فريد الدين العطار.. يتّحد بالوجود ويصغي لـ"منطق الطير"

فريد الدين العطار..  يتّحد بالوجود ويصغي لـ"منطق الطير"
صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
4626
عدد القراءات

2017-12-05

عندما امتلأت روح الشيخ فريد الدين العطّار بالأسئلة، وامتزجتْ بأنوار الشك واليقين، نهد المتصوّف العارف إلى سلوك طريق الحقيقة، معتقداً ومسلّحاً بنظرية وحدة الوجود، ومشتاقاً للاتحاد مع الحق والانمحاء والفناء فيه.
وقد زوّده هذا العزم بإيمان عميق جعله يستغني، بشكل كامل، عن الآخرين، فلم يعد لديه من أمل سوى التطلّع إلى مشاهدة جمال الحق والفناء في كماله.
وامتزجت حياة العطار بتعدد الروايات واضطرابها. ولعل ذلك آت من طبيعة الرجل، المولود في مدينة نيسابور بإيران في العام 1142 ميلادية على وجه التقريب، إذ لم يكن مشتبكاً مع أحوال المجتمع، وكان منكبّاً على التجارة والطبابة والصيدلة وجمع المال، حتى يروى أن سلوكه طريق التصوف جاء على سبيل الصدفة، وهي رواية تحيطها الشكوك، على الرغم من حسها الدرامي.

لم يعد لديه من أمل سوى التطلّع إلى مشاهدة جمال الحق والفناء في كماله

وأورد الشّيخ، عبدالرحمن الجامي، في كتابه "نفحات الأُنس من حضرات القُدس في طبقات المشايخ" قصّةً قال إنّها كانت السّبب الذي دفعه للنّزوع نحو التصوّف، إذ كان العطّار في دكّانه، عندما أقبل عليه درويشٌ وطلب منه "شيئاً لله" فلم يعطِه، فقال له الدّرويش: كيف ستكون ميتتُك أيّها الخواجة؟ فقال له العطار: مثلما تموت أنت. فقال الدّرويش: وهل يمكنك أنْ تموتَ كما أموت؟ فقال: و لمَ لا. فوضع الدرويش جفنة خشبية كانت بيده تحت رأسه وهو يقول: الله. ثم فاضت روحه فوراً. فتغيّر حال العطّار، وأغلق باب دكانه، ونحا نحو أهل الطريقة.
ويشكّك بعضهم في صحّة هذه الرواية، مستدلين على أن العطار كان أشار في أشعاره إلى ميله للصوفية والطريقة منذ صغره.

أشار العطّار في أشعاره إلى ميله للصوفية والطريقة منذ صغره

ومهما يكنْ من أمر هذه الروايات واختلاطها، إلا أنّ الثابت أنّ فريد الدين العطّار ترك وراءه إرثاً صوفياً فلسفياً أدبياً رفيعاً، إذ يشكّل كتاب "منطق الطير" درّته النفيسة، وهو منظومة شعرية صوفية رمزية، فاق عددُ أبياتها الأربعة آلاف وستمئة بيت، محورُها رحلةٌ طويلة تقوم بها الطيور المختلفة بقيادة الهدهد بحثًا عن سلطان لها هو السيمُرغ. وفي هذه المنظومة التي تضجّ بالرموز، ترمز الطيور إلى سالكي الطريق نحو الحضرة الإلهية، فيما يرمز الهدهد إلى شيخ المريدين. أمّا السيمُرغ المنشود فهو "السلطان المطلق الدائم، ومئة ألف عالَم، مليئة بالجُند والحَشَم، ليستْ إلا نملة على باب هذا السلطان الأعظم"، كما جاء في ترجمة شهاب الدين السّهروردي لرسالة الطير لابن سينا.

يشكّل كتاب "منطق الطير" درّته النفيسة، وهو منظومة شعرية صوفية رمزية، فاق عددُ أبياتها الأربعة آلاف وستمئة بيت

وينتسب كتاب "منطق الطّير" إلى الأدب الرّمزي التي تمتدّ من مسرحية "العصافير" لأريستوفان، حتّى زمن فريد الدين العطّار نفسه، وتصل إلى ذروتها في أعمال يرى كثيرون أنّ العطّار تأثّر بها في شكل مباشر مثل "رسالة الطير" للغزالي، و"رسالة الطير" لابن سينا و"مثوية سنائي" و"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري. ولكن من الواضح، كما يرى الكاتب إبراهيم العريس، أنّ فريد الدين العطّار، بعد أن استوعب تلك الأعمال كلها، وقرأها في تفاصيل تفاصيلها ملاحظاً كيف تتطابق مع ما كان يريد هو أن يقوله، وضع عملاً ذاتياً شخصياً يعبّر، في الجوهر، عن فكره الصوفي الحلولي، ويتميز بأسلوب مشوّق وعميق من الصعب القول إنه ميّز أياً من الأعمال الأخرى. علماً أنّ ثمة فارقاً أساساً بين تلك النصوص ونصّ فريد الدين العطّار، إذ في وقت تبدو فيه تلك الأعمال فلسفيّة المسعى، تريد أنْ تعبّر عن أسئلة قلقة أو غير قلقة حول الوجود والكينونة، يبدو عمل العطّار روحياً - صوفياً بحتاً، يريد أن ينبع من الذات ليصبّ فيها أولاً وأخيراً.

يبدو عمل العطّار روحياً - صوفياً بحتاً، يريد أن ينبع من الذات ليصبّ فيها أولاً وأخيراً

وأفاد دارسون بأنّ لغة العطّار الصوفية كانت سهلة وفصيحة، وكان يعبّر عن كل أفكاره وخواطره بشكل بسيط بعيد عن التّكلف والزخرفة اللُّغوية، فضلاً عن تحلّي لغته بالخيال وتوليد المعاني.
انطلق العطار، على ما يذهب المستشرق ريتَّر، من رسالة الطير التي وضعها الغزالي، وصاغ ملحمته الشعرية الطويلة التي أضحت دالَّة على اسم مؤلِّفها. خرجت هذه الملحمة الفريدة بعنوان منطق الطير؛ وقد استعار العطّار هذا التعبير من سورة النمل:
"وورث سليمان داوود وقال: يا أيها الناس عُلِّمنا منطق الطير وأوتينا من كلِّ شيء إن هذا لهو الفضل المبين". (الآية 16).
ونجد في هذه السورة القرآنية حديثًا عن نملة تنطق وتقول:
"يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنَّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون". (الآية 18)
كذلك، يتحدث الهدهد في السورة نفسها عن ملكة سبأ في كلامه إلى النبي سليمان:
"أحطتُ بما لم تُحِطْ به وجئتك من سبأ بنبأ يقين". (الآية 22)

وفقًا للتقليد الأدبي الفارسي، استهلَّ العطّار كتابَه بالمناجاة، ثم أشاد بمناقب الخلفاء الأربعة الراشدين بعدما مَدَحَ الرسول؛ ثم ذمَّ الشاعرُ تعصُّب أهل السنة والشيعة.
وجاءت منظومة منطق الطير في قالب قصصي مُحْكَم يتألّف من خمس وأربعين مقالة على لسان الطيور، تتخلَّلها مجموعةٌ من مئة وإحدى وثمانين حكاية، تختلف طولاً وقصرًا. في هذه القصص، التي توزَّعت تبعًا للمسائل التي تثيرها حواراتُ الطيور، نلتقي بالكثير من الأنبياء والأولياء، ومنهم: إبراهيم، يعقوب، يوسف، موسى، داوود، سليمان، عيسى، الحلاج، رابعة العدوية، إبراهيم بن أدهم، مجنون ليلى، هيپوقراطس ("أبو الطب"، الذي عُرِفَ في التراث الإسلامي باسم "بقراط")، أرسطاطاليس (أرسطو) وتلميذه الإسكندر الذي "مات في طريق الدين"، وفق ما يرد في دراسة وترجمة د. بديع محمد جمعة، التي نشرتها دار الأندلس في بيروت 1984، وصدرت من قبل في القاهرة، بعد أن تُرجمت من الفارسية، كما نقلت إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والأسوجية والأردية.

إنّ النّار تحيل الحطب رماداً، فكيف يعاود الققنس الظهور بين الرماد؟

ويورِدُ العطّار في كتابه حكايةً من الحكايات التي جاءت بعد حديث أحد الطيور عن الموت الذي يُرهِبُ قلبَه ويمنعه من خوض السفر. يحكي الرّاوي قصة "الققنس النادر الجذاب"، رديف طائر الفينيق الشهير. ويمتاز هذا الققنس بمنقاره الصلب الطويل الذي يشبه الناي:
"ففيه ما يقرب من مئة ثقب وفتحة.... فإن يَنُحْ بكلِّ الثقوب متأوهاً يُفقِدُ السمكَ والطيرَ راحتَها واستقرارَها، ويسيطر الصمتُ على جميع الطيور، وتصبح إزاء صوته فاقدة الشعور".
ناهز هذا الطير، الذي شابه بعزفه أورفيوس، عمر الألف سنة، فشعر بدنوِّ أجَله، فجمع حوله من الحطب مئة كومة، ثم وقف ينوح وسطها مرتعداً من رهبة الموت:
"وأعجب الأيام يومُه: فهو ينزف دمًا من آلام قلبه. وعندما يصل عمرُه إلى آخر زفرة، يرفرف بجناحيه إلى الأمام والخلف، وتتطاير النارُ من جناحه. بعد ذلك تصبح النار كلَّ حاله. وسرعان ما تسقط النارُ في الحطب، فتحرق حطبَه وهو في قمة السرور. ويصبح الطائر والحطب كلاهما جمرةً من نار، ثم تتحول الجمرة بعد ذلك إلى رماد. وما إن يختفي كلُّ شيء، حتى يبدو الققنس طالعاً من الرماد. إنّ النّار تحيل الحطب رماداً، فكيف يعاود الققنس الظهور بين الرماد؟".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

كيف يكون الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله؟

2020-02-10

في كتابه "مشكلة الحرية"، يرى المفكر المصري زكريا إبراهيم أنّ الحرية، بمفهومها الاشتقاقي، عبارة عن انعدام القسر الخارجي. والإنسان الحر بهذا المعنى هو من لم يكن عبداً أو أسيراً. أما الحرية بالمعنى الفلسفي، فهي اختيار الفعل عن روية مع استطاعة عدم اختياره، أو استطاعة اختيار ضده.

كيف نتحدث عن عالم حر في وقت لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان؟

مفهوم الحرية لا يتحدد إلا على ضوء مفهومات أخرى تتضمن معاني الضرورة أو الحتمية أو الجبرية. فالحرية لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء نقيضها، وبالتالي فإنّ فهم معنى "الضرورة" قد يساعد على تحديد معنى الحرية، فالفعل الحر ليس دائماً وليدَ اختيار إرادي مقصود، بل نشعر أحياناً بأنّ علينا أن نتخطى مجال الاختيار لكي ننفذ إلى عالم الحرية بمعنى الكلمة، حيث يكون الفعل الحر إنما هو ذلك الذي لا نستطيع أن نفعل سواه، أي ذلك الفعل الذي يعبّر تعبيراً جوهرياً عن حقيقتنا الباطنة. فالفعل الحر بهذا المعنى لا يفهم على ضوء فكرة الإمكانية، بل بالأحرى على ضوء فكرة الضرورة، ولكن الضرورة هنا ليست ضرورة عقلية، بل هي ضرورة حية أو ضرورة وجودية.
وتعددت آراء الفلسفة في الحرية منذ فجر التفكير الإنساني، وما زالت تحتل مكانة محورية في التاريخ الحديث والمعاصر وشغلت الكثير من أقلام الفكر السياسي والأدب والشعر والفلسفة لدى مختلف شعوب الأرض ولو بنسب متفاوتة، وبمضامين وخلفيات اجتماعية وثقافية وبظروف تاريخية مختلفة، كما يقول الباحث فارس أبي صعب، مدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية، في دراسته المنشورة على الموقع الإلكتروني للمركز.
غلاف كتاب "مشكلة الحرية" للمفكر المصري زكريا إبراهيم

خطوات في الفكر الإنساني التحرري
وعلى الرغم من أنّ الحضارة البشرية قد حققت في القرون الثلاثة الأخيرة في بعض مناطق العالم خطوات عظيمة على مستوى الفكر الإنساني التحرري الذي ما لبث أن فرض نفسه في العلاقات الاجتماعية وإعادة إنتاج صورة جديدة للإنسان الفرد عن نفسه، وبالتالي على مستوى البنية السياسية وعلى مستوى نماذج الحكم، فإنّ هذه الحضارة شهدت في الفترة نفسها أبشع أنواع السحق لحريات الكثير من الشعوب؛ ففي الوقت الذي كانت أفكار جان جاك روسو تضيء مشاعل الحرية في الثورة الفرنسية كانت أفكار "الحرية" نفسها تسحق شعوباً وحضارات متعددة في معظم مناطق العالم وتبني على أنقاضها المستعمرات، وتصطاد البشر في أفريقيا وترسل من تبقى حيّاً منهم بالأقفاص، لكي يُحوّلوا إلى عبيد لدى أسياد الأرض الجديدة في شمال القارة الأمريكية التي أبيد الملايين من أبناء شعبها الأصلي، ودائماً باسم الحرية، بحسب أبي صعب.
حرية العقل
ولكن ما المرتكزات المشتركة التي تعطي الحرية بعدها الإنساني؟

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
تجيب الدراسة بأنّ أول هذه المرتكزات هو حرية العقل، بوصفه أداة للتفكير الذي تميز به الإنسان من سائر الكائنات الحية، هو مصدر إنسانية هذا الإنسان. فالإنسان يحقق إنسانيته ويكملها إذاً بقدر ما يفتح أمام عقله آفاق التفكير غير المقيد وغير المحدود. ولكي يأخذ هذا العقل مداه يجب أن يتحرر من جملة قيود؛ فهو يجب أن يتحرر من الإيمانية. فإيمان العقل بنصوص جاهزة وبمقولات وأفكار راسخة بوصفها حقائق مطلقة ممنوع الشك فيها، يحد من عقلانية العقل ويضعف قدرته على التفكير وعلى البحث عن الحقيقة، وبالتالي على إدراك الظواهر. وهذا التحرر من إيمانية العقل هو الذي يعيد الوصل بين العقل والدين، ويشق الطريق أمام الاجتهاد، ويسمح للفكر الديني بالتجدد، في نظر أبي صعب.

يتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

لكن العقل الإيماني هذا لا يقتصر على الفكر الديني وحسب، بل يشمل الفكر العلماني أيضاً، إذ إنّ الإيمانية تقع في ذلك المستوى من العقل المسؤول عن طريقة التفكير بموضوع ما وليس عن عملية التفكير في حد ذاتها، لذلك نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً، فيؤمنون بالنصوص العقيدية والأيديولوجية التي يعتنقونها على نحو يعيق العقل لديهم من استخدام قدراته لإدراك مدى نسبية الحقيقة التي تحملها هذه النصوص، أو مدى محدودية النظرة أو مدى خصوصية الزاوية التي ترى الأمور من خلالها، أو على الأقل مدى تجاوز الواقع التاريخي لهذه النصوص التي تكون قد مضى على وضعها عشرات السنين أو مئات السنين أو آلاف السنين، وتكون هذه النصوص قد وضعت أصلاً لتجيب عن تساؤلات أو لتعالج قضايا كان المجتمع يشهدها في العصور التي وضعت النصوص فيها، الأمر الذي يسقط العقل الإيماني هذا في فخ اللاتاريخية.
كي يتحرر العقل يجب أن تُحطم الأصنام الموجودة فيه

تحطيم أصنام العقل
ولكي يتحرر هذا العقل، يجب أن يحطم الأصنام الموجودة فيه، فبنية الإنسان العقلية كثيراً ما ترتكز على منظومة معايير ثقافية تستمد بعض جوانبها من مجموعة قيم ومقولات ومفاهيم وأقوال وأمثلة ومثل، متوارثة أو مكتسبة حديثاً، يعتمدها العقل كأدوات قياس، فيغدو العقل أسير أحكام مستَمدّة من ارتكازه على تلك المنظومة القيمية التي تمثل حالة صنمية تحكم العقل بمجموعة مقدسات ومحرّمات جامدة خارج إطار حركة التاريخ وما تحمله من تحولات في البنى الاجتماعية والثقافية.

اقرأ أيضاً: كيف مثّلت أهم 5 ثورات في التاريخ فكرة الحرية؟

وحرية هذا العقل تتطلب كذلك تحريره من القَدَريَّة التي تدفع الإنسان إلى الشعور بالعجز حيال إمكان تغيير السلطة. وتستغل السلطة هذه البنية القدرية في عقل الإنسان، فتمارس عليه لعبة استعراض القوة على نحو يزيد شعوره بالعجز عن إمكان إحداث أي تغيير فيها، فتغدو هذه القدرية ذريعة لتأبيد النظام أو لاستبداد السلطة.
والنظام الرأسمالي، كما تتابع الدراسة، يؤسس بدوره للفكر القَدَري، بهدف إبعاد الشعب والدولة عن التدخل في مصالح قواه. فالسوق لا تحتاج إلى راعٍ يديرها أو رأس يخطط لها وينظمها من خارجها، لأن السوق لها إلهها الذي يرعاها، وهي لها قدرها الذي لا يجوز أن يعاند أحد مشيئته، وبالتالي لا يجوز لطرف آخر كالدولة أن تتدخل في شؤون هذه السوق.

اقرأ أيضاً: هكذا عاين زكريا إبراهيم مشكلة الإنسان والحرية والعجز عن إيقاف الزمن
ولكي يتحرر العقل، على الإنسان أن يتحرر من مناهج التعليم ومن أنماط التربية المدرسية والأسرية ومن برامج الإعلام التي تقوم جميعها على المنحى التلقيني الإملائي. وهو منحى يؤسس عقلاً استسلامياً لدى الإنسان، خاضعاً للأمر الواقع، مقفلة أمامه آفاق رؤية الأمور بطريقة مختلفة.
لكي يكون العقل حراً يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص

ثنائية الخوف والإغراء
ويتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً

ولكي يكون العقل حراً، يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص. وعلى الرغم من أنّ هذه الظاهرة ليست بجديدة في مسيرة العقل البشري، فإننا نلحظ اليوم تعميماً متسارعاً ومقصوداً لها من جانب بعض المدارس البحثية الإمبيريقية في العلوم الإنسانية التي تركز على وقائعية الظاهرة وعلى نصية النص، وتبني نظامها المعرفي انطلاقاً من تلك الوقائعية أو تلك النصية، واضعة أمام العقل حدوداً تحول دون استخدام إمكاناته المعرفية والمنهجية التي تتيح له النفاذ إلى معنى النص بدلاً من التوقف عند حدود شكله، أو تتيح له فهم بنية الظاهرة وشروطها الزمكانية بدلاً من التوقف عند حدودها التعبيرية، الأمر الذي ينعكس على البنية الثقافية، التي يدخل العقل معها في دائرة مغلقة تساهم في جعل كل منهما يعيد إنتاج الآخر، وجعل هذه البنية أسيرة النظرة الشكلانية للبنية الفوقية للمجتمع في مختلف مستوياتها المتمثلة في الدين والحداثة والتراث ونظام القيم والتقليد والتجديد.
التحرر من الفقر والجهل والمرض
ويرى الباحث بأنه إذا كان تحقيق الحرية مشروطاً بمدى تحرر الإنسان من الفقر والجوع والمرض والجهل والأمية والخوف من المستقبل فلا يبدو أنّ هذين النموذجين السائدين على مستوى الدولة الوطنية وعلى مستوى النظام العالمي، يوفران حقاً شروط الحرية للإنسان بوجه عام، فالتفاوت في توفير هذه الشروط واسع جداً بين إنسان وآخر وبين شرط وآخر.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
فكيف، يتساءل أبي صعب، نتحدث عن عالم حر في الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان في حياتهم، وفي الوقت الذي لا يزال متوسط الدخل في بلدان جنوب العالم لا يتعدى نسبة 7 في المئة من متوسط الدخل في بلدان الشمال، وفي الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من مليار ونصف المليار من البشر يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً، في حين لا يزال أكثر من 820 مليون إنسان جياعاً لا يحصلون على ما يكفيهم من طعام. وفي الوقت الذي لا يزال يوجد أكثر من 750 مليون إنسان أميين، وأكثر من 100 مليون إنسان مشردين بلا مأوى، وأكثر من مليار ونصف المليار إنسان يعيشون في مساكن غير مناسبة؟!

للمشاركة:

جذور الإسلام السياسي: الانتقال من النهضة إلى التعنّت

2020-02-03

شهدت نهاية القرن التاسع عشر تزاحماً فكرياً مهماً، شكّله العديد من المفكرين العرب الطامحين بالإصلاح والتغيير، كمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وغيرهم، حاملين رؤى عديدة حول إمكانيات النهوض العربي والإسلامي، ما تزال مثار جدلٍ إلى اليوم، بعد أن أنتجت تيارات مختلفة، انبثقت عنها العديد من التجارب الفردية والجماعية خلال القرن العشرين، منها السلفي ومنها السياسي؛ كتجربة جماعة الإخوان المسلمين، وتيار آخر تحديثي، إذ خاضت جميعها صراعات ضدّ بعضها أكثر مما خاضت الطريق الذي افترضته كلّ منها نحو التقدم.

 

فجر النهضة
يعدّ جمال الدين الأفغاني إحيائياً رائداً، اكتسب شهرته الواسعة كونه صاحب أول نظرةٍ تحديثية أراد بها تجديد حقّ الأمة الإسلامية بالقوة والاستقلال والتطور، من خلال توحيدها دينياً (إسلامياً)، في مواجهة القوى الاستعمارية؛ إذ رأى في حينه أنّ الأمة العربية لن تحيا أو تنهض إلا بدوافع خاصة تفصلها عن سلطة الاحتلال وقوته التفكيكية، المؤثرة في الثقافة والسياسة والمجتمع، ومن أجل ذلك، لجأ الأفغاني إلى ما عده مخزوناً موجوداً في الشعوب العربية الإسلامية، وأدواته حاضرة في المؤسسات الدينية، كالأزهر مثلاً، وهو الإسلام.

بقدوم الاستعمار اشتعل السجال بين دخول الحداثة وظهور الدولة القومية، وبين من يرون أنّ هذه الحداثة مؤامرة غربية

ذلك إضافة إلى قلق الأفغاني من أصحاب القطيعة، المبهورين، بحسب رأيه، بالنظرة الخلدونية للمهزومين، والتي تتمحور حول انبهار المهزوم بالمنتصر، مما يجعله يقلده في أدواته الحضارية والفكرية، بالتالي، حصول قطيعةٍ معرفية (مع الماضي والتراث)، مما سيؤدي إلى قطيعة عملية لاحقاً، تتعارض مع فكر الأفغاني القائم على أنّ الوحدة الإسلامية تعني مركزية عربية، تضمن تطور العالم العربي في إطاره الخاص؛ حيث يتضح من هذا كلّهِ أنّ لدى الأفغاني نزعة عروبية ما، أساسها الدين.
مشروع الأفغاني هذا، الذي لم يتحقق بالتأكيد، قابلته مشروعات أخرى تالية، مثل مشروع محمد عبده؛ الذي رأى أنّ "الإصلاح الإسلامي والنهضة العربية يرتبطان بما هو أبعد من الدوافع الذاتية؛ حيث يحتاج المسلمون إلى مواكبة روح العصر، فدعا إلى التركيز على المناهج العملية، الفكرية منها والفلسفية، وكذلك العلمية والعملية"، وفق تقرير "الشرق الأوسط" عنه، عام 2018.

مشروعات الأفغاني وعبده وظِّفت لاحقاً لتتحول إلى أدوات تراجع لا تقدم

انبثقت بعد عبده والأفغاني أنوية لمشاريع إصلاحية ونهضوية متنوعة، تأثرت في واقع الحال بالوقائع السياسية والاستعمارية والثقافية التي سادت منذ مطلع القرن العشرين، فعمّت الأيديولوجيات الحياة الفكرية العربية، وكذلك الرؤى التراثية والسلفية والعلمية وغيرها، من التي حملها أشخاص مختلفون، بدءاً بطه حسين وميشيل عفلق وحسن البنا، وليس انتهاء بمحمد عابد الجابري وجورج طرابيشي.  وفي هذا السياق؛ يرى الباحث وأستاذ الفكر والفلسفة في جامعة فيلادلفيا الأردنية، د. زهير توفيق؛ أنّ "المشاريع النهضوية الآنفة الذكر، بغضّ النظر عن اختلافها، ورأي الكثيرين فيها، فإنّها فشلت، وقد أسفر فشلها عن فشلٍ آخر في تشخيص أسباب هذا التراجع والفشل".

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
ويضيف في كتابه "النهضة المهدورة"، الصادر عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، عام 2017: "الخطاب النهضوي نفسه يحمل مسؤولية كبيرة عن هذا الفشل، في تركيبته وتجربته التاريخية الذاتية، قبل التدخل الخارجي، وقبل الشروط الموضوعية للتقدم والتأخر"، فما الذي حدث أولاً للمشاريع النهضوية الإسلامية؟ وكيف ذابت في بحر الإسلام السياسي؟

الأفول المحتّم
يضرب توفيق أمثلة عديدة حول قيام تيارات عديدة، إصلاحية ونهضوية، بالسقوط في فخّ التراجع أو التصلب، بدلاً من التقدم، وهو يعرج في كتابه على فشل مشروعات الشيوعيين والقوميين اليساريين، وسواهم، أما فيما يتعلّق بنموذج الإسلام السياسي، فهو يتحدث عن "اكتشاف العرب لذاتهم كعرب، مع نهايات القرن التاسع عشر، وقدوم الاستعمار، فقد اشتعل السجال بين دخول الحداثة وظهور الدولة القومية والقطرية، وبين من يرون أنّ هذه الحداثة مؤامرة غربية ضدّ العرب والمسلمين"؛ لذلك تمّ توظيف المشروعات القائمة في تلك الفترة وما بعدها مباشرة، كمشاريع محمد عبده والأفغاني وغيرهما، في محاولة إثبات أنّه لا يمكن الإصلاح، حتى مع الأخذ بروح العصر، إلا من خلال الإسلام.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده

ولا يمكن، فعلياً، اعتبار هذه الرؤية سيئة أو خطيرة إن كانت تودّ الحفاظ على روح الإسلام والثقافة العربية الدينية واللغوية ...إلخ، إلا أنّ هذه الرؤية لم تستثمر في هذا السياق أو تكتفي به، بل عملت على توظيف كلّ المشاريع الإسلامية النهضوية لصالح فكرةٍ واحدة، مفادها أنّ الحضارة لا تبنى مادياً، بل روحياً فقط، وأنّ العالم والأمم الأخرى لها مقياس واحد، وهو إسلامها من عدمه، وبذلك تكون خيرة، أو تكون آخراً شريراً أو كافراً مثلاً. وبالتالي فإنّ صراعاً حتمياً، يجب أن يقوم ولن تكون هناك نهضة، إلا من خلال معارك صفرية، تؤدي إلى موت طرف وبقاء طرفٍ آخر.

برمجة الإيمان في مشاريع الإسلام السياسي على تقوقع روح وقيم الإيمان الفطري

هذه العقلية يقول عنها الكاتب والباحث، طارق عصمان، في دراسته المنشورة على موقع "CAIRO REVIEW"، عام 2015؛ أنّها تسبّبت لاحقاً بظهور جذور "التعنّت في مشروع الإسلام السياسي"، ومن أجل التوضيح، ليس ظهور جماعة الإخوان المسلمون سبباً في هذا التعنت، بل تحويرها للأفكار النخبوية الإصلاحية بمختلف مشاربها، أثناء محاولة جعلها جماهيرية أو شعبية، هو ما أسهم في ظهور هذا التصلّب الذي أصبح تاريخياً بعد ذلك، وأنتج حوادث كثيرة مؤلمة في مسيرة العالم العربي بعد حين.

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
ويشير عصمان إلى هذا الموضوع بقوله: "تحتل الجماعات الإسلامية الأشدّ عنفاً صدارة المشهد الآن؛ فالتنظيمات الجهادية في العراق وسوريا سيطرت على مساحة جغرافية أكبر من بعض الدول الأوروبية، إنَّهم يحاولون إحياء دولة تنتمي إلى القرن السابع الميلادي، بينما نحن نعيش في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويحاولون ذلك دون الملامح الأخلاقية والتاريخية والثقافية، التي جعلت الدولة التي تحاول تلك التنظيمات إحياءها بذرة لحضارة غنية يمكن أن تتطور وتبقى".

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
ويعلق عصمان بأنّ كثيراً من الكتّاب والمفكرين يرون في هذا الأمر ظاهرةً غريبة نوعاً ما، إلا أنّ "آخرين، يرونها نتيجة حتمية لعقود من الخمول والتدنّي الفكري، وفشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، خصوصاً في المنطقة العربية، وقد فشلت الأحزاب والمؤسسات الإسلامية مع غيرها في كلّ هذا التراجع والخمول"؛ فهي موجودة منذ عقود، وقدمت مشاريعها الإصلاحية والنهضوية على طريقتها، وحتى حين استلمت السلطة فترات غير طويلة، بعد الربيع العربي. لم تعمل حالاً على إثبات قدراتها في تبني روح التطور والتعددية والتغيير.

المشروع الإسلامي الإصلاحي تمّ تحويره ليصبح مشروعاً متعنتاً يتبناه إسلام سياسي حاول كسب الجماهيرية بمحاربة الحداثة

ويرى الكاتب؛ أنّ السبب يعود إلى تحوير (الإسلام السياسي) ليكون عنواناً للصراع بين الإيمان والحداثة، رغم أنّ ذلك ليس هو لبّ مشكلة النهضة، فالتطور لن يهدم الإيمان ولا الديانات، والنهضة ليست نموذجاً يعني التحول من فكرة بناء الدولة إلى فكرة السيطرة عليها أو هدمها ونعتها بالكافرة أو غير المؤمنة، وبالتالي تدمير أيّ أسسٍ للتقدم والمنافسة الشريفة بين التيارات المختلفة على بناء الدولة، كما أنّ هذا الخطاب يعزز علاقة السلطة بالدين، لتبنيه وفق مصالحها، ولا لوم إذاً، كما يقول جان جاك روسو "على دولةٍ تتحكم بالدين حتى تسيطر على المتدينين، الذين يحاربون من يظنون أنّهم غير متدينين".

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
وبالتالي؛ يتم إفراغ التدين من مهامه الأخلاقية والفكرية، وقيمه المتعلقة بالإنسانية والمحبة، والدعوة لفهم العالم وتدبّره، كما يذكر القرآن الكريم، وهذا نفي للنهضة الموجودة في الدين، قبل نفي النهضة البشرية في حتميتها العلمية والطبيعية، مما يعني أنّ جذور الإسلام السياسي الإصلاحية، فقدت بوصلتها منذ زمنٍ طويل، وأصبح الإقصاء والسيطرة والتفضيل بين فردٍ وآخر وأمةٍ وأخرى، على أسسٍ تحدّدها جماعات بعينها دون أخرى، وهو مشروعها الوحيد، المتعنّت الذي لا يقود إلى نهضة عربية إسلامية بطبيعة الحال.

للمشاركة:



إيران على القائمة السوداء لـ "FATF"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

أدرجت وكالة رقابية دولية متخصصة في مكافحة الأموال القذرة، أمس، إيران على قائمتها السوداء، بعد أن أخفقت الأخيرة في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب.

وجاء قرار وكالة مجموعة العمل المالي الفرنسية  "FATF"، ومقرها باريس، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها لحثّ طهران على سنّ قوانين ضدّ تمويل الإرهاب، وفق وكالة "رويترز" للأنباء.

مجموعة العمل المالي الفرنسية: طهران أخفقت في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة الإرهاب

وأعادت المجموعة فرض كلّ العقوبات على إيران، معتبرة أنّها لم تتخذ الإجراءات المنتظرة ضدّ غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقالت المجموعة المالية، في بيان: "نظراً لعدم تطبيق اتفاقية باليرمو لمكافحة الإجرام المنظم العابر للحدود طبقاً لمعاييرنا، قررت الهيئة إلغاء تعليق كل العقوبات، وتدعو الدول الأعضاء إلى تطبيقها بفاعلية".

وكانت هذه العقوبات قد علِّقت موقتاً، عام 2016، لمنح إيران الوقت للامتثال للمعايير الدولية.

تصنيف إيران سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع دول أوروبية

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير لها اليوم؛ أنّ قرار مجموعة العمل المالي الدولي "FATF" جاء بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها مجموعة العمل المالي،  لحثّ طهران على سن قوانين ضد تمويل الإرهاب.

إلى ذلك، ذكرت الصحيفة الأمريكية، أنّ إدراج إيران في القائمة السوداء سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع الدول الأوروبية.

وكانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا قد أعلنت سابقاً أنّها ستواصل التعامل مع إيران، في حال نجحت البلاد في إخراج نفسها من القائمة السوداء "FATF".

 

للمشاركة:

أردوغان يعترف.. ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب الميليشيات الداعمة لحكومة السراج في طرابلس.

وقال أردوغان للصحفيين في إسطنبول: "تركيا متواجدة هناك عبر قوّة تجري عمليات تدريب، وهناك كذلك أفراد من الجيش الوطني السوري"، في إشارة إلى المرتزقة الذين كان يطلق عليهم سابقاً اسم "الجيش السوري الحر".

وازدادت التدخلات الخارجية في شؤون ليبيا، وإرسال الأسلحة ومقاتلين أجانب، منذ انعقاد مؤتمر برلين الدولي، في 19 كانون الثاني (يناير)، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى استصدار قرار بالخصوص وسط صعوبات التوافق حوله.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، قد أعرب في كلمة توجه بها إلى مجلس الأمن الدولي عن "بالغ الغضب وخيبة الأمل إزاء مسار تطور الأوضاع منذ انعقاد المؤتمر في ألمانيا، بحضور زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو".

أردوغان يعترف، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب ميليشيات حكومة السراج

وتُتَّهم تركيا بإرسال آلاف المقاتلين السوريين الموالين لها إلى ليبيا لدعم حكومة فائز السراج، لمواجهة الجيش الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على ثلاثة أرباع الأراضي الليبية.

وكشفت تقارير؛ أنّ عدد المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا، أو تستعد لإرسالهم إلى هناك، في ارتفاع مستمر، وهو دليل واضح على تمسك أنقرة بمواصلة نهجها في تصعيد التوتر في ليبيا، رغم كلّ الجهود الدولية المبذولة للخروج بحلّ يجنّب البلد المزيد من تعميق الأزمة.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أكّد أنّ عدد المرتزقة الذين نقلتهم تركيا، أو تعدّهم للنقل إلى ليبيا، قد ارتفع إلى ما يقارب 4700 مقاتل.

ووفق المرصد؛ فقد قتل 72 مقاتلاً ممن أرسلتهم تركيا للمشاركة في معركة طرابلس ضدّ الجيش الوطني الليبي. وهرب 64 من المرتزقة إلى أوروبا عبر ليبيا.

وكان المتحدث العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسسماري، قد دعا مرتزقة أردوغان "من السوريين المغرر بهم إلى تسليم أنفسهم للجيش الليبي، وسيتم منحهم ممرات آمنة للخروج وحلّ مشاكلهم مع القيادة السورية".

 

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية.. من المستفيد؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مدّدت السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع في الانتخابات، أمس، ثلاث مرات متتالية، لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، لكنّ ذلك لم ينجح ولم تتجاوز نسبة المشاركين 20٪؜، بحسب مصادر رسمية.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تقفل أبواب مكاتب الاقتراع (الساعة السادسة عصراً) بالتوقيت المحلي، أعلن التلفزيون الحكومي تأجيل إغلاقها لإفساح المجال أمام الراغبين في المشاركة.

السلطات الإيرانية: لم تتجاوز نسبة المشاركين في الانتخابات ٢٠٪؜ على الرغم من تمديد عمليات الاقتراع

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية، التي جرت أمس ، نحو 16٪؜، في طهران، فيما كانت على مستوى البلاد 25٪؜، وفق ما نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" عن مصادر خاصة.

ووفق هذه المعلومات؛ فقد سجلت محافظة ألبرز أقل نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية، بعد طهران، حيث وصلت إلى 17٪؜.

وفي الوقت نفسه، فإنّ معظم المحافظات الإيرانية، بما فيها أصفهان وخوزستان وخراسان الرضوية وفارس وأذربيجان الشرقية، كانت نسبة المشاركة فيها أقل من 30٪؜.

إلى ذلك، أعلن المدير العام للمكتب السياسي والانتخابي التابع لمحافظة سمنان عن مشارك ٢٤٪؜ فقط، من الناخبين المؤهلين قانونياً في هذه المحافظة.

ومن جهته، قال قائم مقام مدينة أصفهان، حسين سيستاني؛ إنّ نسبة مشاركة أهالي هذه المدينة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية الحالية وصلت إلى 21٪؜.

كما أكد قائم مقام مدينة مشهد، محمد رضا هاشمي، أنّ نحو 30٪؜ فقط من أهالي المدينة أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية.

يتوقع أن يستفيد المتشددون من تدنّي نسبة المشاركة بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين

وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد ذهب للإدلاء بصوته، أمس، وخلال التصويت دعا الشعب الإيراني إلى المشاركة في الانتخابات "من أجل مصالح البلاد".

ويتوقع أن يستفيد المتشددون من تدني نسبة المشاركة، بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الذين يوصفون بالإصلاحيين والمعتدلين.

واستخدمت القيادة الإيرانية جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت، أمس، تماماً كما فعلت خلال الانتخابات السابقة.

يذكر أنّه؛ بعد الاحتجاجات المناهضة للنظام الإيراني، التي اندلعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في عموم إيران، تمّ إطلاق عدة حملات لمقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتوسعت هذه الحملات بعد إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة الركاب الأوكرانية قرب طهران، ما أدّى إلى مقتل جميع ركابها.

 

 

 

للمشاركة:



الانتخابات البرلمانية الإيرانية المحددة سلفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مهدي خلجي

في 21 فبراير، نظمت إيران الدورة الحادية عشرة من انتخاباتها النيابية، إلى جانب الانتخابات الخامسة لـ"مجلس خبراء القيادة" ("المجلس")، الهيئة المكلفة بتسمية المرشد الأعلى المقبل. ومن الصائب توقّع أن يكون "المجلس" المقبل مخلصا في الدرجة الأولى لآية الله علي خامنئي؛ لا بل في الواقع، سيكون على الأرجح المجلس التشريعي الأقل استقلالية في إيران منذ عقود. ويضع هذا التوقع الرئيس حسن روحاني في موقف محفوف بالمخاطر، حيث يُلزمه دوره السياسي بتشجيع المشاركة العامة في الانتخابات التي من المؤكد أن معسكره سيخسرها.

الانتخابات عنصر أساسي للتصور الذاتي للنظام
إن ادعاء الجمهورية الإسلامية بأنها حكومة ثورية يعتمد على المشاركة الكبيرة في السياسة. وبغية نفي الواقع غير المستساغ، المتمثل بأن الإكراه هو العامل الرئيسي لصمود إيران، يحتاج النظام إلى أدلة تدعم ادعاءاته بأنه لا يزال يتمتع بدعم شعبي واسع.

ووفقا لذلك، تستخدم القيادة جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت في 21 فبراير، تماما كما فعلت خلال الانتخابات السابقة. وفي الوقت نفسه، تنظم هذه القيادة أساليب المناورة التقليدية للتلاعب بكل مرحلة من العملية، بدءا من تأهيل المرشحين وصولا إلى فرز الأصوات النهائي والإعلان عن النتائج.

غير أن عددا من العوامل يقوّض هذا الاحتيال بعض الشيء، بما في ذلك وجود ممثلين عن المرشحين في مراكز الاقتراع وخلال عملية فرز الأصوات، وكذلك الصراع على السلطة القائم بين وزارة الداخلية في حكومة روحاني و"مجلس صيانة الدستور" الخاضع لسيطرة خامنئي.

ومن أجل تصوير الانتخابات على أنها دليل للشعبية المستمرة للنظام وشرعيته "الديمقراطية"، يجب أن يكون قادرا على الإعلان عن نسبة مشاركة رسمية لما لا تقل عن 50 في المئة من الناخبين المؤهلين. وحتى في ظل استخدام النظام لآلية الاحتيال القوية بحوزته، سيتطلب إعلانه عن هذه النسبة بشكل موثوق وصول نسبة المشاركة الفعلية 40 في المئة على الأقل.

وتحقيقا لهذه الغاية، دعا المرشد الأعلى وغيره من السلطات الدينية الشعب إلى التصويت ليس فقط باعتبار ذلك حقا سياسيا بل واجبا دينيا. غير أن تراجع شعبية النظام قلّص قدرته على الإقناع في هذا المجال.

وبالنظر إلى الأزمات المزدوجة للمثل العليا والسلطة التي يعيشها المجتمع الإيراني منذ بعض الوقت، فقد فقدت السلطات من مختلف أركانها ـ من الشخصيات الدينية إلى النجوم الرياضية والمشاهير ـ الكثير من قدرتها على حشد الجماهير سياسيا. فضلا عن ذلك، أضرت الإخفاقات الاقتصادية المستمرة للحكومة بثقة الشعب بشكل سيء للغاية لدرجة أصبح معها إغراء الناخبين من خلال تقديم وعود اقتصادية جديدة أمرا خياليا.

الادعاءات القومية المنافقة
يبدو السياق السياسي الذي تجري في إطاره الانتخابات الحالية مختلفا إلى حدّ كبير. فقد رسم تطوران رئيسيان معالم هذه البيئة، وهما: العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام لقمع المتظاهرين السلميين في نوفمبر الماضي، وإسقاط "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في الثامن من يناير طائرة ركاب أوكرانية مليئة بالمواطنين الإيرانيين.

وكان يمكن للشعب أن يقبل بطريقة معقولة فكرة قيام "الحرس الثوري" بإسقاط الطائرة عن طريق الخطأ مهما كانت النتائج مأساوية. ولكن ما أثار سخط الإيرانيين ـ حتى العديد من أنصار النظام ـ هو إنكار الحكومة مسؤوليتها عن هذا الحادث في بداية الأمر، وموقفها المتغطرس وغير المسؤول تجاه أسر الضحايا، ورفضها المستمر تقديم أدلة شفافة بشأن الحادث.

وبدلا من ذلك، أخفى النظام دون خجل الحقيقة ونشر مزاعم مربكة من أجل تضليل الشعب والحكومات الأجنبية على حدّ سواء. وقد تأثر الكثير من الإيرانيين سلبا بهذا السلوك الذي ساهم في تدهور ثقتهم المتراجعة أساسا بالنظام.

ولتخطي أزمة الشرعية هذه الطويلة الأمد، احتاجت الحكومة إلى تجاوز قاعدة سلطتها الاجتماعية (التي تحوّلت إلى أقلية في الوقت الحاضر) وإعادة بناء أسس شعبيتها على شعور مبتكر من القومية.

وكانت تلك خطوة ماكرة بالنظر إلى أن النظام اعتمد على سياسات ودعاية شرسة مناهضة للقومية خلال عهد المرشد الأعلى الراحل روح الله الخميني، لا سيما بعد الفتوى التي أصدرها عام 1981 والتي حرّمت هذا الشعور باعتباره ارتدادا عن الدين ووصفت الشخص المثالي القومي السابق محمد مصدق بأنه كافر.

ولتفادي هذا التناقض خلال الاستفادة من الجانب القومي، اعتمد المرشد الأعلى خامنئي على سياسات الخوف خلال السنوات القليلة الماضية. ووفقا لسرديته ـ التي ازدادت حدة بعد الانتفاضة السورية عام 2011 ـ كانت إيران تخوض حربا فعلية مع أعدائها، وأصبح الأمن القومي حاليا الأولوية العليا لتوحيد جميع المواطنين وراء النظام.

ومن أجل الترويج لهذه الفكرة وتكثيف مساعي إيران لإضفاء الطابع الأمني محليا وفي الخارج، سعى النظام إلى إقناع الإيرانيين القوميين خارج قواعده الانتخابية الضيّقة بأن البلاد تواجه تهديدا عسكريا وشيكا وأن الجمهورية الإسلامية هي الهيكلية القيادية الوحيدة القادرة على تفادي الفوضى في المنطقة ومنع تفكك أقاليمها.

وقد استُخدمت هذه الحجة ليس فقط لتبرير سياسة إيران التوسعية والجريئة في المنطقة، بل أيضا من أجل إبطال مفعول المعارضة المحلية. ومثل هذه التشويهات للحقائق تضع السكان في موقف مربك: ولا سيما أن كون الشخص قوميا إيرانيا يستلزم حالياً دعمه للنظام حتى لو كان يكرهه.

وهكذا، وفي خطاب ألقاه في الخامس من فبراير، دعا خامنئي "كل من يحب إيران" إلى المشاركة [في التصويت]، حتى وإن كان "لا يحب" المرشد الأعلى. كما وصف الانتخابات مرارا وتكرارا بعبارات قومية وموجهة نحو الأمن، واصفا العملية بأنها "تهديد للعدو" ومدعيا أنها "تضمن أمن البلاد"، وأشار إلى أن تأثيرها الإيجابي على التصورات الخارجية بشأن إيران سيساعد على حل "العديد من مشاكلنا الدولية".

تهميش "المجلس"
إلى جانب إعلانه صراحة ومرارا بأنه يتوجب على البرلمان الإذعان لإرادته، لطالما كان خامنئي يفرض السياسة التشريعية على أعضاء "المجلس" ويمارس سلطته للتحكم بأصواتهم. وهذا النهج، يرافقه تقليد تصفية قائمة المرشحين قبل الانتخابات، قد جرّد "المجلس" من أي قدرة على حماية استقلاليته ووظائفه الديمقراطية.

وبدلا من ذلك، فإن ولاء "المجلس" القسري لخامنئي قد منحه أداة فعالة أخرى لإضعاف الرئيس ومنع الحكومة المنتخبة من مخالفة توجيهاته أو تحدي سلطته. إن الضغط من أجل [قيام] مجلس متشدد متجانس سيساعد أيضا في حماية النواة الثورية للنظام إذا توفي خامنئي خلال فترة رئاسته التي أمدها أربع سنوات.

وحتى في ظل تراجع أهمية دور البرلمان أكثر فأكثر، لا يزال المتشددون عازمين على منعه من أن يصبح منصة لشكاوى الإصلاحيين. ووفقا لذلك، استبعد "مجلس صيانة الدستور" عددا كبيرا من المرشحين البرلمانيين قبل الانتخابات المقبلة ـ أكثر من 16000 في المجموع، بمن فيهم 90 عضوا في "المجلس" الحالي وجميع الشخصيات الإصلاحية وحلفاء روحاني تقريبا.

وقد يشير هذا القرار إلى ثقة خامنئي المفرطة بنفسه، إذ إنه ينهي بشكل أساسي الممارسة التقليدية المتمثلة في السماح للإصلاحيين بالتعبير عن بعض انتقاداتهم من خلال "المجلس". وللأسف، قد يكون هناك ما يبرر هذه الثقة بالنفس بالنظر إلى الانخفاض الكبير في شعبية روحاني والفقدان الساحق لأمل الجمهور فيما يتعلق بالإصلاحيين.

غير أن هذا النهج لا يخلو من بعض المخاطر بالنسبة لخامنئي. فإذا استمر الشعب في فقدان الثقة بقدرته على إحداث تغييرات داخل النظام، فمن المرجح أن يتوصل إلى قرار بضرورة رحيل النظام بأكمله. وبالفعل، أصبحت الآن الأصوات المناهضة للنظام ولخامنئي من بين الهتافات الأكثر صدوحا في معظم الاحتجاجات الشعبية ـ وهو تطوّر كان يُعتبر غير وارد سابقا.

التداعيات على واشنطن
تتيح هذه الانتخابات فرصة أكبر للحكومة الأميركية لإسماع صوت الإيرانيين الذين كانوا يعترضون على طبيعة النظام المناهضة للديمقراطية بشكل متزايد. وعند الإدلاء بأي تعليقات حول عملية الاقتراع وتبعاتها، على المسؤولين الأميركيين وضع مطالب هؤلاء الإيرانيين في الواجهة، لأنها أكثر مصداقية بكثير من الانتقادات الأجنبية الصادرة عن إدارة ترامب.

لقد أصبحت واشنطن بارعة للغاية في الاستشهاد بشكاوى الإيرانيين بشأن الفساد وإساءة الاستخدام [الانتهاكات]، لذا فقد حان الوقت الآن لرفع الصوت ـ سواء من خلال مطالبة كبار المسؤولين بتسليط الضوء على هذه الشكاوى، أو عن طريق جعل قنوات البث الأميركية تنقل الأخبار للإيرانيين والتي مفادها أن حكومتهم لن تفعل ذلك.

عن "الحرة"

للمشاركة:

من أين يستمد إخوان أوروبا قوتهم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-22

ترجمة: مدني قصري


تُظهِر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، والمحظورة في العديد من البلدان، جيلاً جديداً، يُطوّر في استراتيجيتها التبشيرية والمعادية للعلمانية في جميع أنحاء أوروبا.

الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم ويُحظر تنظيمهم في العديد من البلدان خاصة في العالم العربي

وعُقِد بالفعل عام 2002، مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين، في مدينة بون، حول موضوع "التعليم الإسلامي في أوروبا"، بتنظيم من المركز الثقافي الإسلامي في إيرلندا، و"جمعيات علماء الاجتماع المسلمين" في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث استضاف المؤتمر الشخصيات الأوروبية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين؛ مثل؛ طارق رمضان، ومحمد كرموس، وأحمد جاب الله، وإبراهيم الزيات، بهدف  تلقين جيل الشباب كيفية التعبير عن رسالة وروح الإسلام في العالم الغربي اليوم، ومواجهة تحدي مناهج المدارس العلمانية التي تتعارض مع دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتتمثّل رسالة وروح التبشير في الإسلام السياسي الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، بوضع حد لتنوع المسلمين، وتصنيفهم تحت عنوان "المسلم" من خلال منحهم تعريف انتمائهم، بغرض امتلاك السلطة عليهم والتحدث نيابة عنهم، كما ورد في كتاب برنارد روجير، "الأراضي التي فتحها الإسلامويون"، الصادر عن دار (PUF).

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

 

لقاء سريّ
تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم، ويُحظر تنظيمهم في عديد من البلدان، خاصة في العالم العربي؛ لأن هذه الجماعة، في عدد من الدول، مصنفة كـ "منظمة إرهابية"، كما تتخذ أوروبا والولايات المتحدة تدابير منتظمة في هذا الاتجاه، وقد تحدث موقع Interception مؤخراً، عن لقاء سريّ للإخوان، أشاروا فيه إلى بنيتهم التحتية في 79 دولة، وهو انتشار هائل  بالنسبة لمنظمة تُعتبر سرية.
يوسف القرضاوي موجّه الإخوان الخفي
لو كان فرنسياً، لتقاعد قبل حوالي 3 أو 4 عقود، لكنّ الشيخ يوسف القرضاوي، الموجِّه الخفي للإخوان المسلمين، ظل في المؤسسة حتى عمر 92 عاماً، لقد تواجد في السابق بكل مكان من أوروبا، وهو الآن مقيم في قطر، وكان الزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين على مدى العقود القليلة الماضية، حيث انطلق من إيرلندا لبناء وتطوير جميع الهياكل الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين التي يسيطر عليها الآن.

يسيطر القرضاوي على جميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي

وكان القرضاوي مؤسساً مشاركاً للمجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، وهي مؤسسة تُصدر فتاوى إسلامية مبسطة للمسلمين في أوروبا، وترأس القرضاوي الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (IUMS) لمدة 10 أعوام، وهذا ليس كل شيء! فقد كان القرضاوي مُلهماً لجميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي، سواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) أو الجمعيات الوطنية؛ مثل اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسي (UOIF) في ذلك الوقت، الذي يُعرف اليوم باسم "مسلمو فرنسا" (MDF).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

 

جيل جديد قادم
انسحب القرضاوي الذي دافع مراراً وتكراراً عن الهجمات الانتحارية والعنف ضد المرأة أو برّرها، من المكاتب المذكورة أعلاه، لتنتقل الشعلة الآن إلى مجموعة من الباحثين مع قيادة مؤسستي الإخوان المسلمين الأوروبيتين الرئيسيتين؛ وهما؛ المجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، والاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (UISM)، اللتين تعتبران أكثر شباباً وأكثر عالمية، حيث تخدم الإدارة الجديدة أهمّ "الأسواق الأساسية"، وكل ذلك في شبكة أوروبية جيدة التنظيم.
وقد تجلّت الآثار الأولى لهذا الاتجاه الجديد بسرعة كبيرة، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أي بعد أسبوع واحد فقط من المظاهرة ضد "رهاب الإسلام"، التي نظمتها "الجماعة ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" (CCIF)، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي خطاب الضحية، وُلِد "مجلس الأئمة الأوروبيين" الجديد، فكان بمثابة منصة إضافية للأئمة المعنيين والتابعين، وهكذا تم تحديث الظهور الرقمي بشكل كبير، وأصبحت "مجالس الفتوى" تتمتع الآن بنسختين؛ نسخة ألمانية ونسخة فرنسية، وبالتالي فإنّ العرضَ متاح من الآن فصاعداً بعدة لغات، وبالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق تطبيق "فتوى اليورو"، الذي يتم الاستشهاد به بانتظام في الصحافة الدولية؛، حيث صارت التوصيات في بعض الأحيان غريبة ومخالفة للعقل بالنسبة للمجتمع الإسلامي.

 

التعليم: هوس الإخوان
تتمثل إحدى الوصفات لنجاح جماعة الإخوان المسلمين في اهتمامها الكبير بالتعليم، فقد ساعد القرضاوي بإنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) خلال التسعينيات من القرن الماضي في شاتو شينون، في مبنى تابع للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية (UOIF)، حيث يضم مجموعة من كوادر وأئمة المستقبل من العلماء المسلمين وغيرهم من المعلمين الذين يعيشون وفقاً لإسلام الإخوان المسلمين السياسي، والحال أنّ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، لا يتعاون مع أي مؤسسة تعليمية غربية، ولا يزعج المسؤولين، فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي، ويصبح الخريجون منه أئمة يتم تكليفهم خصيصاً في مجتمع مسلم نام، على استعداد للانضمام إلى الإخوان، والوصفة فعالة؛ حيث يوجد الآن في فرنسا حرمٌ للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في حي سانت دينيس، وبعض الفروع في الألزاس وأورليانز، ومدارس خاصة مثل ثانوية ابن رشد في مدينة لِيلْ.

لا يتعاون المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية مع أي مؤسسة تعليمية غربية فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي

وأُنشأ المعهد الأوروبي الألماني للعلوم الإنسانية (EIHW)، المستوحى إلى حد كبير من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والذي يرأسه المصري خالد حنفي، نائب الأمين العام الجديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، والعضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IMSS)، قبل بضعة أعوام في فرانكفورت؛ والذي يرأسه الآن خليفة القرضاوي؛ عبد الله الجديعي، المتواجد على رأس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) منذ عام، وهو عراقي إنجليزي، إضافة إلى أنه عضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IUMS)، كما كان جزءاً من المجلس الإداري والمجلس العلمي للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو شينون، وكان نائبه؛ أحمد جاب الله، نفسه قد ترأس لفترة طويلة نفس المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) الذي يعلن عن نفسه كمنظمة أوروبية.

 

حلفاء أقوياء لمنظمة راسخة بشكل متزايد
بُذلت محاولات مختلفة لوضع إخوان أوروبا في مكانهم، ولكن تبيّن، لسوء الحظ، أنّ تمويلهم قوي جداً، حيث تساعد مؤسسات كثيرة في قطر والكويت على زيادة فرصهم في التسلل، كما أنّ تعاونهم الوثيق والمتزايد مع تركيا يثير القلق، فضلاً عن انتشار مساجد الحركة الإسلامية التركية ميلي غوروس (أفق وطني) في كل مكان تقريباً داخل أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، فهذه النسخة التركية من الإخوان المسلمين تقوم حالياً ببناء مسجد كبير في ستراسبورغ على مساحة 7000 متر مربع تقريباً.

تتلقى جماعة الإخوان مساعدات من مؤسسات كثيرة في قطر فضلاً عن تعاونها الوثيق والمتزايد مع تركيا

هل من قبيل الصدفة أن يقع مقر فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد، (IESH-Alsace)، والذي تم تأسيسه في خريف عام 2018 من قبل جمعية عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية (UOIF)، أي "الرابطة الإسلامية لشرق فرنسا"، في مدينة ستراسبورغ أيضاً، ومقرها حالياً في مسجدٍ للإخوان المسلمين في شارع ثيرغارتن؟
ورغم أنّه لا يزال حديثاً، إلّا أنّ هذا الفرع التابع، يشارك بالفعل في النقاش الدائر باللغة العربية، بتمويل من قطر (QatarDebate)، وقد استضاف بالفعل أحد الزعماء المثيرين للجدل في الجامعة الإسلامية العالمية؛ وهو العالم الإسلامي عبد الله المصلح، ولأنّ الجامعة الإسلامية العالمية هذه كانت دائماً منظمة سعودية مرتبطة بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين، فلا يرى عبد الله المصلح أي مشكلة في إضفاء الشرعية على الهجمات الانتحارية ضد "أعداء الإسلام"، وأرسل فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد ألزاس، فور تأسيسه 7 طلاب ومدرسين إلى فيينا في أوائل كانون الثاني (يناير) من العام 2019، للمشاركة في هذه المسابقة التي تموّلها مؤسسة قطر التعليمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من مسلمي أوروبا يشعرون أنّ جماعة الإخوان المسلمين تُمثلّهم

عند التفكير في تسلل الإخوان المسلمين، فعلى سياسيينا الإدراك بأنّ المؤسسات والجمعيات التربوية التابعة للإخوان المسلمين تعمل دائماً على أساسٍ أوروبي، وأنّ التغيير بين الأجيال الذي يحدث في هذه المنظمات يعني تطابق أيديولوجيا الإخوان المسلمين الخطيرة أكثر وأكثر مع جيل التابعين الشباب، ولا بدّ من بذل جهد أوروبي لمواجهة هذا الشكل من الإسلاموية، ويجب على فرنسا أن تتساءل عمّا إذا كانت ترغب بالاستمرار في استضافة أهم مجموعة من الأئمة والمدرسين الإسلاميين من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية وفروعه على أراضيها، أو ما إذا كانت ستنجح في إيجاد الوسائل لوضع الإسلام على طريق أكثر ليبرالية وأكثر إنسانية، لتُقدّم خدمة رائعة لمسلمي البلاد؛ حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من المسلمين في أوروبا يشعرون أنّهم ممثَّلون من قبل جماعة الإخوان المسلمين، هذه الأقلية التي تعمل على فرض الإسلام السياسي على الأغلبية الصامتة العظمى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.causeur.fr/freres-musulmans-islam-tariq-ramadan-171941

للمشاركة:

اليمين المتطرف: البعد الجديد لتصاعد الإرهاب في ألمانيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مارسيل فورستناو، بيتر هيله

أحد عشر قتيلا بينهم الجاني الذي استخدم السلاح بسبب الكراهية والعنصرية. هذا الاعتداء يبين أن خطر الإرهاب اليميني يتصاعد في ألمانيا ويشكل خطرا على السلم الاجتماعي فيها.

الجاني أطلق النار داخل اثنين من مقاهي تدخين النارجيلة (الشيشة) في بلدة هاناو بالقرب من فرانكفورت وقتل تسعة أشخاص وجرح على الأقل أربعة. ويبدو أنه قتل أمه ونفسه. وفي شريط فيديو روج الرجل قبلها لكراهية عرقية ونظريات مؤامرة. والسلطات لم تتعرف إلى حد الآن على توبياس ر.، كما قال وزير داخلية ولاية هسن بيتر بويت. وهل كان له اتصال مع يمينيين متطرفين آخرين وهل خطط للهجوم منذ وقت طويل، كل هذه الجوانب تحاول النيابة العامة التحقيق فيها.

الواضح هو أن خطر الإرهاب اليميني ازداد مؤخرا في ألمانيا. فالشرطة الجنائية الألمانية تصنف حاليا نحو 60 شخصا كخطيرين قد يرتكبوا إلى جانب حملهم الأفكار اليمينية المتطرفة أعمال عنف واعتداءات. ومنذ 2012 ارتفع عدد الأشخاص الخطيرين من الوسط اليميني المتطرف بشكل ملحوظ.

من الخيال إلى الفعل

وحجم قوة التهديد بصفة عامة يكشف عنها رقم من تقرير المخابرات الذي يؤكد أن 12.700 يميني متطرف "يميلون إلى العنف". وتواصلهم يحصل أكثر من ذي قبل عبر الانترنيت. فالمجال الافتراضي له مفعول تحفيزي، إذ أن خلية إرهابية تم الكشف عنها مؤخرا  تطرفت عبر الشبكة العنكبوتية. وهذا ينطبق أيضا على شتيفان ب. الذي كان يعتزم في أكتوبر 2019 تنفيذ مذبحة داخل كنيس يهودي في بلدة هاله.

في كفاحها ضد المتطرفين السياسيين والدينيين تقف سلطات الأمن أمام مشكلتين كبيرتين: من يترجم  خياله العنيف إلى أفعال ومن يقف وراء ذلك؟ وهذه القضايا ينشغل بها النائب العام كريستوف هيبكير من مكتب الجريمة في الانترنت في ولاية شمال الراين وستفاليا. فمنذ فبراير 2018 سُجلت حوالي 1000 دعوى جنائية متصلة في أغلبها بالوسط اليميني، كما قال في حديث مع دويتشه فيله. وكل دعوى جنائية تقريبا تحولت إلى إجراءات تحقيق. والمشكلة تتمثل في صعوبة "إخراج الناس من السرية".

مداهمات ضد مجموعة إرهابية مفترضة

والجمعة من الأسبوع الماضي فقط تمكنت الشرطة خلال مداهمة من الكشف عن مجموعة إرهابية. ففي عدة أماكن في ولايات متعددة فتشت الشرطة شقق 13 شخصا. وتم وضع أربعة إرهابيين مفترضين وثمانية مساعدين في الحبس الاحترازي. وتتهمهم النيابة العامة في كارلسروه بأنهم أرادوا التسبب في " ظروف مشابهة لحرب أهلية"، وذلك من خلال "اعتداءات غير ملموسة بعد" ضد سياسيين وطالبي لجوء ومسلمين. وللوهلة الأولى يبدو أن الشرطة والمخابرات والنيابة العامة تمكنت في الوقت المناسب من محاصرة مجموعة إرهابية. لكن الجزء الأهم في العمل ينتظر المحققين وهو تأكيد الاشتباه الحاصل بشكل مقنع حتى يتم توجيه التهمة للمشتبه بهم.

المحاكمة ضد فرانكو أ. لم تبدأ بعد

وصعوبة ذلك تكشف عنها حالة الجندي الألماني الموقوف عن العمل فرانكو أ.. فالملازم الأول قبع في 2017 طوال سبعة شهور في الحبس الاحترازي بسبب الإعداد "لهجوم خطير مهدد للدولة". ووُجهت له تهمة التخطيط لاعتداءات ضد سياسيين مشهورين، بينهم وزير الخارجية الحالي هايكو ماس ونائبة رئيس البرلمان كلاوديا روث.

وبالرغم من أن المتهم قام بجمع أسلحة ومتفجرات وتدوين أسماء ضحايا محتملين، رفضت المحكمة العليا في فرانكفورت أولا فتح تحقيق جنائي ضد فرانكو أ. والتعليل: "ليس هناك اشتباه جرمي كافي". وأكدت المحكمة العليا في فرانكفورت بالفعل أن اليميني المتطرف المفترض له "موقف قومي ومعادي للسامية"، واعتبرت في آن واحد أنه "من المرجح جدا" لم يكن "مصمما بعد" على تنفيذ الاعتداءات المخطط لها. لكن بعد اعتراض من النائب العام يجب على فرانكو أ. المثول أمام المحكمة بسبب الاشتباه بالإرهاب. ولا يُعرف متى تبدأ المحاكمة. والتصنيف الجنائي لهذه الحالة يؤكد تعقيد العقبات القانونية في ألمانيا رغم العديد من التعديلات القانونية، وبالتالي ليس مؤكدا أن المشتبه بهم بالارهاب الاثنى عشر المعتقلين منذ أيام ستُوجه لهم في النهاية التهمة.

تشديد عقوبة جرائم الكراهية

على الأقل قد يتم قريبا معاقبة جريمة الكراهية في الانترنت بشكل أقوى. وعرضت الحكومة الألمانية مشروع قانون يوم الاربعاء 19 فبراير/ شباط 2020. وفي حال وافق البرلمان بغالبية، يمكن ملاحقة تهديدات القتل والاغتصاب في الانترنت بعقوبة السجن حتى ثلاث سنوات. وإلى حد الآن تصل هذه العقوبة إلى سنة واحدة. وبشكل مشدد أكثر يُراد معاقبة الاعتداء على سياسيين محليين بعقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات. وتشديد القوانين المبرمج هو رد فعل على التهديدات المتزايدة بحق سياسيين عبر الانترنيت. وهذا ما حصل مع المسيحي الديمقراطي فالتر لوبكه من ولاية هسن قبل أن يتم إطلاق النار عليه في يونيو 2019 من قبل يميني متطرف مشتبه به.

ومن المتوقع أن يكلف قانون جديد لمكافحة جرائم الكراهية في ألمانيا الجهاز القضائي نحو 24 مليون يورو سنويا، وذلك في شكل تكاليف إضافية ناتجة عن تعيين مزيد من وكلاء المدعي العام والقضاة، وفقا لتقديرات الحكومة الألمانية.

وقال المدير التنفيذي لاتحاد القضاة الألمان، سفن ريبين إن هذا المبلغ ليس كبيرا إذا قورن بمئات الآلاف من الجرائم التي قد تحصل بفعل قواعد التسجيل الجديدة للشبكات الإلكترونية. وأضاف ريبين في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية أنه من المهم أن يكون القضاء الألماني قادرا على تنفيذ القانون الجنائي بشكل واسع النطاق، في ظل تشديد هذه القواعد، وذلك لردع الجناة.

وبموجب القانون الذي أقره مجلس الوزراء الأربعاء، تلتزم المواقع الإلكترونية مثل فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام بإبلاغ المكتب الاتحادي للتحقيقات الجنائية عن منشورات بعينها فور نشرها، وهو ما ينطبق، على سبيل المثال، على الدعاية النازية والتحضير لجريمة إرهابية، ومنشورات العنف، إضافة إلى تهديدات القتل والاغتصاب ونشر صور الاعتداءات الجنسية الجسيمة بحق الأطفال. ورحب المدير التنفيذي لاتحاد القضاة بهذه الخطوة وقال إن الحكومة "صبرت كثيرا على فيسبوك وشركاه، وذلك من خلال سياستها المترددة ضد جرائم الكراهية".

واتخذت سلطات الأمن الألمانية في السنوات الأخيرة عدة إجراءات، بينها حظر بعض المجموعات اليمينية المتطرفة، إلا أن هذه الإجراءات على ما يبدو لم تأت بعد بمفعولها الرادع.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية