1925، ضدّ الفرنسيين، وإثر ذلك جرى اعتقاله، وتمّ تعذيبه بشدة في السجن، وتحديداً بعد محاولته الفاشلة للهروب. وعندما خرج من السجن، كتب قصيدةً قال فيها: "نعم ولا فخر أقدمنا وليس لنا/ هوىً بغير ظلام السجن والصَفَدِ/ مالي وللذكريات السود أنبُشها/ الدهر يُنصِف والتاريخ في رشَدِ".
عاش في زمن الكبار
عاش جيل الشعراء والأدباء الذي ينتمي إليه بدر الدين حامد، في زمن حدثت فيه تحولات كثيرة في سوريا، وفي المنطقة العربية ككل، إنّها نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ فعندما نقرأ في أحد مجلدات "الموسوعة العربية" ]الجمهورية العربية السورية – هيئة الموسوعة العربية[ يجري الحديث عن تلك المرحلة كالآتي: "وقد أذكت حركة النضال ضدّ المستعمر كثيراً من الموضوعات التي كتب فيها الأدباء نصوصاً شعرية ونثرية، وكان للأحزاب والتكتلات قسطها في إثراء الحركة الأدبية من خلال تشجيعها الأدباء والاهتمام بالثقافة".

كما تشير الموسوعة إلى أبرز الشعراء والأدباء في تلك المرحلة، أمثال: فخري البارودي، وشفيق جبري، وميخائيل ويردي، وعبد الله يوركي حلاق، وعمر بهاء الدين الأميري، وعبد المعين الملوحي، وبديع حقّي، وسلامة عبيد، ومحمد البزم، ومحمد الفراتي، وخليل مردم بك، وبدر الدين الحامد، وبدوي الجبل، وماري عجمي، وأنور العطار، وعمر أبو ريشة، وخير الدين الزركلي، وسليم الزركلي، ووجيه البارودي، ومحمد عمران، ونزار قباني، وسليمان العيسى.
تحت مظلة الأدب العربي المعاصر
ولا شكّ في أنّ قيام الجمهورية العربية السورية في الثلث الثاني من القرن العشرين، ورحيل المستعمر بعد ذلك، قد أسهما في إذكاء حركة أدبية تتميز بشيء من الخصوصية، على أنّها تنضوي تحت مظلة الأدب العربي المعاصر".
صدر لبدر الدين الحامد ديوان "النواعير"، عام 1928، ورواية "ميسلون"؛ وهي عبارة عن مسرحية شعرية 1946، كما أنّ وزارة الثقافة السورية أصدرت لبدر الدين ديواناً ضخماً من جزأين، عام 1975، بعنوان "ديوان بدر الدين الحامد".

جيل الشعراء والأدباء الذي ينتمي إليه بدر الدين الحامد، عاصر تحولات كثيرة في سوريا، وفي المنطقة العربية

لكنّ مهمة البحث عن الشاعر بدر الدين الحامد في الفضاء الإلكتروني، وعبر محرك بحث "غوغل" تكاد تكون عبثية للغاية؛ إذ إنّ بدر الدين، أشبه بشاعر جرى نفيه بعيداً عن عمليات "الأرشفة" الإلكترونية، فالمهتم بمعرفة تفاصيل أكثر عن الشاعر، الذي كان لقبه آنذاك "شاعر العاصي" (نسبة إلى نهر العاصي في حماة)، تحاصره معلومات شحيحة تختصر بدر الدين الحامد بكونه الشاعر الوطني والقومي تارة، وتارة أخرى بالشاعر الغزلي، ويبدو أنّه ليس هناك حلّ سوى السفر إلى سوريا، والبحث عن "ديوان بدر الدين الحامد" الضخم، في أقبية وخزائن وزارة الثقافة السورية.
رسالة ماجستير عن الحامد
ضمن التعريف "الرسمي" عن بدر الدين الحامد في موقع ويكيبيديا، تتمّ الإشارة إلى رسالة ماجستير عن الشاعر، للباحثة صفاء حسني ناعسة، في جامعة الشارقة، عام 2008، إلا أنّ الرسالة غير متاحة في الفضاء الإلكتروني، ولم يذكَر عنوان الرسالة، أو أيّ شيء عنها سوى أنّها رسالة ماجستير.

اقرأ أيضاً: الشاعران مريد وتميم البرغوثي يحلّقان في فضاء المقاومة والحبّ
لكن في خضمّ البحث في الفضاء الإلكتروني، سيعثر المهتم ببدر الدين الحامد على دراسة، قد تكون الوحيدة المنصفة إلى حدٍّ ما لهذا الشاعر، وهي دراسة للشاعرة حباب بدوي (وهي من مدينة حماه أيضاً) بعنوان "أصدقاء في حياة الشاعر بدر الدين الحامد".

استهلّت حباب بدوي دراستها، في تقديم صورة عن المرحلة الزمنية التي شكّلت وعي بدر الدين الحامد، ومجايليه من شعراء وأدباء، فتقول: "غلبت على الأدب في مطلع القرن العشرين النزعة الكلاسيكية التي طمحت إلى مواكبة أساليب الشعراء القدماء، واتّخذت تجاربهم منطلقاً لها في مسيرتها الإبداعية، فجاءت قصائد الشعراء في هذه المرحلة، ومن بينهم الشاعر بدر الدين الحامد، تعبيراً صادقاً عن التزامه بهذا التوجه؛ حيث نجده "يحنّ إلى البداوة العربية.. ويقدّس لغتها وأبناءَها"، وغالباً ما يتجاوز ذلك ليضفي على قصائده مسحة فنية، تؤكّد علاقتها المتينة بجذورها، وصلتها التي يصعب قطعها عن ماضيها".
لكنّ أهمية دراسة حباب بدوي؛ أنّها تلتقط موضوعاً مغايراً في شعر بدر الدين للحديث عنه، بعيداً عن ثنائية "الشاعر النضالي/ الشاعر الغزلي"، وهو موضوع الصداقة في قصائد بدر الدين.
النبرة الخطابية للشعر النضالي
وتقول إنّ دراستها هي "محاولة لإلقاء الضوء على جانب من الجوانب التي بقيت مختبئة وراء النبرة الخطابية للشعر النضالي، مكتشفة الجانب الإنساني في شخصية بدر الدين الحامد، منطلقة من العلاقة الحميمة التي جمعت بينه وبين أصدقائه من شخصيات عصره".

اقرأ أيضاً: الحكم على شاعر إيراني بالسجن.. هذه تهمته
وتضيف بدوي: "هي محاولة استقراء معاني الصداقة ومدلولاتها في قصائده التي كتبها في أصدقائه أولاً، وفي قصائد أصدقائه التي كُتبت فيه ثانياً، مبينة تباين المستويات التي تعامل الشعراء من خلالها مع مفهوم الصديق، متأثرين بطبيعة العلاقة الذاتية من جهة، وبطبيعة أساليب البناء الفني للقصيدة من جهة أخرى".

شارك الحامد في انتفاضة حماة، عام 1925، ضدّ الفرنسيين، وإثر ذلك جرى اعتقاله، وتمّ تعذيبه بشدة في السجن

نذكر هنا، على سبيل المثال، تحليل حباب بدوي لرثاء بدر الدين الحامد لأخيه نجيب الريس، في قصيدته "في ذكرى نجيب الريس"، التي يقول في مطلعها: "مرّ بي بعدك عامان ولم/ تنفض الأيام ما بي من ألم/ إن يقولوا يخمد الحزن على/ قدم الدهر فحزني في ضرم" لتعلّق بدوي هنا: "تمتدّ القصيدة على مدى ثلاثة وأربعين بيتاً يعتمد الشاعر فيها قافية الميم الساكنة، التي تبدو في تكرارها المنتظم كأنّها صرخة ألم ترفض أيّة حقيقة تؤكد افتراق الشاعر عن صديقه وأخيه، نجيب الريس، الذي شاركه مواقف مهمّة في حياته، ورافقه في مراحل النضال في عهد الانتداب، فنراه يؤكّد منذ مطلع قصيدته أنّ الزمن لم يكن قادراً على أن يمحو ما اعترى روحه المثقلة بأحزانها من أسى بعد فقده أخيه؛ بل زاده اشتعالاً وتوقداً".
تستشهد حباب بدوي بقصائد عديدة، رثى أو احتفى فيها بدر الدين بأصدقائه وبشخصيات نضالية كثيرة عاصرها، مثل: عثمان الحوراني، وسعيد العاص، وصالح قنباز، إضافة إلى صداقته بالشاعر أحمد الجندي وسامي السراج وسعيد الجابي".

اقرأ أيضاً: "الميكروفون القاتل" ينهي حياة شاعر مغربي أثناء فعالية ثقافية
ففي قصيدته "في رثاء الرئيس هاشم الأتاسي" يقول: "ذكرتكم يا أخلائي فأسلمني/ إلى دموعي إعلان وإسرار/ تركتموني ومالي بعدكم أمل/ يرجى وإني على الحالين صبار/ قضيتم يا رفاق النبل فاحترقت/ روحي بنار الأسى والحزن أطوار"، وتعلّق بدوي على هذه الأبيات بقولها: إنّ بدر الدين الحامد في هذه القصيدة "يستذكر كثرة من رثى من أصدقائه، حتّى أنّ الدهر لا يكاد يبقي له على أحد سوى الذكرى التي تواسيه، وتحمل عنه شيئاً من المرارة التي لحقت به على دروب الحياة".
ورغم أنّ اسم بدر الدين الحامد ما يزال حاضراً في سوريا، وعبر فعالياتها الثقافية؛ إذ إنّ دورة مهرجان حماه للإبداع الشعري، لعام 2017، حملت اسمه، إلا أنّ وزارة الثقافة لم تعد طباعة أعماله أو ديوانه الضخم، المؤلَّف من جزأين، الذي أصدرته عام 1975، وهذا بحسب محرك البحث "غوغل".

للمشاركة:



مسلحون يطلقون النار على المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أطلق مسلحون ملثموم  النار على المتظاهرين العراقيين، اليوم، في الناصرية، ما أسفر عن إصابة عدد منهم، أحدهم في حالة حرجة.

وقال نشطاء عراقيين على موقع تويتر؛ إنّ "الملثمين ركبوا ثلاث سيارات رباعية الدفع، دون لوحات، مرت باتجاه جسر السريع، دون أن تحرّك الأجهزة الأمنية ساكناً".

ونقل الجرحى إلى مستشفى الحسين في المدينة، ولم تكشف بعد تفاصيل عن السيارات أو الملثمين الذين أطلقوا الرصاص الحي على المحتجين.

وكتب مغرد على تويتر؛ أنّ "ثلاث سيارات من نوع "بيك آب" مع دراجة مرت باتجاه جسر السريع، وقامت بإطلاق النار على المتظاهرين"، وذكر بعض الناشطين أنّ قوى الأمن العراقية "لم تحرك ساكناً" أمام المشهد.

الملثمون أطلقوا النار على المتظاهرين العراقيين دون أن تحرك الأجهزة الأمنية ساكناً

وتكررت حالات استهداف مجهولين للمتظاهرين منذ انطلاق الاحتجاجات، بداية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، المطالبة برحيل الطبقة السياسية والتخلص من النفوذ الإيراني في البلاد.

وأقدم مسلحون مجهولون على إطلاق النار، الأسبوع الماضي، على المتظاهرين في ساحة التربية، معقل الاحتجاجات الشعبية في كربلاء، ما أدّى إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجراح أحدھم في حالة حرجة، بحسب الشرطة العراقية.

كما فتح مجهولون النار، في 10كانون الثاني (يناير) الماضي،على السيارة التي كان يستقلها صحفيان في منطقة قريبة من مقر قيادة شرطة البصرة ما أدّى إلى مقتلهما.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

تأتي هذه الاحتجاجات ضمن الموجة الثانية من مظاهرات خرجت للتنديد بالفساد والأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، وقوبلت المظاهرات السلمية بموجة قمع استبدت بالعراقيين، مارسها ملثمون ومسلحون وقناصة على أسطح المباني، كما تعرّض المتظاهرون لاستهداف بإطلاق النار من على متن مروحيات، واتهمت بارتكاب هذه الاعتداءات ميليشيات تابعة لإيران.

هذا وقد استبقت قوات الأمن العراقية مظاهرات مقررة، اليوم، بهجوم على المركز الرئيس لاعتصام المحتجين في العاصمة بغداد، وقال ناشطون إنّ السلطة تحاول فضّ اعتصام ساحة التحرير بالقوة.

وفجر اليوم، فوجئ المعتصمون في ساحة التحرير، وسط العاصمة العراقية، بغداد، بهجوم شنته قوات مكافحة الشغب، بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

 

 

للمشاركة:

السلطات الصومالية تتصدى لمسلحي حركة الشباب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أعلنت الحكومة الصومالية، اليوم، مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في بلدة ميركا بإقليم شبيلي، جنوب شرق البلاد.

وقال المتحدث باسم الحكومة، إسماعيل مختار عمر: "الاشتباك الذي وقع أمس نتيجة هجوم الحركة الإرهابية لم يسفر عن وقوع ضحايا بين الجنود أو المدنيين"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

 

 

ويذكر أنَّ سبعة أشخاص قتلوا وأصيب آخرون إثر انفجار سيارة مفخخة بالقرب من العاصمة مقديشو، الأول من أمس.

وكان الآلاف من المتظاهرين قد خرجوا للشوارع، في الثاني من كانون الثاني (يناير) الجاري، للمطالبة بإنهاء الهجمات الإرهابية التي تشنها الجماعات المسلحة، وقد أودى تفجير وقع قبل التظاهر بخمسة أيام بحياة أكثر من 80 شخصاً.

مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في جنوب شرق الصومال

وتعرضت قاعدة عسكرية في كينيا، تستخدمها القوات الأمريكية والكينية، لهجوم مطلع هذا الشهر، حيث لقي ثلاثة أمريكيين حتفهم.

وتدعم أمريكا القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي في الحرب ضدّ حركة الشباب الإرهابية، وقد شنت عدة هجمات جوية تستهدف الحركة في الصومال.

وحذرت بريطانيا، الأحد الماضي، رعاياها من السفر إلى بعض المناطق في كينيا، بسبب ما عدته تهديداً أمنياً محتملاً في تلك المناطق.

وفي الأسابيع الماضية، فرضت الحكومة الكينية قيوداً على المسافرين وحافلات الركاب في الطريق بين لامو وممباسا، لمنع مسلحي الحركة من التسلل إلى داخل كينيا.

ويستغل إرهابيو حركة الشباب الحدود الهشة الممتدة بين كينيا والصومال وكثافة التداخل القبلي والسكاني بين القبائل والمجموعات، للتسلل إلى داخل كينيا واتخاذ المناطق الحدودية قاعدة لشنّ هجمات إرهابية.

 

للمشاركة:

كم عدد السوريين المطلوبين للقتال في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ عدد المجندين السوريين الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية، طرابلس، ارتفع إلى نحو 2400 مسلح.

 

 

وأشار المرصد، الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، إلى أنّ عمليات التجنيد مستمرة حتى اليوم في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا في شمال سوريا، رغم القرارات التي تمخضت عن مؤتمر برلين، والتي ألزمت الدول الموقّعة بعدم تقديم الدعم العسكري للفرقاء الليبيين، موضحاً أنّ "تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري في ليبيا".

المرصد: تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري للقتال في العاصمة الليبية إلى جانب ميليشيات الوفاق

وجاء نشر هذه الأرقام بالتزامن مع مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، أمس، بمشاركة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

وقال أردوغان، في وقت سابق أمس: "لا يوجد حلّ عسكري في ليبيا، وأيّة محاولات لفرض حلّ عسكري لن تفضي إلى نتائج".

وكان أردوغان قد أعلن مؤخراً إرسال قوات إلى ليبيا، دون أن يحدّد هويتها، وطالب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس، خلال مؤتمر برلين حول ليبيا؛ "بالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً لحكومة السراج".

ماكرون يطالب أردوغان بـالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً للسراج

وأعلن ماكرون، خلال المؤتمر: "يجب أن أقول لكم إنّ ما يقلقني بشدة هو وصول مقاتلين سوريين وأجانب إلى مدينة طرابلس، يجب أن يتوقف ذلك".

وأضاف الرئيس الفرنسي: "من يعتقدون أنهم يحققون مكاسب من ذلك لا يدركون المجازفات التي يعرضون أنفسهم ويعرضوننا جميعاً لها".

وشدّد ماكرون على ضرورة وقف غير مشروط لإطلاق النار، فيما يطالب فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، بتراجع قوات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي إلى مواقعها، قبل الهجوم على طرابلس.

 

للمشاركة:



الغنوشي وتحدي الدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

جبريل العبيدي

موجة غضب في البرلمان التونسي على الغنوشي زعيم حركة «النهضة» الإخوانية، طالته بالاتهامات بالتبعية للخارج، وانتهاك السيادة الوطنية، مهددة بسحب الثقة وإسقاط رئاسته للبرلمان التونسي؛ «الحزب الدستوري الحر» جمع 73 توقيعاً لسحب الثقة، وقال الأمين العام لحزب «التيار الديمقراطي» غازي الشواشي، «إن زيارة الغنوشي إلى تركيا بصفته الرسمية رئيس مجلس نواب دون المرور عبر القنوات الرسمية هو ضرب للسيادة الوطنية»، ووصف الزيارة بـ«الدبلوماسية الموازية»، التي من شأنها أن تسلب صلاحيات رئيس البلاد، الأمر الذي يعتبر خرقاً دستورياً فظيعاً قام به راشد الغنوشي.
الغنوشي، الذي لم يستطع التخلص من كونه رئيس جماعة أو حركة ليندمج في منصبه الجديد رئيساً لبرلمان تونسي لكل التونسيين، لم يستفد من أخطاء مرسي العياط، في التخابر مع الخارج، فرئيس برلمان لا يمكن له أن يقابل أي شخصية قيادية أجنبية إلا بعلم البرلمان، ومشفوعاً بوجود بعض أعضاء البرلمان معه، أما أن يتحول إلى رئيس حركة وهو رئيس البرلمان، فالذنب والخطأ أكبر فداحة، فتبرير الغنوشي كان فادحاً حين برر سفرته المفاجئة لمقابلة إردوغان؛ زيارة مفاجأة وعاجلة إلى تركيا بعد ساعات من سقوط حكومة الحبيب الجملي، رغم تبرير الغنوشي لها بالقول إنه قابله بصفته الحزبية، لا كرئيس للبرلمان، يجعل منه في مأزق آخر، هو أنه ليس رئيساً لبرلمان كل التونسيين، بل هو رئيس جماعته، كما كان مرسي العياط في قصر الاتحادية رئيساً لجماعته، لا رئيساً لجميع المصريين.
سقطة الغنوشي كارثية بجميع المقاييس، ولا يضاهيها ويتفوق عليها سوى مقابلات وسفريات خالد المشري، رئيس ما يسمى «مجلس الدولة» في ليبيا، الذي أقام جسراً جوياً بينه وبين إردوغان والغنوشي وقطر، ممثلاً لجماعته جماعة «الإخوان المسلمين»، دون أن يستشير أحداً سوى جماعته.
التجارب المحدودة لجماعات الإسلام السياسي في السلطة تؤكد أن الولاء لديهم للجماعة، وأنهم لن يستطيعوا تمثيل أمة أو شعب، لأنهم اعتادوا على تمثيل جماعة وتنظيم يجمعهم، وأفقدهم الإحساس بالسيادة الوطنية والانتماء الجغرافي للوطن ضمن حدود جغرافية محددة، وذلك مرده لكونهم ينتمون لتنظيم وجماعة عابرة للحدود وللقارات، ولا تمثل الجغرافيا والحدود لها أي معنى، ما ينسحب بذلك على انتهاك للسيادة الوطنية.
الأزمات تحاصر الغنوشي وحركة «النهضة»، منذ استقالة أمينها العام زياد العذاري؛ تصدع وانشقاق وانقسامات في بيتها الداخلي بين جيل شيوخ «النهضة» وشبانها الجدد. صراع أجيال داخل حركة «النهضة»، التي تواجه أزمة ثقة داخلياً وخارجياً، بسبب أزمات كثيرة، ليس آخرها الاتهام بجود جهاز سري مسؤول عن الاغتيالات، رغم نفي الحركة المتكرر لوجود هذا الجهاز.
تمجيد الغنوشي للحقبة العثمانية، سنان باشا، الذي وصفه بمحرر تونس، وتناسي أن العثمانيين كانوا مستعمرين لبلاد العرب في ثوب إسلامي، جعله في مأزق آخر أمام الشارع والبرلمان التونسي، الذي يرفض خطاب الغنوشي المشبع بالغرام التركي الذي لا يمكن تفسيره بمعزل عن التقاء حركة «النهضة» بحزب «العدالة والتنمية» التركي، وكلاهما «إخواني» الهوى والمعتقد والفكر.
اجتماع الغنوشي بإردوغان كان سقطة كبيرة للغنوشي، جعلته في ورطة، وفتح الملف أمام حجم التدخل التركي في الشأن التونسي، خصوصاً في ظل الزيارة المفاجئة التي قام بها إردوغان لتونس، التي لم يعلن عنها إلا قبيل ساعات من حدوثها، والتي رتب لها الغنوشي، وكانت لأجل طلب إردوغان موطئ قدم أو قاعدة أو تسهيل عبور قواته وجنوده، وحتى مرتزقته إلى ليبيا، بعد أن كان إردوغان جاهراً بالتدخل العسكري واحتلال ليبيا.
رغم نفي الرئاسة التونسية لوجود أي اتفاق، ولو سري، مع تركيا إردوغان بشأن منح موطأ قدم لجنود إردوغان للتمركز في طريقهم نحو غزو ليبيا، إلا أن ملف الزيارة كان من بين الملفات التي قد تتسبب في سحب الثقة من الغنوشي بسبب لعنة إردوغان.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

منطق الفرس والعثمانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

نورا المطيري
تعلمنا في الرياضيات أن "الأشكال الهندسية المتطابقة تكون فيها الأضلاع المتناظرة متطابقة والزوايا متناظرة متطابقة أيضاً"، وخلال الفترة الماضية، توالت إجراءات وتصريحات كثيرة من إيران وتركيا، بعد تصعيد الأولى حول مقتل قاسم سليماني، وتصعيد الثانية تجاه المشير خليفة حفتر شخصياً، فاستندت الأولى على الإرث الفارسي، والثانية على العثماني، حول تاريخ غزوهما للأرض العربية، وبدا أن هذين النظامين، يتطابقان في "الأضلع والزوايا السياسية" التي تعكس أهداف ومطامع كل منهما في المنطقة العربية.

بعد أقل من شهرين على "مبادرة هرمز للسلام" أو خطة إيران المزعومة لإرساء الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، التي أعلن عنها الرئيس الإيراني حسن روحاني في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أطلقت إيران صواريخها البالستية، فجر الثامن من يناير/كانون الثاني 2020، على قاعدة عين الأسد في العراق رداً على مقتل قاسم سليماني، فأصابت الطائرة الأوكرانية وقتلت 176 بريئاً، بدم بارد، ثم أطلق الرئيس الإيراني دعوة إلى أوروبا وأمريكا بعدم التدخل في شؤون المنطقة! ثم قال إن "إسرائيل دفعت ترامب للخروج من الاتفاق النووي"، ثم طالب الأمريكان بالخروج من المنطقة وسألهم: "لماذا زعزعتم أمن المنطقة؟"، وعقبها قال حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإسلامي، ولدى استقباله وفداً سورياً في طهران، لتقديم العزاء في سليماني إن "إيران تقف مع سوريا حتى خروج جميع الأعداء منها، وإن وحدة الأراضي السورية مثل وحدة أراضي إيران".

وتقرأ في أن التصعيد والإجراءات والتصريحات الصادرة عن النظام الإيراني، من رأس الهرم حتى أسفله، والمتناقضة بين دعوات الحرب والسلام، فيه تركيز عميق على "ثيمة" واحدة؛ وهي خروج الجميع من المنطقة، وعودة الفرس، على متن الصواريخ المضطربة الجاهلة للهيمنة عليها.

الشكل الثاني يجمع فيه أردوغان عصابات الإرهاب في سوريا منذ عام 2013 ويشن حرباً ضروساً تقتل وتذبح الأبرياء، ويستعد ويصرح لغزو ليبيا العربية، وخلال خطابه الذي ألقاه مؤخراً في المجمع الرئاسي في أنقرة، يقول: "ستواصل تركيا الدفاع عن حقوقها ومصالحها في العراق وسوريا والأبيض المتوسط حتى النهاية". وأضاف أردوغان: "إن وجود القوات التركية في ليبيا يهدف لإنهاء الظلم فقط، وإنه ومن خلال العمليات العسكرية استطاع تدمير الممر الإرهابي، وأفشل سيناريو حبس تركيا في سواحلها بالمتوسط". وانتقد أردوغان المعارضة التركية بالقول: «هؤلاء لا يدركون أن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ذهب على رأس جنوده إلى طرابلس الغرب، وأصيب هناك في عينه».

ثم قال، بعد فشل محادثات موسكو بين الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق "الإخوانية" إنه سيلقن المشير حفتر، درساً لن ينساه.

وتقرأ أيضاً، في التصعيد والحروب والتصريحات التركية، الكثيرة وغير المترابطة والمجنونة أحياناً، أن هناك هدفاً أساسياً يجول في عقل الرئيس التركي، وهو حلمه الواهن بعودة الهيمنة العثمانية على الأرض العربية والسعي لإعادة احتلالها بالقوة العسكرية الهمجية.

في تحليل الخطابين، الفارسي والعثماني، تجاه المنطقة العربية، وبنظرة فاحصة على الأوضاع الداخلية في كلا البلدين، سنلاحظ الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وضعف وهشاشة العلاقة بين هذين النظامين وشعبيهما، فالأول الذي يتصف بالشمولية، يحتج شعبه على تلك الأوضاع، بشكل شبه يومي، ويكاد يسقط شعبياً بسبب أحلامه الواهمة، أما الثاني الذي يتصف بالدكتاتورية، فقد تراجعت شعبيته، وراح يقتات على نبش التاريخ والدفاع عن هويته وقوميته، بسبب تناقضاته وأحلامه المارقة.

في الرياضيات، يفشل المنطق المتناقض وغير المترابط ويسقط تزوير الإحداثيات ولا تنجح سوى المعادلات الرياضية الصحيحة، وأن من أراد السلام، فليمدد يده بخط مستقيم.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

ليبيا.. نفط وغاز وشعب فقير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

ميلاد عمر المزوغي

على مدى عقد من الزمن التهم متصدري المشهد كافة مقدرات الشعب (بالداخل والخارج) التي امتدت اليها ايديهم، وما لم يستطيعوا الاستفادة منه قاموا بتدميره. مليارات الدولارات المهدورة التي لو وظف جزءا منها في خدمة المواطن لتغيرت حياته نحو الافضل ولشعر بشيء من صدقية اولئك الذي خرجوا عليه ابان الثورة وقد وضعوا في مخيلته احلاما ليست صعبة التحقيق. ولكن اتضح منذ الايام الاولى لتوليهم السلطة انها كانت مجرد اوهام، وان الفتات الذي منح للمواطن ما هو إلا تغطية على الكم الهائل من الاموال التي نهبها هؤلاء، لتستمر حياة البوس والشقاء واللهث خلف السيولة النقدية لأجل العيش، بينما سالت دماءه بدون وجه حق، فغرست في نفوس عامة شعورا لا يقبل الشك بان الساسة قد اكلوا الجمل وما حمل.

ذات يوم اوقف الجضران تدفق النفط فلم يحركوا (العملاء في السلطة وأسيادهم الذين نصّبوهم) ساكنا، لأنه حينها كانت هناك بعض المدخرات التي يمكن اللجوء اليها، بعدها فاوضوه لأجل اعادة تصدير النفط والغاز، وقدمت له ملايين الدنانير وفرشت له البسط الحمر، استقبل بطلا بدهاليز السياسة، وذهب اليه المندوب السامي الاممي في عقر داره مثمنا تجاوبه.

قد يحدث خلاف بين ابناء الوطن ويتقاتلون بسبب التدخلات الخارجية في الشأن المحلي، ولكن ان تجلب الحكومة الفاقدة للشرعية المحلية، اناس مصنفون ارهابيين من قبل الامم المتحدة لمقاتلة افراد الجيش الوطني الذي يعمل لأجل تحرير الوطن ممن تسرب اليه من الارهابيين، وان تمعن الحكومة العميلة في الاستهانة بكافة شرائح المجتمع الليبي وتضحياته، بإغداق المنح على المرتزقة من جبهة النصرة وأخواتها ببلاد الشام، من ايرادات النفط والغاز الذي يؤمنه الجيش الوطني، فذاك ما لا يمكن السكوت عنه، فالأفضل ان يظل بالأرض على ان يتحول الى اداة لتدمير البلد وجعله مرتهنا لسلطان يحلم بإعادة امجاد دولته التي عاثت في البلاد التي احتلتها فسادا وقهرا وظلما وتخلفا على مدى اربعة عقود.

لا نستغرب الاصوات الناعقة بشان وقف تصدير النفط، فهي المستفيدة من بيعه، ولا يهمها إلا اطالة مدة بقائها في السلطة، بينما الشعب يعيش تحت خط الفقر وتفتقر مؤسساته الخدمية الى ابسط الاشياء الضرورية للمواطن.

استخدام سلاح النفط والغاز في وجه الفئة الحاكمة الباغية ومن ورائها الدول الداعمة للإرهاب يعتبر حقا مشروعا، ولتعلم كافة دول العالم ان مصالحها رهن بمدى احترامها لإرادة الشعب الليبي في التصرف بموارده الطبيعية، وان الحكومة العميلة التي فرضت عليه منذ اربعة سنوات لم تقدم له سوى الاوهام، وإهدار الاموال وبث الفرقة بين مكونات المجتمع، والدفع بالشباب الى اتون حرب من خلال اغرائهم بالمال، فصلاة الجنازة على ابناء المؤسسة العسكرية والأمنية والمغرر بهم وضحايا القتل العمد على الهوية اصبحت احد معالم البلد.

هناك عديد الدول تدعم الارهاب في البلد ولكن العالم الذي يدعي انه متحضر يغض الطرف عن ذلك لمصالح شخصية، عديد المؤتمرات بشان ليبيا ولكن لم تكن هناك النية الصادقة لإحلال الامن والاستقرار.

تحية لأبناء الوطن المصرّين على خوض المعركة، ايا تكن التضحيات، ولن يهنا شذاذ الافاق ومن ورائهم الحالمين بتكوين ممالك وإمبراطوريات، خيرات البلد من بترول وغاز وسواهما يجب ان تكون للشعب، وان يعيش معتزا بوطنه، لا فقيرا متسولا ينعم الاخرين بخيراته.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية