"الخلافة والملك" للمودودي: تجميل أزمة تداول السلطة

"الخلافة والملك" للمودودي: تجميل أزمة تداول السلطة
صورة نادر رزق
كاتب وباحث أردني
10158
عدد القراءات

2018-04-22

"يقول القرآن إن الحاكم الحقيقي للإنسان هو نفسه حاكم الكون، وحق الحاكمية في الأمور البشرية له وحده وليس لأية قوة سواه".. و"أنّه لا بد من اتباع قانونه وحده، وحرام على المرء أن يترك هذا القانون ويتبع قوانين الآخرين أو شرعة ذاته ونزوات نفسه".

يبدأ أبو الأعلى المودودي كتابه "الخلافة والملك" بالتأكيد على مبدأ الحاكمية في كل شأن من شؤون الحياة، داعياً إلى تحكيم شرع الله، وعدم اتباع القوانين الوضعية التي تتعارض معها، ويستشهد شأن من سبقوه على هذا القول بالآيات الكريمة "ومن لم يحكم بما أنزل الله.." و"أفحكم الجاهلية يبغون.."، موضحاً أنّه لا يحق لمسلم أن يصدر من نفسه حكماً في أمر أصدر الله ورسوله فيه حكماً، ويبدو المودودي حتى الآن متسقاً في كلامه مع السياق اللغوي للآيات بأنّه من حكم بغير ما أنزل الله فيما لم ينزل الله فيه تشريعاً فليس عليه من حرج.

لكن مؤسس "الجماعة الإسلامية" ما يلبث أن يقول إنّ "الشكل الصحيح لحكومة البشر في نظر القرآن هو أن تؤمن الدولة بسيادة الله ورسوله القانونية، وتتنازل لهما عن الحاكمية وتؤمن بأن تكون "خلافة" نائبة عن الحاكم الحقيقي تبارك وتعالى وسلطاتها في هذه المنزلة لا بد أن تكون محدودة بتلك الحدود التي ذكرتها"، ومكمن المشكلة في هذا القول التأسيسي للحاكمية التي يدعو إليها أنّ "الخلافة النائبة" فشلت باعترافه في أن تستمر أكثر من 30 عاماً، رغم محاولاته التبريرية لتجميل هذا الطرح.

القول التأسيسي للحاكمية التي يدعو إليها عبر الخلافة النائبة يصطدم باعترافه بفشله بالاستمرار أكثر من 30 عاماً

مثالية "الخلافة الجماعية"

يبدأ كلام المودودي، في كتابه الصادر العام 1967 والواقع في 244 صفحة، بأخذ طابع طوباوي عند تعرضه لموضوع "الخلافة الجماعية"؛ إذ يقول: "إنّ من تناط به الخلافة الشرعية ليس فرداً أو أسرة أو طبقة، إنما هو الجماعة بجملة أفرادها- التي تؤمن بالمبادئ السالفة الذكر وتقيم دولتها على أساسها"، موضحاً أنّ "ألفاظ الآية 55 من سورة النور "ليستخلفنهم في الأرض" صريحة في توضيح هذا الأمر، فكل فرد في جماعة المؤمنين شريك في الخلافة من وجهة نظر هذه الآية وليس لواحد من البشر أو طبقة من الطبقات أي حق في سلب سلطاتهم في الخلافة وتركيزها في يديه".

وقبل أن يدفعنا التفاؤل المتسرع إلى الاعتقاد أنّ الرجل بهذا الكلام يروّج للديمقراطية بمعناها المحدث الذي حسمت فيه الدولة الحديثة آليات تداول السلطة، يفاجئنا المودودي بقوله "غير أنّ هناك فرقاً جوهرياً بينها وبين الديمقراطية الغربية التي تقوم على مبادئ الحاكمية الشعبية، أما في خلافة الإسلام الديمقراطية فالشعب يسلم بحاكمية الله ويجعل سلطاته محدودة بحدود قانون الله برضاه ورغبته"؛ إذ سيبين هو نفسه أنّ تحقيق هذا الشرط (خلافة الإسلام الديمقراطية) يكاد يكون مستحيلاً.

غلاف الكتاب

الشورى والانتخاب

ينتقل المودودي إلى موضوع غاية في الأهمية ألا وهو "حدود إطاعة الدولة" والغريب أنّه يمر عليه مرور الكرام ويقتصر كلامه فيه بقوله: "والدولة التي تقوم لتسيير نظام الخلافة هذا تجب على الشعب إطاعتها في المعروف فقط، فلا طاعة لها ولا تعاون معها في المعصية (كل ما يخالف شرع الله وقانونه)"! ثم يفرد حيزاً مهماً من الكتاب لـ"الشورى"، ويرى أنّ عمل الدولة كله يتم ابتداء بتأسيس وتشكيل أول لبنة فيها، ثم انتخاب رئيس الدولة وأولي الأمر، وانتهاء بالأمور التشريعية والمسائل التنفيذية؛ "على أساس تشاور المؤمنين فيما بينهم بصرف النظر عما إذا تمت المشورة مباشرة أم عن طريق نواب منتخبين انتخاباً صحيحاً". والسؤال المطروح: ألم يكن يجدر بالمودودي أن يدلّل على هذا الأمر الإجرائي الحاسم في اختيار الحاكم عملياً من واقع التاريخ الإسلامي، بدلاً من محاولاته تسمية الأشياء بغير مسمياتها كما سنرى؟

رغم أهمية موضوع الشورى وما رافقها من لغط يحتاج إلى توضيح يضع النقاط على الحروف، ينتقل المودودي لتفصيل أمر آخر هو "صفات أولي الأمر"؛ إذ يرى وجوب ملاحظة عدة أمور في انتخاب أولي الأمر لتسيير نظام الدولة: أن يكونوا مؤمنين بالمبادئ التي توكل إليهم مسؤولية تسيير نظام الخلافة وفقها، وألا يكونوا ظالمين فاسقين فاجرين غافلين عن الله متعدين لحدوده.. "وإذا تسلط ظالم أو فاسق على منصب الإمارة أو الإمامة فإمارته باطلة في نظر الإسلام"، داعياً إلى ألا يكون من يتولى هذا الأمر جهلاء سفهاء بل علماء رشداء على فهم وبصيرة، وأن يكونوا أمناء حتى يمكن إلقاء المسؤوليات عليهم بثقة واطمئنان، دون أن يحدد هنا أيضاً المعايير التي يمكن من خلالها الحكم على انطباق هذه الشروط.

الشعب ليس مطلق العنان بحيث يكون قانون الدولة ومبادئ حياتها وتخطيط سياساتها تابعاً لهواه ومزاجه

مبادئ الدستور الأساسية

وتحت عنوان "مبادئ الدستور الأساسية" الذي يعد من أهم ما ورد في الكتاب يرى المودودي أن الآية (59) من سورة النساء تشتمل على هذه المبادئ  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾، ويستنبط منها أنّ: "طاعة الله ورسوله مقدمة على أي طاعة أخرى، طاعة أولي الأمر تأتي تحت طاعة الله ورسوله، أن يكون أولو الأمر من المؤمنين، وللناس حق منازعة الحكام والحكومة (أي مقاضاتهم)، وأنّ الفيصل في النزاع هو قانون الله ورسوله، وضرورة أن توجد في نظام الخلافة هيئة مستقلة عن نفوذ الشعب وتأثير الحكام لتقضي في النزاعات طبق القانون الأعلى (قانون الله ورسوله)".

ويعترف المودودي في كلامه هذا ضمناً بأحد أهم مبادئ الدولة الحديثة ألا وهو الفصل بين السلطات؛ إذ يؤكد على أن تكون سلطات الهيئة التنفيذية محدودة بحدود الله وألا تتأسس إلا عن طريق الشورى –يعني الانتخاب على حد قوله- وهذا يشمل الهيئة التشريعية "أما الأمور التي لم يصدر المشرِّع الأعلى (الله) فيها أحكاماً قاطعة أو يقرر فيها مبادئ أو يحدد لها حدوداً ففي مقدور الهيئة التشريعية أن تشرع لها قوانين تطابق روح الإسلام ومبادئه العامة لأن سكوت الشارع عن إصدار حكم فيها يدل على أنّه تركها لبصيرة المؤمنين الصائبة"، وهو ما يفصل فيه في كتابه الآخر "الحكومة الإسلامية"، وبالنسبة للهيئة القضائية يشدد على أن تكون حرة مستقلة عن أي تدخل أو ضغط أو نفوذ.

ثم يشرع المودودي بتعداد الحقوق الأساسية لرعايا الدولة الإسلامية من المسلمين وغيرهم، كحماية الروح وحقوق الملكية والكرامة والحياة الخاصة.. ولكن ما يوجب منها التوقف "حرية الاجتماع" إذ يشترط المودودي أن تستخدم في الخير والحق وألا تصبح سبباً في بث الفرقة بين أبناء المجتمع أو باعثاً على إحداث الاختلافات الأساسية، ومن الواضح أنّ هذا الكلام الفضفاض يعطي للسلطة الحاكمة حق الوصاية على نوايا الناس، وحرية التعبير وفق رؤيتها.

أزمة طروحات المودودي تبدأ عند محاكمتها في صدر الإسلام التي يُفترض أن تقدم المثال الذي يُحتذى

وحين يأتي على ذكر "خصائص الدولة الإسلامية" يقول "أن تكون الحاكمية فيها خالصة لله وحده إلى حد يتفق والنظرية الثيوقراطية (اللاهوتية)" موضحاً أن الاختلاف يكمن في عدم تركز السلطة بطبقة من الكهنة أو الشيوخ، ويعود ليؤكد أنّ "خلافة الله في الدولة الإسلامية من حظ المؤمنين أجمعين"، وأنّ خصائص الدولة الإسلامية "تتفق ومبادئ الديمقراطية في ضرورة أن تتكون الحكومة أو تتغير أو تسير برأي الشعب"، مستدركاً أنّ الشعب ليس مطلق العنان فيها بحيث يكون قانون الدولة ومبادئ حياتها وتخطيط سياساتها تابعاً لهواه ومزاجه.

رغم ما يبدو في بعض هذا الكلام من مثالية يصعب ردّها، وهي تقترب من مبادئ الدولة الحديثة وخاصة في موضوعي حدود تركز السلطة والشورى، إلا أنّ أزمة طروحات المودودي تبدأ عند محاكمتها مع الواقع العملي؛ أي "الخلافة الصحيحة" على حد وصفه في صدر الإسلام التي يُفترض أن تقدم المثال الذي يدعو إلى الاقتداء به.

الخلط بين الانتخاب والبيعة

يصف المودودي خلافة أبي بكر الصديق بأنّها "خلافة انتخابية" عندما رشّحه عمر بن الخطاب "فقبله أهل المدينة –وكانت لهم في الحقيقة صفة تمثيل البلاد بأكملها- وبايعوه برضاهم واختيارهم دون قهر أو ضغط"، ولا ندري على أي أساس أعطى المودودي لأهل المدينة حق الوصاية على بقية المسلمين، وهو القائل كما رأينا سابقاً إنّ "كل  فرد في جماعة المؤمنين شريك في الخلافة"، فإذا كان ذلك قد تعذر تحقيقه في صدر الإسلام، وهذا أمر طبيعي، فكيف يمكن تحقيقه في هذا العصر!

والغريب أن صفة الانتخاب يطلقها المودودي أيضاً على استخلاف أبي بكر لعمر، وهو القائل: "وقد "أوصى" أبو بكر عند وفاته بالخلافة لسيدنا عمر بن الخطاب وجمع الناس في المسجد النبوي وقال لهم: "أترضون بمن أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا" فقال الناس "سمعنا وأطعنا".

أما عن حيثيات خلافة عثمان بن عفان فلم يخرجها أيضاً عن قاعدة الانتخاب التي قرّرها، "وبمقتضى هذه القاعدة التي شرحها في خطبته (يعني عمر بن الخطاب) كوّن مجلساً انتخابياً قبيل وفاته ليفصل في أمر الخلافة.. وفي النهاية قر قرار المجلس على إسناد أمر اختيار الخليفة إلى عبدالرحمن بن عوف.. وعلى هذا انتخب خليفة للمسلمين وبويع أمام الناس في مجلس عام".

ويقول في موضع آخر: "والقرآن لا يقرر أشكالاً وصوراً محددة بشأن الشورى والانتخاب وإنما يضع مبدأً عاماً وقاعدة عريضة، ثم ترك سبل تنفيذه وأشكال إجرائه ليقررها الناس في الأزمنة المختلفة وفق ضرورات مجتمعهم وظروف بيئتهم".

المشكلة لدى المودودي أنّه يأبى الاعتراف أنّ قضية تداول السلطة لم تأخذ طابعاً مؤسسياً واضحاً، حتى في عصر الخلافة الراشدة، وأنّ المسألة كانت اجتهادية تستهدف المصلحة العامة وفق المعطيات المتوافرة للصحابة في ذلك الوقت، بدليل أنّ كل خليفة من الخلفاء الراشدين وصل إلى السلطة بآلية مختلفة في كل مرة، وفق ما يذكر هو نفسه، وما محاولته لوصف ما جرى بالانتخاب الجماعي إلا نوعاً من التلفيق والخلط ما بين الانتخاب والبيعة.

وفي هذا السياق يذكر أنّ الناس بعد مقتل عثمان أرادوا أن يولّوا علياً بن أبي طالب فقال لهم: "ليس ذلك إليكم إنما هو لأهل بدر فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة فنجتمع وننظر في هذا الأمر"، ثم يروي ما ذكره الطبري من قول علي "إنّ بيعتي لا تكون خفياً ولا تكون إلا عن رضا المسلمين"، ولا يخفى في هذا الكلام من تعريض بالآلية التي تم بها استخلاف من سبقوه، ولكن المودودي تجاوزه هذا المعنى في سبيل يصل إلى الصورة المثالية التي يريدها، ويصر عبثاً على القول: "يتضح لنا من هذه الوقائع أنّ الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يرون الخلافة منصباً انتخابياً لا بد من الفصل فيه برضا المسلمين ومشورتهم فيما بينهم، أما الوراثة أو اغتصاب الحكم عنوة فلم يكن لديهم "خلافة" بل "ملكاً".

ولم يوضح لنا المودودي –كمعظم منظري الإسلام السياسي- من هم "أهل الرأي" الذين ما يفتأ يتحدث عنهم، فهم حسب ما ذكر نقلاً عن علي آخر الخلفاء الراشدين أهل بدر (الذين لم يكونوا منتخَبين بطبيعة الحال كما يدعو هو)!

 كمعظم منظري الإسلام السياسي لم يوضح المودودي من هم "أهل الرأي"

بداية الخلل

رغم ما أورده المودودي من تزكية لفترة الخلفاء الراشدين وبأنّ اختيارهم (أو انتخابهم) جميعاً تم على المنهاج الصحيح، نجد أنّ ذلك لم يشكل ضمانة لأن تسير الأمور على ما يرام؛ إذ يقول: "غير أنّ سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- حين خلفه أخذ يحيد عن هذه السياسة رويداً رويداً فطفق يعهد إلى أقاربه بالمناصب الكبرى ويخصهم بامتيازات أخرى اعترض الناس عليها"، ثم يورد مجموعة من الأخبار على هذه التجاوزات، وخاصة انتقاده لتعيين معاوية على ولاية أهم مناطق الدولة الإسلامية (الشام) مدة طويلة حتى غدت دولة داخل الدولة، فضلاً عن تعيين مروان بن الحكم في أهم منصب في "سكرتارية" الخلافة والدور الذي لعبه في استغلال طيبة الخليفة وإفساد علاقته بالناس.

ورغم ادعائه أنّ جميع الخلفاء الأربعة لم يكونوا يبرمون أمراً يتعلق بضبط الحكومة أو التشريع ونحوه دون مشورة أهل الرأي من المسلمين، فإنّه يتجاوز عن حقيقة مهمة، وهي أنّ هذه المشورة لم تكن ملزمة للخليفة "مؤسسياً"، وبذلك يطوي صفحة خلافة عثمان دون أن يحلّل هذا الخلل رغم أنّ خلافته تمّت، كما يقول، حسب الأصول الإسلامية، محملاً المسؤولية للأخطاء التي ارتكبها الخليفة الثالث لا النظام الشمولي نفسه الذي يروّج له.

ثم ينتقل إلى خلافة علي بن أبي طالب، التي رأى أنّ أموراً ثلاثة حالت دون رأب الصدع أو "سد الثغرة الخطيرة التي حدثت في نظام الخلافة الراشدة" في عهد عثمان، وهي: أن انتخاب علي اشترك فيه المتمردون الذين قتلوا عثمان، ووقوف بعض أكابر الصحابة (الذين لم يسمّهم) موقف الحياد في بيعة علي، وأخيراً المطالبة بدم عثمان من فريقين أحدهما فيه السيدة عائشة وطلحة والزبير والثاني يتزعمه معاوية.

المودودي يأبى الاعتراف أنّ قضية تداول السلطة لم تأخذ طابعاً مؤسسياً واضحاً حتى في عصر الخلافة الراشدة

ويظهر المودودي مرة أخرى جرأة كبيرة حين ينتقد ما أقدم عليه جميع المطالبين بدم عثمان، واصفاً ما قاموا به بأنّه "يستند إلى النظام القبلي المعهود عن الجاهلية".. "فلعمري أنّ هذا لسبيل لا يمكن اعتباره إجراء شرعياً لا في نظر قانون الله فقط بل حتى في نظر أي قانون من القوانين الدنيوية"، ولكن مع ذلك يبدو البديل الذي اقترحه مغرقاً في المثالية حين يذكر أنّه كان يجدر بهم "التوجه إلى المدينة ورفع دعواهم هناك حيث يقيم الخليفة والمجرمون وورثة المقتول".

وبعد سرد تاريخي للأحداث المعروفة التي آلت إثرها الأمور إلى معاوية بن أبي سفيان، يصرّح المودودي أنّ امتلاك معاوية لأعنّة الحكم مثّل "مرحلة انتقالية على طريق تحوّل الدولة الإسلامية من الخلافة إلى المُلك"، موضحاً أنّ "أصل المسألة ليس انعقاد الخلافة في ذاته إنما الأسلوب الصحيح لانعقادها أهو الأسلوب الذي اتبعه الخلفاء أم الذي سار عليه معاوية ومن جاء بعده؟".

ويتابع المودودي سرد أهم التغيرات التي حصلت منذ تولي معاوية التي حوّلت الخلافة إلى مُلك: التغير في قانون تنصيب الخليفة، وطريقة عيشه، ووضع بيت المال، وزوال حرية الرأي، وانتهاء حكومة الشورى، وأخيراً ظهور العصبيات القومية والزندقة.

 

 

قيادتان في الدولة الإسلامية

ورغم كل هذه السوداوية التي يصف بها المودودي الحياة السياسية لمعظم حياة الدولة الإسلامية منذ عثمان بن عفّان وحتى سقوط الدولة العثمانية، إلا أنّه يرى أنّه "من الخطأ الشديد أن نظن أنّ هذه التغيرات السياسية قد قضت على نظام الحياة الإسلامي كلّه قضاءً تاماً؛ إذ إنّ بعض الناس طالعوا التاريخ مطالعة سطحية ثم قرّروا أنّ الإسلام لم يعش غير ثلاثين عاماً انتهى بعدها تماماً".

ويدافع المودودي عن طرحه هذا –وهو ما يتفق جزئياً مع ما ذهب إليه وائل حلاّق في كتابه "الدولة المستحيلة"- بأنّ ما حصل هو انقسام قيادة المسلمين إلى قيادتين: القيادة السياسية التي تولّت الأمور بناء على الأمر الواقع، والقيادة الدينية التي شكّلت جماعتهم للمسلمين -رغم اختلافها في الجزئيات والتفاصيل- قيادة فكرية وأخلاقية واحدة، "فانفصل طريق القيادة الدينية عن طريق القيادة السياسية منذ منتصف القرن الأول الهجري".

ورغم الفرق الإسلامية التي ظهرت بدءاً من الخوارج والشيعة والمرجئة والمعتزلة، يرى المودودي أنّه لم يتأثر من المسلمين بهذه التفرقة "غير ثمانية أو عشرة بالمئة، أما بقيتهم الباقية فكانت على مذهب الجمهور" وفي هذا السياق يعرض المودودي لأبي حنيفة واصفاً إياه بأنّه "أول من دوّن عقيدة أهل السنة والجماعة في مواجهة هذه الفرق الدينية في كتابه الفقه الأكبر"، رائياً أنّه ملأ باجتهاده وقوته الخاصة ذلك الفراغ العظيم الذي حدث في نظام الإسلام القانوني بانسداد باب الشورى بعد الخلافة الراشدة، بعد أن شكّل هيئة تشريعية غير رسمية من تلامذته فصلت في 83 ألف مسألة فقهية تضم حالات مفترضة.

يعترف المودودي ضمناً بأحد أهم مبادئ الدولة الحديثة ألا وهو الفصل بين السلطات

الخروج على الحاكم

يبدو اختيار المودودي لأبي حنيفة أنموذجاً للفقيه الأمثل مثيراً للحيرة وليس الشافعي مثلاً، مؤسس علم أصول الفقه، ولكن هذه الحيرة ما تلبث أن تزول عندما نرى أنّ هذه الانتقائية تحقق له ضالته في مسألة "الخروج على الحكومة الظالمة"؛ فرغم اعتراف المودودي أنّ "جماعة كبيرة من أهل الحديث (والصحيح معظمهم) تقول بجواز الاعتراض على الإمام الظالم الفاسق دون الثورة عليه"، إلا أنّه يتجاهل رأي الجماعة، أو الإجماع الإسلامي، الذي طالما أكد على اتباعه، ويدعو إلى اتباع رأي أبي حنيفة الذي يقول إنّ "إمامة الظالم ليست باطلة فحسب، وإنما تجوز الثورة عليه أيضاً، بل وينبغي ذلك بشرط أن تكون ثورة ناجحة مفيدة تأتي بالعادل الصالح مكان الظالم الفاسق، وبشرط أن لا تكون نتيجتها مجرد تبديد القوى وضياع الأنفس والأرواح".

انتقائية المودودي لأبي حنيفة أنموذجاً للفقيه الأمثل تحقق له ضالته في مسألة "الخروج على الحكومة الظالمة"

ولكن ما يلبث أن يتحسس المودودي الحرج فيما ذهب إليه بأنّ إجماع العلماء اتجه لعدم جواز الخروج على الحاكم، وفي ذلك يقول: "ثم بدأ يظهر فيما بعد ذلك الرأي الذي يسمى الآن "رأي جمهور أهل السنة" وليس سبب ظهور هذا الرأي العثور على نصوص قطعية بشأنه كانت خافية على أكابر القرن الأول"، ويدّعي المودودي أنّ ذلك عائد لسببين: "الأول أنّ الجبابرة لم يتركوا أي طريق مفتوح أمام التغيير بطرق ديمقراطية سليمة، والثاني أنّ المحاولات التي كانت تتم لإحداث التغيير عن طريق السيف أسفرت عن تلك النتائج المتوالية التي لم يبق بعد رؤيتها توقع صدور الخير عن هذا الطريق أيضاً".

رغم ما أبداه المودودي في هذا الكتاب من صراحة في انتقاد النظام السياسي الإسلامي الذي فشل في المحافظة على أسس الخلافة الإسلامية وانتهى بتحويلها إلى ملك دنيوي، إلا أنّه ظلّ أسير منظومته المعرفية التي تأبى الخروج من عباءة "مثالية" النظرة إلى التراث الإسلامي، ومحاولة استنقاذه بأيّ ثمن في سبيل تأصيل مشروعه للإسلام السياسي الشمولي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يساعد الدين المجتمعات في أداء رسالتها؟

2020-02-20

قدّم ماكس فيبر بين عامي 1903 و1920، مجموعة من الدراسات في سوسيولوجيا الدين؛ مثل "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، "المذاهب الدينية في أمريكا الشمالية"، "الأخلاق الاقتصادية للأديان الكبرى"، وجُمعت هذه الدراسات في مجلد واحد بعنوان؛ "الأعمال الكاملة لسوسيولوجيا الدين"، الذي تضمن  دراسات عن الكونفوشيوسية والتاوية واليهودية، وقد نشرت المنظمة العربية للترجمة، مجموعة من هذه الدراسات في كتاب بعنوان: "مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"، (2015) ترجمة منير الفندري.

لا ينظر فيبر إلى الدين باعتباره نظاماً من المعتقدات بل يراه نسقاً لتنظيم الحياة حيث اهتمّ بالسلوكيات العملية للأفراد

وينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي، ولا يعتبره نظاماً من المعتقدات، بل نسق لتنظيم الحياة، ولذلك فقد اهتمّ فيبر بالسلوكيات العملية للأفراد، والمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وبالنسبة إليه، فإنّ المسألة المطروحة هي لا عقلانية العالم، وبشكل خاص عدم التوافق بين ما هو مقدّر، وبين ما تصير إليه الأمور، بين واقع المعاناة الذي تعيشه، وحقيقة الموت الذي كان القوة الدافعة لتطوّر الأديان جميعها، وإذا أنشأت الأديان نظماً وترتيبات لاهوتية متعلقة بالعالم الآخر، فإنّ بعض الاتجاهات السلوكية للناس في الحياة القائمة  تحركها عوامل وبواعث دينية.

"مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"
ويرى فيبر أنّ السياسة بعكس الاقتصاد، يمكن أن تدخل في تنافس مباشر مع ما هو ديني؛ فالدين والسياسة، كما يقول فيبر، متمايزان بوضوح، لا يوحد بين المنطق الداخلي لكل منهما، ويلاحظ تجارب متنوعة في العلاقة بين السياسي والديني، امتدت عبر تاريخ من المعارضة الراديكالية للسياسة، إلى الاستيعاب الديني، لكن ما هو أكثر تعقيداً من ذلك، أنّ الدين ينشئ نتائج ثورية حتى عندما لا يبالي بالسياسة، كما ينشئ علاقات حميمة بالمجال الجمالي؛ كالموسيقى والرقص والعمارة والتصميم والزخرفة، وبهذا المعنى فقد شجع الدين الفن بقوة.

اقرأ أيضاً: "في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي
ويهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان، ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين، ويعتبر كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الأكثر شهرة بين أعماله الفكرية، كما يلقى نظرة شمولية على علاقات ديانات أهم الحضارات بالاقتصاد والتركيبة الاجتماعية في محيطها، في كتابه "أخلاقيات الاقتصاد لديانات العالم الكبرى".

يهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين

ويلاحظ فيبر، في مقارنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية، أنّ الإنسان الكاثوليكي أكثر سكوناً وأقل مغامرة من الإنسان البروتستانتي، حيث إنّ البروتستانتية، كما يقول فيبر، تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار، واستغلال الوقت أفضل استغلال في تحقيق المنفعة للذات والآخرين، حيث تأخذ الحرفة أو المهنة في الفهم البروتستانتي للإنجيل، بعداً دينياً غير موجود في المجتمعات الكاثوليكية، كما أنّ البروتستانتية تمنح العمل قداسة دينية، وقد كانت الحوافز والدوافع الدينية للعمل والإنتاج واحدة من أهم ملامح حركة الإصلاح الديني التي أطلقها مارتن لوثر بين عامي  1483 و 1546، وفي حين كان الصرافون والمرابون والاحتكاريون، حلفاء مقربين للملوك في بريطانيا وفرنسا، كانوا يتعرضون للنقد الحاد من قبل الإصلاحيين الكالفينيين. وفي حين استخدمت دعوات الزهد والتقشف لتكريس الخضوع للسلطة والرضا بالفروق الاقتصادية والاجتماعية لدى الكاثوليك؛ استخدمت لأجل العمل والإنتاج والتقدم الاقتصادي، وتكريس الموارد للأعمال المنتجة بدلاً من هدرها في مجالات لا تفيد الفرد والمجتمع في البروتستانتية.

ينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي
يختار فرويد نماذج أدبية تعتمد على المصادر الدينية، فيلاحظ أن القصة التقليدية لآدم وحواء وخروجهما من الجنة، تعرض في عالم الكاثوليكية كمسألة تراجيدية أقرب إلى اللعنة، لكنها في الأدب الإصلاحي تبدو أمراً إيجابياً، وفي ذلك يقارن بين دانتي في الكوميديا الإلهية؛ إذ يصمت اليغيري دانتي حيال الأسرار الإلهية لخاتمة القصة، لكن جون ميلتون في "الفردوس المفقود"، العمل الذي يسمى الكوميديا الإلهية للبيوريتانيين؛ يصف الخروج من الجنة على النحو التالي:

البروتستانتية بحسب فيبر تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار واستغلال الوقت في تحقيق المنفعة للذات والآخرين

التفتا إلى الخلف ولمحا الركن الشرقي من الجنة
الذي كان مقرهما الناعم الهانئ
يغمره لظى من النيران المستعرة
وعلى بابه حشود من المردة
في قبضاتهم أسلحة من اللهب
أحسّا بالدموع تتقاطر الهوينى
ولكن سرعان ما جففا الخدود
لقد ظهرت أمامهما الدنيا الفسيحة
التي لهما أن يختارا فيها موطناً مريحاً
تقودهما في ذلك عناية الرب
سارا بخطى وئيدة مترددة
مبتعدين، اليد في اليد عن جنة عدن
وفي موضع آخر من الملحمة يقول ميخائيل (ميكال) لآدم:
لا تنس أن تقرن المعرفة بالفعل
وأضف إلى ذلك الفضيلة والعقيدة والصبر
ثم الاعتدال وتلك المحبة
التي ستصبح يوماً تمجد بنعتها المسيحية
وتغدو المهجة لكل الفضائل
حينئذ لن تأسف على فراقك هذا الفردوس
ما دمت تحمل في نفسك ما هو أجمل بكثير

ومن الواضح أنه شعر يمتلئ بمحبة الحياة، وتثمينها كهدية، ويؤكد فيبر أنّ هذه الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت، ليست فروقاً قومية مردها إلى الاختلاف بين الأمم، لكنه يردها إلى اتجاهات ومذاهب كنسية، مع التأكيد على أنها ليست العامل الوحيد، لكن النتائج والآثار الاقتصادية والاجتماعية، لم تكن نتائج متوقعة أو مخططاً لها عند مؤسسيها على أي حال، بل هي عفوية وغير مستهدفة، جاءت في كثير من الحالات بعيدة عما تهيأ لخاطرهم، أو على نقيضة أحياناً.
ويؤكد ماكس فيبر هنا على أنّ الرأسمالية لم تكن نتاجاً حتمياً للبروتستانية، أو أنّ "الرأسمالية" لم تكن لتظهر بدونها، فالرأسمالية برأيه أعرق وأعمق من البروتستانتية، لكن فيبر يحاول أن يبحث ويفكر في الأثر الاقتصادي للحركات الدينية، وإلى أي مدى ساهمت في صياغة العقلية الرأسمالية، وماذا يعود إلى الحركات الدينية من جوانب محسوسة في الحضارة الرأسمالية.

للمشاركة:

هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:

بركة النساء: من طرد المرأة من محراب القداسة؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-02-06

في ظلّ تصاعد التيارات النسائية الإسلامية في مختلف البلدان، التي يرى العديد من الباحثين في هذا المجال، أنّها تحمل الطابع الإصلاحي لمجال حقوق النساء، وما تزال متشحة برداء ذكوري، يتكشّف عند أول احتكاك فعلي بها، ويظل أكبر ملمح بارز في تلك القضية، هو التهميش الثقافي والحضور التاريخي للنساء في كتب التاريخ، ومساهمات المرأة في الحقول الدينية والروحية، الذي لم ينل قدره من البحث والتنقيب بالقدر الذي ناله الحضور الذكوري.

على الصعيد الإسلامي الفروق بين الرجال والنساء تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى

إلى جانب قداسة النساء التي تم تغييبها في الكتابة حول "تاريخ الولايات الصوفية"، الذي بقي كغيره من الكتابات التي احتكرها الرجال، فالمناقب ترصد لنا قداسة يهيمن عليها الأولياء والصلحاء الذكور، أما النساء فيبقين على الهامش من الذكر، رغم ما لهنّ من مساهمات كبيرة في هذا الحقل المهمّ من التراث الديني؛ بل إنّ الخصوصية العاطفية للنساء، والتي غالباً ما تمّ استخدامها ضدّهن، تجعلهن في إطار متفوق على الرجال، في مسألة الولايات الصوفية.
في هذا السياق يأتي كتاب "بركة النساء"، للباحث المغربي وأستاذ الأنثربولوجيا بجامعة ابن طفيل في القنيطرة بالمغرب، رحال بوبريك، ليناقش قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي، وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار، لأسباب استطرد في سردها والردّ عليها.
التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور

التكوين الفيسيولوجي ونفي الطهارة
يستهل بوبريك رحلته حول التأصيل الجذري لهذا الشكل من التهميش الثقافي، المبتعد كلّ البعد عن النصّ الإلهي، معوّلاً على كلّ العوائق التي تعترض طريق المرأة نحو الحضور التاريخي والديني، إلّا أنّ إصرارها الذي ظهر حتى في الدين المسيحي، في القرن الثالث عشر، كان أكبر الأدلة على نجاحها؛ حيث ستظهر نساء باعتراف العامة، متبوعات بالكنيسة، بدور الوساطة مع المسيح، عبر الرؤيا والتنبؤ والتجربة الوجدانية، بل الحلول في جسد المسيح.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
ومثّلت هذه التجربة إلحاحاً وعزيمة من المرأة، على المطالبة بمكانة لها في الحقل المقدس، ورفضها إقصاءها من المشاركة في الحقل الديني إلى جانب الرجل، معتبرة أنّه في الحقل الديني، للمرأة مثل الرجل في القرب من الله والتقوى.
وعلى الصعيد الإسلامي؛ فإنّ الفروق بين الرجال والنساء، تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى، بالنظر إلى ما كُتب في سير الأولين، كما أورد كتاب فريد الدين العطار "سير الأولياء"، متحدثاً عن رابعة العدوية، كأحد أعلام الولاية النسائية في التاريخ الديني، استخدم العطار النصّ الديني في الحديث النبوي: "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم"، تعليلاً على تلاشي الذكورة والأنوثة في طريق الحبّ الإلهي.

يناقش الكتاب قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار

ورغم المساواة التي أقرّها النصّ الديني بين الرجال والنساء في الإيمان، والتي تجلّت في الآية الكريمة من سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلا أنّ الواقع الاجتماعي فرض سطوته على النصّ، وموازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال، حالت دون تلك المساواة، فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي الذي حملته المرأة عبر قرون من الزمان، والذي ما يزال حائلاً بينها وبين اختراق هذا الحقل من الولاية والقداسة الدينية، ليظلّ الاختلاف الجنسي حاضراً وبقوة في حقل الولاية الصوفية، ومحددات التكوين الفيسيولوجي للمرأة مكانتها كجنس أقل من الرجل.
بذلك، كان من الطبيعي، وفق بوبريك، أن تحاول المرأة نفي أنوثتها وإخفاء دم حيضها، الذي يعدّ أحد أسباب تدنيها وتقليل قداستها، في كلّ الديانات، فحيضها نجاسة، وطهارتها هي الشرط الأول من شروط الولاية، وتمّ استخدام النصّ الديني لتبرير نقصان عقل المرأة بسبب حيضها، رغم أنّ الأوائل كانوا يرون أنّ هذا الدّم ميزة اقتنصتها المرأة من الطبيعة، لتملك هي لغز الحياة الذي يتحقق بالولادة.
غلاف الكتاب

مقومات الإقصاء والتهميش
  يواصل المؤلف رحلته في البحث، مستعرضاً مقومات الإقصاء والتهميش من حقل القداسة الدينية، فنجد الجسد الأنثوي بطبيعته معرّضاً للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية، فتحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية، ومنبت للفساد في نفوس الرجال، وأصبحت المرأة في التصور الديني جسداً جميلاً يسكنه الشيطان، ليوقع الرجال في الخطيئة، فهنّ فتنة الأنبياء والمرسلين، فما بالنا بالرجال العاديين! فالتراث الديني، بما فيه النصّ، إنما يضع الرجل في موقف سلبي تجاه الأنثى، التي تفرض عليه الخطئية، فبجمالها يمتنع الرجل عن العبادة، ويخضع لغواية تحول بينه وبين طريق الله تعالى.

الجسد الأنثوي بطبيعته معرّض للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية

لذا، وبحسب ما يرى الباحث، فإنّ إخضاع أداة الفتنة المتمثلة في الجسد لضوابط دينية تعمل على تدجينه وتنميطه، وإخضاعه للمراقبة، والعمل على إخفائه قدر الممكن، بات لزاماً على المجتمع، سواء بإخفاء المرأة، ومنعها نهائياً، مثل المرأة المحجبة، أو فرض حجاب يسترها، إن هي أرادت الخروج مؤقتاً للمجال العام، فيما عمِل النصّ الديني، وفق بوبريك، على ترسيخ مفهوم إغواء المرأة، وهو ما يجعلها مستبعدة من معترك المكانة الدينية، ولا يرقى جسد المرأة لمكانة أعلى، إلا حين تؤدي دورها الطبيعي في الإنجاب، الذي يختزل وجودها في الحياة، باعتبارها مصنعاً لإنتاج الخام البشري، فيرتقي جسد المرأة حد القداسة، كونها واهبة الحياة، ومصدر الخصوبة، وهو السبب نفسه الذي رفع من مكانة النساء في الحضارات القديمة.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

على اختلاف الديانات الإبراهيمية في تشريعاتها، اتفقت جميعها في نجاسة المرأة الحائض، مع اختلاف درجات المعاملة، فنجد مثلاً؛ أنّ المرأة في الشريعة اليهودية، في فترة النفاس، تعدّ نجساً لمدة أربعين يوماً، إذا كان المولود ذكراً، وثمانين يوماً إذا كانت المولودة أنثى، وهو ضمنياً يعني نجاستها حتى وهي تخرج إلى العالم من رحم الأم، فقد اجتمعت اليهودية والمسيحية، على اعتبار الحيض والنفاس أصل الشرور والمفاسد، وسرّ نقصان المرأة، أمّا الإسلام فكان أكثر إنصافاً، خاصّة بعد نزول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) (سورة البقرة: آية 222)، فقد اقتصرت نجاسة الحيض في الإسلام على العبادات والمعاشرة الزوجية.
موازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال حالت دون المساواة فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي

القداسة الشعبية تحقّق تطلعات النساء
بعد أن استعرض الكاتب عوامل إعاقة النساء عن دخولهنّ حقل القداسة الدينية، يستفيض في دراسة حول تحقيق القداسة الشعبية التي منحت المرأة نصيبها المهدور؛ حيث تشترك هؤلاء النساء في كونهنّ لم يكنّ من صنف العابدات أو المصطفيات أو الصالحات، اللواتي وردت سيرهنّ في كتب المناقب، دون أن يكون لذلك تأثير كبير على رأسمالهن الديني في حقل القداسة، بل نجدهنّ أكثر حضوراً وشهرة وزيارة من اللواتي وردت سيرهنّ في المتون المناقبية، بل ظلّت السيرة شفهياً متداولة عبر الأجيال، مؤسسة لقداستهم، في بعدها الزمني.

تحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية ومنبت للفساد في نفوس الرجال

وفي هذا الصدد نجد دراسة مهمّة، للباحثة صوفي فرشيو، حول زيارة الأضرحة، ومن وجهة نظرها؛ أنّ زيارة الأضرحة وارتياد الزوايا، ظاهرة لها علاقة بالتصوف، والممارسات الإحيائية، ولا تشبع احتياجاً دينياً فقط؛ بل نفسياً واجتماعياً، فالمسجد الذي أغلق أبوابه أمام النساء، جعلهنّ يبحثن عن فضاءات دينية لممارسة شعائرهن والبحث عن الخلاص الدنيوي والديني؛ حيث تفتح الزاوية ومكان الولي أبوابهما أمام النساء دون ضوابط شرعية مقننة.

يستكمل الباحث رحلته حول كشف أبواب القداسة النسائية، وعن ارتباطها بالماء، وهو ما يتجلى في بعض الأسماء المشهورة للوليّات، مثل: "عائشة البحرية، وعائشة مولات المرجة (صاحبة المستنقعات)"، لنجد الماء حاضراً بقوة، كرمز للطهارة بالنسبة إلى النساء؛ فالأمواج والماء تطهّر من النجس، ويتساءل الكاتب: هل الأمر يتعلق ببقايا لطقوس إحيائية وثنية وسحرية ما قبل إسلامية، أو استمرارية لهذه الطقوس بدون انقطاع؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
هنا يجيب بأنّ بعض منابع وعيون المياه لم تتحوّل كأماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر إذاً لا يتعلق ببقايا؛ بل باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء المقدس في الطقوس الدينية الإسلامية، وهو ما يكثر الحديث حوله في أدبيات التصوف، فيروى أنّه حين كانت تأتي الزائرات لعائشة مولات المرجة، فعلى الموجة أن تحمل هداياهن للوليّة عربوناً لقبولها زيارتهنّ، ويغتسلن كذلك بماء الحوض الذي يوجد فيه حجر ينسب لعائشة، أو ضريحها، وتتكثف صورة الماء في المتخيّل الشعبي من مادة مطهر إلى مسكن للقوى الخفية، وتعدّ الولية في هذا الموضع بالنسبة إلى مريداتها من النساء، الشفيع والوسيط بينها وبين الله تعالى.
يتمكّن الباحث في نهاية أطروحته من التأكيد على انتزاع المرأة لنفسها مكاناً في حقل القداسة الدينية، ارتفعت فيه وتفوقت على الرجال، رغم كلّ المعوقات التي وضعها النصّ والمجتمع والإرث الذكوري في طريقها، ومكّن التصوف المرأة من تجاوز المكانة السلبية التي وصمها المجتمع بها، واستطاعت اعتلاء هرم القداسة، وفرض بنات جنسها على حقل يعجّ بالذكورية، إذاً يمكننا القول: إنّ التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور، هناك تحقّقن، ووجدن طريقاً إلى الله تعالى.

للمشاركة:



إيران على القائمة السوداء لـ "FATF"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

أدرجت وكالة رقابية دولية متخصصة في مكافحة الأموال القذرة، أمس، إيران على قائمتها السوداء، بعد أن أخفقت الأخيرة في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب.

وجاء قرار وكالة مجموعة العمل المالي الفرنسية  "FATF"، ومقرها باريس، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها لحثّ طهران على سنّ قوانين ضدّ تمويل الإرهاب، وفق وكالة "رويترز" للأنباء.

مجموعة العمل المالي الفرنسية: طهران أخفقت في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة الإرهاب

وأعادت المجموعة فرض كلّ العقوبات على إيران، معتبرة أنّها لم تتخذ الإجراءات المنتظرة ضدّ غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقالت المجموعة المالية، في بيان: "نظراً لعدم تطبيق اتفاقية باليرمو لمكافحة الإجرام المنظم العابر للحدود طبقاً لمعاييرنا، قررت الهيئة إلغاء تعليق كل العقوبات، وتدعو الدول الأعضاء إلى تطبيقها بفاعلية".

وكانت هذه العقوبات قد علِّقت موقتاً، عام 2016، لمنح إيران الوقت للامتثال للمعايير الدولية.

تصنيف إيران سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع دول أوروبية

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير لها اليوم؛ أنّ قرار مجموعة العمل المالي الدولي "FATF" جاء بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها مجموعة العمل المالي،  لحثّ طهران على سن قوانين ضد تمويل الإرهاب.

إلى ذلك، ذكرت الصحيفة الأمريكية، أنّ إدراج إيران في القائمة السوداء سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع الدول الأوروبية.

وكانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا قد أعلنت سابقاً أنّها ستواصل التعامل مع إيران، في حال نجحت البلاد في إخراج نفسها من القائمة السوداء "FATF".

 

للمشاركة:

أردوغان يعترف.. ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب الميليشيات الداعمة لحكومة السراج في طرابلس.

وقال أردوغان للصحفيين في إسطنبول: "تركيا متواجدة هناك عبر قوّة تجري عمليات تدريب، وهناك كذلك أفراد من الجيش الوطني السوري"، في إشارة إلى المرتزقة الذين كان يطلق عليهم سابقاً اسم "الجيش السوري الحر".

وازدادت التدخلات الخارجية في شؤون ليبيا، وإرسال الأسلحة ومقاتلين أجانب، منذ انعقاد مؤتمر برلين الدولي، في 19 كانون الثاني (يناير)، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى استصدار قرار بالخصوص وسط صعوبات التوافق حوله.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، قد أعرب في كلمة توجه بها إلى مجلس الأمن الدولي عن "بالغ الغضب وخيبة الأمل إزاء مسار تطور الأوضاع منذ انعقاد المؤتمر في ألمانيا، بحضور زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو".

أردوغان يعترف، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب ميليشيات حكومة السراج

وتُتَّهم تركيا بإرسال آلاف المقاتلين السوريين الموالين لها إلى ليبيا لدعم حكومة فائز السراج، لمواجهة الجيش الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على ثلاثة أرباع الأراضي الليبية.

وكشفت تقارير؛ أنّ عدد المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا، أو تستعد لإرسالهم إلى هناك، في ارتفاع مستمر، وهو دليل واضح على تمسك أنقرة بمواصلة نهجها في تصعيد التوتر في ليبيا، رغم كلّ الجهود الدولية المبذولة للخروج بحلّ يجنّب البلد المزيد من تعميق الأزمة.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أكّد أنّ عدد المرتزقة الذين نقلتهم تركيا، أو تعدّهم للنقل إلى ليبيا، قد ارتفع إلى ما يقارب 4700 مقاتل.

ووفق المرصد؛ فقد قتل 72 مقاتلاً ممن أرسلتهم تركيا للمشاركة في معركة طرابلس ضدّ الجيش الوطني الليبي. وهرب 64 من المرتزقة إلى أوروبا عبر ليبيا.

وكان المتحدث العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسسماري، قد دعا مرتزقة أردوغان "من السوريين المغرر بهم إلى تسليم أنفسهم للجيش الليبي، وسيتم منحهم ممرات آمنة للخروج وحلّ مشاكلهم مع القيادة السورية".

 

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية.. من المستفيد؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مدّدت السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع في الانتخابات، أمس، ثلاث مرات متتالية، لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، لكنّ ذلك لم ينجح ولم تتجاوز نسبة المشاركين 20٪؜، بحسب مصادر رسمية.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تقفل أبواب مكاتب الاقتراع (الساعة السادسة عصراً) بالتوقيت المحلي، أعلن التلفزيون الحكومي تأجيل إغلاقها لإفساح المجال أمام الراغبين في المشاركة.

السلطات الإيرانية: لم تتجاوز نسبة المشاركين في الانتخابات ٢٠٪؜ على الرغم من تمديد عمليات الاقتراع

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية، التي جرت أمس ، نحو 16٪؜، في طهران، فيما كانت على مستوى البلاد 25٪؜، وفق ما نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" عن مصادر خاصة.

ووفق هذه المعلومات؛ فقد سجلت محافظة ألبرز أقل نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية، بعد طهران، حيث وصلت إلى 17٪؜.

وفي الوقت نفسه، فإنّ معظم المحافظات الإيرانية، بما فيها أصفهان وخوزستان وخراسان الرضوية وفارس وأذربيجان الشرقية، كانت نسبة المشاركة فيها أقل من 30٪؜.

إلى ذلك، أعلن المدير العام للمكتب السياسي والانتخابي التابع لمحافظة سمنان عن مشارك ٢٤٪؜ فقط، من الناخبين المؤهلين قانونياً في هذه المحافظة.

ومن جهته، قال قائم مقام مدينة أصفهان، حسين سيستاني؛ إنّ نسبة مشاركة أهالي هذه المدينة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية الحالية وصلت إلى 21٪؜.

كما أكد قائم مقام مدينة مشهد، محمد رضا هاشمي، أنّ نحو 30٪؜ فقط من أهالي المدينة أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية.

يتوقع أن يستفيد المتشددون من تدنّي نسبة المشاركة بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين

وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد ذهب للإدلاء بصوته، أمس، وخلال التصويت دعا الشعب الإيراني إلى المشاركة في الانتخابات "من أجل مصالح البلاد".

ويتوقع أن يستفيد المتشددون من تدني نسبة المشاركة، بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الذين يوصفون بالإصلاحيين والمعتدلين.

واستخدمت القيادة الإيرانية جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت، أمس، تماماً كما فعلت خلال الانتخابات السابقة.

يذكر أنّه؛ بعد الاحتجاجات المناهضة للنظام الإيراني، التي اندلعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في عموم إيران، تمّ إطلاق عدة حملات لمقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتوسعت هذه الحملات بعد إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة الركاب الأوكرانية قرب طهران، ما أدّى إلى مقتل جميع ركابها.

 

 

 

للمشاركة:



أردوغان في المصيدة السورية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

حافظ البرغوثي
يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر حالياً؛ لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة الزحف السوري في إدلب.

يطالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحظر السلاح في ليبيا، لكنه ينتقد الخطة الأوروبية بمراقبة الحدود البرية والجوية والبحرية لمنع تدفق السلاح إلى ذلك البلد، فهو يريد حظراً على قوات الجيش الوطني الليبي فقط، في حين يرسل قواته وأسلحته ومرتزقته إلى طرابلس؛ بل قال في تجمع لنواب حزبه قبل أيام إنه سيواصل دعم حكومة السراج حتى تبسط سيادتها على كل الأراضي ليبيا، وأيضاً تحدى أروغان روسيا بانتقاده التدخل الروسي في معركة إدلب قائلاً، إن محادثات موسكو لم تسفر عما يرضي تركيا، وهدد الجيش السوري بهجوم مفاجئ في منطقة إدلب، وقال إنها مسألة وقت.

فالرئيس التركي يتحدى أوروبا وروسيا معاً في الشأنين السوري والليبي. فما الذي يجعله يتحدث من موقف التحدي؟ أغلب الظن أنه يراهن على علاقاته الخفية مع الرئيس الأمريكي ترامب، حيث إن العلاقات بين الرجلين أكبر من أن تكون دبلوماسية، وهي وثيقة جداً لدرجة أن أردوغان لم ينتقد ترامب بعد إعلانه عن صفقة القرن واكتفى بمهاجمة الأنظمة العربية، علماً بأنه أجرى اتصالاً مع الرئيس ترامب قبل إعلان الأخير صفقته بساعات يوم الثلاثاء 28 الماضي، وشن الإعلام التركي هجمة على الصفقة وأوعز للمعتمرين في مكة بالهتاف للقدس مع أن السفارة «الإسرائيلية» في مكانها بأنقرة والعلاقات مع تل أبيب في أوجها سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

فالرئيسان أردوغان وترامب لديهما قناة سرية للاتصال تتثمل في صهريهما جاريد كوشنر وبورات البيرق زوج ابنة أردوغان، يضاف إليهما رجل الأعمال التركي الأمريكي علي يلجينداع، وهو شريك تجاري لترامب. من هنا نفهم المواقف الحازمة التي يأخذها ترامب ضد تركيا، ثم سرعان ما يتراجع عنها كما في أزمة شراء الصواريخ الروسية «إس 400»، واجتياح شمالي سوريا. فبعد التهديد بفرض عقوبات قاسية على تركيا نجده يتراجع بسرعة. فقد استأجر يلجينداع اسم ترامب لإطلاقه على برجين في إسطنبول ودفع لترامب ملايين الدولارات لقاء ذلك، كما يقول الكاتبان الأمريكيان ديفيد كيرباتريك، واريك ليبتون. فالرئيس ترامب كما قال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية الأسبق إريك أيدلمان، يستبدل بالعلاقات الرسمية علاقات تجارية وصداقة بعيداً عن المؤسسات الرسمية، وهو ما يشكل قلقاً للأمريكيين. فالعلاقة الأردوغانية الترامبية تتخذ طابعاً عائلياً وتجارياً، حيث غفر ترامب لأردوغان الهجوم على القوات الكردية في سوريا، وهي قوات دربها وسلّحها وموّلها الأمريكيون، وتغاضى عن اجتياح شمالي سوريا لخلق منطقة آمنة تحت سيطرته.

من هنا نفهم سر العلاقة الخاصة التي يستند إليها أردوغان في تحديه لروسيا وأوروبا معاً في الشأنين السوري والليبي.

يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر حالياً، لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة الزحف السوري في إدلب، وسيطرة الجيش السوري بدعم من الطيران الروسي على معرة النعمان وسراقب، ومحاصرة نقاط مراقبة تركية وتجاهل حلف الأطلسي لطلب أنقرة بالمساعدة. فالروس ليسوا على استعداد لمنح تركيا موطئ قدم تفاوضياً على مستقبل سوريا بعد الذي بذلوه عسكرياً واقتصادياً لاستعادة فرض السيادة السورية على كل أراضيها، ويلومون تركيا؛ لأنها نقضت تعهداتها في الاتفاق على المنطقة الآمنة ولم تعزل تنظيم «النصرة» الإرهابي.

أما الخيار العسكري ضد الجيش السوري فهو يزيد الوضع التركي الداخلي تدهوراً، وينذر بمواجهة عسكرية مع روسيا وإيران معاً، ما يعني معركة طويلة الأمد لها عواقب خطرة، خصوصاً في الداخل التركي؛ لأن أنقرة ستغرق في المستنقع السوري ولن تستطيع الخروج سالمة.

موسكو ترى أنه يجب على أنقرة الرضوخ للأمر الواقع، وقبول تقدم الجيش السوري في إدلب ليستعيد أراضيه المحتلة من تركيا والإرهابيين، فهل يقبل أردوغان نصيحة بوتين؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

انتخابات إيران وتحدياتها الداخلية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

محمد السعيد إدريس
الإحجام عن المشاركة في الانتخابات، يمكن أن يعطي الفرصة للمرفوضين شعبياً للحصول على عضوية البرلمان والسيطرة على قراراته وأدائه.

تواجه إيران اليوم أحد أهم تحدياتها على الإطلاق؛ حيث من المفترض أن يمتلك الشعب اليوم فرصته؛ ليعبر عن موقفه الحقيقي من كل ما يواجه إيران من أزمات مفروضة من الخارج؛ وفي مقدمتها بالطبع الصراع الساخن مع الولايات المتحدة حول قدرات إيران النووية والصاروخية وتوجهات سياستها الخارجية، وهو الصراع الذي أدى بضغوطه الاقتصادية الهائلة، إلى تفجير أزمات اقتصادية وصعوبات معيشية وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وولد حركة احتجاجات واسعة، رفعت شعارات غاضبة ضد النظام؛ لكن تم استيعابها بحركة تظاهرات أخرى مضادة مؤيدة للنظام. واليوم ومن خلال عملية الانتخابات التي تجرى؛ لاختيار برلمان جديد (مجلس الشورى) سيكون أمام الشعب فرصته؛ لأن يعبر عما يريد، وفي الاتجاه الذي يريده سواء على مستوى إدارة السياسة الخارجية وإدارة الصراع الخارجي مع الولايات المتحدة وحلفائها أو على مستوى إدارة الحكم في الداخل وإيجاد حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الفرصة يمكن أن تتم على مسارين؛ الأول هو حجم المشاركة والتصويت في العملية الانتخابية. فالإحجام عن هذه المشاركة، والوصول بها إلى أدنى مستوياتها، وهذا ما يخشاه النظام الحاكم ويحسب كثيراً له؛ سيكون إعلاناً صريحاً بالرفض للنظام وسياساته والتشكيك في شرعيته.

أما المسار الثاني، فهو الاختيار الدقيق لمن هم الأفضل، من وجهة النظر الشعبية؛ للحصول على عضوية البرلمان، والامتناع عن كل من يعرقلون ما يراه الشعب الإيراني من حلول جذرية للأزمات، ومحاربة الفساد، والحد من سلطوية النظام. وفى كل من المسارين يواجه الشعب أزمة معقدة. فالإحجام عن المشاركة، يمكن أن يُعطي الفرصة للمرفوضين شعبياً للحصول على عضوية البرلمان، والسيطرة على قراراته وأدائه، في حين أن الإقدام الإيجابي على المشاركة سيكون تجديداً ودعماً لشرعية النظام في معركته مع الخارج وبالذات مع الولايات المتحدة، التي تراهن بضغوطها وعقوباتها الاقتصادية المشددة، على أن تؤدي إلى تفجير حركة معارضة قوية، يمكن التعويل عليها؛ من أجل إسقاط النظام وفقاً لما يتحدث عنه كثيراً وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، كما أنها لن تفيد كثيراً في تحقيق هدف اختيار من هم أجدر بتمثيل الشعب؛ بعد أن فعَّل مجلس صيانة الدستور المكلف بالإشراف على إجراء الانتخابات «مقصلته»، ورفض اعتماد ترشيح 6850 مرشحاً من بينهم 90 نائباً من نواب البرلمان الحالي من بين 14 ألفاً تقدموا بطلب خوض الانتخابات. ما يعنى أن ما يقرب من ثلث أعضاء المجلس (البالغ عدد أعضائه 290 نائباً) تم استبعادهم وفق اتهامات بارتكاب تجاوزات مالية والتورط في قضايا فساد، في حين فند المرشد الأعلى علي خامنئي هذه المزاعم، دون قصد؛ عندما أعلن تأييده لموقف مجلس صيانة الدستور، بقوله: «إن البرلمان المقبل ليس به أي مكان للخائفين من رفع أصواتهم ضد الأعداء الخارجيين» ما يعني أن الاستبعاد جاء لأسباب سياسية خصوصاً وأن العدد الأكبر من هؤلاء النواب المستبعدين من التيار الإصلاحي، وخاصة من المطالبين بمراجعة إدارة السياسة الخارجية، والمطالبين بتغيير أداء الحكم في الداخل.

وهذا ما سبق أن حذر منه رئيس الجمهورية حسن روحاني في 15 يناير/كانون الثاني الفائت؛ عندما قال: إن «رفض أهلية المرشحين من تيار واحد لا يمكن أن تكون انتخابات، كأن لا يوجد تنوع في سلع متجر، الناس يريدون التنوع».

وفي خطابه في ذكرى الثورة الإيرانية يوم 11 فبراير/شباط الجاري تعمد روحاني أن يضع النقاط فوق الحروف، وأن يفجر قضية «شرعية النظام»، ومعنى ذلك من ناحية تعرضه للخطر أمام غضب شعبي آخذ في التراكم، ولجأ في توصيل رسالته إلى استلهام ثورة الشعب الإيراني ضد نظام الشاه وأسبابها وإمكانية تكرار هذه الثورة إذا تجددت الأسباب، وقال: «لو ترك النظام السابق (نظام الشاه) الناس أحراراً في اختيار نوع الحكومة والدستور، ووافق على قبول انتخابات نزيهة حرة وطنية، لم نكن بحاجة إلى الثورة»، وقال أيضاً ما هو أهم، وما يعد تحدياً لسلطة المرشد الأعلى أن «البلاد قائمة على حكم الشعب والاستفتاء»، وهنا بالتحديد يكون روحاني وهو على أبواب إنهاء فترة حكمه، قد قرر أن يكرر تجربة فاشلة سابقة خاضها الرئيس الأسبق محمد خاتمي في صدامه مع كل من المرشد ومجلس صيانة الدستور؛ عندما فجر قضية «لمن تكون الحاكمية» للشعب أم للمرشد؛ وعندما طالب بالحد من سطوة مجلس صيانة الدستور على الصحافة، وطالب بتمكين رئيس الجمهورية من ممارسة سلطاته الدستورية، وكانت النتيجة هي انتصار المرشد، وإبعاد كامل للرئيس خاتمي عن الحياة السياسية ومعه أهم رموز الحركة الإصلاحية.

الآن يطالب روحاني بالاستفتاء الشعبي على مشروع قانون يجري إعداده في البرلمان الذي سيستمر عمله حتى أغسطس/آب القادم يقضي بتقليص سطوة مجلس صيانة الدستور على الانتخابات.

فهل سينجح روحاني في فرض خيار هذا الاستفتاء الشعبي؟

السؤال مهم؛ لأنه إعلان عن معركة كبرى داخلية قادمة ستفرض نفسها عقب الانتهاء من الانتخابات؛ لكن هذا سيؤدى حتماً إلى تفاقم التحديات الداخلية، ومن هنا يتجدد مأزق النظام.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

الانتخابات البرلمانية الإيرانية المحددة سلفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مهدي خلجي

في 21 فبراير، نظمت إيران الدورة الحادية عشرة من انتخاباتها النيابية، إلى جانب الانتخابات الخامسة لـ"مجلس خبراء القيادة" ("المجلس")، الهيئة المكلفة بتسمية المرشد الأعلى المقبل. ومن الصائب توقّع أن يكون "المجلس" المقبل مخلصا في الدرجة الأولى لآية الله علي خامنئي؛ لا بل في الواقع، سيكون على الأرجح المجلس التشريعي الأقل استقلالية في إيران منذ عقود. ويضع هذا التوقع الرئيس حسن روحاني في موقف محفوف بالمخاطر، حيث يُلزمه دوره السياسي بتشجيع المشاركة العامة في الانتخابات التي من المؤكد أن معسكره سيخسرها.

الانتخابات عنصر أساسي للتصور الذاتي للنظام
إن ادعاء الجمهورية الإسلامية بأنها حكومة ثورية يعتمد على المشاركة الكبيرة في السياسة. وبغية نفي الواقع غير المستساغ، المتمثل بأن الإكراه هو العامل الرئيسي لصمود إيران، يحتاج النظام إلى أدلة تدعم ادعاءاته بأنه لا يزال يتمتع بدعم شعبي واسع.

ووفقا لذلك، تستخدم القيادة جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت في 21 فبراير، تماما كما فعلت خلال الانتخابات السابقة. وفي الوقت نفسه، تنظم هذه القيادة أساليب المناورة التقليدية للتلاعب بكل مرحلة من العملية، بدءا من تأهيل المرشحين وصولا إلى فرز الأصوات النهائي والإعلان عن النتائج.

غير أن عددا من العوامل يقوّض هذا الاحتيال بعض الشيء، بما في ذلك وجود ممثلين عن المرشحين في مراكز الاقتراع وخلال عملية فرز الأصوات، وكذلك الصراع على السلطة القائم بين وزارة الداخلية في حكومة روحاني و"مجلس صيانة الدستور" الخاضع لسيطرة خامنئي.

ومن أجل تصوير الانتخابات على أنها دليل للشعبية المستمرة للنظام وشرعيته "الديمقراطية"، يجب أن يكون قادرا على الإعلان عن نسبة مشاركة رسمية لما لا تقل عن 50 في المئة من الناخبين المؤهلين. وحتى في ظل استخدام النظام لآلية الاحتيال القوية بحوزته، سيتطلب إعلانه عن هذه النسبة بشكل موثوق وصول نسبة المشاركة الفعلية 40 في المئة على الأقل.

وتحقيقا لهذه الغاية، دعا المرشد الأعلى وغيره من السلطات الدينية الشعب إلى التصويت ليس فقط باعتبار ذلك حقا سياسيا بل واجبا دينيا. غير أن تراجع شعبية النظام قلّص قدرته على الإقناع في هذا المجال.

وبالنظر إلى الأزمات المزدوجة للمثل العليا والسلطة التي يعيشها المجتمع الإيراني منذ بعض الوقت، فقد فقدت السلطات من مختلف أركانها ـ من الشخصيات الدينية إلى النجوم الرياضية والمشاهير ـ الكثير من قدرتها على حشد الجماهير سياسيا. فضلا عن ذلك، أضرت الإخفاقات الاقتصادية المستمرة للحكومة بثقة الشعب بشكل سيء للغاية لدرجة أصبح معها إغراء الناخبين من خلال تقديم وعود اقتصادية جديدة أمرا خياليا.

الادعاءات القومية المنافقة
يبدو السياق السياسي الذي تجري في إطاره الانتخابات الحالية مختلفا إلى حدّ كبير. فقد رسم تطوران رئيسيان معالم هذه البيئة، وهما: العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام لقمع المتظاهرين السلميين في نوفمبر الماضي، وإسقاط "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في الثامن من يناير طائرة ركاب أوكرانية مليئة بالمواطنين الإيرانيين.

وكان يمكن للشعب أن يقبل بطريقة معقولة فكرة قيام "الحرس الثوري" بإسقاط الطائرة عن طريق الخطأ مهما كانت النتائج مأساوية. ولكن ما أثار سخط الإيرانيين ـ حتى العديد من أنصار النظام ـ هو إنكار الحكومة مسؤوليتها عن هذا الحادث في بداية الأمر، وموقفها المتغطرس وغير المسؤول تجاه أسر الضحايا، ورفضها المستمر تقديم أدلة شفافة بشأن الحادث.

وبدلا من ذلك، أخفى النظام دون خجل الحقيقة ونشر مزاعم مربكة من أجل تضليل الشعب والحكومات الأجنبية على حدّ سواء. وقد تأثر الكثير من الإيرانيين سلبا بهذا السلوك الذي ساهم في تدهور ثقتهم المتراجعة أساسا بالنظام.

ولتخطي أزمة الشرعية هذه الطويلة الأمد، احتاجت الحكومة إلى تجاوز قاعدة سلطتها الاجتماعية (التي تحوّلت إلى أقلية في الوقت الحاضر) وإعادة بناء أسس شعبيتها على شعور مبتكر من القومية.

وكانت تلك خطوة ماكرة بالنظر إلى أن النظام اعتمد على سياسات ودعاية شرسة مناهضة للقومية خلال عهد المرشد الأعلى الراحل روح الله الخميني، لا سيما بعد الفتوى التي أصدرها عام 1981 والتي حرّمت هذا الشعور باعتباره ارتدادا عن الدين ووصفت الشخص المثالي القومي السابق محمد مصدق بأنه كافر.

ولتفادي هذا التناقض خلال الاستفادة من الجانب القومي، اعتمد المرشد الأعلى خامنئي على سياسات الخوف خلال السنوات القليلة الماضية. ووفقا لسرديته ـ التي ازدادت حدة بعد الانتفاضة السورية عام 2011 ـ كانت إيران تخوض حربا فعلية مع أعدائها، وأصبح الأمن القومي حاليا الأولوية العليا لتوحيد جميع المواطنين وراء النظام.

ومن أجل الترويج لهذه الفكرة وتكثيف مساعي إيران لإضفاء الطابع الأمني محليا وفي الخارج، سعى النظام إلى إقناع الإيرانيين القوميين خارج قواعده الانتخابية الضيّقة بأن البلاد تواجه تهديدا عسكريا وشيكا وأن الجمهورية الإسلامية هي الهيكلية القيادية الوحيدة القادرة على تفادي الفوضى في المنطقة ومنع تفكك أقاليمها.

وقد استُخدمت هذه الحجة ليس فقط لتبرير سياسة إيران التوسعية والجريئة في المنطقة، بل أيضا من أجل إبطال مفعول المعارضة المحلية. ومثل هذه التشويهات للحقائق تضع السكان في موقف مربك: ولا سيما أن كون الشخص قوميا إيرانيا يستلزم حالياً دعمه للنظام حتى لو كان يكرهه.

وهكذا، وفي خطاب ألقاه في الخامس من فبراير، دعا خامنئي "كل من يحب إيران" إلى المشاركة [في التصويت]، حتى وإن كان "لا يحب" المرشد الأعلى. كما وصف الانتخابات مرارا وتكرارا بعبارات قومية وموجهة نحو الأمن، واصفا العملية بأنها "تهديد للعدو" ومدعيا أنها "تضمن أمن البلاد"، وأشار إلى أن تأثيرها الإيجابي على التصورات الخارجية بشأن إيران سيساعد على حل "العديد من مشاكلنا الدولية".

تهميش "المجلس"
إلى جانب إعلانه صراحة ومرارا بأنه يتوجب على البرلمان الإذعان لإرادته، لطالما كان خامنئي يفرض السياسة التشريعية على أعضاء "المجلس" ويمارس سلطته للتحكم بأصواتهم. وهذا النهج، يرافقه تقليد تصفية قائمة المرشحين قبل الانتخابات، قد جرّد "المجلس" من أي قدرة على حماية استقلاليته ووظائفه الديمقراطية.

وبدلا من ذلك، فإن ولاء "المجلس" القسري لخامنئي قد منحه أداة فعالة أخرى لإضعاف الرئيس ومنع الحكومة المنتخبة من مخالفة توجيهاته أو تحدي سلطته. إن الضغط من أجل [قيام] مجلس متشدد متجانس سيساعد أيضا في حماية النواة الثورية للنظام إذا توفي خامنئي خلال فترة رئاسته التي أمدها أربع سنوات.

وحتى في ظل تراجع أهمية دور البرلمان أكثر فأكثر، لا يزال المتشددون عازمين على منعه من أن يصبح منصة لشكاوى الإصلاحيين. ووفقا لذلك، استبعد "مجلس صيانة الدستور" عددا كبيرا من المرشحين البرلمانيين قبل الانتخابات المقبلة ـ أكثر من 16000 في المجموع، بمن فيهم 90 عضوا في "المجلس" الحالي وجميع الشخصيات الإصلاحية وحلفاء روحاني تقريبا.

وقد يشير هذا القرار إلى ثقة خامنئي المفرطة بنفسه، إذ إنه ينهي بشكل أساسي الممارسة التقليدية المتمثلة في السماح للإصلاحيين بالتعبير عن بعض انتقاداتهم من خلال "المجلس". وللأسف، قد يكون هناك ما يبرر هذه الثقة بالنفس بالنظر إلى الانخفاض الكبير في شعبية روحاني والفقدان الساحق لأمل الجمهور فيما يتعلق بالإصلاحيين.

غير أن هذا النهج لا يخلو من بعض المخاطر بالنسبة لخامنئي. فإذا استمر الشعب في فقدان الثقة بقدرته على إحداث تغييرات داخل النظام، فمن المرجح أن يتوصل إلى قرار بضرورة رحيل النظام بأكمله. وبالفعل، أصبحت الآن الأصوات المناهضة للنظام ولخامنئي من بين الهتافات الأكثر صدوحا في معظم الاحتجاجات الشعبية ـ وهو تطوّر كان يُعتبر غير وارد سابقا.

التداعيات على واشنطن
تتيح هذه الانتخابات فرصة أكبر للحكومة الأميركية لإسماع صوت الإيرانيين الذين كانوا يعترضون على طبيعة النظام المناهضة للديمقراطية بشكل متزايد. وعند الإدلاء بأي تعليقات حول عملية الاقتراع وتبعاتها، على المسؤولين الأميركيين وضع مطالب هؤلاء الإيرانيين في الواجهة، لأنها أكثر مصداقية بكثير من الانتقادات الأجنبية الصادرة عن إدارة ترامب.

لقد أصبحت واشنطن بارعة للغاية في الاستشهاد بشكاوى الإيرانيين بشأن الفساد وإساءة الاستخدام [الانتهاكات]، لذا فقد حان الوقت الآن لرفع الصوت ـ سواء من خلال مطالبة كبار المسؤولين بتسليط الضوء على هذه الشكاوى، أو عن طريق جعل قنوات البث الأميركية تنقل الأخبار للإيرانيين والتي مفادها أن حكومتهم لن تفعل ذلك.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية