إرهاب الذئاب المنفردة لدي سيمون: صرخة إنذار

إرهاب الذئاب المنفردة لدي سيمون: صرخة إنذار
10640
عدد القراءات

2018-01-24

ظلّ إرهاب ما يطلق عليه في أدبيات الإرهاب "الذئب المنفرد"، اتجاهاً فرعياً في الظاهرة، لكنّ سرعان ما أصبح ظاهرة، في حدّ ذاته، منذ العقد الماضي.

فحتى قبل هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ضدّ أمريكا؛ كان هذا النوع من الإرهاب يعدّ من الموضوعات التي لا تلقى اهتماماً كبيراً من قبل الأجهزة الأمنية والاستخبارية في العالم؛ حيث كان اهتمام هذه الأجهزة يتركز على متابعة ومراقبة الجماعات الإرهابية المعروفة، وإن كانت نشاطات وتحركات بعض مصادر إنتاج "الذئاب المنفردة"، في أمريكا تحديداً، من جماعات اليمين المسيحي المتطرف والمليشيا المسلحة، تحظى بمراقبة شديدة من الأجهزة الأمنية، خاصّة مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي، منذ عام 1990. وكانت أكبر وأخطر العمليات في أمريكا، وفي تاريخ هذه الظاهرة؛ عملية "الذئب المنفرد تيموثي مكفي" (في 19 آذار (مارس) 1995) التي قُتل فيها 168 شخصاً، وجُرح 680 شخصاً.

أعقبَ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ردٌّ واسع النطاق وقوةٌ غاشمة في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، التي انتهت بسقوط طالبان في أفغانستان، واحتلال العراق عام 2003، والتعاون الدولي الواسع ضدّ الإرهاب، ما أدّى إلى تقلص كبير في العمليات الإرهابية التي تنفّذها الجماعات الإرهابية المعروفة، مثل؛ القاعدة آنذاك، لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً.

استيقظ العالم في 22 تموز 2011 على أهمّ وأخطر عمليات الذئب المنفرد حيث أقدم المتطرف القومي، أندريس بهرنغ بريفيك، على قتل 77 شخصاً في النرويج

ذلك أنّه، في 22 تموز (يوليو) 2011، استيقظ العالم على أهمّ وأخطر عمليات الذئب المنفرد، وهذه المرة في النرويج، البلد الوادع، وجنة اللاجئين في العالم؛ حيث أقدم المتطرف القومي، أندريس بهرنغ بريفيك، على قتل 77 شخصاً، وجرح 319 شخصاً، بدوافع مختلفة، منها: الكره للأجانب. ونلاحظ خلال هذه الفترة؛ أنّ هذا النوع من الإرهاب كان يأخذ طابع الإرهاب القومي المسيحي المتطرف، ثمّ استمر مسلسل هذا التوحّش، حتى وصل نقطة الانعطافة المهمة، مع بروز إرهاب تنظيم داعش، في بداية عام 2014، رغم وجود بعض العمليات التي تنسب إلى تنظيم القاعدة قبل ذلك التاريخ، مثل: عملية نضال مالك حسن، الرائد في الجيش الأمريكي في قاعدة فورد هود تكساس العام 2009، الذي قتل في عمليته 13 شخصاً، وجرح 32 آخرين، قبل أن يأتي الإرهابيّ من أصول أفغانية، عمر متين، المرتبط بتنظيم داعش، ليقتل 49 شخصاً، ويجرح 53آخرين، في نادٍ ليلي للمثليين في أورلاندو، وذلك في 12 أيار (مايو) 2016، التي تصنّف على أنّها أهم عمليات الذئب المنفرد في التاريخ الأمريكي، حتّى الآن.

بريفيك في قاعة المحكمة حيث يعد أحد أخطر الأمثلة على ظاهرة الذئاب المنفردة

لقد استطاع جيفري دي سيمون، المحلل السياسي السابق في مؤسسة راند الأمريكية، ومدير شركة تحليل المخاطر السياسية، والمحاضر في الإرهاب في جامعة جنوب كاليفورنيا، الذي يعدّ من أهم منظري دراسة الإرهاب الآن، بخبرة تمتد إلى أكثر من 25 عاماً في دراسة الإرهاب، أن ينفذ إلى الكثير من تفاصيل ظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة، وعدّها نوعاً جديداً وخطيراً ومرعباً، ومرشَّحاً للزيادة في المستقبل. وهذا ليس بغريبٍ على باحث مثل سيمون، الذي اشتغل على دراسة الإرهاب، وأساليب كفاحه، لأكثر من 25 عاماً، عملاً ودراسة وتأليفاً؛ حيث كتب عام 1986 عن اختطاف سفينة أكيلي لاورو الإيطالية، التي اختطفتها جماعة جبهة التحرير الفلسطينية، أبو العباس، في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 1985، قبالة السواحل المصرية، وقتل فيها شخص يهودي. وكتاب "ثورة بلا ثوّار" عام 1989، وكتاب "الإرهاب واحتمالية استخدام الأسلحة البيولوجية" عام 1989، وكتاب "مصيدة الإرهابيين: التجربة الأمريكية مع الإرهاب" عام 2001.

ثم كتاب "إرهاب الذئاب المنفردة: الخطر المتزايد"، الطبعة الأولى 2013، والطبعة الثانية عام 2016، الذي نقدّم له المراجعة هنا (من اللغة الإنجليزية لأنّه غير مترجم إلى العربية)، مع تحديث ومقدمة للمنظر والباحث في الإرهاب في مؤسسة راند براين مايكل جنكينز.

وفي هذا الكتاب؛ الذي يقدّم أول معالجة شاملة للظاهرة  تفيد الأكاديميين والخبراء والسياسيين، والرأي العام، استعراض واضح وعميق ومهم لتاريخ ظاهرة الإرهاب، بشكلٍ عام منذ عام 1880، حيث يمكن وصف كتابه بأنّه "صرخة إنذار" وسط كلّ الأطراف المهتمة بقضية مكافحة خطر الإرهاب، خاصة عندما يؤكّد بأنّ الذئاب المنفردة أثبتوا أنّهم أكثر خطورة من إرهابي الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وأنّهم أكثر إبداعاً في تنفيذ عملياتهم من الجماعات والتنظيمات، وأنّهم ليسوا فقط مسلمين ينتمون إلى جماعات وتنظيمات إسلامية؛ بل إلى مختلف الديانات والعقائد والأيديولوجيات، وهذا ما نلمسه بوضوح عند استعراض عمليات الذئاب المنفردة في أمريكا وأوروبا، من قبل الجماعات القومية الدينية المسيحية المتطرفة.

مسلسل التوحّش وصل نقطة الانعطافة المهمة، مع بروز إرهاب تنظيم داعش

ويحذّر الكتاب من الاستخفاف بظاهرة الذئاب المنفردة، خاصّة جهة دراسة الظاهرة، وكأنّها لجماعات إرهابية منظمة بشكل جيد؛ لأنّ هذا يقود عادة إلى الفشل والخطأ، خاصّة إذا انتهى بشنّ حرب بوحدات عسكرية ضخمة. في المقابل؛ يدّعي أنّ مكافحة إرهاب الذئاب المنفردة تشبه أكثر الممارسات والأساليب البوليسية، التي تحارب عصابات المافيا الإجرامية، أو تطارد الجرائم الفردية.

يستعرض سيمون كافة أهداف الذئاب المنفردة، ودوافعهم، والبيئات الخاصة بهم، والتي خرجوا منها. ويؤكّد أنّ هناك أنواعاً للذئاب المنفردة، يقسمها إلى 5 فئات، هي:

1-  العلمانيون: هم الذين يرتكبون أعمالهم لأهداف اقتصادية.

2-   الدينيون: هم الذين يرتكبون أعمالهم باسم الله مثل؛ داعش وبوكو حرام والقاعدة وغيرها في أوروبا وأمريكا وآسيا.

3-   ذئاب القضية المحددة، وهم الذين يرتكبون أعمالهم لأهداف وقضايا محددة، مثل؛ معارضة الإجهاض، وحماية البيئة، والحيوانات.

4-   الذئاب المجرمون أو الجرائم المنظمة.

5-   الذئاب المضطربون نفسياً، الذين يعانون من مشكلات نفسية، مثل؛ البرانويا والشيزوفرانيا.

لا توجد ترجمة عربية للكتاب، وتأتي مراجعة السعود لأن الكتاب يقدم أول مراجعة شاملة لظاهرة الذئاب المنفردة

ويشير إلى أهمية آليات العولمة التكنولوجية في نشر هذا النوع من الإرهاب، ويؤكّد أنّ شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، زوّدت الذئاب المنفردة بالتربة والقاعدة المناسبة للحركة والحرية، والسهولة في تنفيذ عملياتهم الإرهابية المتوحشة، لكنّه، على عكس الكثير من المنظرين، يشير إلى أنّ هذه التكنولوجيا ستكون سبباً في القضاء عليهم أيضاً، من خلال الاستخدام المناسب من قبل الأفراد والجماعات والدول.

ويلفت النظر إلى أنّ هناك انخفاضاً في نسبة مساهمة النساء في ظاهرة الذئاب المنفردة، غير أنّه يحذّر، في الوقت نفسه، من أنّ هذا يمكن أن يتغير في المستقبل، نحو المزيد من مشاركة النساء.

وفي مجال مكافحة إرهاب الذئاب المنفردة، يقول: "إنّه ليس هناك خطأ في عمليات وأساليب المواجهة، في سبيل الردّ السريع والمناسب لمنع هذا الإرهاب".

مواجهة الذئاب المنفردة أصعب من مواجهة التنظيمات الإرهابية ككل

ويدعو إلى المزيد من التركيز على ما يسمى "علم المقاييس الحيوية"، وهو: "علم تحقيق شخصية الإنسان عن طريق مكونات الأجسام البشرية؛ لأنّه يضم وسائل التعرف إلى الهوية للأشخاص تلقائياً، على أساس الصفات الشكلية والفسيولوجية والتشريحية الخاصة بكلّ شخص، وتتصدّر هذه الأدلة أمنياً: بصمات الأصابع وراحة الكف والأقدام، أو ملامح الوجه، أو الصوت، أو هندسة اليد، أو حدقة العين، بما لها من تفرّد يشير إلى فردية كلّ إنسان، ويمكن لأجهزة الكمبيوتر، عن طريق العلامات والنقاط المميزة، مضاهاتها في ثوانٍ والتعرف إلى هوية الشخص؛ نظراً إلى أنّ هذه الأعضاء تتميز بتفردها في كلّ شخص، مثل؛ بصمات أصابع اليد وراحة الكف والأقدام. وكلّ أجهزة المقاييس الحيوية تستخدم كلّ المبادئ العامة، وهذه المقاييس تعالج، من خلال البرمجة وتشفير السمات الفريدة لكلّ شخص، وتخزن في قاعدة البيانات لمضاهاتها بملامح وسمات المشتبه فيهم. لهذا نجد أنّ نظم المعلومات في وسائل المقاييس الحيوية، تعدّ وسيلة سريعة ودقيقة، ويمكن استخدام أكثر من وسيلة منها للتعرف إلى هوية الشخص، فعندما تحدث عملية إرهابية، أو تهديد بها، أو رصدها، تكون الأجهزة الاستخبارية وراءها بالمرصاد، للكشف عن كوامنها ومرتكبيها".

وفي النهاية؛ يدّعي سيمون بأنّه بالإمكان مواجهة خطر الذئاب المنفردة، رغم صعوبة ذلك، من خلال اعتماد سياسات وإستراتيجيات مطوَّرة ومُبدعة، تمكّن من تحقيق أهداف: الحيلولة دون إرهاب الذئاب المنفردة، والرّد السريع عليه في آنٍ معاً. وأعتقد بأنّ معضلة الأجهزة الأمنية المكلَّفة بمكافحة الإرهاب تكمن هنا، بشكلٍ عام.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يساعد الدين المجتمعات في أداء رسالتها؟

2020-02-20

قدّم ماكس فيبر بين عامي 1903 و1920، مجموعة من الدراسات في سوسيولوجيا الدين؛ مثل "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، "المذاهب الدينية في أمريكا الشمالية"، "الأخلاق الاقتصادية للأديان الكبرى"، وجُمعت هذه الدراسات في مجلد واحد بعنوان؛ "الأعمال الكاملة لسوسيولوجيا الدين"، الذي تضمن  دراسات عن الكونفوشيوسية والتاوية واليهودية، وقد نشرت المنظمة العربية للترجمة، مجموعة من هذه الدراسات في كتاب بعنوان: "مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"، (2015) ترجمة منير الفندري.

لا ينظر فيبر إلى الدين باعتباره نظاماً من المعتقدات بل يراه نسقاً لتنظيم الحياة حيث اهتمّ بالسلوكيات العملية للأفراد

وينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي، ولا يعتبره نظاماً من المعتقدات، بل نسق لتنظيم الحياة، ولذلك فقد اهتمّ فيبر بالسلوكيات العملية للأفراد، والمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وبالنسبة إليه، فإنّ المسألة المطروحة هي لا عقلانية العالم، وبشكل خاص عدم التوافق بين ما هو مقدّر، وبين ما تصير إليه الأمور، بين واقع المعاناة الذي تعيشه، وحقيقة الموت الذي كان القوة الدافعة لتطوّر الأديان جميعها، وإذا أنشأت الأديان نظماً وترتيبات لاهوتية متعلقة بالعالم الآخر، فإنّ بعض الاتجاهات السلوكية للناس في الحياة القائمة  تحركها عوامل وبواعث دينية.

"مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"
ويرى فيبر أنّ السياسة بعكس الاقتصاد، يمكن أن تدخل في تنافس مباشر مع ما هو ديني؛ فالدين والسياسة، كما يقول فيبر، متمايزان بوضوح، لا يوحد بين المنطق الداخلي لكل منهما، ويلاحظ تجارب متنوعة في العلاقة بين السياسي والديني، امتدت عبر تاريخ من المعارضة الراديكالية للسياسة، إلى الاستيعاب الديني، لكن ما هو أكثر تعقيداً من ذلك، أنّ الدين ينشئ نتائج ثورية حتى عندما لا يبالي بالسياسة، كما ينشئ علاقات حميمة بالمجال الجمالي؛ كالموسيقى والرقص والعمارة والتصميم والزخرفة، وبهذا المعنى فقد شجع الدين الفن بقوة.

اقرأ أيضاً: "في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي
ويهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان، ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين، ويعتبر كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الأكثر شهرة بين أعماله الفكرية، كما يلقى نظرة شمولية على علاقات ديانات أهم الحضارات بالاقتصاد والتركيبة الاجتماعية في محيطها، في كتابه "أخلاقيات الاقتصاد لديانات العالم الكبرى".

يهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين

ويلاحظ فيبر، في مقارنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية، أنّ الإنسان الكاثوليكي أكثر سكوناً وأقل مغامرة من الإنسان البروتستانتي، حيث إنّ البروتستانتية، كما يقول فيبر، تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار، واستغلال الوقت أفضل استغلال في تحقيق المنفعة للذات والآخرين، حيث تأخذ الحرفة أو المهنة في الفهم البروتستانتي للإنجيل، بعداً دينياً غير موجود في المجتمعات الكاثوليكية، كما أنّ البروتستانتية تمنح العمل قداسة دينية، وقد كانت الحوافز والدوافع الدينية للعمل والإنتاج واحدة من أهم ملامح حركة الإصلاح الديني التي أطلقها مارتن لوثر بين عامي  1483 و 1546، وفي حين كان الصرافون والمرابون والاحتكاريون، حلفاء مقربين للملوك في بريطانيا وفرنسا، كانوا يتعرضون للنقد الحاد من قبل الإصلاحيين الكالفينيين. وفي حين استخدمت دعوات الزهد والتقشف لتكريس الخضوع للسلطة والرضا بالفروق الاقتصادية والاجتماعية لدى الكاثوليك؛ استخدمت لأجل العمل والإنتاج والتقدم الاقتصادي، وتكريس الموارد للأعمال المنتجة بدلاً من هدرها في مجالات لا تفيد الفرد والمجتمع في البروتستانتية.

ينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي
يختار فرويد نماذج أدبية تعتمد على المصادر الدينية، فيلاحظ أن القصة التقليدية لآدم وحواء وخروجهما من الجنة، تعرض في عالم الكاثوليكية كمسألة تراجيدية أقرب إلى اللعنة، لكنها في الأدب الإصلاحي تبدو أمراً إيجابياً، وفي ذلك يقارن بين دانتي في الكوميديا الإلهية؛ إذ يصمت اليغيري دانتي حيال الأسرار الإلهية لخاتمة القصة، لكن جون ميلتون في "الفردوس المفقود"، العمل الذي يسمى الكوميديا الإلهية للبيوريتانيين؛ يصف الخروج من الجنة على النحو التالي:

البروتستانتية بحسب فيبر تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار واستغلال الوقت في تحقيق المنفعة للذات والآخرين

التفتا إلى الخلف ولمحا الركن الشرقي من الجنة
الذي كان مقرهما الناعم الهانئ
يغمره لظى من النيران المستعرة
وعلى بابه حشود من المردة
في قبضاتهم أسلحة من اللهب
أحسّا بالدموع تتقاطر الهوينى
ولكن سرعان ما جففا الخدود
لقد ظهرت أمامهما الدنيا الفسيحة
التي لهما أن يختارا فيها موطناً مريحاً
تقودهما في ذلك عناية الرب
سارا بخطى وئيدة مترددة
مبتعدين، اليد في اليد عن جنة عدن
وفي موضع آخر من الملحمة يقول ميخائيل (ميكال) لآدم:
لا تنس أن تقرن المعرفة بالفعل
وأضف إلى ذلك الفضيلة والعقيدة والصبر
ثم الاعتدال وتلك المحبة
التي ستصبح يوماً تمجد بنعتها المسيحية
وتغدو المهجة لكل الفضائل
حينئذ لن تأسف على فراقك هذا الفردوس
ما دمت تحمل في نفسك ما هو أجمل بكثير

ومن الواضح أنه شعر يمتلئ بمحبة الحياة، وتثمينها كهدية، ويؤكد فيبر أنّ هذه الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت، ليست فروقاً قومية مردها إلى الاختلاف بين الأمم، لكنه يردها إلى اتجاهات ومذاهب كنسية، مع التأكيد على أنها ليست العامل الوحيد، لكن النتائج والآثار الاقتصادية والاجتماعية، لم تكن نتائج متوقعة أو مخططاً لها عند مؤسسيها على أي حال، بل هي عفوية وغير مستهدفة، جاءت في كثير من الحالات بعيدة عما تهيأ لخاطرهم، أو على نقيضة أحياناً.
ويؤكد ماكس فيبر هنا على أنّ الرأسمالية لم تكن نتاجاً حتمياً للبروتستانية، أو أنّ "الرأسمالية" لم تكن لتظهر بدونها، فالرأسمالية برأيه أعرق وأعمق من البروتستانتية، لكن فيبر يحاول أن يبحث ويفكر في الأثر الاقتصادي للحركات الدينية، وإلى أي مدى ساهمت في صياغة العقلية الرأسمالية، وماذا يعود إلى الحركات الدينية من جوانب محسوسة في الحضارة الرأسمالية.

للمشاركة:

هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:

بركة النساء: من طرد المرأة من محراب القداسة؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-02-06

في ظلّ تصاعد التيارات النسائية الإسلامية في مختلف البلدان، التي يرى العديد من الباحثين في هذا المجال، أنّها تحمل الطابع الإصلاحي لمجال حقوق النساء، وما تزال متشحة برداء ذكوري، يتكشّف عند أول احتكاك فعلي بها، ويظل أكبر ملمح بارز في تلك القضية، هو التهميش الثقافي والحضور التاريخي للنساء في كتب التاريخ، ومساهمات المرأة في الحقول الدينية والروحية، الذي لم ينل قدره من البحث والتنقيب بالقدر الذي ناله الحضور الذكوري.

على الصعيد الإسلامي الفروق بين الرجال والنساء تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى

إلى جانب قداسة النساء التي تم تغييبها في الكتابة حول "تاريخ الولايات الصوفية"، الذي بقي كغيره من الكتابات التي احتكرها الرجال، فالمناقب ترصد لنا قداسة يهيمن عليها الأولياء والصلحاء الذكور، أما النساء فيبقين على الهامش من الذكر، رغم ما لهنّ من مساهمات كبيرة في هذا الحقل المهمّ من التراث الديني؛ بل إنّ الخصوصية العاطفية للنساء، والتي غالباً ما تمّ استخدامها ضدّهن، تجعلهن في إطار متفوق على الرجال، في مسألة الولايات الصوفية.
في هذا السياق يأتي كتاب "بركة النساء"، للباحث المغربي وأستاذ الأنثربولوجيا بجامعة ابن طفيل في القنيطرة بالمغرب، رحال بوبريك، ليناقش قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي، وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار، لأسباب استطرد في سردها والردّ عليها.
التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور

التكوين الفيسيولوجي ونفي الطهارة
يستهل بوبريك رحلته حول التأصيل الجذري لهذا الشكل من التهميش الثقافي، المبتعد كلّ البعد عن النصّ الإلهي، معوّلاً على كلّ العوائق التي تعترض طريق المرأة نحو الحضور التاريخي والديني، إلّا أنّ إصرارها الذي ظهر حتى في الدين المسيحي، في القرن الثالث عشر، كان أكبر الأدلة على نجاحها؛ حيث ستظهر نساء باعتراف العامة، متبوعات بالكنيسة، بدور الوساطة مع المسيح، عبر الرؤيا والتنبؤ والتجربة الوجدانية، بل الحلول في جسد المسيح.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
ومثّلت هذه التجربة إلحاحاً وعزيمة من المرأة، على المطالبة بمكانة لها في الحقل المقدس، ورفضها إقصاءها من المشاركة في الحقل الديني إلى جانب الرجل، معتبرة أنّه في الحقل الديني، للمرأة مثل الرجل في القرب من الله والتقوى.
وعلى الصعيد الإسلامي؛ فإنّ الفروق بين الرجال والنساء، تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى، بالنظر إلى ما كُتب في سير الأولين، كما أورد كتاب فريد الدين العطار "سير الأولياء"، متحدثاً عن رابعة العدوية، كأحد أعلام الولاية النسائية في التاريخ الديني، استخدم العطار النصّ الديني في الحديث النبوي: "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم"، تعليلاً على تلاشي الذكورة والأنوثة في طريق الحبّ الإلهي.

يناقش الكتاب قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار

ورغم المساواة التي أقرّها النصّ الديني بين الرجال والنساء في الإيمان، والتي تجلّت في الآية الكريمة من سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلا أنّ الواقع الاجتماعي فرض سطوته على النصّ، وموازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال، حالت دون تلك المساواة، فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي الذي حملته المرأة عبر قرون من الزمان، والذي ما يزال حائلاً بينها وبين اختراق هذا الحقل من الولاية والقداسة الدينية، ليظلّ الاختلاف الجنسي حاضراً وبقوة في حقل الولاية الصوفية، ومحددات التكوين الفيسيولوجي للمرأة مكانتها كجنس أقل من الرجل.
بذلك، كان من الطبيعي، وفق بوبريك، أن تحاول المرأة نفي أنوثتها وإخفاء دم حيضها، الذي يعدّ أحد أسباب تدنيها وتقليل قداستها، في كلّ الديانات، فحيضها نجاسة، وطهارتها هي الشرط الأول من شروط الولاية، وتمّ استخدام النصّ الديني لتبرير نقصان عقل المرأة بسبب حيضها، رغم أنّ الأوائل كانوا يرون أنّ هذا الدّم ميزة اقتنصتها المرأة من الطبيعة، لتملك هي لغز الحياة الذي يتحقق بالولادة.
غلاف الكتاب

مقومات الإقصاء والتهميش
  يواصل المؤلف رحلته في البحث، مستعرضاً مقومات الإقصاء والتهميش من حقل القداسة الدينية، فنجد الجسد الأنثوي بطبيعته معرّضاً للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية، فتحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية، ومنبت للفساد في نفوس الرجال، وأصبحت المرأة في التصور الديني جسداً جميلاً يسكنه الشيطان، ليوقع الرجال في الخطيئة، فهنّ فتنة الأنبياء والمرسلين، فما بالنا بالرجال العاديين! فالتراث الديني، بما فيه النصّ، إنما يضع الرجل في موقف سلبي تجاه الأنثى، التي تفرض عليه الخطئية، فبجمالها يمتنع الرجل عن العبادة، ويخضع لغواية تحول بينه وبين طريق الله تعالى.

الجسد الأنثوي بطبيعته معرّض للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية

لذا، وبحسب ما يرى الباحث، فإنّ إخضاع أداة الفتنة المتمثلة في الجسد لضوابط دينية تعمل على تدجينه وتنميطه، وإخضاعه للمراقبة، والعمل على إخفائه قدر الممكن، بات لزاماً على المجتمع، سواء بإخفاء المرأة، ومنعها نهائياً، مثل المرأة المحجبة، أو فرض حجاب يسترها، إن هي أرادت الخروج مؤقتاً للمجال العام، فيما عمِل النصّ الديني، وفق بوبريك، على ترسيخ مفهوم إغواء المرأة، وهو ما يجعلها مستبعدة من معترك المكانة الدينية، ولا يرقى جسد المرأة لمكانة أعلى، إلا حين تؤدي دورها الطبيعي في الإنجاب، الذي يختزل وجودها في الحياة، باعتبارها مصنعاً لإنتاج الخام البشري، فيرتقي جسد المرأة حد القداسة، كونها واهبة الحياة، ومصدر الخصوبة، وهو السبب نفسه الذي رفع من مكانة النساء في الحضارات القديمة.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

على اختلاف الديانات الإبراهيمية في تشريعاتها، اتفقت جميعها في نجاسة المرأة الحائض، مع اختلاف درجات المعاملة، فنجد مثلاً؛ أنّ المرأة في الشريعة اليهودية، في فترة النفاس، تعدّ نجساً لمدة أربعين يوماً، إذا كان المولود ذكراً، وثمانين يوماً إذا كانت المولودة أنثى، وهو ضمنياً يعني نجاستها حتى وهي تخرج إلى العالم من رحم الأم، فقد اجتمعت اليهودية والمسيحية، على اعتبار الحيض والنفاس أصل الشرور والمفاسد، وسرّ نقصان المرأة، أمّا الإسلام فكان أكثر إنصافاً، خاصّة بعد نزول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) (سورة البقرة: آية 222)، فقد اقتصرت نجاسة الحيض في الإسلام على العبادات والمعاشرة الزوجية.
موازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال حالت دون المساواة فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي

القداسة الشعبية تحقّق تطلعات النساء
بعد أن استعرض الكاتب عوامل إعاقة النساء عن دخولهنّ حقل القداسة الدينية، يستفيض في دراسة حول تحقيق القداسة الشعبية التي منحت المرأة نصيبها المهدور؛ حيث تشترك هؤلاء النساء في كونهنّ لم يكنّ من صنف العابدات أو المصطفيات أو الصالحات، اللواتي وردت سيرهنّ في كتب المناقب، دون أن يكون لذلك تأثير كبير على رأسمالهن الديني في حقل القداسة، بل نجدهنّ أكثر حضوراً وشهرة وزيارة من اللواتي وردت سيرهنّ في المتون المناقبية، بل ظلّت السيرة شفهياً متداولة عبر الأجيال، مؤسسة لقداستهم، في بعدها الزمني.

تحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية ومنبت للفساد في نفوس الرجال

وفي هذا الصدد نجد دراسة مهمّة، للباحثة صوفي فرشيو، حول زيارة الأضرحة، ومن وجهة نظرها؛ أنّ زيارة الأضرحة وارتياد الزوايا، ظاهرة لها علاقة بالتصوف، والممارسات الإحيائية، ولا تشبع احتياجاً دينياً فقط؛ بل نفسياً واجتماعياً، فالمسجد الذي أغلق أبوابه أمام النساء، جعلهنّ يبحثن عن فضاءات دينية لممارسة شعائرهن والبحث عن الخلاص الدنيوي والديني؛ حيث تفتح الزاوية ومكان الولي أبوابهما أمام النساء دون ضوابط شرعية مقننة.

يستكمل الباحث رحلته حول كشف أبواب القداسة النسائية، وعن ارتباطها بالماء، وهو ما يتجلى في بعض الأسماء المشهورة للوليّات، مثل: "عائشة البحرية، وعائشة مولات المرجة (صاحبة المستنقعات)"، لنجد الماء حاضراً بقوة، كرمز للطهارة بالنسبة إلى النساء؛ فالأمواج والماء تطهّر من النجس، ويتساءل الكاتب: هل الأمر يتعلق ببقايا لطقوس إحيائية وثنية وسحرية ما قبل إسلامية، أو استمرارية لهذه الطقوس بدون انقطاع؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
هنا يجيب بأنّ بعض منابع وعيون المياه لم تتحوّل كأماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر إذاً لا يتعلق ببقايا؛ بل باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء المقدس في الطقوس الدينية الإسلامية، وهو ما يكثر الحديث حوله في أدبيات التصوف، فيروى أنّه حين كانت تأتي الزائرات لعائشة مولات المرجة، فعلى الموجة أن تحمل هداياهن للوليّة عربوناً لقبولها زيارتهنّ، ويغتسلن كذلك بماء الحوض الذي يوجد فيه حجر ينسب لعائشة، أو ضريحها، وتتكثف صورة الماء في المتخيّل الشعبي من مادة مطهر إلى مسكن للقوى الخفية، وتعدّ الولية في هذا الموضع بالنسبة إلى مريداتها من النساء، الشفيع والوسيط بينها وبين الله تعالى.
يتمكّن الباحث في نهاية أطروحته من التأكيد على انتزاع المرأة لنفسها مكاناً في حقل القداسة الدينية، ارتفعت فيه وتفوقت على الرجال، رغم كلّ المعوقات التي وضعها النصّ والمجتمع والإرث الذكوري في طريقها، ومكّن التصوف المرأة من تجاوز المكانة السلبية التي وصمها المجتمع بها، واستطاعت اعتلاء هرم القداسة، وفرض بنات جنسها على حقل يعجّ بالذكورية، إذاً يمكننا القول: إنّ التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور، هناك تحقّقن، ووجدن طريقاً إلى الله تعالى.

للمشاركة:



الجيش الليبي يكشف عدد القتلى الأتراك في محاور طرابلس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

كشف الجيش الليبي، أمس، أنّ عدد القتلى الأتراك وصل إلى 16 قتيلاً، من أصل 35 قال أردوغان إنّه أرسلهم كمستشارين لحكومة فايز السراج.

وأكّد مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الوطني الليبي، العميد خالد المحجوب، مقتل 16 عسكرياً تركياً ممن يشاركون بالعمليات في ليبيا، إضافة إلى 105 من المرتزقة الذين جاءت بهم تركيا، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

وقال المحجوب: "المستشارون والضباط الأتراك، الذين كانوا يقودون طائرات مسيرة، يتواجدون في مصراتة وسرت وغيرها"، مشيراً إلى أنّ "الجيش الليبي استهدفهم في أكثر من موقع"، خصوصاً عندما استهدف غرف عمليات الطائرات المسيرة ودمّرها.

وأوضح المحجوب أن "تأخر الأتراك في الإعلان عن مقتل ضباطهم وجنودهم، يؤكد أن الضربات التي وجهت لهم، تتعلق بمواقع العمليات العسكرية".

المحجوب: مقتل 16 عسكرياً تركياً ممن شاركوا في العمليات في ليبيا إضافة إلى 105 من المرتزقة

كما أشار إلى أنّ القوات التركية في طرابلس تقود العمليات ضمن محاور المعارك، موضحاً أنّ الجيش الليبي استهدف مجموعة منهم عند دخولهم إلى العاصمة نحو معسكر الفلاح، وأكّد أنّ المجموعة تضمّنت مستشارين مهمّين ممّن يقودون غرف عمليات في سرت ومصراتة.

ومع تنامي الخسائر البشرية لم يعد الرئيس التركي قادراً على الإنكار، فاعترف بوقوع قتلى في ليبيا دون تحديد العدد، ربما خوفاً من الحرج، لكنّه لم ينسَ تذكير الأتراك بالإرث العثماني الذي ذهب إلى طرابلس ليحييه، لعلّ ذلك ينسيهم مجزرة طائراتهم المسيرة التي يفتخر الجيش التركي بها، وهي تتساقط بنيران الليبيين.

هذا فضلاً عن السفن والمدرعات التي لا تلبث أن تطأ الأرض حتى تحترق، أما المرتزقة الذين كان أردوغان يعول عليهم، فإنّه بالتأكيد لن يهتم بـ 105 قتلوا منهم حتى اليوم، إلا عندما يطالب بفواتير تعويض الوفاة لكلّ منهم، التي تصل بحسب الاتفاق مع ميليشيات طرابلس إلى 35 ألف دولار أمريكي لقاء كلّ مرتزق قتيل.

وما يزيد الأمر سوءاً؛ بما يتعلّق بالسياسة التركية في ليبيا، التسريبات الواردة عن فرار أعداد كبيرة من المرتزقة نحو أوروبا بقوارب المهربين، خاصة أنّهم أدركوا زجّهم في مستنقع لا مفرّ منه؛ فإما الموت أو الأسر.

في سياق متصل  نقلت وسائل إعلام تركية؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

ونشر رئيس تحرير صحيفة "يني شاغ"، باتوهان شولاك، عبر تويتر، تغريدات ذكر خلالها أنّ "العقيد أوكان آلتيناي قتل خلال هجوم شنته قوات الجيش الليبي على ميناء طرابلس".

وأضاف: "تمّ إرسال جثمان آلتيناي إلى مسقط رأسه في مدينة أيضن؛ حيث دفن بدون مراسم وسط تعتيم إعلامي".

وزعم أيضاً أنّ رفقاء آلتيناي في الخدمة من المدرسة الحربية البرية، هم من أجروا مراسم دفنه؛ حيث دُفن في مقبرة الشهداء في منطقة تالي دادا بمدينة أيضن.

 

للمشاركة:

الكويت والبحرين تسجّلان إصابات بالكورونا.. كيف وصل إليهما؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

أعلنت الكويت والبحرين، اليوم، تسجيل أول الإصابات بفيروس كورونا المستجد، لعدد من الأشخاص العائدين من إيران.

وقالت وزارة الصحة الكويتية في بيان: "الفحوصات الأولية التي أجریت لقادمین من مدينة مشھد الإيرانية أسفرت عن اكتشاف 3 حالات تحمل نتائج مؤكدة".

 

 

الحالة الأولى ھي لمواطن كویتي یبلغ من العمر 53 عاماً، والثانیة لسعودي (61 عاماً)، والثالثة لشخص لم تحدّد جنسیته (21 عاماً)، وقالت وزارة الصحة السعودية في بيان؛ إنّ "مواطنها سيبقى في الكويت لحين شفائه"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

3 مصابين بالكورونا في الكويت وفي البحرين إصابة واحد وجميعهم عائدون من إيران

بدورها، أعلنت وزارة الصحة البحرينية تسجيل أول حالة إصابة مؤكدة بالفيروس، لمواطن بحريني قادم من إيران "حيث تمّ الاشتباه بإصابته وظهور أعراض الفيروس عليه، فتمّ نقله فوراً للعلاج والعزل في مركز صحي."

كما قامت السلطات باتخاذ التدابير "الضرورية لمن خالطهم المريض"، حيث استدعي هؤلاء، وعددهم غير معروف، لتطبيق "إجراءات العزل المعتمدة عليهم".

ويسافر آلاف الكويتيين والبحرينيين الشيعة إلى إيران لزيارة أماكن مقدسة، خصوصاً في قم ومشهد.

مؤسسة الموانئ الكويتية تحظر دخول السفن الإيرانية وتوقف رحلات الطيران

وفي قطر؛ ذكرت قناة "الجزيرة" أنّ الخطوط الجوية للإمارة "ستخضع الركاب القادمين من إيران وكوريا الجنوبية للحجر الصحي مدة 14 يوماً".

وارتفعت حصيلة الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" في إيران إلى 12، وهي أعلى حصيلة خارج الصين، ما دفع الدول المجاورة الى إغلاق حدودها مع الجمهورية الإسلامية لاحتواء الوباء.

وأعلنت مؤسسة الموانئ الكويتية حظر دخول جميع السفن من الجمهورية الإسلامية، كما أوقفت السلطات رحلات الطيران، باستثناء رحلات خاصة بنقل المواطنين المتواجدين في إيران.

وأغلق العراق، الذي يدخله ملايين الإيرانيين سنوياً لزيارة العتبات الشيعية المقدّسة في كربلاء والنجف، منفذ سفوان الحدودي مع الكويت، بطلب من الأخيرة، وفق وسائل إعلام عراقية محلية.

وكان العراق قد أعلن، الأسبوع الماضي، منع دخول الوافدين الإيرانيين إلى أراضيه باستثناء الدبلوماسيين.

العراق يعلن منع دخول الوافدين الإيرانيين إلى أراضيه، باستثناء الدبلوماسيين

وإلى جانب الكويت والبحرين؛ سجّلت الإمارات ظهور 13 إصابة، تمّ شفاء 3 منها، بينما تعود حالتين منها لزائر إيراني يبلغ من العمر 70 عاماً، حالته الصحية غير مستقرة، وزوجته البالغة من العمر 64 عاماً.

وظهر الوباء للمرة الأولى في سوق لبيع الحيوانات البرية في مدينة ووهان الصينية، في أواخر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وانتشر في سائر أنحاء الصين بداية، ثمّ توسع انتشاره ليشمل أكثر من 25 دولة ومنطقة حول العالم.

وازدادت حصيلة الوفيات في الصين القارية، اليوم، حيث بلغت 2592 حالة، بعد أن سجّلت الساعات الأربع والعشرين الأخيرة 150 وفاة بالفيروس، جميعها، باستثناء حالة وفاة واحدة، في مقاطعة هوباي، وسط البلاد، وهي بؤرة الوباء.

 

للمشاركة:

تنظيم القاعدة يكشف خليفة الريمي..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

أكّد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أمس، مقتل زعيمه، قاسم الريمي، بعد أسبوعين من إعلان الولايات المتحدة مقتله في غارة بطائرة مسيرة أمريكية في اليمن.

ونقل مركز "سايت"، الذي يرصد وسائل الإعلام الجهادية؛ أنّ المسؤول الشرعي في التنظيم، حمد بن حمود التميمي، أكّد في تسجيل بُثّ أمس مقتل قاسم الريمي، معلناً أنّ "خالد بن عمر باطرفي هو الزعيم الجديد للتنظيم في جزيرة العرب"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وأوضح "سايت"؛ أنّ "خالد باطرفي ظهر في عدد من فيديوهات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في الأعوام الأخيرة، ورغم عدم الكشف عن دوره، فقد بدا مساعداً للريمي ومتحدثاً باسم التنظيم".

وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد أعلن، في 6 شباط (فبراير)؛ أنّ الولايات المتحدة "نجحت في القضاء على قاسم الريمي، أحد مؤسّسي وزعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب".

تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يعلن مقتل زعيمه، قاسم الريمي، ويكشف أنّ "خالد باطرفي" هو الزعيم الجديد للتنظيم

وقال ترامب: "في ظلّ قيادة ريمي ارتكبت القاعدة في جزيرة العرب أعمال عنف غير معقولة ضدّ المدنيين في اليمن، وسعت إلى شنّ وإلهام العديد من الهجمات ضدّ الولايات المتحدة وقواتنا".

هذا وكان التنظيم قد أعلن مسؤوليته عن إطلاق نار، في كانون الأول (ديسمبر)، في قاعدة بحرية أمريكية في فلوريدا أدّى إلى مقتل ثلاثة بحارة بيَد ضابط سعودي.

وتعدّ الولايات المتحدة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي يتّخذ من اليمن مقراً له، أخطر فروع القاعدة، لذلك عززت ضرباتها ضدّ التنظيم بعد تولي ترامب الرئاسة الأمريكية، عام 2017.

بدوره عزز التنظيم، بقيادة الريمي، نفوذه في جنوب وجنوب شرق اليمن، مستغلاً الفوضى الناجمة عن الحرب بين الحكومة اليمنية والمتمرّدين الحوثيين.

وتبنى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عدة هجمات، أبرزها اعتداء استهدف صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة في باريس، عام 2015، أسفر عن مقتل 12 شخصاً.

والريمي أول قائد عسكري للتنظيم، وقد عيّن زعيماً بعد مقتل سلفه ناصر الوحيشي في اليمن، في ضربة أمريكية بواسطة طائرة من دون طيار، عام 2015.

 

 

 

 

 

للمشاركة:



برلمان المواجهة مع روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

حسن فحص

اما وقد وضعت معركة الانتخابات البرلمانية في ايران أوزارها، ولم تفرز جديدا في ما يتعلق بالنتائج المتوقعة التي هندسها مجلس صيانة الدستور بآليات ديمقراطية ودستورية، ورسم الصورة التي ستكون عليها موازين القوى المسيطرة على المقاعد النيابية، فمن غير المجدي التوقف الآن عند توزيع المقاعد وحجم تمثيل القوى السياسية الاصلاحية والمحافظة ومدى تأثيرها على مواقف وسياسات البرلمان المقبل. باستثناء ما يمكن رصده من صراعات داخل البيت الواحد، أي التيار المحافظ والصراعات الداخلية بين اجنحته على نصاب اي منهما يكون صاحب المواقف الاكثر تشددا، من دون أن يكون له القدرة على التأثير في المسارات الاساسية والاستراتيجية للنظام والسلطة والاهداف التي يسعى لتحقيقها او تطبيقها.

وبناء على المؤشر الذي تقدمه نتائج انتخابات العاصمة طهران، والتي تؤكد اكتساح القائمة الائتلافية لأجنحة التيار المحافظ للمقاعد الثلاثين، فالتقديرات الاولية تشير الى سيطرة واضحة واكثر من مريحة للتيار المحافظ بواقع يتعدى 230 مقعدا وقد تتعدى عدد 240 مقعدا من اصل 290 المجموع العام للمقاعد، ما يعني ان التيار المحافظ بات يمتلك اكثر من الثلثين، وبالتالي لن يكون امام السلطة اي مسببات قلق او مخاوف في تمرير اي قانون او موقف تريده يتعلق بالسياسات العامة للدولة والسلطة التنفيذية.

النصر الذي حققه التيار المحافظ في السيطرة على البرلمان باكثرية اكبر من مطمئنة، لا يمكن اعتبارها حصرا بقدرته على حشد الشارع الايراني واقناعه بصوابية مواقفه وسياساته واستراتيجياته، بل ان العامل الاول في هذا الانتصار يعود الى حالة العزوف الواسعة والكبيرة التي سادت المعسكر الشعبي المعارض او المؤيد للتيار الاصلاحي والمستقلين والمعتدلين وحتى تلك الشرائح التي تقف في المنطقة الرمادية بين هذه القوى الا انها ترجح خيار التصويت لصالح المعارضة اذا ما وضعت امام خيار امكانية التغيير، فضلا عن ان القوى الاصلاحية والتغييرية بجميع اطيافها، وجدت ان العمق الاجتماعي لها غير مقتنع بامكانية احداث هذا التغيير وصعوبة تكرار التجربة التي خاضتها قبل اربع سنوات في الانتخابات السابقة، خصوصا بعد ان شاهدت صعوبة اقناع هذه الشرائح بقدرة الاشخاص الذين نجوا من مقصلة مجلس صيانة الدستور على لعب دور مؤثر في الحياة البرلمانية والسياسية.

بناء على هذه الحقائق، فان ما يمكن ان تشهده المرحلة المقبلة من تطورات سياسية في ظل هذا المجلس المرتقب، سيكون محورها التعامل وطبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، اي بين البرلمان المحافظ برئاسة الجنرال محمد باقر قاليباف على الارجح من جهة، والحكومة برئاسة حسن روحاني من جهة اخرى، والامور ستتجه الى مزيد من التصعيد والسلبية على العكس من التعايش النسبي الذي كان سائدا مع البرلمان المنتهية صلاحيته وامتلاك القوى الاصلاحية بمختلف اطيافها كتلة برلمانية مريحة ساهمت في تخفيف الضغط والعبء على الحكومة في السنوات الثلاث الماضية.

المجلس الجديد بتركيبته المحافظة لن يتأخر في اشهار سيف المواجهة مع الحكومة وروحاني، مستفيدا من الدور الرقابي الذي يقع في صلب مهمات العملية التشريعية والبرلمانية، ما يعني ان روحاني سيواجه مرحلة صعبة في عمله التنفيذي والحكومي، ان كان في ما يتعلق بالسياسات الداخلية، الاقتصادية والمالية والادارية، وان كان في السياسات الخارجية خصوصا ما يتعلق بالتعامل مع المجتمع الدولي وتحديدا الولايات المتحدة الامريكية في ظل العقوبات الاقتصادية والحصار الاقليمي الذي يستهدف النفوذ الايراني في المنطقة.

المحافظون الذين رفعوا شعار الهجوم ومعارضة كل السياسات الداخلية والخارجية لروحاني وحكومته، ستكون الفرصة سانحة امامهم لممارسة المزيد من هذه السياسات من دون معارضة جدية، وهذه المواجهة لن تبقى من خارج مؤسسات النظام وتعتمد على المنابر الاعلامية وغير الرسمية، بل ستنتقل وبشكل فاعل الى داخل المؤسسات الرسمية من بوابة البرلمان، وبالتالي لم يعد الاعلام والخطابات والمواقف المتفرقة ساحة الانتقادات للسياسات الاقتصادية وتحميل الحكومة مسؤولية الازمات والاخفاقات التي عانت منها ايران في المرحلة السابقة، ما يعني امكانية ان يعمد هذا المجلس للعودة الى تفعيل الهجوم على الحكومة وآلية استجواب الوزراء وطرح الثقة بهم، خصوصا الوزراء الذين يمثلون القوى الاصلاحية بوضوح والذين حققوا انجازات حقيقية خلال توليهم مواقعهم التنفيذية، وذلك في اطار ما يمكن اعتباره سياسة استباقية يعتمدها المحافظون باستبعاد اي مصدر قد يشكل تهديدا لمسار وجهود تقديم انفسهم المنقذ والقادر على تقديم الحلول في حال توليه السلطة والادارة.

البرلمان الجديد وهويته المحافظة الطاغية ستسمح للتيار الذي يمثله بان يتملص من كل الاتهامات الشعبية والرسمية التي تعتبره العائق والمعرقل الاساس امام السلطة التنفيذية في تطبيق سياساتها الاقتصادية والمالية والخارجية، وبالتالي فان هذا البرلمان سيكون امام مهمة إلقاء المسؤولية على روحاني وفريقه في كل الاخفاقات والتردي الاقتصادي والتضخم والبطالة والفساد، والتأكيد على أنه يشكل "باب النجاة" للشعب الايراني، خصوصا وان هذه الحكومة لن يكون لها خطوط دفاع عن سياساتها داخل البرلمان الذي يمثل "ارادة الشعب والطبقات الفقيرة"، وان رئيس البرلمان الجديد لن يدخل في دائرة دعم سياسات الحكومة كما كان الامر في عهد الرئيس السابق علي لاريجاني.

من المفترض ان يؤسس هذا البرلمان ان كان في اليات العمل التشريعي او في التعامل مع السلطة التنفيذية، لتعزيز الجهود التي تبذلها السلطة والنظام من اجل العودة الى السيطرة على كل مراكز القرار الدستورية، وان يشكل عمل البرلمان الجديد المنصة التي تسمح لهذا التيار في تمهيد الطريق للمنافسة على رئاسة الجمهورية بعد نحو سنة ونصف السنة وايصال مرشح هذا التيار الى هذا الموقع، وبالتالي استكمال عقد السلطات الثلاثة القضائية والتشريعية والتنفيذية في يده، من اجل خلق حالة من الانسجام وعدم احداث اي قلق لدوائره اتخاذ القرارات الاستراتيجية والمصيرية المتعلق بمستقبل النظام وسلطته.

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا لا يمكن الوثوق بالحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خيرالله خيرالله

يخطئ من يعتقد أن الحوثيين (أنصار الله) في اليمن تغيّروا. يخطئ أكثر من يتخيّل أن في استطاعتهم أن يتغيّروا أو أنّه يمكن أن يتغيّروا في غياب تبدّل حقيقي وجذري في موازين القوى العسكرية على الأرض. تؤكد ذلك المحاولات الأخيرة التي قاموا بها من أجل إطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه الأراضي السعودية، مستهدفين مواقع مدنية على وجه الخصوص. كشفت هذه الصواريخ مدى عدوانية الحوثيين من جهة، وصدق الذين أكّدوا منذ البداية أنّ ليس في الإمكان الوثوق بهم من جهة أخرى.

المسألة، في نهاية المطاف، في غاية البساطة. المسألة أن القرار الحوثي قرار إيراني ولا شيء آخر غير ذلك، تماما مثل قرار “حزب الله” في لبنان. توجّب على الحزب في مرحلة معيّنة المشاركة المباشرة في الحرب المستمرّة على الشعب السوري منذ العام 2011. لبّى الطلب الإيراني من دون تردّد. ليس “حزب الله” سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، عناصره لبنانية. وليس “أنصار الله”، الذين يمتلكون علاقة قويّة إلى أبعد حدود بـ”حزب الله”، سوى لواء آخر في “الحرس الثوري”، عناصره يمنية.

هذه حال “أنصار الله” الذين تظاهروا في مرحلة معيّنة بأنّهم مستاؤون من القرار الإيراني بضرب منشآت “أرامكو” السعودية في أيلول – سبتمبر الماضي عن طريق صواريخ انطلقت من الأراضي الإيرانية. لم يكن الاستياء، الظاهري، من ضرب إيران لمنشآت سعودية، بل من إلباس طهران الحوثيين عملية إطلاق الصواريخ وجعلهم يتبنونها.

تبيّن مع مرور الوقت أن لا استياء من أيّ نوع. هناك فقط سيناريو متفق عليه بين الحوثيين والإيرانيين من أجل تمكين “أنصار الله” من التفاوض مع السعودية بهدف الحصول على مساعدات، هم في حاجة شديدة إليها، في ظلّ تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية الأميركية.

ليس صدفة أنّ تأتي المحاولات الحوثية الأخيرة لإطلاق صواريخ من صنعاء في اتجاه المملكة مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للرياض.

في تلك الزيارة التي قابل فيها بومبيو الملك سلمان بن عبدالعزيز، كما أجرى محادثات مع وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، حصلت نقلة نوعية على صعيد التقارب السعودي – الأميركي في اتجاه موقف مشترك أكثر عمقا وثباتا في مواجهة الخطر الإيراني بكلّ أبعاده.

كشفت الزيارة مدى استيعاب الإدارة الأميركية الحالية لخطورة المشروع التوسّعي الإيراني من جهة، ومدى استعدادها للتصدّي له. جاءت تصفية قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني لتظهر أن الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب تعرف تماما أنّ لدى الولايات المتّحدة حسابات قديمة في حاجة إلى تصفية مع “الجمهورية الإسلامية”. حسابات تعود إلى العام 1979 عندما احتجزت السلطات الإيرانية 52 دبلوماسيا أميركيا، كانوا يعملون في سفارة طهران، لمدّة 444 يوما. هناك تذكير أميركي دائم باحتجاز الدبلوماسيين هذه الأيام. هذا ما فعله ترامب لدى تهديده بالرد على أيّ عدوان إيراني يستهدف الأميركيين عن طريق ضرب 52 هدفا في الداخل الإيراني. يرمز كلّ هدف من هذه الأهداف إلى أحد الدبلوماسيين الأميركيين الذين احتجزتهم إيران…

جاء إطلاق الصواريخ من صنعاء بمثابة ردّ إيراني على زيارة بومبيو، والنتائج التي يبدو أنّها أسفرت عنها. أرادت إيران توجيه رسالة فحواها أنّ لديها قاعدة في اليمن، وأنّ الحوثيين ليسوا سوى أداة من أدواتها.

تكفي مراجعة سريعة لكلّ الاتفاقات التي توصّل إليها الحوثيون مع خصومهم في السنوات الست الأخيرة، أي منذ وضع يدهم على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، كي لا تعود هناك أي أوهام في شأن كيفية التعاطي معهم واللغة التي يفهمونها.

تخلّل المرحلة التي سبقت السيطرة الحوثية على صنعاء تمدّد حوثي في اتجاه محافظة عمران انطلاقا من صعدة. في سياق هذا التمدّد، استطاع “أنصار الله” تصفية وجود آل الأحمر، أبناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر (توفي في العام 2007)، زعماء قبيلة حاشد. كان ذلك تطهيرا لعمران من نفوذ حزب التجمّع اليمني للإصلاح الذي تحوّل بعد وفاة الشيخ عبدالله حزبا يسيطر عليه الإخوان المسلمون كلّيا.

طمأنت خطوات الحوثيين الرئيس الانتقالي عبدربّه منصور هادي الذي لم يتردّد في التوصّل إلى تفاهمات مع “أنصار الله” في وقت كانوا في طريقهم إلى صنعاء. أخذوا بدربهم مواقع مهمّة كان يسيطر عليها اللواء 310 بقيادة العميد حميد القشيبي، المحسوب بدوره على الإخوان المسلمين وعلى اللواء علي محسن صالح الأحمر نائب رئيس الجمهورية حاليا، وهو من أقرباء علي عبدالله صالح وأحد الذين انقلبوا عليه في العام 2011.

فتح التخلّص من اللواء 310 أبواب صنعاء أمام الحوثيين الذين نسوا، فجأة، كل التفاهمات مع عبدربّه منصور هادي الذي أراد ممارسة لعبة التوازنات مع الإخوان المسلمين. ما إنْ وقّع الحوثيون في صنعاء “اتفاق السلم والشراكة” برعاية الأمم المتحدة ممثلة بجمال بنعمر، حتّى انقلبوا على الرئيس الانتقالي وأجبروه على الاستقالة بعد وضعه في الإقامة الجبرية. ما لبث عبدربّه أن استطاع الفرار من صنعاء إلى عدن في شباط – فبراير 2015.

يمكن الحديث طويلا عن الأخذ والردّ بين الحوثيين في مرحلة ما بعد “اتفاق السلم والشراكة” الذي لم تكن له علاقة لا بالسلم ولا بالشراكة من جهة، وعلي عبدالله صالح الذي ائتمنهم من دون أن يأتمنهم من جهة أخرى. لكن الثابت في كلّ مرحلة من المراحل التي تلت يوم 21 أيلول – سبتمبر 2014 أنّ الحوثيين طرف يمتلك حساباته الإيرانية. كلّ ما عدا ذلك مضيعة للوقت لا أكثر وتفاصيل يمكن التوقف عندها للتأكد فقط من أمر واحد. هذا الأمر هو أن لا فائدة من أي حوار مع الحوثيين على الرغم من أنّه لا يمكن تجاهل أنّهم جزء من المعادلة اليمنية، وأن لا مجال لتجاهلهم متى باتت الأجواء جاهزة لتسوية ما على صعيد البلد ككلّ.

لم يوقّع الحوثيون يوما اتفاقا والتزموا به. كان اتفاق ستوكهولم في أواخر السنة 2018 من أجل كسب الوقت ليس إلا. نجحوا وقتذاك، مستخدمين مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، مارتن غريفيث، في وقف المحاولة الجدية الوحيدة من أجل إبعادهم عن ميناء الحديدة الاستراتيجي.

لا جديد على الأرض في اليمن حاليا. المأساة اليمنية مستمرّة. ضحيتها كلّ يمني، بما في ذلك أهل صنعاء الذين عليهم العيش في ظلّ نظام متخلّف لا يمتلك أي مشروع حضاري من أيّ نوع.

كلّ الأبواب تبدو مغلقة أمام أيّ تغيير حقيقي في صنعاء… ما دامت إيران موجودة فيها أكثر من أيّ وقت.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

فصول أردوغانية مآلها الاندثار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

خالد رستم

التصريحات المتلونة التي أطلقها أردوغان حيال موسكو بشأن إدلب تثير كثيراً من التساؤلات حول الأهمية الاستراتيجية لهذه المدينة بالنسبة لتركيا وما يحشد لها من عمليات التدعيم العسكري لجبهة النصرة والفصائل المسلحة.

وثمة تساؤلات أيضاً مبعثها الدور المريب الذي يتلاعب به رئيس النظام التركي بمخاطرته إذا أصر على الدخول في مواجهة مباشرة ضد الحليف الروسي بغية الحفاظ على مرتزقته ونقاط المراقبة التابعة لأنقرة وأن لا تراجع أو انسحاب عن مواقع انتشار قواته، حينها قد تغدو المدينة مسرحاً لعمليات عسكرية بين حليف الأمس وعدو اليوم وملامح التفكك بمؤشراتها واضحة للعيان بتقويض أنقرة كل بنود الاتفاقيات المتعلقة بالسيادة السورية على أراضيها.

أردوغان يتشبث بنقاط المراقبة في إدلب ويعلم تماماً أن الطريق إليها مع مرتزقته لن يكون سهلاً بدليل اندحار التنظيمات المسلحة المتمردة التي جمعتها تركيا بتشكيلة واحدة تحت راية الجبهة الوطنية للتحرير وضمت في صفوفها فصائل مسلحة عديدة أبرزها "أحرار الشام" و"نورالدين الزنكي" و"فيلق دمشق" و"حماية الدين" و"فصائل جيش الأحرار"، فضلاً عن الخلايا المسلحة النائمة والمدعومة من أنقرة والقريبة من مناطق الحدود الشمالية، وهذه الفصائل على تنسيق دائم مع جبهة النصرة الذراع السابقة لتنظيم القاعدة في سوريا.

وبعد هزائم متلاحقة للتنظيمات المسلحة المدعومة أردوغانياً في الميدان، كانت دعوة وزير الحرب التركي خلوصي أكار وبشكل رسمي وعلى هامش اجتماعات الناتو في بروكسل كلاً من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو إلى تعزيز دعمها لتركيا في ظل تصعيد التوتر في إدلب.

مطالب خلوصي كانت من نظيره الأمريكي مارك إسبر للمساعدة الملموسة لوقف التحولات التي طرأت لصالح الجيش السوري في الشمال السوري وسيطرتها على عشرات المدن والبلدات التي كانت فصائل جبهة النصرة مهيمنة عليها.

وتنطوي دعوة خلوصي على نزعة عدوانية، إلا أن دول الناتو لن تقدم دعماً استناداً لتفعيل البند الخامس بسبب مقتل عسكريين أتراك في إدلب الشهر الماضي، والناتو لا ينظر إطلاقاً لتقديم مساعدة عسكرية لأنقرة في حال قيامها بعملية عسكرية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن في مؤتمر صحفي، أنه لم تتمخض مباحثات موسكو عن أي نتيجة مُرضية، واعتبر أن موقف الناتو والحلفاء من الأوضاع في إدلب لا يكفي وهم يكتفون بالثناء على الموقف التركي وتشجيعه، وإذا استمر الأمر فإن إدلب ستذهب غداً.

وبالمقابل، فإن إنذار الكرملين يأتي رداً على كلمة أردوغان أمام البرلمان وفي أعقاب انفضاض المباحثات بين الجانبين في موسكو دون التوصل إلى جوانب مقنعة بينهما، وإن تحذيراته النهائية للحكومة السورية حول تشدقه بعملية عسكرية مرتقبة مسألة وقت وتفضي بشكل أو بآخر إلى انهيار مجموعاته المسلحة وستكون إدلب وبالاً عليه وطامة كبرى ضد سياسته الحمقاء.

وبالمحصلة، فإن المباحثات التركية مع موسكو لم تستجب لطموحات أردوغان في الشمال السوري ولم تحقق النتائج المرجوة لصالحه، فالخريطة الجديدة التي قدمها الجانب الروسي لتوزع مناطق السيطرة تظهر فيها المناطق الحدودية تحت سيطرة فصائل المعارضة.

وفي مجلس الأمن، رفضت موسكو إعلاناً يطالب بوقف إطلاق النار شمال سوريا، مؤكدة دعمها لدمشق في حربها ضد الفصائل المسلحة المدعومة تركياً، ويتمسك الروس بدعم الدولة السورية عسكرياً إلى أن تتحقق السيادة الوطنية على كامل الأراضي السورية.

فهل يدرك أردوغان مغبة ما يذهب إليه في معترك الاندحارات التي تشهدها فصائله المتطرفة؟ وهل يعي ما يطرحه من مواقف عنصرية ستلقي باندفاعاته في جحيم لا ينطفئ والويل والثبور لأهوائه؟

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية