ستيفن هوكينغ: عجز العقل عن الاستسلام

صورة نادر رزق
كاتب وباحث أردني
26214
عدد القراءات

2018-03-15

"إن فكرة الموت قريباً كانت صدمة بالنسبة إليّ، ولكنّي أذكر صبياً كان في سرير مجاور لسريري يحتضر لإصابته بسرطان الدم، فأحسستُ أنّ هناك من هم في أوضاع أسوأ من وضعي؛ فمرضي على الأقل ليس مؤلماً".. بكل هذه البساطة والواقعية اختار أن يتابع ستيفن هوكينغ حياته، بعد أن أخبره الأطباء أنّه يعاني من داء عضال يتمثّل في تلف متدرج ومستمر لجهازه العصبي سيؤدي إلى وفاته خلال 5 أعوام على أبعد تقدير.

حتى العام 1974 ظل هوكينغ قادراً على تناول الطعام والنهوض من سريره بنفسه

الأعجوبة الثامنة 

كان ذلك العام 1963 بعد أيام من احتفال أشهر فيزيائي عرفته البشرية بعد أينشتاين بعيد ميلاده الحادي والعشرين، وقبلها أخذت قدراته البدنية تتراجع، وخسر ببطء قدرته على الكتابة؛ صدقت أقوال الأطباء باستمرار انهيار جسده تدريجياً، ولكنه خيّب حتميات رحيله المبكر عندما تمسك بالحياة حتى بلغ 76 عاماً، مقدماً إنجازات مذهلة في حقل تخصصه، الفيزياء النظرية، تتجاوز معجزته الطبية بمراحل.

حتى العام 1974 ظل هوكينغ قادراً على تناول الطعام والنهوض من سريره بنفسه، ولكن أوضاعه أخذت تسوء أكثر فأكثر؛ فاتفق مع بعض تلامذته على مساعدته مقابل إيوائهم مجاناً، وبعد العام 1980 صار يعتمد على ممرض خاص لساعة أو ساعتين صباحاً ومساءً .

في العام 1985 أصيب بالتهاب رئوي استدعى إجراء جراحة في صدره أودت بصوته تماماً، بعد أن كان على الأقل يتحدث بشكل ضعيف جداً ويلقي المحاضرات بمساعدة مترجم يكرر بصوت عالٍ ما يفهمه من كلامه.

خالف هوكينغ توقعات رحيله المبكر عندما تمسك بالحياة حتى بلغ 76 عاماً

ولحسن حظ هوكينغ أنّ هذه الحادثة تزامنت مع بلوغ شهرته العلمية الآفاق؛ فهبّت جهات عديدة لتمويل الخدمات التي يحتاجها، ولعلّ أهمها جهاز الحاسوب الذي صممه له دايفيد مايسون ودمجه بكرسيه المتحرك مع نظام معقد رد لهوكينغ القدرة على الكلام؛ حيث عاد يتحدث بسرعة 15 كلمة في الدقيقة من خلال استخدام إصبعه، ومنذ ذلك الوقت أخذت شركة "إنتل" على عاتقها تزويد ستيفن هوكينغ بحواسب معدلة ومنتجة خصيصاً له باستخدام تقنيات معقدة استخدم فيها عضلات خده للتعبير.

كان مشهد جسده المشلول تماماً ورأسه يتدلى على كتفه لعجزه عن إبقائه مستقيماً، مع أجهزة مساعدته على النطق صورة مثيرة للتعاطف، ولكن لمن عرفه كانت هذه الصورة الأيقونية تمثل إلهاماً عز نظيره حتى اعتبره مريدوه أعجوبة العالم الثامنة، وهو الحاصل على 12 شهادة دكتوراه شرف، ونال من الأوسمة والميداليات والجوائز ما لا يمكن حصره، فضلاً عن عضويته في الجمعية الملكية البريطانية، والأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا.

أخذت شركة "إنتل" على عاتقها تزويد ستيفن هوكينغ بحواسب معدلة ومنتجة خصيصاً له

300 عام بعد جاليليو

ولد ستيفن وليم هوكينغ في أوكسفورد بإنجلترا في 8 كانون الثاني (يناير) العام 1942 الذي صادف الذكرى الـ300 لوفاة جاليليو، الذي وصفه بأنه بمفرده أكثر من أي شخص آخر المسؤول عن ميلاد العلم الحديث.

رغم تحصيله المتوسط في المدرسة، عرف بأنّه كان ذكياً بشكل لا يُصدق، حتى أنّه تمكّن مع رفاقه في مراهقته من بناء جهاز حاسوب من الصفر، كان والده يرغب في أن يسير على دربه ويدرس الطب، أما هو فمال إلى الرياضيات، ولكن في النهاية انصرف إلى دراسة الفيزياء بجامعة أكسفورد، وما هي إلا ثلاثة أعوام حتى حاز شهادة شرف من الدرجة الأولى في العلوم الطبيعية.

في العام 1985 أصيب بالتهاب رئوي استدعى إجراء جراحة في صدره أودت بصوته تماماً

بعد ذلك انتقل هوكينغ إلى جامعة كامبريدج لإجراء دراسات في علم الكونيات، وبعدما نال شهادة الدكتوراه في هذا المجال أصبح باحثاً ثم أستاذاً محاضراً، وراحت شهرته العلمية تنمو مع كل بحث يجريه أو نظرية يطلقها، حتى توصل في العام 1979 إلى شغل كرسي هنري لوكاس لقب أستاذية الرياضيات في جامعة كامبريدج الذي يعد من أرقى المناصب الأكاديمية في العالم، وهو شرف لم ينله قبله سوى قلة على رأسهم إسحاق نيوتن العام 1669.

انصبّت جهود هوكينغ منذ سبعينيات القرن الماضي على دراسة القوانين الفيزيائية التي تتحكم بحركة الكون، مراجعة أهم النظريات العلمية، وتمكن في العام 1974 من أن يثبت نظرياً أنّ الثقوب السوداء تصدر إشعاعاً سمّي باسمه "إشعاع هوكينغ" على عكس ما توصلت إليه نظرية النسبية العامة التي وضعها ألبرت أينشتين، مؤكداً أنّ هذه الثقوب ليست سوداء تماماً.

والطريف من جهة أخرى أنّ ستيفن هوكينغ دخل العام 1997 في رهان مع عالم آخر يُدعى جيم بريسكل بأنّ المعلومات يمكنها أن تضيع في الثقوب السوداء، واعترف هوكينغ في العام 2004 أنّه كان مخطئاً.

كون يفهمه الجميع

العجيب أنّ ستيفن هوكينغ في خضم حالته الصحية وانشغالاته العلمية وضع مجموعة من الكتب التي تهدف لتقريب تخصصه العلمي المعقد من العامة، بأن يكتب لهم قصة الكون بلغة يفهمها الجميع، كان أولها وأشهرها "تاريخ موجز للزمن" العام 1988 الذي تخطت مبيعاته 10 ملايين نسخة خلال 20 عاماً، وبقي ضمن لائحة الكتب الأكثر مبيعاً لمجلة "صانداي تايمز" لأكثر من 4 أعوام، وتُرجم إلى 35 لغة، كما أصدر: الثقوب السوداء والأكوان الناشئة ومقالات أخرى (1993)، الكون في قشرة جوز (2001)، الوقوف على أكتاف العمالقة (2002)، الله خلق الأرقام (2005)، الأحلام التي صنعت منها الأشياء: أكثر أوراق الفيزياء الكمية إدهاشاً وكيف صعقت العالم العلمي (2011)، تاريخي الموجز (2013).

شغل هوكينغ كرسي هنري لوكاس للرياضيات بجامعة كامبريدج أحد أهم المناصب الأكاديمية عالمياً

وامتلك هوكينغ موهبة تأليف قصص الأطفال بالاشتراك مع ابنته لوسي؛ حيث أصدر: "مفتاح جورج السري للكون" (2007)، "بحث جورج عن الكنز الكوني" (2009)، "جورج والانفجار العظيم" (2011)، طجورج والترميز غير القابل للكسر" (2014)، وأخيراً كتاب "جورج والقمر الأزرق" وذلك قبل وفاته بعامين.

كتاب هوكينغ الأشهر "تاريخ موجز للزمن"

محطات مثيرة للجدل

ورغم هذه الحياة العلمية الحافلة، لم يستطع ستيفن هوكينغ أن يتجاوز بعض المحطات دون إثارة الجدل؛ فبعد نشر كتابه الأشهر "تاريخ موجز للزمن" تعرض لعاصفة من الانتقاد نتيجة الملحق الذي وضعه في خاتمته، ووصف فيه إسحق نيوتن الذي ورث عنه كرسي هنري لوكاس بأنّه لم يكن بذلك الشخص اللطيف، "بل يمتلك مواهب في المراوغة والنقد اللاذع"، مستشهداً بصراعاته مع عالم الفلك بالمرصد الملكي جون فلامستد الذي سبق أن أمده بالكثير من المعطيات اللازمة لكتابه "المبادئ".

كما أشار هوكينغ إلى صراع نيوتن الأكثر خطورة مع الفيلسوف الألماني ليبنتز حول ريادة اكتشاف فرع الرياضيات الأهم "التفاضل والتكامل"، وكيف عبّر بعد موت خصمه عن ارتياحه بأنّه "سحق قلبه".

تخطت مبيعات كتابه "تاريخ موجز للزمن" 10 ملايين نسخة خلال 20 عاماً

وفي الكتاب ذاته هاجم أينشتاين لدعمه الصريح للصهيونية، مؤكداً أن ّرفضه للعرض الذي قُدم له لرئاسة إسرائيل العام 1952 لم يكن لأسباب سياسية؛ بل لقناعته أنّ الاشتغال بالعلم أكثر أهمية، مستشهداً بقوله "السياسة تختص بالوقت الحالي، أما المعادلة فشيء يختص بالخلود".

وفي هذا السياق ألغى هوكينغ زيارة كانت مقررة إلى إسرائيل العام 2013 لحضور مؤتمر برعاية شيمون بيريز في مدينة القدس، واعتُبر قراره مؤشراً على تأييده حملة المقاطعة الأكاديمية للجامعات الصهيونية التي تقودها اللجنة البريطانية من أجل الجامعات الفلسطينية.

وشهد العام 2010 إثارة هوكينغ عاصفة جدله الكبرى عندما تراجع تماماً عن آرائه الدينية بأن فكرة الخالق لا تتعارض مع الفهم العلمي للكون التي تضمنها كتابه "تاريخ موجز للزمن"، وذلك عندما أصدر بالاشتراك مع الفيزيائي الأمريكي لينارد ملوديناو كتاب "التصميم العظيم" الذي قدم فيه نظرية جديدة شاملة تفضي إلى أن الإطار العلمي الكبير لا يترك حيزاً لوجود الإله.

وفي الوقت الذي رحب البعض بهذا التحول كعالم الأحياء البريطاني الملحد ريتشارد دوكينغز الذي اشتهر بكتابه "وهْم الإله"، فإنّ علماء آخرين أبدوا حماسة أقل، مثل؛ رئيس "الجمعية الدولية للعلوم والدين" البروفيسير جورج إيليس، الذي قال: "مشكلتي الكبرى مع ما ذهب إليه هوكينغ هي أنه يقدم للجمهور أحد خيارين: العلوم من جهة والدين من الجهة الأخرى، وسيقول معظم الناس: "حسنا.. نختار الدين"، وهكذا تجد العلوم أنّها الخاسرة".

حلم ستيفن هوكينغ بالوصول إلى نظرية شاملة للفيزياء تفسر كل مظاهر الكون أسماها "نظرية كل شيء"

نظرية كل شيء

حلم ستيفن هوكينغ بالوصول إلى نظرية شاملة للفيزياء تفسر كل مظاهر الكون أسماها "نظرية كل شيء"، وقد نشر أفكاره هذه العام 2002 في كتاب حمل هذا الاسم، وهو يضم عدة محاضرات له حول الكون وتفسيره.

وقد اختار المخرج جيمس مارش أن يعنون بهذا الاسم فيلم السيرة الذاتية لهوكينغ العام 2014 بالاستناد إلى كتاب زوجته السابقة جين وايلد هوكينغ "من مذكرات السفر إلى اللانهاية: حياتي مع ستيفن"، الذي يركز على علاقتها مع زوجها السابق، وتشخيصه بداء العصبون الحركي ونجاحه في الفيزياء، وقد مازح هوكينغ بطل الفيلم الذي أدى دوره، إيدي ريدماين، بعد فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل العام 2015 بقوله "إنّ إيدي لم يجسد شخصيتي الجميلة بشكل كامل".

تراجع تماماً عن آرائه الدينية السابقة القائلة إنّ فكرة الخالق لا تتعارض مع الفهم العلمي للكون

ويذكر أنه ظهرت أعمال فنية أخرى سبقت هذا الفيلم مستلهمة من قصة حياة ستيفن هوكينغ مثل: هوكينغ (2004)، ما وراء الأفق (2009) وهو يدور حول قصة صحافية تجري مقابلة مع هوكينغ، الذي فاجأها بأخذها في رحلة غير متوقعة عبر الزمان والمكان، وقدم لها إجابات مذهلة حول تساؤلاتها، ووضع سيناريو هذا الفيلم 5 كتّاب، من بينهم هوكينغ نفسه.

في أول مشاركة لستيفن هوكينغ على فيسبوك، لخّص فلسفته بالحياة بقوله: "لقد تساءلت دائماً ما الذي يجعل الكون موجوداً، فالزمان والمكان يبقيان لغزاً إلى الأبد، ولكن ذلك لم يمنع سعيي أبداً لإدراك الحقيقة، ولقد تطورت كثيراً الاتصالات بين بعضنا البعض بلا حدود، والآن لديّ فرصة وأنا حريص على مشاركتها معكم. ابقوا فضوليين للمعرفة، أنا أعلم أنني سوف أظل كذلك إلى الأبد".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء

1,944
عدد القراءات

2019-06-16

عاشت مصر في النصف الأول من القرن العشرين عالم دولة تلاوة القرآن الكريم، حيث ما لا تزال أصواتهم السماوية تصدح بالقرآن الكريم حتى اليوم، مع أنّ الأيام اللاحقة لم تُظهر على سطح تلاوة القرآن الكريم أصواتاً أخرى، كالتي كان على قمتها صوتُ الشيخ محمد رفعت؛ قيثارة السماء.
الصوت الذهبي
هو الشيخ محمد رفعت محمود رفعت، محمد رفعت اسم مركب، ومحمود رفعت اسم مركب أيضاً، وعنه قال محمود توفيق الخولي، في كتابه الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب: "لقِّب الشيخ الجليل بكثير من الألقاب، منها على سبيل المثال: قيثارة السماء، والصوت الذهبي، والصوت الملائكي، والقيثارة الإلهية، ومزمار من مزامير آل داوود عليه السلام، وصوت من الجنة".

أصبح منزل الشيخ رفعت قبلة لأعلام الفنّ والأدب: أم كلثوم، وعبد الوهاب، وأحمد رامي، وليلى مراد، ونجيب الريحاني

ونشأ الشيخ رفعت، كما يذكر الخولي، بحي المغربلين الشعبي في درب الأغوات بالقاهرة، ومات فيه، "هذا الحي هو الذي أنجب الصوت الذهبي، الصوت الملائكي العذب، نشأ الشيخ مبصراً لمدة عامين، ثم قضى بقية عمره مكفوف البصر".
فبعدما أصيب الشيخ رفعت بالرمد، قرّر أبوه أن يرسله إلى مكتب لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده، اسمه مكتب "بشتك" بدرب الجماميز، أمام مسجد فاضل باشا (شارع بورسعيد الآن)، الذي قرأ فيه القرآن الكريم بعد ذلك، وكان قد تعلم ربع القرآن الكريم حفظاً على يد والده، ثم تعلم بقية القرآن الكريم حفظاً وتجويداً على يد الشيخ محمد حميدة في الكُتّاب.
وبعد وفاة والده وهو في سنّ التاسعة، كان قد بدأ الشيخ الصغير يتعلم القرآن الكريم على يد واحد من خيرة الحفّاظ، اسمه الشيخ عبد الفتاح هنيدي.

فيديو يتضمن ابتهالاً نادراً للشيخ محمد رفعت:

لحظة الميلاد

ولد الشيخ محمد رفعت في 9 أيار (مايو) 1882، وكان والده "محمود رفعت" ضابطاً في البوليس، وترقّى من درجة جندي، آنذاك، حتى وصل إلى رتبة ضابط.
أدركت الوفاة والده، مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة، فوجد الفتى نفسه عائلاً لأسرته، فلجأ إلى القرآن الكريم يعتصم به ولا يرتزق منه، وأصبح يرتِّل القرآن الكريم كلّ يوم خميس في المسجد المواجه لمكتب فاضل باشا، حتى عُيِّن في سنّ الخامسة عشرة قارئاً للسورة يوم الجمعة، فذاع صيته.

باحث مصري: صوت رفعت كان سبباً للإقبال على شراء أجهزة الراديو، وازدحام المقاهي وبيوت الأعيان بالرواد

في دراسة منشورة للكاتب الصحفي، كمال القاضي، كتب عن الشيخ رفعت: "مقام السيكا كان أقرب المقامات الموسيقية وأنسبها إلى صوته، فمنه ينطلق عادة حيث يرفع بصوته الدرامي الرخيم الأذان، ويبعث في قلوب المستمعين الخشية، ومثلما ارتبط وجدان الشيخ بالموسيقى ارتبط هو أيضاً على المستوى الشخصي بالإعلام من الموسيقيين، فاقترب من سلامة حجازي، وكامل الخلعي، وعبده الحامولي، وسيد درويش، وأخذ عنهم القواعد الموسيقية وأصول الترتيل والتجويد وعلم الأصوات، وبعد الروّاد الأوائل اقترب من رفعت، وسعى إليه جيل آخر نبغ منه: عبد الوهاب والسنباطي، وأبو العلا محمد، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وقد كان هو الأقرب على وجه الخصوص من الشيخ محمد رفعت؛ إذ ظلّ يجلس تحت قدميه وهو يقرأ القرآن الكريم، معتبراً نفسه في محراب وأمام قطب كبير، على حدّ قوله واعترافه".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
يضيف القاضي: "زادت حيثية القارئ الكبير فاتسعت دائرة صداقاته وعلاقاته، وشملت الملوك والأمراء والرؤساء، ودعي رسمياً إلى العديد من الدول العربية والإسلامية، لإحياء مئات الحفلات والمناسبات الدينية، وقد كان له النصيب الأوفر من الأموال والهدايا، لكنّه أنفق الكثير على فعل الخير وأعمال البرّ والتقوى، ولم يدّخر شيئاً لأيام الضجر والمرض، واستمر يواصل عطاءه بسخاء وكرم، ورفض أن يكون لميكروفون الإذاعة المصرية بديل، فأثيرها هو من يحمل صوته للعالم كلّه، فلا حاجة إذاً لهجرته والسعي لمال أكثر في وطن آخر، أعجمي أو عربي، وهو الزاهد الورع".

عاش ومات زاهداً فقيراً
ويعتبر الكاتب الصحفي والباحث، هيثم أبو زيد، الشيخ محمد رفعت، بأنّه "من أشهر قرّاء القرآن الكريم في القرن العشرين، صاحب الصوت النادر الساحر المذهل، عاش ومات زاهداً فقيراً، لكنه كان أغنى الناس بحنجرته الفريدة، وفنّه الذي لا يبارَى ولا يقلَّد".
وقال في تصريح لـ"حفريات": "في حيّ المغربلين بالدرب الأحمر ولد طفلاً جميلاً تتلألأ عيناه الواسعتان ببريق يخطف الأبصار، فلم يتمّ العامين حتى أصيب بمرض أذهب نور بصره، دون أن ينال من بصيرته".

اقرأ أيضاً: رحيل أحد أهمّ المقرئين في مصر..
يضيف أبو زيد: "أدرك الشيخ رفعت مبكراً أهمية الدراية الموسيقية، فدرس مقامات النغم الشرقي، ثم أخذ ينهل من الموسيقى الغربية، منصتاً لأعمال بيتهوفن وموزارت وفاجنر، ووظف هذه الدراية بصوته المعجز لخدمة آيات القرآن، وإخراجها في أداء راقٍ مؤثّر يخلب الألباب، ويشعر المستمع أنه يحلق في سماوات روحية، وأجواء قدسية".

قصته مع الإذاعة
مثّل عام 1934 محطة مهمّة في حياة الشيخ، فقد أطلقت الحكومة أول إذاعة رسمية مصرية، وكان رفعت أول صوت ينطلق من الإذاعة، مرتلاً قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، وتعاقدت الإذاعة مع الشيخ رفعت لتلاوة القرآن الكريم مرتين أسبوعياً، مساء الإثنين والجمعة، لمدة 45 دقيقة، مقابل خمسة جنيهات عن كلّ تلاوة.

اقرأ أيضاً: الشيخ علي محمود إذ يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب
ولأنّ الشيخ كان شديد التحفّظ في كلّ ما يخصّ القرآن؛ لم يقبل القراءة للإذاعة إلا بعد أن استفتى كبار علماء الأزهر في هذا الشأن، وأكدوا له أنّ بثّ التلاوة في الإذاعة جائز؛ بل يعد خدمة جليلة للدين وللقرآن.
ويشير أبو زيد إلى أنّ صوت رفعت كان سبباً للإقبال على شراء أجهزة الراديو، وازدحام المقاهي وبيوت الأعيان بالرواد، وعرفت القاهرة، للمرة الأولى، ما تسمى "مقاهي الشيخ رفعت"، التي فرضت على روادها نظاماً صارماً وقت بثّ التلاوة على الهواء، فلم يكن مسموحاً فيها بألعاب الورق أو الطاولة، أو إحداث أيّة ضجة، كما كان عمّالها يتوقفون تماماً عن تلبية رغبات الزبائن.
ويلفت أبو زيد إلى أنّ صوت رفعت وصل عبر الإذاعة إلى آفاق أوسع، وطلبت هيئة الإذاعة البريطانية أن يسجّل تلاوات خاصة بها، واختارت سورة "مريم"، ليتلوها الشيخ في تعاقده الأول مع الهيئة العريقة، التي قدرت أجره عن تلاوة نصف ساعة بخمسين جنيهاً، مع منحه خمسة جنيهات عن كلّ مرة تبثّ فيها التسجيل إلى المستمعين.

اقرأ أيضاً: محمد وردي: فنان إفريقيا الأول ومنشد الثورة والعاطفة
أصبح منزل الشيخ رفعت قبلة لأعلام الفنّ والأدب، ومن بينهم: أم كلثوم، وعبد الوهاب، وأحمد رامي، وليلى مراد، وفتحية أحمد، ونجيب الريحاني، ومحمد التابعي، وفكري أباظة، وبديع خيري، وكان الشيخ يغني لهم عيون الشعر العربي، ومنها قصيدة "أراك عصيّ الدمع"، لأبي فراس الحمداني.
بلغ الشيخ رفعت ذروة المجد، لكنّ المقادير ادّخرت له ابتلاءً عظيماً؛ ففي عام 1942 بدأت معاناته مع مرض "الفواق" أو "الزغطة"، الذي لم يكن إلا سرطاناً أصاب حنجرته الذهبية. قاوم الشيخ المرض، واستمرّ في التلاوة عاماً أو عامين من دون التوهج الذي كان عليه، إلى أن استبد به المرض وحرم الجماهير من صوته الخالد.

رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

1,929
عدد القراءات

2019-06-10

مفكر ومترجم ومحقق لبناني، رجل موسوعي، لا ينافسه في ذلك سوى قلة قليلة من الأسماء في المنطقة، إنّه رضوان السيد الذي جمع في النهل العلمي بين العلوم الدينية (درس في مؤسسة الأزهر الشريف) والعلوم الإنسانية (درس في ألمانيا)، وهذه ميزة قلّما يتمتع بها من يتخصصون في مجاله، باطلاعه ومتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة والمعاصرة من جهة، وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات، من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية

في سياق تكريس ثقافة الاعتراف، اجتمعت ثلّة من الأسماء الفكرية والبحثية في المنطقة، ومن الخارج أيضاً، يتقدمها صديقه السيد ولد أباه وبرانون ويلر، لتنشر كتاباً ضخماً، احتفاءً بالرجل، جاء تحت عنوان: "الأمة والدولة والتاريخ والمصائر: دراسات مهداة إلى الأستاذ رضوان السيد بمناسبة بلوغه الستين"، حيث جاء المجلد الذي صدر عن الشبكة العربية للأبحاث ونشر منذ بضع سنين، في حوالي 900 صفحة.

يتميز رضوان السيد بمتابعته للفلسفات والمناهج الحديثة وتواصله المتجدد مع أساتذة وزملاء من مختلف المشارب والمرجعيات

سبق لرضوان السيد أن اشتغل بالتدريس بجامعة صنعاء، وعكف على مدى عامين في الجامع الكبير بالمدينة العريقة على قراءة المخطوطات الكلامية والفقهية والتاريخية الزيدية، والكتابة عنها، ونشر بعضها في نشرات علمية، وقد بقيت "الهجرة اليمنية" في فكره وکتابته، كما نقرأ في الكتاب سالف الذكر، علامة بارزة في مجال العمل على التراث الديني والثقافي للأمة؛ حيث عرف الأشعرية والصوفية بالأزهر، وعرف المعتزلة لدى أستاذه جوزف فان إس بألمانيا؛ إذ هو أكبر المتخصصين المعاصرين فيهم. وتابع الاهتمام بالإمامية والإسماعيلية والزيدية لدى أستاذیه؛ مادلونغ وهالم، قبل الرحلة اليمنية وبعدها. وفي عُمان ازدادت معرفته بالإباضية بعد أن كان قد كتب في تجربتهم الأولى في مفاهيم الجماعات، وما يزال يتابع التأمل والعمل على تجاربهم الكلامية والسياسية والفقهية، وتأثيراتهم في التيارات والمذاهب الإسلامية الأخرى.

اشتهر بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية وبدعوته لصيانة الدولة الوطنية ومؤسساتها الدينية
اشتهر السيد لدى الباحثين الشباب في المنطقة، من الذين يرغبون ويحلمون بالنشر في أهم المجلات الفكرية العربية، بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" الشهيرة، رفقة الفضل شلق، ابتداءً من العام 1988، والتي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها في غضون 2004، (ولعل ذلك بعض من تبعات اعتداءات 11 سبتمبر)؛ حيث سينصرف رضوان السيد، محملاً بتجربته الغنية مع مجلة "الاجتهاد"، للعمل مستشاراً للتحرير بمجلة "التسامح" التي ما تزال تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بعُمان، وأصبح اسمها اليوم "التفاهم"، وتعتبر في طليعة المجلات الفكرية؛ العربية والإسلامية.

اقرأ أيضاً: جادو عزّ الدين.. رحيل شاهد على ذاكرة النضال والوحدة
وقبل هذه التجربة، كان مشرفاً على مجلة "الفكر العربي"؛ حيث نقرأ له في هذا السياق، أنّه صار بالمصادفة رئيساً لتحرير المجلة العام 1979، لكن الأمر ما كان كذلك عندما قام عامداً بإصدار مجلة "الاجتهاد"، ففي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية من الجامعة اللبنانية، وكانت أعماله العلمية في مجال الفكر السياسي الإسلامي قد صنعت له اسماً في أوساط الدارسين.

اقرأ أيضاً: سحبان خليفات إذ يُعيد منھج التحليل اللغوي إلى أصوله العربية الإسلامية
نذكر من أهم ملفات مجلة "الاجتهاد"، السبّاقة إلى الخوض فيها من منظور معرفي رصين: الإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات الأخرى، حضارة الإسلام وحضارة العالم، الوعي والتاريخ في حضارة عالمية، والتاريخ العالمي والنظام العالمي، والأصولية الإسلامية وعودة الدين إلى المجال العام، حوار الحضارات وصراع الدول والأمم، الإسلام باعتباره مشكلة عالمية. بما يُفيد أننا إزاء حضور جليّ لرؤى شاملة في فكر السيد، ومن هنا جاءت أولى أعماله للظاهرة الإسلامية الحركية؛ حيث تبلورت هذه الرؤية واهتماماتها في كتابه الثاني عن الظاهرة والصادر في 1997، وسماه: "سياسيات الإسلام المعاصر".

اشتهر السيد بإدارته العلمية لمجلة "الاجتهاد" التي تركت فراغاً كبيراً بعد توقفها

يقول الباحث الموريتاني السيد ولد أباه، والذي على الأرجح، هو محرر مقدمة العمل سالف الذكر، والموقع باسم لائحة من الباحثين: "عرفنا نحن الطلاب الجامعيين العرب بمصر والمغرب والخليج الباحث والكاتب رضوان السيد أول ما عرفناه، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي من خلال مجلة الفكر العربي، التي صدرت عن معهد الإنماء العربي ببيروت، العام 1977، وتولى الشاب رضوان السيد القادم من الدراسة بألمانيا، رئاسة تحريرها منذ العام 1979. کانت مجلة الفكر العربي طليعة المجلات الفكرية العربية آنذاك، ومع أنّ الدكتور رضوان، ما رأس تحريرها إلا لخمس سنوات ونيّف؛ فإنّ الفرق بدا واضحاً فيما قبل وما بعد. ولا يزال الزملاء المعنيون يذكرون له تحويله المجلة إلى منتدى فكري ونقاشي بالغ العصرية والعمق في مجالات العلوم الإنسانية. فمنذ العدد رقم 18 وإلى العدد رقم 45، صار كل عدد من أعداد المجلة كتابة متخصصة في موضوع، يسهم فيه كبار الدارسين العرب والأوروبيين من: الجامعة الفكرة والدور، وإلى المدينة العربية والمدينة العالمية، والاستشراق والأنثروبولوجيا، والدولة والأسطورة، والفكر السياسي العالمي والتحولات، والعرب والعالم، والدين والدولة، ومصائر التجربة السياسية العربية الحديثة".

"سياسيات الإسلام المعاصر"
ومن أهم المناصب العلمية التي ظفر بها رضوان السيد: سكرتير تحرير مجلة الفكر الإسلامي، الصـادرة عن دار الفتوى بالجمهورية اللبنانية؛ رئيس تحرير مجلة الفكر العربي، مدير معهد الإنماء العربي بالوكالة، مدير المعهد العالي للدراسات الإسلامية، مستشار مختص بقضايا العالم الإسلامي، لدى الصيب الأحمر الدولي، عضو المجلس الاستشاري لجائزة الشيخ زايد للكتاب، بأبو ظبي، في دولة الإمارات العربية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟
وللسيد العديد من المؤلفات والترجمات، من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، 1984؛ مفاهيم الجماعات في الإسلام، 1985؛ الإسلام المعاصر، 1987؛ الجماعة والمجتمع والدولة، 1997؛ سياسات الإسلام المعاصر، 1997؛ ترجمة كتاب "بردة النبي" للكاتب الأمريكي روي متحدة؛ المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصادر، ومؤلفات أخرى عديدة، بالإضافة إلى ذلك فله مقالات سياسية وفكرية في عدة صحف.

للسيد العديد من المؤلفات والترجمات من أبرزها: الأمة والجماعة والسلطة، ومفاهيم الجماعات في الإسلام

ومن بين الأعمال التي احتفت بفكر رضوان السيد، نقرأ على الخصوص كتاب "الجماعة وتحولاتها: التجربة السياسية العربية ــ الإسلامية في فكر رضوان السيد"، لشمس الدين الكيلاني، وصدر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر.
مما يُحسبُ لرضوان السيد، وهذه ميزة تؤكدها شهادات العديد من الباحثين المغاربة، أنّه من الذين يفتحون أبواب النشر في هذا المنبر أو ذاك، ولا يتكبر، متواضع مع الجميع، رغم علاقاته الوازنة مع صنّاع القرار، وخاصة في لبنان والسعودية، ولكن في مقام العلم، يحترم مقتضى أن تكون عالِماً: التواضع للجميع، وفتح أبواب الاستشارة للجميع، وهذه خاصية يمكن التأكد منها عملياً، أثناء الزيارات الكثيرة التي يقوم بها "مولانا"، كما يُلقب عند المفكرين والباحثين، للمغرب، على هامش مشاركته في ندوات ومؤتمرات ومحاضرات.

اقرأ أيضاً: هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية
اشتهر رضوان السيد بنقد الإيديولوجيات الدينية والمادية، حتى إنّ أحد مقالاته الصادرة منذ بضع سنين عن الأسماء البحثية التي تحرر في مجال القراءات الحداثية للقرآن الكريم، وصدر حينها في صحيفة "الشرق الأوسط"، تسبب في إثارة نقاش عربي واسع؛ لأنّه انتقد بعض الانزلاقات التي طالت هذه القراءات، وخصّ بالذكر التيار البحثي الذي يقوده على الخصوص المفكر الجزائري محمد أركون.

المفكر الجزائري محمد أركون
أما نقده للإيديولوجيات الإسلامية الحركية، فتحصيل حاصل، خاصة تلك التي تسعى لإقامة "دولة الخلافة"؛ لأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين وصيانة الدولة الوطنية، ونقرأ له في هذا السياق: لا مفر من "العمل من جانب المثقفين وكلّ المفكرين على دعم مشروع الحكم الصالح والرشيد بغض النظر عن اسمه، لكي يشعر الناس بأنّ مصالحهم الأساسية مرعية، فينصرفون عن العنف وأوهام الدولة الدينية البديلة. هذا عمل حيوي جداً، لا يمكن لأي مثقف عربي أن يتخطّاه بقطع النظر عن عواطفه تجاه هذا الحزب أو غيره. فقيام حكم من هذا القبيل يمكن أن يحل نصف المشكلة"، موجهاً الدعوة بالمناسبة للاشتغال على نقد المفاهيم، وهذه "مهمة لا يقوم بها إلا المفكّرون الكبار الذين لم يقوموا بشيء خلال الخمسين سنة الماضية. الآن لدينا مفاهيم جديدة سواء في الإسلام أو في الاجتماع والسياسة وفي الدولة، وكلها مفاهيم قاتلة، مثل تطبيق الشريعة أو القول بأنّ الدولة ركن من أركان الدين، ومثل الجهاد في الداخل والخارج. أو الاعتقاد بأنّ الإصلاح الديني لا يتم إلا بالطريقة الأوروبية، وكذلك القول بأنّ الإسلام التقليدي هو المشكلة. وهذه المسائل تتراوح بين معالجة على يد إسلامي متطرّف، ومرة أخرى على يد علماني متطرّف أيضاً. فتحولات المفاهيم، هي التي أدّت إلى الانحراف بالدين وضيّعت الأمل في إمكانية قيام مجتمعات مطمئنة. لقد صار الدين عنصر انقسام وليس عنصر توحيد".

في ما يتعلق بشعار "الوسطية" الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف

بخصوص الجماعات الإسلامية الحاملة للسلاح اليوم، فيرى السيد أنّها "جماعات مأزومة لأنّها وليدة الأزمة الشاملة، وليس بإمكانها أن تنتظم سياسياً وفق مقتضيات الحكم الديمقراطي، وتقيم نظاماً مدنياً يعيش في عالم العصر وعصر العالم"، ولأنّه من دعاة صيانة الدولة والدين، كما سلف الذكر، فغالباً ما يدعو صناع القرار الديني لتأهيل المؤسسات الدينية، معتبراً أنّه "شئنا أم أبينا، ليس لدينا اليوم سوى المؤسسات الدينية للقيام على الشأن الديني، بما يعنيه رعاية العبادات والفتوى والتعليم الديني والإرشاد. وهي مؤسسات ليست ناهضة، لكنها هي الحافظة بقية السكينة في الدين وفي المجتمع. كما أنّه لا يستطيع القيام بهذه المهام غيرها. يجب أن يقع عليها تصالح اجتماعي جديد، فتصبح بينها وبين السلطات مسافة. ليست ضدّ السلطات، ولكنها لا تعمل عندها. هي في خدمة المجتمع وخدمة دينه ومصالحه الدينية الحميمة. المؤسسات الدينية ضرورية باعتبارها من بين أدوات طمأنة المجتمع بأنّ دينه بعيد عن العنف، وأنّ هناك مهمات شرعية يجب القيام بها حتى لا يقال بأنّ الإسلام مهمل".

اقرأ أيضاً: خليل عبد الكريم: الشيخ الأحمر
في ما يتعلق بشعار "الوسطية"، الذي ترفعه بعض الحركات الإسلامية، ينتقد السيد بشدة هذا التوظيف، معتبراً أنّنا إزاء "صفة يطلقها حزبي على تنظيمه، وإنّما يجب أن يُقال أبناء الحركة الإحيائية"؛ حيث يُفرّق بين الحركات الإحيائية والحركات الإصلاحية والخيرية، وهو الذي نشر عدة دراسات عن الحركات الإحيائية التي ظهرت خلال العشرينيات والثلاثينيات في أنحاء متفرقة من العالمين؛ العربي والإسلامي، والتي حلّت محل الحركات الإصلاحية، التي كان من بين رموزها محمّد عبده والطاهر بن عاشور وعبد الحميد بن باديس. هذه الحركات كانت نهضوية تتخذ من الغرب والتحديث، مرجعية لها ودعمت ذلك بالاستناد إلى الكتاب والسنّة، بخلاف السائد مع إسلاميي اليوم.

الشيخ علي محمود إذ يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب

1,134
عدد القراءات

2019-06-05

ارتبطت الموسيقى والغناء بعالم المشايخ، نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان أغلب من عملوا في مجال الفنّ في ذلك الزمن يحملون لقب "الشيخ فلان"، نتيجة دراستهم العلوم الدينية في الأزهر، غير أنّ ذلك لم يمنعهم من ممارسة الموسيقى والغناء، وليس عجباً أن نكتشف أنّ السيدة أم كلثوم، كمثال، قد تعلّمت على يد سيّد قرّاء القرآن الكريم، الشيخ علي محمود، أو أنّ الشيخ زكريا أحمد أو محمد عبد الوهاب كانا من تلامذته، وقد تبدّلت تلك الحالة في الزمن الحالي، وأضحت هناك عداوة بين شيوخ الدين والموسيقى، باعتبارها من المحرمات.
"هو الأستاذ المباشر لأفضل قرّاء عصره، الشيخ محمد رفعت

سيّد المنشدين
"سيّد المنشدين" أطلق على الشيخ علي محمود، وهو الأستاذ المباشر لأفضل قرّاء عصره، الشيخ محمد رفعت. وقال الباحث نبيل حنفي عن محمود، في دراسة منشورة بعنوان "الشيخ علي محمود سيّد القرّاء وإمام المنشدين": "لا يختلف أحد من النقاد، أو المستمعين، حول مكانة الشيخ علي محمود في دولة التلاوة خلال عصرها الذهبي الأخير، وهي مكانة يعبّر عنها تفرّد تلاواته التي أظهرت محاسن صوته من روعة الجهارة والتفخيم، جنباً إلى جنب مع عذوبة النعومة واللين والمخافتة، ومما يدلّ أيضاً على مكانة الشيخ علي محمود في دولة التلاوة؛ ما لأذان الصلاة المسجل بصوته من تأثير في نفوس سامعيه حتى أيامنا هذه، ويتبقى من أسباب ما تحقق للشيخ من مكانة في دولة التلاوة، أهمها إتقانه للتلحين، وتبحّره في دراسة النغمات والمقامات، كلّ ذلك، وغيره كثير، أتاح للشيخ الظهور في عصر زها بنوابغ القارئين، حتى عدّه الناس إماماً للقرّاء من المنشدين في عصره وكلّ العصور".

اتفق الجميع في أنّ الشيخ قد وُلد مبصراً وعندما فقد بصره في مرحلة الطفولة اتجه إلى حفظ القرآن

ولد الشيخ علي محمود، بدرب الحجازي في كفر الزغاري من قسم الجمالية المجاور لمسجد الإمام الحسين، والقريب من جامع الأزهر الشريف، جاء ميلاد الشيخ، عام 1880، كما ذكر بعض من تحدّثوا.
واتفق الجميع، كما يقول حنفي، على أنّ "الشيخ قد ولد مبصراً، وعندما فقد بصره في مرحلة الطفولة، اتجه إلى حفظ القرآن الكريم في مكتب الشيخ أبو هاشم الشبراوي، ثم أخذ علوم القرآن وأحكام التجويد عن الشيخ مبروك حسنين في الأزهر الشريف، وتلقى مبادئ الفقه على يد الشيخ عبد القادر المازني، لتكتمل للفتى علي محمود، الذي دخل في طور الشباب، عناصر التكوين اللازمة للمشتغلين بالعلوم أو الفنون الدينية".
تفتّح وعي الفتى علي محمود في مرحلة تحصيله لعلوم القرآن والفقه وخلال بداياته مع تلاوة القرآن، على ما انطوى عليه الإنشاد الديني من ألوان موسيقية ساحرة، فتعلّق بها قلبه، ومضى ينهل من معينه الذي يتدفق إلى جوار مسجد الحسين في ليالي رمضان وغيرها من المناسبات الدينية، حتى تشبعت نفسه بأسرار الإنشاد الديني وفنونه، فانطلق صوته في مناسبات الإنشاد ليبهر الشيوخ قبل الجمهور.

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
اختلف الكتّاب والمهتمون بالتلاوة كثيراً حول الشيخ علي محمود، حيث يوضح نبيل حنفي محمود تلك المسألة قائلاً: "فقد عدته مجموعة كبيرة، ومنهم قرّاء، منشداً أو وشاحاً، ولم يحسبوه في عداد البارزين من القرّاء، فانبرى آخرون من الكتّاب للتصدّي لتلك المقولة بالتفنيد والدحض، ويعدّ الدكتور محمد صلاح الدين بك أول من تصدّوا لتلك المقولة؛ حيث كتب معقّباً على ذلك، فقال: "ونحن من القائلين إنّ آية الشيخ علي محمود كانت في فنّ القراءة قبل أن تكون في ألحان المولد وموشحاته، ونحن نعلم أنّ البعض يروّجون لغير هذا الرأي، ولكنّنا نحسبهم من خصومه الذين عجزوا عن مشاركته في ألحان المولد، فهم ينزلون له عنها، ويلهجون بذكره فيها، حتى لا يزحمهم في الميدان المشترك، والذي لا نشكّ فيه؛ أنّه السابق المجلي في فنّ القراءة قبل كلّ شيء".
الشيخ محمد رفعت

من بطانته تخرج أعلام ونجوم
قال عنه الكاتب الصحفي والباحث هيثم أبو زيد، في تصريح لـ "حفريات": "هو أستاذ الأساتذة، فمن بطانته تخرج أعلام ونجوم، على رأسهم: خليفته المقتدر، الشيخ طه الفشني، وشيخ الملحنين الأكابر، زكريا أحمد، وعملاق الإنشاد والطرب، محمد الفيومي، والمنشد الأصيل، عبد السميع بيومي، وبنصائحه وتوجيهاته استرشد الكبار: محمد رفعت، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وأسمهان، وكامل يوسف البهتيمي، وتغنّى بألحانه كلّ مشايخ عصره، وكلّ من جاء بعده من أرباب الإنشاد الديني".

محفوظ: أجمل ما تسمع الأذن "سي عبده" إذا غنى يا ليل، وعلي محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في "إمتى الهوى"

يضيف أبو زيد: "كان الشيخ علي محمود أعجوبة في أدائه، بارعاً متفنناً، يصفه الأديب محمد فهمي عبد اللطيف بأنّه: "سيّد المنشدين على الذكر، والمغنين للموالد والمدائح النبوية، كأنه كان يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب، فإذا شاء جرى به في نغمة العود أو الكمان، أو شدا به شدو الكروان، وقد حباه الله ليناً في الصوت، وامتداداً في النَّفَس، ولهذا كان يمسك بزمام النغم على هواه، وما يزال به صعوداً وهبوطاً وارتفاعاً وانخفاضاً، حتى يستوفي كلّ ما رسم أصحاب الفنّ من مقامات ونهايات، وكان صاحب ذوق فنّي مرهف؛ فرغم أنّه عاش ينشد ويغني على الطريقة القديمة المعروفة بطريقة (أولاد الليالي)، فإنه استحدث كثيراً من النغمات والأصوات الرائعة، وترك منها ثروة ممتعة يمكن أن تكون معيناً لأصحاب الجديد من أهل الفن، وكثيراً ما أخذ عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب، واقتبس منه في بعض أغانيه".
في روايته "خان الخليلي"، كتب نجيب محفوظ: "اسمعوا القول الفصل: "أجمل ما تسمع الأذن "سي عبده" إذا غنى يا ليل، وعلي محمود إذا أذّن الفجر، وأم كلثوم في "إمتى الهوى"، وما عدا هؤلاء فحشيش مغشوش بتراب".

رائد فنّ الإنشاد
ويعد الشيخ علي محمود، كما أبلغ "حفريات" الكاتب الصحفي والناقد الفني محمد دياب "رائد فنّ الإنشاد، وزعيم مدرسته، التي تخرّج فيها كلّ من جاؤوا بعده ليس في مصر وحدها؛ بل وفي العالم الإسلامي، قال عنه الشيخ عبد العزيز البشري: "صوت الشيخ علي محمود من أسباب تعطل حركة المرور في السماء؛ لأنّ الطير السابح في جوّ السماء لا يستطيع أن يطير حينما يسمع صوت الشيخ، فيقف ويستمع إليه".

اقرأ أيضاً: رحيل أحد أهمّ المقرئين في مصر..
يضيف دياب: "ليس هناك من لم يتعلم ويتتلمذ في مدرسة علي محمود، سواء كان منشداً دينياً أم مغنياً دنيوياً؛ فقد نهلت من نبعه أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والشيخ محمد رفعت، والشيخ طه الفشني، والشيخ زكريا أحمد، الذي عمل في بطانته، ثم كان له الشرف بتلحين نحو ستة من التواشيح له، منها: "يا نسيم الصبا تحمل سلامي"، الذي كانت تغنيه أيضاً أسمهان، ولم تسجله".




القطاع النفطي الإيراني يتراجع.. هذا هو موقف أوروبا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
356
عدد القراءات

2019-06-19

أقرّ وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، بالصعوبات التي تواجه القطاع النفطي في إيران، مؤكداً أنّ؛ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية، وفق ما ونقلت وكالة "فارس" للأنباء.

وحجبت وزارة النفط الإيرانية بيانات صادراتها من النفط، خلال نيسان (أبريل) الماضي، للشهر التاسع على التوالي، وسط تدني صادراتها من الخام بفعل العقوبات الأمريكية.

وزير النفط الإيراني يؤكد أنّ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية

ومنذ أيار (مايو) 2018؛ انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية ومالية ونفطية على طهران، اعتباراً من آب (أغسطس) 2018، وتوسعت في تشرين الأول (نوفمبر) من العام ذاته.

وعرقلت العقوبات الأمريكية صادرات طهران من النفط الخام، بعد منع العديد من الشركات العاملة في صناعة النفط والمشتقات البتروكيماوية، وشركات نقل الخام، أبرزها، شركة "ميرسك تانكرز" الدنماركية، المتخصصة في نقل شحنات الخام.

وجاء في تقرير منظمة "أوبك" الشهري؛ أنّ "إنتاج طهران من النفط الخام تراجع بنحو 227 ألف برميل يومياً، في أيار (مايو) الماضي، مقارنة بـشهر نيسان (أبريل) 2019.

وكان وزير النفط الإيراني، بيجان نمدار زنقنة، قد اعترف بأنّ "طهران تستخدم طرقاً "غير تقليدية" للالتفاف على العقوبات الأمريكية، ومواصلة بيع نفطها في السوق السوداء، في مقابلة نشرت الأسبوع الماضي.

وقال الوزير، لوكالة "شانا" الإخبارية الإيرانية: "لدينا مبيعات غير رسمية، أو غير تقليدية، جميعها سرية، لأنّ الولايات المتحدة ستوقفها إن علمت بها".

وامتنع زنقنة عن إعطاء مزيد من التفاصيل بشأن الصادرات النفطية الإيرانية، مؤكداً أنّه لن يكشف أيّة أرقام إلى أن تُرفع العقوبات.

 

وشهد شاهد: مصور سابق في "الجزيرة" يكشف علاقة القناة بالجماعات المسلحة.. هذا ما قاله!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
306
عدد القراءات

2019-06-19

كشف المصور الحربي السابق بقناة "الجزيرة"، محمد فوزي، الأدوار المريبة للقناة وأجندتها العدائية الداعمة للجماعات المسلحة ونشر الفتنة والاضطرابات.

فوزي: مسلحون في "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا يعملون مع قناة "الجزيرة" كموظفين برواتب

وقال المصور، الذي عمل في شبكة "الجزيرة" نحو 12 عاماً، في مقابلة مع موقع "العين" الإخباري: "كنّا نذهب إلى أماكن الأحداث الإرهابية قبل وقوعها، كنت أعتقد حينها أنّنا نقدّم سبقاً صحفياً".

وعبّر فوزي، لـ "العين"، عن ندمه على العمل في "الجزيرة"؛ بسبب الدور التي اضطلعت به ومساهمتها فيما حدث من تخريب ودمار في المنطقة.

وكشف فوزي، في المقابلة، أنّ هناك أعضاء من تنظيمات مسلحة، مثل: "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا، يعملون مع قناة "الجزيرة"، كموظفين، ويحصلون على رواتب لتسهيل مهمات القناة الصحفية.

"ورغم أنّ علاقة الجماعات المسلحة بقناة "الجزيرة" كانت غامضة، وتثير تساؤلات بين بعض العاملين، إلا أننا –كموظفين- لم يكن لنا الحقّ في السؤال"؛ وفق فوزي.

وقال فوزي: إنّ "قناة "الجزيرة" اشترت مجموعة كبيرة من الكاميرات صغيرة الحجم ووزعتها على التنظيمات المسلحة داخل سوريا."

ولفت، في المقابلة، إلى أنّ القناة "كانت تسمح لنا فقط بتصوير المناطق بعد القصف، أو استهدافها من جبهة النصرة، لكن لم يكن مسموح لنا أن نرافقهم في عملياتهم تجاه المدنيين".

فوزي يكشف كواليس مقابلة قناة الجزيرة مع زعيم جبهة النصرة الجولاني في 2015

وكشف فوزي ترتيبات خاصة لفضائية "الجزيرة"، خلال مقابلتها مع "أبو محمد الجولاني"، عام 2015، زعيم جبهة النصرة في سوريا.

وأشار، وفق "العين"، إلى أنّه شارك في صنع الصورة الذهنية لزعيم جبهة النصرة في سوريا؛ حيث إنّ الفضائية طلبت منه تغيير ملابسه، وإضافة لافتة سوداء خلفه، ووضع سلاح بجواره.

وأضاف: "عندما التقيت زعيم جبهة النصرة في منزله، كان يبدو شخصاً عادياً، يرتدي معطفاً، إلّا أنني طلبت منه تغيير ملابسه، وكذلك وضع لافتة خلفه، وحمل سلاح".

ورأى فوزي؛ أنّ تصريحات زعيم جبهة النصرة خلال المقابلة، ومنها جملة مهمة هي: "ندعم تنظيم القاعدة، ونوافق على طلباته"، توضح التعاون بين "الجزيرة" وتنظيم جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، برأيه.

وكشف بعض كواليس اللقاء، وأبرزها، وفق قوله لـ"العين": إنّ "شخصاً جاء خلال المقابلة من الخارج، وأعطى زعيم جبهة النصرة مبلغاً كبيراً من المال وضعه في جيبه".

وأشار فوزي للمصدر ذاته، إلى أنّ أهمّ شيء عند التنظيمات المسلحة هو تصوير العمليات؛ لأنهم يتلقون أموالاً كبيرة مقابل العمليات الإرهابية المصورة.

وقال مصور الحربي السابق في قناة الجزيرة: "فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين، ومع أسر متعاونة مع الإرهابيين، في بيوت مؤمّنة من جبهة النصرة".

فوزي: فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين في بيوت مؤمنة من جبهة النصرة

وكشف فوزي في المقابلة؛ أنّ "صحفياً يعمل في "الجزيرة الإنجليزية"، كان يستخدم عربات الفضائية لتمرير إرهابيين من الحدود التركية إلى داخل سوريا، أثناء وجود فريق عمل "الجزيرة" في منطقة "هاتاي" الحدودية.

وأوضح مصور "الجزيرة" السابق؛ أنّه التقى شخصاً كان معدّاً في قناة "الجزيرة"، وكان يعمل كذلك وسيط سلاح وأموال، في منطقة هاتاي على الحدود مع تركيا وسوريا.

وأضاف فوزي: "هذت الشخص كان له باع طويل جداً في تهريب الأسلحة وشرائها، وهو أيضاً شقيق أحد المعارضين السوريين البارزين، وكان له العديد من الأنشطة الغامضة وسط صفوف العاملين في القناة".

تيسير علوني

ولفت فوزي إلى أنّ "هذا الشخض أصبح مديراً لمكتب قناة "الجزيرة" في لندن، مكافأة له على ما قام به في سوريا لصالح الشبكة".

وقال المصور في المقابلة: "الجزيرة كانت من أوائل المحطات التلفزيونية التي دخلت إلى ليبيا".

وأشار فوزي إلى أنّ التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة؛ حيث "كنا نذهب لأماكن الأحداث أو الهجوم بالأسلحة قبل وقوعها، وكأنها كانت تنفذ بالتنسيق مع "الجزيرة""، وفق قوله لـ"العين".

ونوّه إلى أنّ "الفضائية تملك علاقات قوية جداً مع الجماعات المسلحة في ليبيا، كانت لنا الأفضلية عند التنظيمات الإرهابية المختلفة".

فوزي: التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة حيث كنا نذهب لأماكن الأحداث قبل وقوعها

ولفت إلى أنّ "مكتب قناة "الجزيرة" في مدينة بنغازي (شرق)، كان عبارة عن مركز للشرطة الليبية، على البحر المتوسط، وتم تدميره واستخدمته "الجزيرة" كمكتب لاحقاً، دون تنسيق مع أحد، ولم يعترضها أحد؛ بل وكانت المظاهرات يتم ترتيبها أمام مكتب "الجزيرة"، بتنسيق مع الجماعات المسلحة، حتى يتم تصويرهم"، وفق قوله في المقابلة.

وكشف المراسل الحربي السابق لقناة "الجزيرة"؛ أنّ "المسؤول الإعلامي لتنظيم القاعدة في "شمال مالي" هو نفسه معدّ قناة "الجزيرة"، وهو الشخص الذي يرتب كلّ اللقاءات الصحفية للفضائية مع التنظيمات المسلحة في إفريقيا"، موضحاً: "عندما احتلّ تنظيم أنصار الشريعة في شمال إفريقيا أجزاء من دولة مالي، "ذهبنا نحن طاقم "الجزيرة"، إلى دولة مالي عن طريق النيجر عبر الحدود، بتنسيق مع معدّ "الجزيرة"، الذي هو في نفس الوقت المسؤول الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة".

وأشار إلى أنّه "في هذه الأثناء، دار حديث بين أمير الجماعة المغربي وشخص آخر موريتاني، مسؤول عن تصوير كل عمليات القاعدة، ولديه شركة إنتاج اسمها "صحارى"، ويعمل أيضاً مع "الجزيرة"، وهو منسق الرحلة لقناة للجزيرة".

وأضاف: "مالك شركة "صحارى"؛ التي تصور العمليات الإرهابية للقاعدة في إفريقيا كان مراسل "الجزيرة" في موريتانيا سابقاً".

وكشف فوزي؛ أنّه أثناء حضوره مؤتمراً صحفياً لوزير خارجية طالبان، عام ٢٠٠١، فوجئ بمصور "الجزيرة" لاحقاً، سامي الحاج، بصحبة الوزير".

وأشار إلى أنّ القناة استعانت بسامي الحاج بعد هذه الواقعة في أفغانستان، ضمن خطتها دائماً، حيث كانت تجند أشخاصاً مرتبطين بالجماعات المسلحة، وترسل لهم كاميرات صغيرة يرسلون منها المواد لإذاعتها بعد ذلك.

وكشف مراسل الجزيرة الحربي السابق؛ أنّ "تيسير علوني، مراسل "الجزيرة"، عام 2001، جاء إلى المراسلين العرب في كابول، وقال لهم: "التحالف الشمالي سوف يقتحم المدينة في اليوم التالي، وسوف آتي غداً وأؤمن خروجكم""، مردفاً: "تيسير علوني جاء بصفته عربياً في هذه الأثناء، وليس بصفته مراسل "الجزيرة"".

ولكن، والحديث لـ "فوزي"، علوني جاء فعلاً في اليوم الثاني صباحاً، وأخذ شخصاً واحداً من حركة طالبان، واسمه "أبو جهاد"، وهو سوري الأصل، ويعدّ أحد قيادات القاعدة في حينها.

سامي الحاج

وأكّد أنّ "علوني" كان قريباً جداً من تنظيم القاعدة، ولهذا اصطحب قيادياً منها، وهرب قبل الاجتياح.

وعمل علوني مراسلاً لقناة "الجزيرة" في أفغانستان، تشرين الأول (أكتوبر) 2001، وهرب قبل ساعات قليلة من دخول قوات التحالف إلى العاصمة كابول، بصحبة تنظيم القاعدة، وفق ما ورد على لسان فوزي في مقابلته مع موقع "العين" الإخباري.

 هذا وقد أبدى المراسل الحربي السابق للجزيرة ندمه على عمله بالفضائية، لمدة ١٢ عاماً؛ حيث إنّ أهدافها لم تكن معلومة له، لكن الآن كلّ شيء أصبح واضحاً للعيان، وفق قوله.

وأضاف فوزي في المقابلة: "كنت أحاول أن أكون بعيداً عن قسم الأخبار العربية؛ لأنّها أساس كلّ المشكلات؛ حيث إنّ أغلبهم من الإخوان، فعندما جاء وضاح خنفر (عمل بالجزيرة من 2003-2011) إلى قناة "الجزيرة"، جاء بفريق كبير من الإخوان المسلمين".

 

التحالف يعترض طائرة مسيّرة تحمل متفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
274
عدد القراءات

2019-06-19

اعترضت قوات التحالف العربي، اليوم، طائرة حوثية مسيَّرة، تحمل متفجرات، قبل دخولها الأجواء السعودية.

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: إنّ "قوات التحالف الجوية تمكّنت، عند الساعة التاسعة من صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار "مسيّرة"، كانت متجهة نحو الأراضي السعودية"، وفق ما ذكرت وكالة "واس".

الطائرة الحوثية المسيَّرة محمّلة بالمتفجرات وأُطلقت باتجاه السعودية من محافظة الحديدة

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الطائرة المسيّرة، تم رصد إطلاقها من قبل الميليشيا الحوثية من محافظة الحديدة، وتم اعتراضها فوق الأجواء بمحافظة حجة، قبل دخولها المجال الجوي للمملكة".

وأضاف: "الميليشيا الحوثية الإرهابية مستمرة بمخالفة اتفاق ستوكهولم، وخرق وقف إطلاق النار بالحديدة، وتواصل اتخاذ المحافظة مكاناً لانطلاق الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية، بإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وكذلك إطلاق هجمات القوارب المفخخة والمسيّرة عن بعد".

وشدّد على أنّ هذه الأعمال تمثّل تهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضاً للجهود السياسية لإنجاح اتفاق (ستوكهولم)، كما تواصل مخالفة القانون الدولي الإنساني، باستهداف المناطق المأهولة بالسكان، واتخاذ المدنيين كدروع بشرية لنشاطاتها الإرهابية المتعلقة بتخزين وإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وتفخيخ وإطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد.

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف تؤكّد الحقّ المشروع باتخاذ وتنفيذ إجراءات الردع المناسبة للتعامل مع هذه الأعمال العدائية والإرهابية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، وقواعده العرفية.

وتحاول الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية، استهداف المنشآت المدنية والمدنيين في المملكة العربية السعودية، في محاولات بائسة ومتكررة، عبر هذه الطائرات المسيرة.

وكان تحالف دعم الشرعية في اليمن قد أعلن، ليل الإثنين-الثلاثاء، عن اعتراض وإسقاط طائرتين مسيَّرتين تحملان متفجرات، أطلقتهما ميليشيات الحوثي باتجاه المملكة.

وأمس الأول، الإثنين، دان مجلس الأمن الدولي بشدة، استهداف الحوثيين مطار أبها الدولي السعودي، قبل أيام، داعياً إلى محاسبة مَن يقف وراء هذا الاعتداء الذي قوبل بموجة إدانات عربية وإقليمية ودولية واسعة.

 




في يوم اللاجئ العالمي.. الحاجة سردانة: ننام ونستيقظ على أمل العودة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
33
عدد القراءات

2019-06-19

ماجدة أبو طير

منذ النكبة الفلسطينية حتى اليوم، لم تجد الحاجة هدى يوسف سردانة، الراحة، فالألم يتنوع والقدرة على تحمله باتت قليلة، ولا يوجد في الذاكرة متّسع لحزن جديد.

من الطفولة إلى الشيخوخة، تشكو سردانة من أن «عمراً بأكمله يتجسّد أمامنا لا فرح به بل هو نكبات متتالية تشبه أوطاننا».

وفي يوم اللاجئ العالمي وفي زقاق مخيم البقعة الذي يعتبر من أكبر وأهم المخيمات الفلسطينية في العاصمة الأردنية عمّان، وصلت «البيان» إلى منزل صغير جداً هو عبارة عن غرفتين، استقبلتنا الحاجة بثوبها الفلسطيني المطرّز مرحّبة بنا بلهجة بلدتها «الفالوجة». للحظات فقط وبلا مقدمات بدأت تحكي عن النكبة والنكسة، وكيف تنقّلت من مخيم إلى آخر وصولاً إلى مخيّم البقعة.

حلم العودة

تقول سردانة وهي تلامس الـ 84 عاماً من عمرها: لا يختلف مخيم عن آخر، واللاجئ يبقى متمسكاً في حلم العودة إلى نهاية حياته، ويُذكّر على الدوام أولاده وأحفاده بوطنه، كيف سُلب في لحظات، على أمل أن يكون الخير القادم في هذه الأجيال.. حياة اللجوء لا يمكن وصفها بكلمتين فقد عشنا الموت والرعب ومع ذلك زاد الإصرار لدينا وتشبثنا بالحياة.

تضيف: المرأة في اللجوء تصبح قوّتها مضاعفة لإثبات حقها في الوجود والوقوف إلى جانب أسرتها. لقد حضرت النكبة وكان عمري 12 عاماً وبدأت أسمع قصص المذابح والقتل والتهجير، وكل ذلك ترك أثراً في شخصيتي، وأصبح الصمود منهجاً في تفاصيل حياتي. اليوم أعيش وحيدة في المخيم.. لم أتزوج ووالدتي توفيت مؤخراً، ورغم ذلك فإنني أقاوم المرض والحزن والذكريات.

لجوء متنقل

في عام 1948 كل القرى الفلسطينية هُجرت إلا بلدة الفالوجة، حيث صمدت في وجه العصابات اليهودية لمدة عام، وبعد ذلك توجه أهلها إلى الخليل ومن ثم إلى أريحا وصولاً إلى منطقة «الكرامة» في الأغوار المحاذية للأردن، وكانت تسمى آنذاك «البيار». وعاشت هنالك الحاجة هدى وعائلتها ما يقارب 20 عاماً، ومن ثم انتقلت إلى مخيم «البقعة».

وشهدت سردانة وعائلتها النكبة والنكسة والعديد من المذابح. تقول الحاجة هدى: بعد حرب 1967 توجهنا إلى مخيم البقعة وسكنا في الخيام لمدة عامين، وفي الثالثة بنينا كرفانات من ألواح الإسبست والزينكو. اللاجئ الفلسطيني مرّ بتجارب مليئة بالقسوة والخوف، والأخطر من ذلك كله أننا لم نكن على دراية بمستقبلنا، وفي كل يوم نستيقظ على أمل العودة للفالوجة.

عن "البيان" الإماراتية

هل يبقى ترامب حتى 2024؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
18
عدد القراءات

2019-06-19

وحيد عبد المجيد

بداية مبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرى في نوفمبر 2020. تبدأ هذه الانتخابات رسمياً في فبراير القادم مع الجولة التمهيدية الأولى في ولاية أوهايو، لتتواصل حتى اختيار مرشحيْ الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، منتصفَ العام نفسه.
والمعتاد أنه عندما يكون الرئيس في ولايته الأولى، يُعيد حزبه ترشيحه لفترة ثانية، ولا تُجرى بالتالي انتخابات تمهيدية في داخله. ولذا ستُجرى هذه الانتخابات في الحزب الديمقراطي فقط، لأن الرئيس ترامب سيكون مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2020.
لكن مقدمات السباق داخل الحزب الديمقراطي بدأت مبكراً مطلعَ العام الجاري، عندما ظهر عدد متزايد من الطامحين لخوض السباق من أجل الترشح، دون أي مؤشر على إمكان حدوث توافق على أحدهم ليكون معبراً عن الاتجاه الرئيس في الحزب. غير أن الصراع داخل الحزب لم يشتد إلا عندما أعلن نائب الرئيس السابق جو بايدن، في 25 أبريل، خوضه المنافسة.
ولا يمثل انضمام بايدن للسباق حلاً لمشكلة التوافق على مرشح يحظى بدعم الحزب كله، بل ربما يفاقم هذه المشكلة. يمثل بايدن (76 عاماً) اتجاهاً وسطياً ينظر إليه قطاع معتبر في قاعدة الحزب بوصفه يمثل الماضي، وليس المستقبل.
كما أن تقدم عمر بيرني ساندرز (77 عاماً)، اليساري الذي نافس هيلاري كلينتون عام 2016 بشراسة، يجعله غير قادر على إقناع قطاعات تنحو لليسار في قاعدة الحزب، كونها تتحفظ على استمرار الأجيال الأقدم في تصدر المشهد السياسي. ومن أهم هذه القطاعات جماعات شبابية تقدمية يتفاوت حضورها من ولاية إلى أخرى. لا تريد هذه الجماعات مرشحاً ديمقراطياً ذا توجهات يسارية فقط، ولكن صغير السن أيضاً. ولا يبدو أنها تتجه إلى توافق على أي من المتسابقين الشباب الذين تُعد عضو الكونغرس «الكساندريا أوسكايو-كورترز» أصغرهم سناً (30 عاماً).
وتفيد مؤشرات أولية أن الكثير من الشباب التقدميين، وغيرهم ممن يميلون لليسار في قاعدة الحزب، يفضلون ترشيح سيدة مرة أخرى. لكن هذه القاعدة منقسمة بشدة، الأمر الذي قد يؤدي حال استمراره إلى إضعاف فرص المتسابقات، وكذلك المتسابقين الشباب، وربما كل مَن يميلون لليسار، لأنه يُشتت الأصوات، ويُضعف فرص الحصول على تمويل كافٍ، وخاصة أن أغلبهم يعتمدون على تبرعات صغيرة عبر شبكة «الإنترنت».
وفي هذه الحال، ستزداد فرصة بايدن، الذي تلقى تبرعات قيمتها 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة فقط بعد إعلان ترشحه، لأنه قد يكون المستفيد الأول من تشتت أصوات القاعدة التي تسعى إلى تجديد شباب الحزب الديمقراطي وتغيير اتجاهه.
وربما يكون ترشيح بايدن خبراً ساراً للرئيس ترامب، الذي قد لا يجد صعوبة -في هذه الحال- في الفوز بفترة رئاسية ثانية. شبح تجربة باراك أوباما يلاحق نائبه بايدن. فقد فضّل نصف الناخبين تقريباً ترامب، القادم من خارج المؤسسة السياسية في انتخابات نوفمبر 2016 الرئاسية، على هيلاري التي عملت مع أوباما وحظيت بدعمه في تلك الانتخابات. وحدث ذلك قبيل أن يجربوا ترامب، ويلمسوا التحسن الملموس في الاقتصاد الأميركي، والتغيير الإيجابي في بعض اتجاهات السياسة الخارجية. ولذا، فالأرجح أن يحصل ترامب على تأييد أكبر بعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى أدنى معدل لها منذ عام 1969، وازدادت فرص العمل بمعدل نحو 200 ألف وظيفة جديدة شهرياً في المتوسط، وارتفعت الأجور بنسبة 3%، وتراجع التضخم إلى نحو 2% وأقل.
ولذا، فالأرجح أن يزداد الميل إلى إعادة انتخاب ترامب إذا صار بايدن منافسه في الانتخابات النهائية، لأنه كان أقرب إلى أوباما من هيلاري. وحتى إذا اختفى أوباما من المشهد، وفق طلب بايدن الذي يدرك أن الرئيس السابق عبء عليه، لن ينسى الناخبون الناقمون على أداء البيت الأبيض في الفترة بين 2009 و2016 العلاقة الوثيقة بينهما. وإذا أضفنا أن بايدن لن يحظى بدعم كامل في حزبه المنقسم بشدة، تبدو فرصة استمرار ترامب في الرئاسة حتى نهاية 2024 كبيرة. والأرجح في هذا الحال أن تزداد تدريجياً شعبيته التي تخطت 45% للمرة الأولى منذ تنصيبه، وفق استطلاع معهد «غالوب»، الذي نُشرت نتائجه في 6 مايو الجاري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

لماذا نصوّت لليمين المتشدد؟

70
عدد القراءات

2019-06-19

ترجمة: علي نوار


يتطرق كتاب "وباء التشدد" للصحفي أندريو جيريز، وأستاذ العلوم السياسية، فرانكو ديللي دوني، إلى تصاعد ظاهرة الأحزاب القومية المتشددة والمناهضة لأوروبا والمعادية للأجانب التي تشهدها أوروبا، عن طريق تحليل نماذج من 12 دولة في القارة العجوز، ونقدم هنا الفصل الأخير من العمل الذي يستعرض الأدوات النفسية التي تدفع ملايين الأوروبيين اليوم إلى التصويت لصالح هذه التيارات.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

"يمنحوننا أصواتهم لأنهم أشخاص عاديون للغاية يعانون مشكلات عادية للغاية". تخص هذه العبارة القيادية رفيعة المستوى في حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليميني المتشدد في ألمانيا، بياتريكس فون شتورش، وهي ليست كأي جملة، فهي مفتاحية للبدء في فهم التأثير الناجح للخطاب الذي تتبنّاه حركات اليمين المتشدد الجديدة في أوروبا.

يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول

ليس ثمة مقترحات ولا خطط ولا حتى أيديولوجيا، الأمر كله عبارة عن قيم ومشاعر، وفي نفس الوقت بتوصيف زخم ما وغريزة وتطلّع لشيء مختلف، نشعر جميعاً بأنّنا "عاديون" ونقتنع تماماً بأنّ مشكلاتنا واهتماماتنا ومخاوفنا "عادية". ولا يعرّف خطاب اليمين المتشدد ماهية هذا "العادي"، بل يتركه لرغبات المواطن كي يملأه بما يبدو له مناسباً، ويطلق على عملية الملء هذه مصطلح "الشعور العام"، ولا يوجد خلف هذا الشعور سوى القيم الخاصة بنا، والمفاهيم التي تسمح لنا بالتمييز بين ما نريد وما لا نريد، وما هو خير وشرّ، ما نؤيّده وما نرفضه، وعلى أساس كل ذلك نمنح أصواتنا.

زعيم الحزب المتطرف الإسباني فوكس
نجح اليمين المتشدد في إعداد سرديات تختلف من دولة إلى أخرى، تبلور القيم الأساسية بالنسبة لقطاعات بعينها، ربما تكون هذه القيم غائبة أو مشوّهة في خطاب الأحزاب الأخرى. قيم لا مكان لها بالضرورة في خطط الحكومة، عن طريق مقترحات قوانين أو مشروعات محدّدة. ومن منظور اليمين المتشدد، فإنّ الشيء الأهم هو صياغة منطق أعمق ألا وهو ذلك الذي يحرّكنا: الخوف من المجهول وكراهية المختلف والإحباط الناجم عن عدم تحقّق توقّعاتنا.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟
هذا هو بالضبط ما تغفل عنه الأغلبية الساحقة من المراقبين ومنافسي أحزاب اليمين المتشدد، الذين لا يدركون السبب وراء قدرة حزب يفتقر لأي محتوى على حشد ملايين الناخبين. يعجز الكثير من ساسة اليسار واليمين على حدٍ سواء في إيجاد منطق ما خلف تنامي نفوذ اليمين المتشدد، وربما لن ينجحوا في ذلك مطلقاً.

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر

فهم لا يعرفون سوى المنطق كأداة ومحفّز ودافع للشعبية الانتخابية، يظنّون أنّ عملية التصويت تخضع لمعايير ذات أساس منطقي بالضرورة، ويعيشون على أوهام القرن الـ19 والـ20، والتنوير، وقدرتنا على التفكير المنطقي العقلاني بوصفه مرشداً لأفعالنا. لكن الحقيقة أنّ عقلنا أعقد بكثير من مجرّد آلية التفكير في المميزات والعيوب؛ فالقرارات تخضع للدوافع والتي بدورها، في أغلب الأحوال، لا تكون ناتجة عن التمحيص، وربما لا نكون على دراية من الأساس بهذه الدوافع، ومن بين أبرز دوافعنا تظهر المشاعر.

تعزّز ظاهرة اليمين المتشدد هذه الفكرة؛ فالدعم الانتخابي الذي يحصل عليه هذا التيار منبعه في حالات قليلة جداً القرار المنطقي، بالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح. وعلى الجانب الآخر، سيكون من المستحيل استيعاب لماذا -على سبيل المثال- يلجأ عامل بسيط ربما يعاني البطالة إلى التصويت لصالح حزب يميني متشدد يخطّط لإضفاء قدر أكبر من المرونة وإفقار سوق العمل، هل يمكن للمشاعر أن تعطينا إجابة في هذه الحالة؟

المشاعر وراء الخطاب

يوجد في أوروبا عدد هائل من أحزب اليمين المتشدد التي لم تنجح فحسب في دخول البرلمان بجميع دول القارة، بل تمكّنت أيضاً من المساهمة في تشكيل بعض الحكومات أو حتى قيادتها. وفي منطقة يغلب عليها نظام الحكم البرلماني، تكتسب النقطة الأخيرة أهمية بالغة لا يمكن التقليل منها؛ فاليمين المتشدد في حقبة ما بعد الحرب ليس ظاهرة هامشية أو محلّية أو مؤقّتة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟
والواقع أنّ القدرة على جمع مشاعر الاستياء وتقنين الإحباط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، أدّى إلى تحوّل هذه الظاهرة لنتيجة تلقائية للإطار السياسي. وبتعبير آخر؛ فإنّ الكثيرين يرون أنّ اليمين المتشدد كان مستفيداً عارضاً من التصويت العقابي الذي يستهدف إنزال الهزيمة بأحزاب الأغلبية لحين إعادة ترتيب الأخيرة لأوراقها والعودة للاستماع إلى مطالب المجتمع.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين ولم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً

بيد أنّ هذه الرؤية، التي استُخدمت وأعيد تدويرها مع كل مرة يظهر فيها حزب سياسي يميني متشدد في أي دولة بأوروبا على مدار الأعوام الـ20 المنصرمة، لم تعد صالحة. فهي تتعامى عن بعض العناصر المميّزة لقوى اليمين المتشدد. استعانت هذه التيارات بتلك الخصائص في خطابها للّعب على مشاعر بعينها، وبالتالي التأثير على شرائح من الناخبين بحيث تغيّر مواقفها.
فمن جانب، يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول. فالاتهامات ضد السياسة القديمة هي أداة شائعة الاستخدام في الخطاب الشعبوي. وتسمح للمرشحين الشعبويين بإيجاد عدو يعمل بصورة تتعارض مع مصالح من يمثّلونه؛ الشعب، وبالتالي ينصّبون أنفسهم حماة له. رغم أنّ أثر هذا العامل يرتبط بصلة وثيقة بظهور مشاعر الإحباط. بكلمات أخرى، فإنّ هذا العامل في خطاب اليمين المتشدد يركّز على شعور الاحتقار والسخط إزاء الأحزاب السياسية التقليدية وأعضائها.

اقرأ أيضاً: نيوزيلندا.. هل انتهى تهديد اليمين المتطرف؟
ومن جانب آخر، يلعب المكوّن المناهض لأوروبا دوراً محورياً كذلك. فتصوير الاتحاد الأوروبي على أنّه كبش فداء لجميع الشرور يمنح هذه الأحزاب عدواً ملموساً أكثر هذه المرة. وفي الوقت عينه، يمنحها القدرة على تطوير خاصية ثالثة تميّز خطاب اليمين المتشدد؛ القومية. وفي سرديات هذا التيار، يرمز الاتحاد الأوروبي لكل ما هو مضاد للوطن وفخر الانتماء والحفاظ على الملامح الثقافية لكل منطقة. وإجمالاً، فإنّ العامل الأهم في هذا العنصر هو الخوف. رهاب غير واضح الشكل لكن يغلب عليه عامل مشترك: التهديدات على الهوية.

الإحباط، الغضب، الاستياء، الخوف، الكراهية، تهديد الهوية، أدركت قوى اليمين المتشدد في القارة الأوروبية أنّ استعمال كل هذه العوامل كأداة هو أفضل سلاح بوسعها التوفّر عليه، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا ينجح الأمر؟

نايجل فاجي عند باب أحد مراكز الاقتراع في المملكة المتحدة في الانتخابات الأوروبية

الجدل الخاطئ
إنّ المنطق والمشاعر هما مفهومان يجري تصويرهما على أنّهما متعاكسان، أو هكذا لقّنوننا. فالمنطق هو سبب القرارات الصائبة، على العكس من ذلك فإنّ المشاعر حين تتغلّب علينا، تعوقنا عن حسن الاختيار، والأول هو ما يميّزنا عن الحيوانات، فيما ترمز المشاعر للحيوان الكامن بداخلنا، لكن من الضروري فهم أنّ الطريقة التي يعمل بها عقلنا لا تتّفق مع هذا الفهم.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
إنّ المنطق والمشاعر لا يمكن لأحدهما أن يشغل مكان الآخر، ولا يمكن التبديل بينهما، لكنّهما على النقيض من ذلك يكمّلان بعضهما، ويضطّلع كل منهما بمهام مختلفة. فمهام المنطق تتباين عما نعتقده، وبالفعل فإنّنا نعرّف أنفسنا بكائنات عقلانية تدرس المميّزات والعيوب لحظة اتخاذ القرارات. إلّا أنّه وفقاً لأحدث ما توصل إليه العلم في دراسات المخ، فإنّنا بعيدون كل البعد عن ذلك. ويكشف الباحثان أوجو مورسييه ودان سبريبر في كتابهما "معضلة المنطق"، أنّ المنطق، وبالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح، يشمل وظيفتين أساسيتين: وهما البحث أو صياغة تبريرات منطقية لكل من قراراتنا، وهي عملية تعرف باسم "المنطقة"؛ والثاني، تقييم الأسباب التي يقدّمها الآخرون حين يحاولون تبرير قراراتهم.

من الضروري أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة

والهدف من وراء المنطقة هو الحفاظ على صورتنا الاجتماعية، فعندما نكون بصدد اتخاذ قرار ما، فإنّنا نستدعي مجموعة من الاعتبارات التي ستخضع بشكل تلقائي للتقييم من قبل المحيطين بنا. فإذا قرّر شخص التصويت لصالح اليمين المتشدد وكشف عن ذلك على الملأ، سيصبح مُلزماً بتفسير الأمر، ويبدأ عقله في البحث عن التبريرات اللازمة لإضفاء المنطقية على قراره أمام الآخرين. وفي هذه الحالة، تصبح الوظيفة الرئيسة للمنطقية اجتماعية بحتة.
أما الوظيفة الثانية للمنطق فتتكامل مع الأولى؛ إذ يتعلّق الأمر بالتقييم الذي نجريه تجاه مبرّرات الآخرين. هل هي كافية؟ هل هي مقبولة؟ هل تشارك نفس القيم مع هؤلاء الذين يدّعونها؟ وتدفعنا الوظيفة الثانية هذه إلى مراجعة حُجج المتُكلّم كي نتمكن من تحديد موقفنا في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

يرتبط دور المشاعر بإيجاد دوافع للشروع في شيء ما، وبدون هذه الدوافع سنصبح عاجزين عن اتخاذ القرارات، أو على الأقل ستحتاج هذه العملية للكثير من الوقت والطاقة. وبحسب خبيرة علم النفس والباحثة ليزا فيلدمان باريت، فإنّ المشاعر هي بناءات اجتماعية تسمح لنا بقراءة ما يحيط بنا وإعداد جسدنا كي يتعامل معه، فإذا كان شخص ما متواجداً بمفرده خلال الليل في منطقة نائية من مدينة مجهولة بالنسبة له، فمن المحتمل أن يشعر بالخوف من أي جلبة مفاجئة مثل نفير سيارة عالٍ أو نباح كلب أو صافرة إنذار، كل هذه العوامل قد يترجمها مخ هذا الشخص على أنّها خطر محتمل ويبدأ في تجهيز الجسد كي يتعامل معه (ازدياد معدّل خفقان القلب وسريان الدم، على سبيل المثال).

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

إنّ الخوف الذي يشعر به هذا الشخص في تلك اللحظة والمكان هو شعور مبني على أساس تصنيف لمحفّزات بعينها في موقف مُحدّد (ضوضاء في محيط غير معلوم وغير آمن). هذا الشعور هو ما يمنح القدرة على اتخاذ قرار ربّما عن غير وعي. بمعنى أنّ الشعور، أو الخوف هنا في هذه الحالة، يعمل كمؤشّر يجمع عدداً لا حصر له من المُحفّزات كي نستطيع تلافي أو الحدّ من خطر محتمل.

ويعرّف أستاذ علم النفس بجامعة إموري في ولاية جورجيا الأمريكية، درو ويستن، المشاعر على أنّها وقود اتخاذ القرارات. وإذا انتقلنا إلى مستوى اتخاذ القرارات السياسية، مثل دعم أو رفض حزب سياسي ما، فسنكتشف أنّ المشاعر تلعب دوراً رئيساً. فبالاعتقاد، على سبيل المثال، أنّ منظومتنا الأخلاقية مُهدّدة، سيظهر الخوف، وهذا الخوف هو ما يدفعنا للتحرّك بطريقة دفاعية.
يقودنا كل ذلك إلى سؤال؛ ما هي الأسباب التي تؤدّي بنا إلى الإحساس بشعور ما مثل الخوف أو الكراهية أو الإحباط، والأهمّ من ذلك كيف لنا الوصول إلى هذه المعلومات أو ما هي احتمالات تعرّضنا للتلاعب دون أن ندرك ذلك؟

مظهر من مظاهر النشطاء اليمينيين ضد سياسة الهجرة التي تتبعها حكومة ميركل الألمانية

النقاش والإطار التفسيري

إنّ تقييم المعلومات وما يتبعه من اتخاذ للقرارات قد يتباين كلية وفقاً لطريقة عرضها. بعبارة أخرى: نفس المعلومات المُقدّمة بطرق مختلفة تؤدّي إلى آثار متباينة، توصّل إلى هذا الاكتشاف خبيرا علم النفس دانييل كانمان وآموس تفيرسكي، اللذان عكفا منذ حقبة السبعينيات على دراسة عملية اتخاذ القرار، وتُعد أبحاثهما حجر الأساس لمفهوم الإطار التفسيري.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف قنبلة العالم الموقوتة

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر، وتقدّم الأُطر تعريفاً لمشكلة تتضمّن بدورها عرضاً ما للمعلومات. لذا فقبول إطار يعني بالتبعية تقبّل فرضيّات أو شروط وفي الوقت ذاته تبعات نقاش ما. على سبيل المثال، الإشارة إلى الاتحاد الأوروبي بوصف (بيروقراطية بروكسل) يحمل بداخله تقييماً لنفس المصطلحات السلبية التي تستدعي انطباعاً على كل فرد منّا، حتى لو كان غير واعٍ لذلك.
واختصاراً، فإنّ الأٌطر تسهم في فهم وتنظيم ما يحدث حولنا، وفي نفس الوقت تحدّد وتنتقي وتهيكل المعلومات، وينتج عن ذلك ليس التأثير على تقييمنا فحسب، بل وأيضاً المشاعر التي نختبرها.
لقد عرفت القوى المختلفة اليمينية المتشددة في أوروبا كيف تهيمن على الاستخدام الاستراتيجي للأُطر، وأدركت أنّ هذه الأُطر هي وسيلة لربط مشاعر مُعيّنة بموضوعات مُعيّنة، ومن هنا تحقيق المكاسب الانتخابية والسياسية، ولعلّ هذا هو السبب وراء حصول كل ملفّ من أجنداتها التي تضعها هذه الأحزاب على أٌطر مختلفة ضمن خطابها، وبصورة ممنهجة.

من الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة: الكراهية والخوف والإحباط، بحيث يتغذّى كل منها على الآخر

على جانب آخر، فإنّ اليمينيين المتشددين ناجحين للغاية في استخدام السرديات، وذلك عن طريق توظيف ونقل الأُطر والقيم التي يدّعون تمثيلها والمشاعر التي يثيرونها، في عملية يصفها الفيلسوف والرياضي نسيم نقولا طالب بـ"سردية المغالطة".
عملية الحصول على المعلومات بالنسبة لعقولنا مُكلّفة، فأولًا يجب استثمار موارد من أجل ذلك، وثانياً نستثمر موارد إضافية للاحتفاظ بها، وأخيراً نبذل استثماراً كي نعيد استخدامها. وتُعتبر القصص هي الأداة المثلى كي يدّخر المخ أكبر قدر ممكن من الموارد. حيث تبدو المعلومات في القصص منظّمة ومتكاملة وتسمح ببناء سببيات بين الأحداث، ولا تتضافر هذه الخواص فقط من أجل إعادة بناء القصة، أو بمصطلح آخر؛ الذاكرة، بل إنّ المعلومات تُخزّن كتجربة حيّة وليس كحزمة من البيانات.
لكن الرواية تتضمّن في الوقت ذاته تبسيطاً للمعلومات، وتزداد احتمالات السقوط نحو التقليص بسبب قدرتها التفسيرية والترابطية، وتبدو القصة قابلة للاعتماد عليها رغم أنّها قد تعرض جانباً واحداً من الموضوع، وبالتالي، تحوي النتائج الناجمة عنها ربما خطر أن تكون مضلّلة أو لا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
تجعلنا الروايات عرضة لسلسلة من الانحيازات المعرفية التي قد تستغل للتلاعب بالرؤية التي نطوّرها تجاه جدل بعينه، وبهدف تبسيط ومعالجة المعلومات التي نتلقاها باستمرار بصورة سريعة وفعّالة، فإنّ عقلنا يلجأ للانحيازات المعرفية، أي إنّه يعود للخبرات السابقة كي يتّخذ قرارات دون حتى أن ندرك ذلك، وعموماً، فإنّ هذه وظيفة مفيدة جداً، لكن في بعض الأحيان، تؤدّي هذه الانحيازات إلى انحرافات في التأويل، يطلق عليها الانحيازات المعرفية.

إنّ الميل نحو الاعتقاد بقوة حُجّة لأنها قابلة للتصديق، والتركيز فحسب على المعلومات التي تعضّد الأفكار الموجودة بالفعل، أو حتى تفضيل نتيجة صحيحة حتى لو كانت تنطوي على أضرار، هي بعض أوجه هذا الانحياز المعرفي. وتكمن قوة هذه الانحيازات في تجاهلنا لها، بمعنى أنّها تحدث بصورة طبيعية تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة كي ننتبه لها، وبالتالي إعادة النظر في القرارات الناتجة عنها.

في ضوء الخصائص المذكورة، يصبح خطاب المغالطات أداة مُفضّلة لليمين المتشدد، سواء من أجل نقل أُطره أو ضمان انتشاره عن طريق التكرارية.

يروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها

إطار غياب العدالة: الإحباط الدائم

تاريخياً، لطالما شكّل النقاش حول توزيع الثروة جزءاً من أجندة الأحزاب اليسارية، فالصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال هي العناصر البارزة في هذا الاتجاه. لكن ملكية هذا الملف لم تعد قاصرة على هذا التيار السياسي وحده، فقد تمكّن اليمين المتشدد من انتزاعه، لينجح بذلك في إدخال "إطار" إلى النقاش العام يناطح خطاب اليسار ويسعى لوضع إعادة تصوّر للمشكلة.

إنّ معقولية الرواية تجعلها أحياناً سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة

ويروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها، إلّا أنّه يغير تعريفها، بحيث تصبح المشكلة لا بين الأغنياء والفقراء مثلما يرى اليسار، بل تتّخذ صورة أفقية لتتحّول إلى مشكلة بين الفقراء والأجانب الفقراء، بمعنى أنّه يجري الربط بين مسألة الهجرة والشرائح الأكثر تعرّضاً للتهميش. وبفعل ذلك، يضع اليمين المتشدد تلك الفئات في موضع المنافسة على الموارد العامة وفرص العمل والتعليم لأجل أبنائهم والحصول على المنازل، والقائمة لا تنتهي.

وإذا نظرنا إلى الحالة الألمانية، فسنجد أنّ الإطار يعمل على أكمل وجه بفضل خطاب وصول اللاجئين في 2015. وفي هذا الخطاب يُصوّر اللاجئين على أنّهم زوّار غير مرغوب فيهم و"فتحت لهم الأبواب" المستشارة أنجيلا ميركل.

اقرأ أيضاً: عن اليمين السياسي في المنطقة العربية.. أيّ دور وهُويّة؟

يؤدّي الإحباط الناجم عن هذا الإطار، مُعزّزاً بخطاب اليمين المتشدد، إلى حصوله على أصوات هؤلاء الذين لا تتحقّق تطلّعاتهم ولا يشعرون بالرضى، فلم يعد الكثيرون يثقون في النظام ولا الأحزاب السياسية التقليدية، ويشعرون بالإحباط والتهميش والنسيان، كما يستثار الشعور بالاستياء لدى هذه القطاعات حين تجد ضالّتها في كبش فداء أضعف بكثير من الأغنياء والمصارف والشركات العالمية.
بالتالي يسمح إطار غياب العدالة بتلافي اكتساب المشكلة لطابع معاداة الأجانب، على الأقل ظاهرياً، ويضفي نوعاً من المنطقية على رفض الغاضبين للاجئ أو الإفريقي الذي عانى الأمرّين كي ينجو بحياته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلّق الأمر بالهجوم عليه، بل بالدفاع عن النفس. وهنا يصبح الانحياز المعرفي جلياً للغاية: التركيز على المعلومات التي تؤكّد المخاوف. لقد خان السياسيون، الذين لا يمكن الوثوق بهم، شعبهم بالسماح بدخول الأجانب واستغلالهم للموارد، ويعمد خطاب اليمين المتشدد على الادعاء بأنّ هؤلاء السياسيين هم مشكلة البلاد وأنّ تغييرهم هو الحل، وهذا ما يقودنا إلى المثال الثاني.

الشعب في مواجهة عدو الشعب

إطار التهديد الكامن: الخوف والكراهية

يتميّز خطاب اليمين المتشدد بالثنائية المنطقية. الشعب في مواجهة عدو الشعب، مفهومان يضطلع اليمين المتشدد بتعريفهما وملئهما وفقاً لما يراه. السياسة القديمة، الاتحاد الأوروبي، البنوك، وسائل الإعلام، قد تكون هي أعداء الشعب، والأخيرة تلعب دور العدو عند عملها بما يتعارض مع مصالح البلاد، مع تقديم هذه المصالح على أنّها التمثيل الجماعي للمواطنين.

إنّ بناء هذا الخطاب عملية بسيطة للغاية، لكن لا تفتقر للفعالية في الوقت ذاته. فمن جانب هناك الشرير، العدو، سبب المشكلات ومعاناة الضحية، وعلى جانب آخر قد يظهر المتواطئ، الذي لا يفعل شيئاً سوى منح الشرعية للشرير والتعاون معه. وأخيراً هناك البطل الذي يأتي لمحاربة الشر، رغم أنّه يتعيّن عليه قبلها تجاوز عدة مصاعب من أجل تحقيق هدفه، وفي هذا البناء الخطابي البسيط، يبثّ اليمين المتشدد إطاره التفسيري الأكثر فعالية: إطار التهديد الكامن.

أما الضحية فهو الشعب، يتعرّض الشعب للخطر، ومن الضروري إبراز أنّ هذه النظرة ليست مادية بحتة، ولا تركّز فحسب على الموارد التي يساء توزيعها، بل على قيم الشعب المُهدّدة. فالضحية هنا يشعر بالخوف من فقدان ثقافته ودينه وأسلوب حياته والخوف من ألّا تعود الأمور لسابق عهدها والخوف من الفوضى، كل هذه القيم تلخّص مسألة الهوية الوطنية.

كان للصحافة دور كبير في استمرار الخطاب اليميني المتشدد فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر

وعلى التوازي مع هذا الخطر، أو الشرير، توجد عدة صور في سرديات اليمين المتشدد. فقد تشير إلى الإسلام كـ"دين غريب لا جذور له في أوروبا.."، كما قد يوصف المهاجرين بجماعة خارجية "لا تريد الاندماج وتمتلك تقاليد غريبة وتتعارض على الأرجح مع القيم المحلية"، وقد يُساق السياسيون والأحزاب التقليدية كذلك إلى لعب دور العدو، وأيضاً "تحرّكاتها المعادية للوطن والأنانية والتي تحطّ من شأن مصالح من يمثّلونهم" ليصبحوا في نظر اليمين المتشدد "الجرثومة المسُبّبة لمرض" النظام.

وفي نفس السياق، من شأن الأشرار أن ينتقلوا إلى خانة المتواطئين، فالسياسة "بفتح الأبواب في وجه الهجرة"، أو وسائل الإعلام "بإخفاء الحقيقة"، مثالان واضحان جداً على ذلك.

وأخيراً، فإنّ البطل هنا ليس سوى الحزب اليميني المتشدد، وزعيمه بشكل عام، الذي يصل "للدفاع عن الشعب" وتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت "تحذير الشعب من التهديد الكامن، واتهام المذنبين بشرورهم، واسترداد القيم المُنتهكة، وإعادة النظام إلى البلاد".

يحوي إطار التهديد الكامن بداخله عدة أُطر فرعية منبثقة عنه، تظهر في سرديات اليمين المتشدد. فالخوف من التحوّل إلى "أقلية في بلادنا" نموذج لذلك، وقد استعانت عدة أحزاب وحركات بهذه العبارة للتحذير مما أسمته باستبدال ثقافي، وكذلك انهيار الهويات الوطنية. إنّ المكوّن الوطني أو القومي، الذي يتضمّنه هذا الإطار الفرعي، لا يؤدي لإثارة الخوف فحسب، بل ينشر الكراهية تجاه الثقافات الوافدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

يندرج دور المرأة وهويات الأنواع .. ونقاط أخرى ضمن بعض ملفّات النقاش التي يطبّق فيها اليمين المتشدد نموذج إطار التهديد الكامن، ويجترّ في خطابه عناصر محافظة متشددة يستخدمها اليمين المتشدد كرأس حربة في مواجهة الحدود الناجمة عن الصواب السياسي. وفي هذا السياق، يضحى ما كان يُنظر إليه باعتباره تقليلاً من الاحترام اليوم واقعاً لا يجرؤ أحد على الإشارة له.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين، وبالتالي، لم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً، بل يتحوّل إلى دفاع عن قيم بعينها. ويرتبط العنصر الأخير تحديداً بالخوف من الفوضى وغياب القواعد وضياع الوضع الراهن.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد

ثلاثية المشاعر

يلعب خطاب اليمين المتشدد عادة على استثارة حزمة من المشاعر التي تترجم في مجتمعاتنا إلى الكراهية والخوف والإحباط، وبعيداً عن النماذج التي سبق وصفها على حدة، فمن الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة بحيث يتغذّى كل منها على الآخر. السخط على السياسة يتحوّل إلى كراهية بسبب تجاهل مخاوف الشعب الذي يشعر في داخله بغياب الأمان والخوف وعدم اليقين.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كما تعود فعالية هذا الخطاب إلى الاستفادة من انحيازاتنا المعرفية. ومثلما ذكرنا آنفاً، فإنّ معقولية الرواية تجعلها في كثير من الأحيان سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها، وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة. وهنا نظنّ أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها هي نتاج عملية عقلانية، بالمفهوم التقليدي، بينما نحن في حقيقة الأمر نحاول إيجاد تبريرات لمواقف مُعيّنة.

لقد تزايد انتشار خطاب اليمين المتشدد وأطره بسبب عوامل خارجية أخرى. فمن جانب، عانت باقي الأحزاب السياسية صعوبات حقيقية لإدراك المنطق الدعائي لليمين المتشدد، ولم تفهم حتى الآن بعض هذه الأحزاب ما يحدث. فمع إغراقها في التحليل المتخصّص، لم تكن الأحزاب التقليدية قادرة على تطوير أُطر بديلة للمنافسة في الساحة العامة. فقد رأت كيف أنّ قوى يمينية متشددة مختلفة كانت قادرة على اكتساب الناخبين إليها، لا سيما في ملفات مثل الهجرة واللاجئين والهوية الوطنية وموضوعات أخرى. بل إنّ قوى اليمين المتشدد سجّلت نقاطاً لصالحها حتى في النقاشات التي غابت عنها الأحزاب التقليدية بشكل رسّخ لأُطرها أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما أنّ دور الصحافة كان كبيراً فيما يخصّ استمرار الخطاب اليميني المتشدد، فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر، وبالتالي، سرديات القوى اليمينية المتشددة، فقد ساهمت بصورة غير مقصودة إذن في نشر دعاية اليمين المتشدد، وبشكل ما منحه أهمية لم يكن قادراً على اكتسابها بمفرده.

لم ينته بعد الجدل الإعلامي حول تغطية النشاط السياسي لهذه الأحزاب أم تجاهله، لكن خطر تقديم دعاية مجانية للاستفزازات الاستراتيجية التي يشنّها زعماء اليمين المتشدد لا يزال كامناً. هناك مبادرات جديرة بالاهتمام من قبل بعض مجموعات الصحفيين للتثبّت من الحقائق تقدّم أفكاراً جيدة لمكافحة المعلومات الكاذبة المنتشرة، بيد أنّ مداها محدود في مواجهة ملايين الرسائل الخاصة، والمنشورات التي تُبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية النشطة يومياً على مدار 24 ساعة.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد. دون أي نوع من الرقابة، وفّرت شبكة الإنترنت لهذه القوى السياسية فرصة كبيرة للوصول إلى قطاعات من الناخبين كانت عاجزة عن الوصول إليها بالوسائل التقليدية، فضلاً عن التمييز بين شرائح الناخبين المختلفة لتزداد بذلك فعالية رسائله ودرجة تعقيدها.

في خضم هذه الأجواء المواتية، تمكّن اليمينيون المتشددون من بث خطابهم، وبالتالي تفعيل ثلاثية الخوف-الكراهية-الإحباط لدى الشعب. وتعدّ هذه العواطف، مضافاً إليها الانحيازات المعرفية ودور العناصر المذكورة بالأعلى، مفاتيح لفهم تنامي نفوذ اليمين المتشدد وبناء قواعد له في أنظمة سياسية محلية.

مسألة انتخابات

تحظى الأحزاب السياسية بفرصة ذهبية لمراجعة مفاهيمها بشأن الناخبين، لكن شريطة تخلّيها عن ثنائية المنطق في مواجهة المشاعر، القديمة والبالية. كما أنّها بصدد فرصة سانحة لإعادة اكتشاف قيمها، وبناء -بالاستناداً إليها- أُطر تتنافس مع تلك الخاصة باليمين المتشدد، وفي حال فعلت ذلك، فستفرض على المواطنين اختيار القيم الأساسية بالنسبة لهم، ممّا يعني عدم الانزلاق وراء الإجابات التلقائية التي يقدّمها المخ.
أمّا في حالة تجاهلها لهذا الوضع وإذا ما قرّرت المضيّ قدماً في نفس نهجها الحالي، فستكون الأحزاب السياسية غير قادرة على عدم الخروج من خندق السياسة القديمة، ما سيعمّق انعدام ثقة الناخبين بها، ما سيؤدّي بالتبعية للاتجاه نحو خيارات أكثر أصولية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما يمثّل هذا السياق تحدّياً كبيراً بالنسبة للصحافة على مستوى القارة. فدورها رئيس من حيث عدة جوانب، فالمعلومات الكاذبة، على سبيل المثال، هي نقطة محورية تجبر كافة وسائل الإعلام على الارتقاء بمعاييرها للرقابة والتحقّق من صحة المعلومات، والحيلولة دون انتشار معلومات زائفة لن يكون خدمة للمواطنين فحسب، بل سينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية في المنطقة بأسرها.

على جانب آخر، من الضروري أيضاً أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة. ولن يتحقّق ذلك عن طريق التوقّف عن تغطية أنشطة هذه الحركات وتجاهلها، لكن عبر عمل صحفي نقدي دقيق وواع لوجود أُطر هدفها التأثير على الرأي العام.

بوسع المواطنين الاختيار، يمكنهم التفكير في ماهية قيم الخطاب، وتحديد ما إذا كان الاختزال الذي تروّج له حركات اليمين المتشدد يتوافق معهم أم لا. هل معاداة الأجانب إحدى القيم التي يمكن الدفاع عنها؟ هل العنصرية كذلك؟ أم الكراهية أو الأنانية؟

تحليل للكاتب فرانكو ديللي دوني عن أسباب اتجاه قطاع من الناخبين لمنح أصواتهم لليمين المتشدد في أوروبا، نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)


المصدر: https://bit.ly/2HEAOfm

الصفحة الرئيسية