محمد شكري .. رسول المتعيشين على الخبز الحافي

10336
عدد القراءات

2018-03-20

ربما تضع الأقدار قوانينها الصارمة، ويظن البعض أنها أحكمت أسيجتها جيداً، بحيث يبدو الفكاك منها أمراً مستحيلاً، لكنها دوماً تمنح في متاهات دروبها المتشابكة باباً للخلاص، لا يملك مفتاحه إلا الحالمون الرافضون للحتميات الموهومة.

لوحات القهر

في ظروف تتنوع فيها ألوان المعاناة، فتلتقطها فرشاة القهر، لترسم بها لوحات درامية لا تعرف الرحمة، تفتحت أعين الصغير الذي ولد في آيات شيكر بإقليم الناظور في شمال المغرب العام 1935؛ حيث الفقر المدقع هو السمة السائدة في مجتمع الهامش شديد البؤس، بينما الاحتلال يستنزف موارد الوطن، ولا يترك لأبنائه غير فتات من خبز أصابه العفن في كثير من الأحيان.

تهاجر الأسرة إلى طنجة هرباً من المجاعة، تحت قيادة أب يفوق الحياة في قسوتها، بحيث لم يتورع في نوبة جنون عن ضرب ابنه الصغير حتى الموت، يختبر محمد شكري حياة الليل منذ نعومة أظفاره، يهرب مراراً وتكراراً من قسوة الوالد، وضراوة الجوع، تلمحه هنا وهناك بين أكوام المزابل يلتقط بقايا الطعام الفاسدة؛ عله يسكت ضجيج أمعائه الخاوية، يتنقل بين عديد الأعمال الشاقة التي يسخره فيها أبوه كلما عثر عليه، قبل أن يفر من جديد لدنيا الليل وعوالم الصعاليك، يقول شكري: "كنت أتبع خطى السكارى والحشّاشين وطوافي الليل أجد لي دائماً مكاناً بينهم، لقد كانت لنا نفس الذكريات واللغة، لنا عالمنا ليلاً ونهاراً، في لعنتنا الجميلة".

تفتحت أعين شكري في آيات شيكر بإقليم الناظور شمال المغرب حيث الفقر المدقع هو السمة السائدة

من رحم القسوة ومن بين أنّات بطون الجائعين وصلب المتعيشين على الخبز الحافي خرج محمد شكري ليسمع كلمته للعالم، يبدأ رحلة التعليم وهو في الواحدة والعشرين من عمره، يتعرف على الحروف والأرقام متحملاً تعالي المعلمين، وقسوة الفقر والحرمان، لكنه لا يسلو حياة الليل وصحبة الصعاليك، تتجاذبه الأنواء ولكن التحديات لم تفلح في كسر إرادته، كان التعليم هو شاطئ الخلاص الأخير لتائه قرر أن يجد طريقه بين الأمواج العاتية، لتحدث المعجزة، ويفلح شكري في تعويض ما فاته، فيحصل على الثانوية، بعد أن درس العربية والإسبانية في المدرسة وأجاد الفرنسية بطلاقة، ثم التحق بمدرسة المعلمين، ليصبح معلماً، وهو الذي كان منذ سنوات ضحية الأميّة يحبو في عوالم الأسطر، ويضل طريقه بين الكلمات.

بدءاً من العام 1966 بدأ محمد شكري ينشر محاولاته الأدبية، واستقبلتها بالاحتفاء عدة مجلات متخصصة في الأدب في المغرب ولبنان وعدد من البلدان العربية، وظهرت ترجمات لتلك الأعمال في دوريات أدبية أمريكية وأوربية.

استمرت كتابات شكري، ومساهماته الإبداعية، واحتفت به وسائل الإعلام الغربية، خاصة في باريس التي دعته إحدى قنواتها التلفزيونية للإطلال منها على العالم، ويبدو من اللقاء طلاقة ابن الريف في التحدث بالفرنسية وهو الذي لم يكن يعرف سوى الأمازيغية، كما تألق شكري في المجال الإذاعي من خلال برنامج أعده بعنوان "شكري يتحدث" حيث كان يطل على جمهوره صباح كل سبت من إذاعة البحر المتوسط الدولية التي تبث من طنجة.

في العام 1972 كتب محمد شكري سيرته الذاتية (الخبز الحافي)، بناء على اقتراح من صديقه بول بولز

الخبز الحافي

في العام 1972 كتب محمد شكري سيرته الذاتية (الخبز الحافي)، بناء على اقتراح من صديقه بول بولز، وفيها كثّف الضوء على مرحلة الهامش التي عاشها قبل أن يبدأ رحلة التعليم، ومن ثم الانخراط في عالم الأدب وتبوؤ مكانة بين النخبة المثقفة، والرواية في مجملها ملحمة سردية صادمة في صراحتها، يتنقل فيها الكاتب بين أروقة طنجة وأرصفتها وعالمها السفلي الذي كانت ملجأه الأثير، فيحكى في تلقائية شديدة العنف كيف احترف في طفولته التسول والسرقة، وكيف عكف دوماً على البحث عن بقايا الطعام بين المزابل والمخلفات، في صحبة أبناء الليل، إنها قصة اندماجه وكينونته في مجتمع الهامش المغربي إبان الاحتلال وعشية الاستقلال، وهو هامش شب فيه وتورط في كل تفاصيله حتى الثمالة؛ حتى أنّه باع جسده ذات يوم لعجوز من أجل حفنة من مال يسد به جوعه.

نشأ في كنف أب يفوق الحياة في قسوتها لم يتورع عن ضرب ابنه الصغير حتى الموت

تمضى الرواية/ السيرة لتهدم كل تابوهات المجتمع الشرقي، في مشهد يتصدره الفقر المدقع وحده، مضى شكري يسرد تاريخه بنوع من الاعتراف بلا ندم، لقد عاش اللعنة وتأملها واستوطن ثناياها، قبل أن يقرر الخروج من الباب الضيق، لكنه يبدو ممتناً للطريق الصعب، بحيث لا يصيبه أي قدر من العار، فالعار وحده يبقى من حق أولئك الذي صنعوا أو ساهموا في صنع هذا الجحيم الأرضي.

كانت المشاهد الجنسية الحادة والمتعددة من أكثر الصور الصادمة في الرواية، فالكاتب يشرح حياة الليل التي عاشها لأكثر من عقدين من الزمان، في صحبة القوادين واللصوص وبنات الهوى، حيث ألِف حياتهم، وعاش معاشهم، وفي عمق أدبي يحاول أن يسقط قسوة الأيام على الجنس، وهو التابو النمطي الذي يتحسّس منه المجتمع العربي، ويبدو أنّ شكري أراد بهذا القدر من الصراحة الفجة الانتقام من المجتمع مدعي الفضيلة والتديّن، والغارق في نفس الوقت في كل أنواع الرذيلة.

كانت الرواية التي تندرج تحت ما يسمى بأدب الشُطّار؛ أي الحرافيش والمهمَّشين، تمثّل صداماً حاداً مع التقاليد العربية، فهي جريئة في مخاطبة السماء، وتحدّي سلطة الأب، وطرح الجنس كموضوع، وهي أمور لم تألفها الرواية العربية، ويمكن القول إنّ "الخبز الحافي" تعد وثيقة اجتماعية شديدة الأهمية تعكس حالة المغرب أثناء الاحتلال وبعده.

فض قيوده وتحدى التيار، ليجني الكثير من الشهرة والمال والمكانة في أنحاء العالم

مع معاناة المنع

سلّم محمد شكرى الرواية العام 1972 إلى بول بولز الذي ترجمها إلى الإنجليزية، وترجمها إلى الفرنسية الطاهر بنجلون العام 1981 ولم تنشر بالعربية حتى العام  1982، ووصل عدد ترجماتها إلى ثمان وثلاثين لغة أجنبية.

ومع ظهور النسخة العربية ثارت ضجة كبيرة في المغرب، وظهرت حملة تزعّمها أحد الفقهاء من هيئة علماء المغرب، لمطالبة الدولة بمنعها، بحجة أنها تشجّع على العقوق على الأصول، مستقطعاً ما يدلل على أنّ القتل الرمزي للأب على صفحات الرواية، يمثّل دعوة صريحة للأبناء لسلوك هذا السبيل، وانتشرت دعاوى المنع، وبالفعل منعت الرواية بالمغرب، وعدد من الدول العربية.

تمكن شكري في شبابه من تعويض ما فاته وتجاوز أميته حتى تخرج من دار المعلمين وأجاد الفرنسية بطلاقة

على صعيد آخر، كانت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تقوم بتدريس "الخبز الحافي" لطلبتها ضمن مناهج الأدب العربي، ومع انطلاق حملات المنع في عدة دول عربية، بدأت ضغوط كبيرة على الجامعة لمنع تدريسها، وقامت تظاهرات بتحريض من التيار المتشدد خارج الجامعة، انضم لهم بعض أولياء الأمور المتزمتين، لتنصاع الجامعة الأمريكية في النهاية وتعلن وقف تدريس الرواية في العام الجامعى 97/98.

وفي العام 2000 أعلنت دار الساقي صاحبة حقوق النشر عن منع إدارة معرض القاهرة الدولي للكتاب رواية "الخبز الحافي" من المشاركة في المعرض ضمن ثلاثة كتب أخرى لمحمد شكري هي: الشطّار (الجزء الثاني من سيرته الذاتية) والخيمة، ومع المنع ذاع صيت الرواية أكثر فأكثر، وهبّت الأقلام المستنيرة تذود عن حرية الكلمة، وكان أبرز المدافعين عن شكري وروايته هو الروائي الكبير صاحب نوبل نجيب محفوظ.

مع ظهور النسخة العربية من الخبز الحافي ثارت ضجة كبيرة أثمرت عن منعها أكاديمياً وفي معارض الكتاب

خرج شكري من متاهة الأقدار التي فرضت عليه الفقر والجهل، ففض قيوده وتحدى التيار، ليجني الكثير من الشهرة والمال والمكانة في أنحاء العالم، وحين قرّر المرض أن يسدل الستار على مسيرته، حظي برعاية كاملة من الدولة، كأي مبدع تفخر به بلاده، وأصدر الملك محمد السادس أمراً ملكياً بعلاجه بالمستشفى العسكري بالرباط العام 2002، قبل أن يودع عالمنا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2003.

التاريخ يصنعه المهمّشون، ويكتبه المنتصرون، هكذا نبهنا محمد شكري، وهو يسرد رحلته في الهامش، ومدى قسوة الحرمان ووطأته على رقاب أولئك الذين قذفت بهم الأقدار إلى هذا العالم السفلي، عاش شكري لعنته مستسلماً ومتأملاً في الوقت نفسه مرافئها البعيدة، بين المواخير والمزابل وعوالم الجريمة، هامَ على وجه الليل الثقيل يلتمس طريقا للبقاء، كالسائر نائماً عبر الأزقة ومرافئ الذكريات، وتلك الأيام الطويلة المثخنة بالطعنات، كتب شكري سيرته الذاتية الخبز الحافي الصادمة لكل ثوابت مجتمعه وتقاليده الزائفة في عصر الاستعمار وما بعد الاستقلال، كتبها على صفحات الأيام ليعلن أن مهمّشاً سحقته الأقدار عَبر من نوافذ الأمل إلى حيث فضاء المعرفة الفسيح، لنعلم أنه ذات يوم مر من هنا.

يقول شكري:"لقد علمتني الحياة أن أنتظر، أن أعي لعبة الزمن بدون أن أتنازل عن عمق ما استحصدته، قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتماً طريقها".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال

أعدمت مجموعة من رجال الأمن الصومالي أمس 9 مدنيين في مدينة جالكعي وسط الصومال.

وصرح أحد أعيان المدينة محمد يوسف بأن " رجال الأمن اعتقلوا 9 أشخاص في المدينة واقتادوهم إلى خارجها، قبل أن يتم إعدامهم بشكل جماعي ما أثار غضب الأهالي"، وفق ما نقلت وكالة الأناضول، فيما أكدت مصادر صحفية أن القتلى ينتمون لقبيلة دغل ومرفيلي القاطنة في إقليم جنوب غرب البلاد.

رجال الأمن الصومالي يقدمون على إعدام جماعي لـ 9 مدنيين من مدينة جالكعي وسط البلاد

بدورها نددت الحكومة الصومالية بحادثة القتل الجماعي، كما وعدت بفتح تحقيق حوله وتقديم المتهمين للعدالة.

من جهتهم، حذر شيوخ وأعيان قبيلة دغل ومرفيلي السلطات المحلية، من المساس بأبنائهم العاملين وسط الصومال، بعد تعرضهم "لمضايقات من قبل رجال الأمن" هناك، واتهامهم بـ "التستر على عناصر حركة الشباب التي تنفذ عمليات ضد رجال الأمن والمصالح الحكومية".

هذا ونقلت وكالة سبوتنيك أن انفجارين وقعا  في العاصمة الصومالية مقديشو اليوم، ما أسفر عن إصابة شخص واحد على الأقل.

انفجار قنبلتين في العاصمة الصومالية مقديشو بعد توقيف سيارة محملة بالمتفجرات

ونقل موقع "جوب جوج" الصومالي أن "الانفجار الأول ضرب منطقة سيادكا، القريبة من مجلس النواب، والثاني كان بالقرب من حاجز أمني". ونقل الموقع عن شاهد عيان أن "الانفجار الثاني وقع بعد أن أوقفت قوات الأمن سيارة محملة بالمتفجرات، وأسفر الانفجار عن إصابة السائق، الذي تم توقيفه لاحقا".

كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

تحيي كاتدرائية نوتردام بباريس اليوم أول قداس بعد الحريق الذي تعرضت له قبل نحو شهرين ودمر قسماً كبيراً منها.

ويترأس أسقف باريس ميشال أوبوتي القداس في نوتردام الذي سيحضره نحو ثلاثين شخصاً فقط نصفهم من رجال الدين.

وقالت أبرشية باريس في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إن القداس لن يحضره مصلون "لأسباب أمنية واضحة"، لكن ستقوم قناة "كي تي أو" الكاثوليكية بنقل وقائعه مباشرة "ليتمكن المسيحيون من المشاركة فيه".

أبرشية باريس: القداس في نوتردام لن يحضره مصلون لأسباب أمنية واضحة وسيحضره نحو 30 شخصاً

وإلى جانب المونسنيور أوبوتي، سيحضر القداس خادم رعية الكاتدرائية المونسنيور باتريك شوفيه وعدد من الكهنة ومتطوعون وأشخاص يعملون في الورشة وعاملون في أبرشية باريس. ولن تشارك جوقة معهد نوتردام في القداس، لكن قائداً لجوقة الترتيل سيكون حاضراً.

وسيطلب من الكهنة بالتأكيد ارتداء خوذ لكنهم سيحضرون بلباسهم الكهنوتي.

وتضرر جزء كبير من الكاتدرائية التي تمثّل رمزاً في قلب العاصمة الفرنسية، في حريق أثار حملة تضامن واسعة في العالم لإنقاذ وترميم هذا الموقع الذي يرتدي طابعاً رمزياً كبيراً في قلب العاصمة الفرنسية.

ودمر الحريق مسلة الكاتدرائية وسقفها وجزءاً من قبتها.

واختير موعد هذا القداس في ذكرى تكريس مذبح الكاتدرائية. وقال حول الموضوع المونسنيور شوفيه، إنه "تاريخ يرتدي طابعاً مهماً روحياٌ"، معبراً عن ارتياحه لتمكنه من إثبات أن "نوتردام حية بالتأكيد".

منذ الحريق، يعمل بين 60 و150 عاملاً في الورشة مواصلين نقل الركام وتعزيز البنية. وما زالت المنشأة في طور تعزيزها. أما أعمال تأمينها بالكامل فيمكن أن تستغرق أسابيع قبل إطلاق الأشغال الطويلة والمعقدة لترميمها.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة بناء الكاتدرائية خلال خمس سنوات.

وحتى الآن، لم يتم دفع سوى تسعة بالمئة من المساهمات الموعودة والبالغة قيمتها 850 مليون يورو.

ويفسر ذلك بأن التبرعات الصغيرة للأفراد يمكن تقديمها بدون أي شروط، لكن الشركات الكبرى والمجموعات عليها صياغة عقود حول تخصيص مساهماتها.

في عام 2017 زار نحو 12 مليون سائح كاتدرائية نوتردام التي تعد تحفة معمارية للفن القوطي وتجري فيها أشغال منذ سنوات.

والكاتدرائية مدرجة على لائحة التراث العالمي منذ 1991. وقد اكتسبت شهرة كبيرة بفضل رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" التي تم اقتباسها عدة مرات في السينما والعروض المسرحية الغنائية.

مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان..

أكد مسؤول أمريكي كبير على أنّ هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية بعد فض الاعتصام، محذراً من الفوضى. بينما طالبت الشفافية الدولية بوضع حد للفساد، داعية إلى مقاضاة منتهكي حقوق الإنسان هناك.

وطالب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون إفريقيا، تيبور ناجي، بإجراء تحقيق "مستقل وذي مصداقية" في عملية القمع، التي شهدها السودان بدايات الشهر الجاري وأدت إلى مقتل العشرات، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.

مسؤول أمريكي يؤكد أن هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية

وفي سياق آخر، أصدرت منظمة الشفافية الدولية بياناً، أمس، دعت فيه إلى "وضع حد للفساد لحماية حقوق الإنسان في السودان".

وأضافت المنظمة في بيانها "في الأسابيع الأخيرة وردت تقارير عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وفظائع ارتكبها الجيش السوداني. تدعو منظمة الشفافية الدولية إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان".

وقالت، المنسق الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة الشفافية الدولية، كندة حتر: "الوضع في السودان ينطوي على طاقة كامنة تؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار والعنف، الأمر الذي سيحصن فقط مستويات الفساد العالية بالفعل هناك."

وأضافت حتر: "تحتاج البلاد إلى فترة من الاستقرار لبناء مؤسسات ديمقراطية وأنظمة الحكم الرشيد واستعادة ثقة الشعب في الحكومة".

وكان قد أقرّ المتحدّث باسم المجلس العسكري الحاكم في السودان، أول من أمس، بأنّ المجلس هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية تسبّبت في مقتل العشرات.

منظمة الشفافية الدولية تدعو إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان في السودان ووضع حد للفساد

واعتصم المتظاهرون لأسابيع أمام قيادة الجيش في الخرطوم للمطالبة بداية برحيل الزعيم عمر البشير، ولاحقا للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.

لكن في 3 حزيران (يونيو) وبعد ايام على انهيار المحادثات بين قادة الاحتجاجات والجيش، اقتحم مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مخيم الاعتصام في عملية قالت لجنة الاطباء انها خلفت 120 قتيلاً. الا ان وزارة الصحة اعتبرت أن الحصيلة في ذلك اليوم بلغت 61 قتيلاً فقط.

هل يُسجن صحفيان لنشرهما مقالاً عن الاقتصاد التركي؟

حملت حكومة العدالة والتنمية التركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة عبر الاستناد على نظرية  المؤامرة، التي تحاول الحكومة الإسلامية الاختباء خلفها في تبرير فشلها في إدارة الأزمة الاقتصادية.

حكومة العدالة والتنمية تحمل وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة

وفي أحدث فصول هذه المعارك بين أنقرة والإعلام العالمي، برزت قضية وكالة بلومبيرغ الدولية التي اتهمها الادعاء العام التركي بنشر تقارير عن الاقتصاد التركي "تناقض الواقع"، وتبالغ في تصوير أزمة العملة التركية، وفق ما نقل موقع "أحوال تركية".

وقالت وكالة بلومبيرغ، إنّ المدعين العامين الأتراك يسعون إلى فرض عقوبة السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات على اثنين من مراسليها في تركيا، بسبب تقريرهما حول أزمة الليرة التركية العام الماضي.

وأوضحت "بلومبيرغ" أن كريم كاراكايا وفيركان يالينكيتش قد اتُهما بمحاولة تقويض الاستقرار الاقتصادي لتركيا بسبب قصة إخبارية كتباها في آب (أغسطس) 2018.

وبحسب تقرير "أحوال تركية"، فإن هذه الاتهامات تأتي بعد أن اشتكت هيئة تنظيم البنوك في تركيا، من تقرير بلومبيرغ حول أزمة العملة.

ودان رئيس تحرير بلومبيرغ، جون مكلثويت، لائحة الاتهام، مشدداً على أنّ مراسلي وكالته قدّما تقارير عادلة ودقيقة عن الاقتصاد التركي.

وكانت تقارير لبلومبيرغ وغيرها قد تناولت أزمة العملة التركية، كما تحدثت عن أن بعض فروع البنوك في تركيا تعاني من انخفاض في العملة الأجنبية، وهو ما ركزت عليه بلومبيرغ التي كشفت، في تقرير لها، أنّ أحد فروع البنوك لم يستطع على الفور، تلبية طلب من أحد العملاء لسحب 5000 دولار.

المدعون العامون الأتراك يطالبون بسجن مراسلين "بلومبيرغ" لخمسة أعوام بسبب تقرير حول الليرة التركية

واستندت بلومبيرغ في تقريرها، على أنّ العميل زار فروع ثلاثة بنوك كبيرة، لكن لم تتم تلبية طلبه، إذ استنتج أن البنوك تكافح لمواكبة الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.

وهبطت الليرة التركية إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية، وزادت من سوء الوضع الاقتصادي الملفاتُ السياسية الداخلية، وكذلك التوترات بين أنقرة وواشنطن في أكثر من ملف إقليمي ودولي.

كان الرئيس التركي رجب إردوغان، انتقد بشدة في نيسان (أبريل) 2019، وسائل الإعلام الغربية التي اتهمها بتضخيم الصعوبات الاقتصادية لتركيا، مشيراً خصوصاً إلى مقال نشرته "فايننشال تايمز" حول البنك المركزي التركي.

وتندد منظمات تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة، بانتظام بحملات الاعتقال التي تطال الصحافيين، وبإقفال وسائل إعلام منذ الانقلاب الفاشل في 2016.

وتحتل تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة لعام 2018، الذي وضعته منظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية.

إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟

تأتي العملية الأخيرة، التي استهدفت ناقلات نفط على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من السواحل الإيرانية المقابلة لسواحل سلطنة عمان، في إطار تناقض أصبح مكشوفاً في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ومواصلة معركة عض الأصابع بين الجانبين، في إطار رهانات أمريكية على تنازلات إيرانية، وانصياع طهران للمطالب الأمريكية بالتفاوض، مقابل رهانات إيرانية بإمكانية صمودها أمام الضغوط الأمريكية، وضعف احتمالات قيام أمريكا بشن هجوم على إيران؛ لأسباب مرتبطة بالانتخابات الأمريكية القادمة، والخلافات الداخلية بين البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ترامب يكشف من وراء تفجيرات خليج عُمان

استهداف ناقلات النفط، جاء متزامناً مع تطورين بارزين وهما: زيارة رئيس الوزراء الياباني "صديق الرئيس الأمريكي ترامب" إلى طهران حاملاً رسالة من ترامب، وإطلاق صاروخ كروز من قبل الحوثيين على مطار أبها المدني جنوب المملكة العربية السعودية، بعد ضربات ضد أهداف مدنية وعسكرية ومنشآت اقتصادية تم تنفيذها من خلال طائرات إيرانية مسيّرة، إضافة إلى العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أكثر من شهر.

خلافاً لعملية الفجيرة أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء تفجير ناقلات النفط في خليج عُمان

وخلافاً لعملية الفجيرة، أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء العملية الأخيرة، وبأدلّة تشير إلى قيام عناصر من الحرس الثوري الإيراني باستعادة لغم لم ينفجر بمحاذاة إحدى ناقلات النفط خلال تفجيرها، فيما جاء إطلاق الحوثيين صاروخ كروز ليؤكد مسؤولية الحرس الثوري، ارتباطاً بالقدرات المحدودة للحوثيين على التعامل مع هكذا صواريخ.

رغم انشغالات المحللين والرأي العام بسؤال الحرب في المنطقة، من حيث توقيتها ومدياتها وأطرافها، وفيما إذا كانت ضربة محدودة ستوجهها أمريكا لأهداف إيرانية أم ستكون حرباً شاملة مفتوحة؟، إلا أنّ ردود الفعل الأمريكية المتناقضة ترسل رسائل واضحة أنّها متمسكة بخيار الضغط على إيران لأبعد حد ممكن لإجبارها على التفاوض، وأنّها ليست بصدد الذهاب إلى الحرب، ويبدو أنّ القيادة الإيرانية، وفي ظل تقدير عميق لرد الفعل الأمريكي المحتمل وأنّه لن يصل لمستوى شنّ حرب ضدها، تمارس تنفيذ سياسة استفزاز لأمريكا، وحلفائها في المنطقة، وإحراجها بتنفيذ عمليات نوعية ضد ناقلات النفط في الخليج، وقد أرسل رد الفعل الأمريكي السلبي على عمليات تفجير ناقلات الفجيرة رسالة لطهران بأنّ بإمكانها مواصلة الاستفزاز وتعطيل الملاحة البحرية "النفطية" في الخليج، وهو ما يعزز قناعات واسعة في المنطقة بأنّ إيران ستنفذ المزيد من العمليات ضد أهداف متعددة في الخليج، دون رد فعل أمريكي خارج أطر التنديد والوعيد، خاصة وأنّ تلك العمليات لا يتوقع أن تشمل أهدافاً أمريكية، بما في ذلك بوارجها في الخليج العربي، وقواعدها العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وخاصة في البحرين؛ حيث قيادة الأسطول الأمريكي الخامس، وفي قطر؛ حيث القواعد العسكرية في السيلية والعديد، وقاذفات بي 52 الرابضة فيها.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟

العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط بالقرب من السواحل الإيرانية، تزامنت مع تصريحات ذات دلالة أصدرها المرشد الأعلى خامنئي، حول موقف طهران من الملف النووي الإيراني، وأنّ إيران تؤكد بشكل قاطع أنّها ليست بصدد إنتاج قنبلة نووية؛ لأنّها "محرمة دينياً"، وهو ما يعني تنازلاً إيرانياً واستعداداً لإغلاق الملف النووي، وتقديم ورقة للرئيس الأمريكي، باعتبار أنّ القضية النووية تشكل السبب الجوهري لانسحابه من الاتفاق الموقّع مع إدارة الرئيس الأمريك السابق باراك أوباما، وهو ما يكشف ملامح الإستراتيجية الإيرانية بإبداء استعداد للتفاوض مع أمريكا وتقديم تنازلات في ملفات محددة كالملف النووي، وشن عمليات تثبت استمرار توفر بدائل لدى القيادة الإيرانية، في حال قررت أمريكا مواصلة الضغط على طهران، في العقوبات الاقتصادية التي أصبح واضحاً أنّها تنتهك إيران من الداخل، وهو ما تخشى معه القيادة الإيرانية، من اندلاع انتفاضة شاملة، تضعف موقفها التفاوضي وقدراتها على مواصلة حرب عض الأصابع مع أمريكا وخصومها في الخليج والسعودية.

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب خياراً غير واقعي

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران، محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب شاملة، خياراً غير واقعي، رغم الانضباط الإيراني العالي والدقيق في التخطيط لتنفيذ العمليات واختيار الأهداف والتوقيت، كما أنّ الرهانات على عامل الوقت، الذي يشكل قاسماً مشتركاً في رهانات القيادتين؛ الأمريكية والإيرانية، لم يعد مضموناً في ظل احتمالات وقوع أخطاء عسكرية، أو تنفيذ عمليات من قبل قوى أخرى بما فيها "داعش" و"القاعدة"، التي تحفل سجلاتها بتنفيذ عمليات بحرية ضد حاملات طائرات في خليج عدن"كول".

اقرأ أيضاً: كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

العملية الأخيرة وردّ الفعل الأمريكي عليها المتضمن تقديرات استخبارية بإمكانية تنفيذ عمليات جديدة ضد ناقلات النفط في الخليج، وضد أهداف في دول الخليج، بما يعنيه أنّ أمريكا ليست بوارد الرد على إيران، يطرحان تساؤلات حول قدرة المنطقة وخاصة المملكة السعودية والإمارات، ودول أخرى تعاني أزمات اقتصادية خانقة، على الصبر على التجاوزات الإيرانية، في ظل شكوك "رسمية وشعبية"، عميقة تتصاعد في المنطقة بأنّ هناك توافقات أمريكية إيرانية على السيناريوهات التي يتم تنفيذها، تتزامن مع توجهات أوساط أمريكية لتقييد تصدير الأسلحة الأمريكية للإمارات والسعودية، على خلفية دورهما في حرب اليمن.