وحدة اليمن.. هي الحلّ الوحيد لمواجهة الحرب

صورة أحمد برقاوي
كاتب ومفكر فلسطيني
3984
عدد القراءات

2017-12-14

تجمعني باليمن روبط حبٍّ، وذكرياتٌ لا تُنسى؛ ففي عام 1990، وكانت سوريا حينئذٍ تعاني ضائقةً اقتصاديةً، ولم يعد الراتب يسدّ ثمن حاجاتنا؛ من مأكلٍ، وملبسٍ، وأقساط بيتٍ، وحاجاتٍ أخرى. انطلق أربعتنا (أنا، وحامد خليل، وطيب تيزيني، وخضر زكريا)، في بعثة إعارةٍ إلى قسم الفلسفة في جامعة عدن، وحين دعونا عبد الرزاق عيد إلى ندوةٍ، طُلب منه البقاء للتدريس في قسم اللغة العربية، وهكذا كان.   

وبالمناسبة، كان الراتب حينها 1600 دولار للأستاذ المساعد، و1800 دولار للأستاذ. لكن يُعطى نصف الراتب بالدولار، والنصف الآخر بالريال اليمني، حسب سعرٍ يحدّده البنك للريال اليمني، لم يصل حينها مقدار ربع سعر صرفه بالسوق السوداء.

لقد عشنا في اليمن معزَّزين مكرَّمين، وكانت الوحدة اليمنية قد تمت، والديمقراطية اليمنية تشقّ طريقها في مجتمعٍ قبليّ تقليدي وسياسي.

وتعرّفت على المجتمع اليمني عامة، والمجتمع اليمني الجنوبي، بشكلٍ خاص، بصورة نسفت كل معرفتي الأيديولوجية السابقة، التي اكتشفت حينها أنّها مجموعة من أوهام الرفاق.

الثورة اليمنية عام 1961 لم تكن إلّا ثورًة ضدّ الإمامة التي أصبحت متناقضةً مع منطق الدولة

كانت الوحدة تعني؛ تقاسم السلطة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي. رغم أنّ عدد سكان اليمن الشمالي، يزيد عن عدد سكان اليمن الجنوبي، بستة أضعاف أو أكثر، لكن لم تمض سنوات قليلة، حتى كانت السلطة الفعلية كلّها بيد علي عبد الله صالح.

وبدأت السلطة الحاكمة، بقيادة صالح، بالتهام مراكز الإدارات في الجنوب، ونهب ثرواته، وفقدت عدن، التي كان من المفترض أن تكون عاصمة اقتصادية لكلّ اليمن، مكانتها تماماً، وظهرت بوادر التأفّف لدى الجنوبيين، والرغبة في الانفصال، مع تنامي الشعور لدى الجنوبي بأنّه أكثر تقدماً وتحضراً من الشمالي.

وحدة اليمن بنخبه كافة هي الحلّ الوحيد لمواجهة الحرب التي يطمح عبرها الحوثيون امتلاك البلد واحتلاله

واستشرى فساد صالح وجماعته، في تلك المرحلة، وبات الجنوبي، الذي كان يعيش اكتفاءً ذاتياً، يعاني ضنك العيش. وصار تقاسم السلطة الفعلي في خبر كان، وحافظوا عليه شكلياً فقط.

وبدا قرار قيادة الحزب الاشتراكي بالانفصال، ورغبتها في إعادة اليمن الجنوبي إلى سابق عهده، بوصفه دولةً مستقلةً.

أتذكّر أنّ علي سالم البيض، طلب اللّقاء بالأساتذة السوريين، للتداول في الشأن اليمني، ودعانا إلى تناول طعام الغداء معه في قصر "المعاشيق"، وهو القصر الجميل المطل على خليج عدن، ودار حوار طويل بيننا. كان موقفنا مع المصالحة، والحفاظ على اليمن الموحدة، لكنّ سالم البيض كان قد حسم أمره، وبدا هذا واضحاً من إجابته عن سؤالٍ طرحه عليه خضر زكريا: ما هو جوهر المشكلة العالقة بينكم؟ كان الجواب: هناك روحٌ خفيةٌ تمنعنا من التوافق.

واشتعلت الحرب بين الجنوبيّين والشماليّين عام 1994، انتهت بانتصار قوات علي عبد الله صالح، ودخول قواته إلى عدن، بمساعدة قوات الرئيس اليمني الأسبق، علي ناصر محمد، التي كانت في الشمال، ومنذ ذلك الحين ظلّت اليمن في قبضة علي عبد الله صالح.

اشتعلت الحرب بين الجنوبيّين والشماليّين عام 1994 انتهت بانتصار قوات علي عبد الله صالح  ودخول قواته إلى عدن

قبل خمسة عشر عاماً أو أكثر حضرت ندوةً في صنعاء حول الديمقراطية، وكالعادة؛ دعانا رئيس الجمهورية للقائه في نهاية المؤتمر، وقد استقبلنا الرجل بحفاوةٍ كعادته في استقبال أهل الثقافة، وحدّثنا عن أهمية الديمقراطية في حياة الشعوب، بمناسبة موضوع الندوة، وأظهر دهشته من الرؤساء العرب، الذين لم ينقلوا مجتمعاتهم إلى الديمقراطية بعد. وأردف بنوع من التصميم: "الديمقراطية آتيةٌ، لا محالة، فلماذا التأخير"، ودار بيننا حوار مستفيض عن أهمية الديمقراطية، وفي المساء؛ قادني صديق صنعاني بسيارته، ليعرفني بصنعاء وجبالها، وكان عند كلّ جبل من الجبال المحيطة بصنعاء، يخبرني أنّ قوات الحرس الجمهوري تحتل هذا المكان، فإذا بصنعاء كلّها محاطة بقوات الحرس الجمهوري، لحماية سلطة علي عبد الله صالح "الديمقراطية". كان المشهد مشابهاً تماماً لقوات الحرس الجمهوري المحيطة بدمشق، لحماية سلطة نظام الممانعة.

وتزامناً مع تدمير صالح للحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في اليمن، بدأت الحركة الأصولية تتنامى في اليمن، منذ عام 2004؛ فظهر الحوثيون في الشمال، والقاعدة في الشمال وبعض أطراف الجنوب. وقد خاض صالح حروباً متكررة مع الحوثي والقاعدة من جهة، ونهب البلاد والعباد من جهة أخرى.

وما إن اندلعت الثورة اليمنية، وطالب اليمنيون بالديمقراطية، والقضاء على الفساد واحتكار السلطة، حتى تعامل معها صالح بخبثه المعهود، وتجربته الطويلة مع الحزب الاشتراكي والحوثي والقاعدة والقبائل. لكنّه، حين أجبِر على ترك السلطة، احتفظ بالقوة العسكرية الأساسية للجيش اليمني، خاصة الحرس الجمهوري، وتحالف مع أعدائه؛ الذين خاض معهم ست حروبٍ، والذين كانوا يمثّلون الفئة الأكثر تخلّفاً وهمجية في اليمن، ويسعون لإعادة الإمامة، ولأن يكون الإمام منهم، وحين أراد فكّ الارتباط بهم، قتلوه، ومثّلوا بجثته.

لا شكّ في أنّ الثورة اليمنية التي انطلقت عام 1961، لم تكن إلّا ثورًة ضدّ الإمامة، التي أصبحت متناقضةً مع منطق الدولة، لكنّ السلطة التي آلت، بعد انقلابات عسكرية، إلى علي عبد الله صالح، لم تنجز أيّ تقدم اجتماعي أو اقتصادي، فظلت القبيلة هي العنصر الحاسم في حياة المجتمع اليمني. 

والحروب في مجتمعات كهذه، قد تطول إلى عقود طويلة من الزمن؛ فالحوثيون فئات قبلية طائفية رجعية، مدعومة عسكرياً ومادّياً من إيران، ولديهم أوهام بحكم اليمن، كلّ اليمن، لهذا هاجموا كلّ المحافظات الجنوبية، ولولا بأس أهل الجنوب، ودعم التحالف العربي، لكان الجنوب يعاني ما يعانيه الشمال.

لعمري، إنّ الوحدة المدعومة عربياً وعالمياً في اليمن؛ وحدة النخبة العسكرية كلها، والنخبة السياسية المدنية، والنخبة الثقافية، والنخبة الاقتصادية، خاصّة بعد مقتل صالح، هي الحلّ الوحيد لمواجهة الحرب، التي يطمح عبرها الحوثيون امتلاك اليمن، واحتلاله، وإعادته إلى الوراء الغارق في القدم، أكثر ممّا هو عليه اليوم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل أصبحت "الجمعة السوداء" مؤامرة كونيّة على الدين؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2019-12-05

درج الإنسان منذ فجر التاريخ على تقسيم الحياة إلى مناسبات وذكريات ومواسم تُعلن عن نفسها بمجرد أن يحين وقتها؛ فالأعياد والاحتفالات سلوك إنساني عام يُثير في نفوس عامة الناس شعور الفرح والسعادة، ويثير في نفوس قلّة منهم شعوراً بالاستياء وإحساساً بالمؤامرة، فيرى في الأعياد مؤامرة تُحاك ضدّ هويته، فما زال بعضُ المتدينين يُردد ما جاء في مجلة الدوحة من وجوب "إعادة النظر في أمرِ أيامنا الوطنية والقومية بحيث نصل إلى أن نحظر استخدام كلمة "عيد" لأيّة مناسبة إلا الفطر والأضحى، في جميع وسائل الإعلام، وذلك التزاماً بتعاليم الإسلام". (1)

والواقع أنّها ليست تعاليم الدين وإنما هي دلالات صكّها بعض الفقهاء، ورددّها بعض الوعّاظ، ولاقت هوى في نفوس أبناء الجماعات الساعية إلى التّمايز الدّيني عن أبناء وطنها، فمثل هذا التفكير الذي يحصر كلمة "عيد" في عيديّ الفطر والأضحى يتناقض مع الاستعمال القرآني لكلمة "عيد"، التي جاءت في القرآن الكريم بمعنى "الذكرى السعيدة"، في قوله تعالى: "قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا". سورة المائدة، الآية [١١٤] وهو المعنى الذي جاءت به معاجم اللغة(2)، فميلاد النبي، صلى الله عليه وسلم عيد، وميلاد كل واحد منّا عيد له ولمحبيه، واستقلال الوطن عيد، وتفتّح الزهور مع الربيع عيد، فكل ذكرى سعيدة تحمل بهجة وسعادة للإنسان هي عيد.

الأعياد سُنّة فطرية جُبل النّاس عليها، وعرفوها منذ وُجدت حركة الاجتماع والتقاليد والذكريات، حركتها سياقات تاريخية وثقافية واقتصادية

وأمّا الخبر الآحاد الذي رُوي عن النبيِّ، صلى الله عليه وسلم في سُنن أبي داود عن فضل عيديّ المسلمين الدينيين الفطر والأضحى، لا ينفي ما سواهما من الأعياد العامة التي تقّرها كلّ دولة، وتُعرف بالأعياد الرسمية أو القانونية، وتتنوع بين دينية وشعبية وتاريخية وسياسية، فالخبر من قبيل الحثّ على إشاعة أجواء الفرح والسعادة خوفاً من النبي، صلى الله عليه وسلم، على أمّته التي ما زالت حديثة عهد ببداوة أن تتنسّك تنسّك الأموات، فلا تفرح ولا تبتهج في أيّ يومٍ حتى في يوم العيد.

اقرأ أيضاً: هل يجوز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم؟ الإفتاء المصري يرد
فالأعياد سُنّة فطرية جُبل النّاس عليها، وعرفوها منذ وُجدت حركة الاجتماع والتقاليد والذكريات، ولا تخلو من سياقات تاريخية أنتجتها وخلفيات ثقافية تقف وراءها، وخطط اقتصادية تُروّج لها بُغية تحريك ركود الأسواق، لا كما يُروّج جانبٌ من الخطاب الدينيّ، الذي يُفسّر كل ما حوله بأنّه مؤامرة كونية غربية على الإسلام، فيُحذّر، مثلاً، من "كذبة نيسان" ظنّاً منه أنّ المقصود بها النبي محمد، صلى الله عليه وسلم؛ الذي تُشير بعض الآراء إلى أنّ ميلاده صلى الله عليه وسلم كان في  ٢٠ نيسان، ويتجاهل أصحاب نظرية المؤامرة أنّ هناك عشرات التفسيرات لـ "كذبة نيسان"، ومن أشهرها أنّ تقويم "Jovian" السائد في الغرب حتى عام ١٦٩٨م كان العام يبدأ فيه بشهر نيسان (أبريل) وعندما تغيّر إلى التقويم الحالي "Gregorian" الذي يبدأ العام فيه بشهر كانون الثاني (يناير)، لم ينتبه بعض الناس، فاحتفلوا ببداية العام الجديد في أول نيسان (أبريل) فأُطلق عليهم "April’s Fools" "حمقى أبريل"، ثمّ أصبح المُزاح الكاذب في هذا اليوم تقليداً وعادةً إنجليزية، من أشهرها الإعلان "أنّ حديقة الحيوان الإنجليزية ستقوم بتنظيف الأسود بجوار برج لندن في أول أبريل"، ونشرت الإذاعة البريطانية "بي بي سي" خبراً "أنّ البطاريق تطير مهاجرة في الأول من أبريل"، ثم تناقلت بعض الشعوب تلك العادة مع تفاوت بينهم في الاهتمام بها.

الكثير من الأعياد تتبادلها وتتناقلها الشعوب من بعضها البعض وليست مُؤامرات خارجية للنّيل من الدين وتحريف الثوابت

فهناك أعياد وعادات شرقية استعارها الغرب، وأخرى غربية نقلها الشرق، فنقلت الولايات المتحدة الأمريكية الاحتفال بأعياد الربيع عن اليابان التي أهدت الولايات المتحدة ٣٠٠٠ شجرة كرز عام ١٩١٢، تلك الشجرة المرتبطة بأعياد الربيع "هانامي" في اليابان منذ أكثر من ألف عام، فهي من أقدم الأعياد التي عرفها الإنسان القديم عندما كان يخرج من كهفه، وقد تصالح مع الطبيعة بعد فصل شتاء أعاقه عن الرعي والصيد، ورغم أنّ المصريين احتفلوا بعيد الربيع منذ أكثر من خمسة آلاف عامٍ، إلا أنّ المصري المعاصر لم يعرف احتفالات عيد الربيع إلا في بدايات القرن الماضي، فبدأت بين أهل المدينة أول الأمر، فلم يكن أهل الريف يشعرون به وقلّما يعرفون تاريخاً له، لكنه أصبح الآن من الأعياد الشعبية والرسمية التي يحرص عليها أهل الرّيف.

ومما استعاره الشرق من الغرب احتفالات "الجمعة البيضاء"، أو "الجمعة السوداء" الذي عادةً ما تكون في نهاية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) ويعود الاحتفاء بهذا اليوم إلى عام ١٨٦٩ عندما تعرّضت الولايات المتحدة لأزمة مالية وحالة من الكساد التجاري تسببت في كارثة اقتصادية كُبرى دفعت السّوق إلى اتخاذ عدة إجراءات لمواجهة تلك الكارثة، منها تخفيضات كبرى على السلع والمنتجات لبيعها بدلاً من كسادها، ومنذ ذلك الوقت أصبح تقليداً سنوياً تقوم به كبرى المتاجر والوكالات، وبات يوم العروض والخصومات الكبيرة هو اليوم الأفضل لشراء هدايا عيد الميلاد، وسرّ وصْف هذا اليوم باللون الأسود ليس ناتجاً عن الكراهية أو التشاؤم، وإنما لحالة التجمهر والاختناقات المرورية والزحام الشديد أمام المحلات منذ فجر هذا اليوم، ما دفع شرطة مدينة فيلاديلفيا عام ١٩٦٠ إلى إطلاق اسم "الجمعة السوداء" "black Friday" عليه لأول مرة، غير أنّ موقع "أمازون" عام ٢٠١٤ في نسخته العربية أطلق عليها يوم "الجمعة البيضاء" بدلاً من السوداء وتبعته مواقع التسوق الإلكتروني العربية، لِما يحمله يوم الجمعة من خصوصية دينية لدى أغلبية العرب من المسلمين، أخيراً "الجمعة البيضاء" من الأعياد التي يفرضها "السّوق"، ينشط على مدى الأربع وعشرين ساعة "الكونية" حيثُ لا تمييز بين ليل ونهار أو بين نوم ويقظة، فلا تُوقف الحدودُ الجغرافية شركاته العابرة للقارات ولا متاجره الإلكترونية.


هوامش:
(1) دوريش مصطفى الفار في جريدة الدوحة العدد رقم "٩" ١ سبتمبر ١٩٧٩.
(2) العيد في معجم اللغة هو "الذكرى التي تعود (تتكرر) من همٍّ أو مرضٍ، أَو شُوقٍ أو نحوه"، ثم خُصّصت كلمة "العيد" في الذكرى السعيدة التي يتكرر ذكرها.

للمشاركة:

العراقيون ثائرون: إبرة واحدة تخيط ثوب العرس والكفن

2019-12-05

كان رئيس الوزراء العراقي، المخلوع شعبياً، عادل عبد المهدي، ومعه زمرة السياسيين وحزب المعممين، ممتلئين بتوقع أنّ الإعصار الشعبي العراقي، يمكن بقليل من الوقت والذكاء السياسي أن يتحول إلى زوبعة في فنجان، فأمسك العصا من طرف واحد، وظلّ الشعب العراقي بأجمعه، بسنّته وشيعته، ليس أحسن حالاً ممن يرمِّق العيش على برص.

حاولت زمرة السياسة العراقية الفاشلة أن تعيد إنتاج نفسها عبر إعلانات أخلاقية مباشرة، لكنّ هذه الزمرة نسيت أنّ أرذل أنواع الأوغاد يمكنهم - كما قال غوستاف لوبون - أن يتحلوا بمبادئ أخلاقية صارمة حين يحاولوا أن ينخرطوا في الجمهور، وحاولوا مراراً تشويه العراقيين، وتشويه احتجاجاتهم، كما حاولت إيران أيضاً أن تعبث بصفو الثورة ونقائها، ووصم الثوار الجياع، والغاضبين على بلدهم العراق العظيم، بأنّهم متآمرون ومارقون وسارقون.
لكنهم نسوا أو تناسوا أنّ الشعب الذي امتلأت رئتاه بهواء فاسد، أنتجته آلة الفساد الحكومي طيلة سنوات صعبة ومرّة، وهو يحاول أن ينهض ويقاوم، لا يمكنه أن يسرق وهو يحتج على السارقين، أو يخون وهو ينتفض ضد الخونة، أو أن يكون لصاً وهو يقاوم اللصوص، ولن يكون وغداً وهو قد رأى الأوغاد يصادرون حاضره ويقامرون بمستقبله.

الجوع كافر حقاً، يستطيع أن يكفر بالسياسة والسياسيين، ويكفر بأصحاب العمائم، ويطاردهم في شوارع النجف وكربلاء وبغداد

يعرف العراقيون المثقفون بالفطرة، أنّ الجمهور الثائر في الثورة الفرنسية الثانية عام 1848، حين اقتحم قصر التويلري وأسس الحكم الدستوري والجمهورية الثانية، لم يسرق أي تحفة ثمينة من تحفه، وكانت واحدة منها كافية لإطعامه أياماً عدة، ولم يخن ولم يتآمر؛ فالشعب حين ينتفض لكرامته وقوت يومه وطعام أطفاله ومستقبل أبنائه، لا يمكن أن يسطو أو يسرق، القياس بالفرنسيين ليس ترفاً؛ لأنّ الشعوب واحدة في رفضها للظلم والجوع وهدر الكرامة.
كاد العراق أن يسقط فريسة في أيدي التجار وسماسرة الدم، أو أنّه سقط فعلاً وتحديداً لما قبل هذه الثورة الحادة التي عرفت من أين تبدأ طريقها. والسياسيون والحكوميون الذين راهنوا على الثورة وعدم قدرة الثوار على الصمود لوقت أطول، باعتبار أنّ الوقت أقوى المحاربين ضد الناس العاديين، أخطأوا بلا شك، ويخطئون أكثر إذا ضلوا على قناعتهم أنّهم يستطيعون بأسنانهم الحادة أن "يقضموا كل شيء، حتى أرجل الناس الذين يمشون في الشوارع غاضبين".

اقرأ أيضاً: هل يسمّي قاسم سليماني رئيسَ الوزراء العراقي الجديد؟
"الطفران غلب السلطان"، تلك حكاية مستمرة للتاريخ وللشعوب المظلومة وللناس المغلوبين على أمرهم؛ فالجوع كافر حقاً، يستطيع أن يكفر بكل شيء، كأن يكفر مثلاً بالسياسة والسياسيين ورموز الدولة الحكوميين، وأن يكفر بأصحاب العمائم، ويطاردهم في شوارع النجف وكربلاء وبغداد، وأن يكفر بالطوائف والطائفية والطائفيين والعنصريين.
قدّم العراق درساً مهماً وقاسياً، ليس للعراقيين وحدهم، بل لكل الشعوب التي تعيش الفقر والحرمان وغياب العدالة والطائفية البغيضة، وسياسات الفشل، والنخب الملوثة بفقدان المروءة، درساً بليغاً أنّ الشعب الذي احتمل كل ذلك وصبر على أمل وألم، يمكنه أن يحتج ويغضب وينتصر، فإنّ "إبرة واحدة فقط تخيط ثوب العرس والكفن".

اقرأ أيضاً: نصر الله ومشروع العراق الحلوب
"الحكومات، كل الحكومات تقريباً، بطبيعتها ليس لها ضمير، وأحياناً يكون لها سياسة"، هكذا يقول ألبير كامو في كتابه "الإنسان المتمرد"، لكن أن تكون بلا ضمير وبلا سياسة سوى سياسة التجويع والتركيع والتخويف، فهذا ما لم يقله أو يعترف به لا عادل عبد المهدي ولا إياد علاوي ولا سواهما، وبالمناسبة، يقول إياد علاوي إنه سُجن مع عادل عبد المهدي قُبيل انقلاب عام 1963، بسبب أنّهما كانا يتزعمان مظاهرة في جامعة بغداد، وفي يوم الانقلاب خرجا من السجن معاً على ظهر دبابة، هذا ما قاله في أحد الحوارات معه، الموضوع لا يُراد منه التأويل، فقط هي حادثة تُذكر، في سياق الحديث عما فعله هؤلاء بالعراق منذ أن خرجا من السجن على ظهر دبابة.

نسيت الزمرة السياسية الفاسدة أنّ الشعب الذي امتلأت رئتاه بهواء فاسد، أنتجته آلة الفساد الحكومي وهو يحاول أن ينهض ويقاوم

حادثة أخرى - على سبيل المثال - فعادل عبد المهدي والده هو الوزير عبد المهدي المنتفكي، كان وزيراً للمعارف في حكومة جعفر العسكري عام  1926، وفي عهده حدثت أولى الفتن الطائفية في العراق وهي قضية "أنيس النصولي" المدرس السوري المعار إلى العراق، وصاحب كتاب "الدولة الأموية في الشام"، الذي أثار الضجة الطائفية الأولى، والتي لم تُحلّ إلا بتدخل الملك فيصل الأول، فقد اعتبر وجهاء الشِّيعة أنّ الكتاب ضد الطائفة الشِّيعة؛ لأنه يمتدح دولة بني أمية، أما إياد علاوي، فاعترف بأنّه تعاون مع أكثر من أربعة عشر من أجهزة الاستخبارات الدولية لتحقيق أهدافه السياسية، وهو أول رئيس وزراء في عام 2004، والتي جاءت بعد حكم الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر.

هذا ما يذكره الباحث العراقي علاء اللامي، متسائلاً أيضاً: "هل هي المصادفة التي جعلت عادل عبد المهدي وأحمد الجلبي وإياد علاوي كنعان مكية، التي جعلت هؤلاء جميعاً يتخرجون من كلية بغداد  (Baghdad College، تختصر إلى BC)  التي تأسست عام 1931م على يد الآباء اليسوعيين الأمريكيين، وأُغلقت بعد أن اتُهمت من قبل الحكومة العراقية بأنّها وكر للتجسس سنة 1972"، ذلك أيضاً حديث آخر؛ فالعراقيون لم يثوروا على هؤلاء إلا لأنهم يعرفونهم جيداً، تاريخاً وحاضراً.
هؤلاء الذين ولغوا في الصحن العراقي النظيف حتى سمّموه بلعابهم، الذين نصبوا أنفسهم سلاطين العراق الجدد، هؤلاء هم الذين يغلبهم الطفران اليوم.

للمشاركة:

المصالحة السعودية الإيرانية.. هل هو سيناريو واقعي؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-12-04

بعد إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، خلال زيارته قبل أكثر من شهر إلى طهران، عن مسعى ليس لخفض التوتر بين السعودية وإيران فحسب، بل للوصول إلى مصالحة بين الجانبين تنهي التوتر الذي تشهده المنطقة والإقليم، جاء إعلان وزير خارجية سلطنة عُمان عن مبادرة مماثلة، تؤكد أنّ هناك ما يجري خلف "الكواليس" مهّد الأرضية للإعلان عن المبادرتين؛ الباكستانية والعُمانية، خاصة وأنّه تم الإعلان عنهما من طهران، وليس من عواصم إقليمية أو عربية في المنطقة، وهو ما يرجح معه أنّ القيادة الإيرانية في حالة إدراك لحجم المخاطر المحدقة بها، داخلياً وخارجياً، رغم مزاعمها المتكررة بأنّها هي التي تتلقى الرسائل من أمريكا والسعودية للمصالحة، في خطاب موجّه للداخل الإيراني، ثبت أنّه خطاب عقيم.

وبمعزل اليوم عن الجهة التي تبادر في طرح المصالحة، فإنّ من غير الواقعي الحديث عن هذه المصالحة دون الإشارة إلى تزامنها مع مصالحة أخرى بين قطر وكل من السعودية والإمارات، تتجاوز الأسباب الرياضية التي تم الحديث عنها على خلفية مشاركة الدولة في قمة كأس الخليج الكروية بالسعودية، كما لا يمكن تجاوز حقيقة أنّ السعودية تؤكد أنّها لا تتطلع لخوض حروب مع إيران، وأنّها لا تنظر لإيران إلا بوصفها دولة إقليمية، ولكن لا يمكن القبول بتدخلاتها الإقليمية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بما في ذلك صياغتها للصراع في المنطقة على أسس مذهبية، أسهمت بإنتاج  التطرف والإرهاب.

تدرك القيادة الإيرانية أنّها بوضع لا تحسد عليه في ظل الضغوط التي تتعرض لها جراء العقوبات الأمريكية

فكرة الشروع بحوار سعودي- إيراني، ورغم ما يظهر على السطح أنّها مقاربة معقدة مرتبطة بعمق جذور الصراع في المنطقة، وتحديداً اتجاهات السياسة الايرانية، إلا أنّها ستبقى مرتبطة بعدة سياقات، لعل في مقدمتها الموقف الأمريكي من أية تفاهمات سعودية – إيرانية؛ حيث يرتبط هذا الموقف بمحددات لها علاقة مباشرة بإمكانية الشروع بتلك المصالحة أو إعاقتها، أولها؛ الخلاف الإيراني الأمريكي، والذي لم  يصل منذ عام 1979 إلى مرحلة الصدام بين الجانبين، وعلى العكس من ذلك ما زالت مقاربة احتواء إيران قاسماً مشتركاً بين الإدارات الأمريكية "الديمقراطية والجمهورية" بما فيها الإدارة الحالية التي توصف بأنّها الأكثر يمينية، وتكاد تصل إلى تفاهمات عميقة مع القيادة الإيرانية، وثانيها؛ مستقبل اتجاهات السياسات الإيرانية الخاصة بالموقف من إسرائيل، بوصفها محدداً رئيسياً في السياسة الأمريكية تجاه إيران، خاصة بعد وصول الحرس الثوري الإيراني إلى الحدود الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: عُمان والكويت والإمارات تتحدث عن "فرصة" دبلوماسية مع إيران.. ما سياقها؟
تطورات العلاقة بين أمريكا وإيران، خاصة مع الإدارة الحالية، وعنوانها عدم الحسم والذهاب باتجاه بناء تفاهمات إستراتيجية معها، وإضعافها عبر العقوبات الاقتصادية، وسقوط خيار إسقاط النظام الإيراني، جميعها عوامل، ربما تشكل دافعاً للسعودية للشروع ببناء تفاهمات مع إيران، يرجح أن تكون بتنسيق مع أمريكا، أو عبر قنوات سرية، وربما يكون ذلك مبرراً، في ظل ما تقوم به السعودية من تنويع علاقاتها بما فيها العسكرية والتسليحية، وإنجاز عقود تسليح بمليارات الدولارات مع روسيا والصين.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني يواجه أخطر أزمة في تاريخه
ورغم تباين مستوى الحملات الإعلامية المتبادلة بين إيران والسعودية، ارتفاعاً وانخفاضاً، ووفقاً لخدمة تطورات الصراع بين الجانبين، إلا أنّ الملاحظ انخفاض مستوى الهجوم المتبادل بين الجانبين، والإشارات المتواترة حول إمكانية الوصول إلى حل سياسي في اليمن، بالتزامن مع تهدئة واتفاقات بين دولة الإمارات، حليفة السعودية الأقرب، تم إنجازها مع القيادة الإيرانية، بما فيها اتفاقات تعاون وحسن جوار، يرجّح أنّها لم تكن بعيدة عن اطلاع السعودية على تفاصيلها.

رغم تباين مستوى الحملات الإعلامية المتبادلة بين إيران والسعودية، ارتفاعاً وانخفاضاً، إلا أنّ الملاحظ انخفاض مستوى الهجوم المتبادل بين الجانبين

من جانبها، تدرك القيادة الإيرانية، أنّها بوضع لا تحسد عليه في ظل الضغوط التي تتعرض لها جراء العقوبات الأمريكية، بعد انسحابها من الاتفاق النووي، والتي أنتجت انتفاضة شعبية في إيران، لا يُستبعد أن تتجدد مع الإعلان عن موازنة الدولة في آذار (مارس) المقبل، بالإضافة للثورات التي يشهدها العراق ولبنان، ضد الوجود والتدخل الإيراني، وانخفاض مستوى التأثير الإيراني في الملف السوري، بتعاون أمريكي – روسي، عنوانه الضربات المتكررة للوجود العسكري الإيراني في سوريا والذي تنفذه إسرائيل، وإجراءات "حلحلة" الملف السوري، بما فيها اللجنة الدستورية، وبمخرجات مؤكد أنّها لن تكون في صالح المشروع الإيراني برمّته، ومن هنا يرجّح أنّ تلك الأسباب كانت مرجعية المبادرة الإيرانية لإنجاز اتفاق لللأمن الإقليمي مع دول الخليج العربي.

اقرأ أيضاً: حزب الله يستجدي الخارج لحماية سلطة الفساد
ما يجري اليوم يشير إلى أنّ هناك حراكاً يستبدل مقاربة الحرب بمقاربة السلام في المنطقة، ربما تحتاج إيران لهذا السلام أكثر من غيرها، في ظل الثورات القائمة ضدها داخل إيران وخارجها، ولكن لا يمكن التعويل على هذا الحراك، وبناء رهانات إيجابية، يتم معها الذهاب باتجاه أنّ هناك انفراجات كبيرة محتملة بالملف الإيراني، ما لم تقْدم إيران على خطوات تبدد المخاوف والشكوك الدولية لدى جيرانها ولدى القوى الدولية بخصوص ملفها النووي وبرنامجها الصاروخي وتدخلاتها في الإقليم.
وفي تقديرنا أنّ إيران ما زالت تملك فائضاً من القوة يمكنها من الصمود، رغم مظاهر ودلائل الضعف والتراجع، وخاصة القوة العسكرية والمالية لدى المرشد الأعلى، خامنئي، وأدواته وفي مقدمتها "الحرس الثوري".

للمشاركة:



الاحتجاجات العراقية مستمرة.. آخر تطوراتها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

توافد آلاف المتظاهرين إلى ساحة التحرير وسط بغداد، الخميس، وشارك في التظاهرات عدد من مناصري الحشد الشعبي، رافعين شعارات مؤيدة للمرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني.

وذكرت مصادر من ساحة التحرير نقلت عنهم "العربية"؛ أنّ التظاهرة خرجت بحجة دعمها للاحتجاجات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة للعراقيين، وقطع الطريق على "المخربين"، مبدية تخوفها من إمكانية حصول أيّة احتكاكات أو صدامات، ما قد يشكل خطراً على المتظاهرين الذين ما يزالون منذ أكثر من شهر في ساحات بغداد.

التظاهرات في بغداد تستمر، بمشاركة عدد من مناصري الحشد الشعبي الذين رفعوا شعارات مؤيدة للسيستاني

هذا واستمرت أيضاً التظاهرات في المحافظة الجنوبية، وسط دعوات لعدم وقفها حتى تحقيق المطالب.

ونقلت وكالات أنباء محلية؛ أنّه تمّ فتح جميع الجسور في الناصرية (مركز المحافظة) باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً، حداداً على أرواح القتلى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات.

من جهته، أكّد قائد عمليات الرافدين، اللواء جبار الطائي، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء العراقية؛ أنّ الوضع الأمني في ذي قار مستتب والدوائر الرسمية والمؤسسات ستشهد عودة الدوام الرسمي.

فتح جميع الجسور في الناصرية باستثناء جسر الزيتون الذي سيغلق مدة أربعين يوماً حداداً على أرواح قتلى الاحتجاجات

كما شدّد على أنّ جميع الدوائر الرسمية تحت حماية قوات الأمن في الوقت الحالي، مضيفاً أنّ "هناك تعاوناً كبيراً مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي".

وكانت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، قد شهدت، الأسبوع الماضي، احتجاجات دامية أدّت إلى مقتل العشرات، ما أثار غضب الأهالي والمحتجين؛ حيث عمد بعضهم خلال الأيام الماضية إلى مهاجمة مركز الشرطة، قبل أن تتدخل بعض الوساطات العشائرية والمدنية بهدف تهدئة الأوضاع.

وأعلنت نقابة المحامين في المحافظة بوقت سابق رفع 200 دعوى قضائية ضد رئيس خلية الأزمة في محافظة ذي قار، الفريق جميل الشمري، من قبل ذوي الضحايا في المحافظة.

 وفي وقت سابق؛ أصدر القضاء مذكرة قبض بحق الفريق جميل الشمري، رئيس خلية الأزمة في ذي قار، المبتعث من قبل رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي.

يذكر أنّه في 27 و28 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، شهدت الناصرية أحداثاً دامية أدّت إلى مقتل 32 محتجاً.

مفوضية حقوق الإنسان تعلن ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح

وعقب ذلك؛ أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق، تشكيل لجنة للتحقيق في تلك الأحداث، وقال المتحدث باسم المجلس، عبد الستار بيرقدار، في بيان مقتضب في حينه: إنّ "مجلس القضاء الأعلى شكّل هيئة تحقيق مكونة من ثلاثة من نواب رئيس محكمة استئناف ذي قار، للتحقيق العاجل في عمليات قتل المتظاهرين خلال اليومين الماضيين".

ويشار إلى أنّ مفوضية حقوق الإنسان في العراق أعلنت، أمس، ارتفاع حصيلة ضحايا الاحتجاجات خلال الشهرين الماضيين إلى 460 قتيلاً وأكثر من 17 ألف جريح.

ويشهد العراق، منذ الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات حاشدة ومتواصلة في بغداد، والمحافظات الجنوبية، مطالبة برحيل النخبة السياسية المتهمة بالفساد وهدر أموال الدولة، والتي تحكم البلاد منذ إسقاط نظام صدام حسين، عام 2003.

 

للمشاركة:

إجراءات قطرية جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

اتخذت دولة قطر مؤخراً حزمة من الإجراءات، في محاولة لتجاوز الأزمة التي تخيم على اقتصادها، بسبب مقاطعة الدول الرباعية.

وقال مصدر مطلع، اليوم: إنّ قطر حددت بأثر رجعي سعر البيع الرسمي لخامها البحري، لشهر تشرين الثاني (نوفمبر)، عند 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق، وفق "رويترز".

 

 

وكانت قد ارتفعت أسعار التأمين البحري على البضائع وأجسام السفن بنسب تتراوح بين 50 و500%، خلال الربع الثاني من العام الجاري، بعد عمليات الاستهداف التي طالت أكثر من ناقلة في المنطقة خلال الفترة الماضية، واستمرار التهديدات الإيرانية باستهداف ناقلات النفط ومنع تصديره عبر الخليج العربي ومضيق هرمز.

هذا وتشهد قطر، هبوطاً ملموساً في مختلف القطاعات المؤلفة للاقتصاد المحلي، وسط شحّ في وفرة السيولة، خصوصاً في النقد الأجنبي في السوق والقطاع المصرفي.

قطر تحدّد سعر البيع الرسمي لخامها البحري بــ 65.95 دولار للبرميل، بارتفاع 3.15 دولار عن الشهر السابق

وتواجه دولة قطر أزمة اقتصادية خانقة جراء المقاطعة الرباعية؛ إذ تأثرت جميع القطاعات الحيوية في البلاد، وأدّت إلى هبوط كبير في أحجام أنشطة القطاعات التي تدر دخلاً بالعملات الأجنبية، مثل: الطيران المدني، والسياحة، والتصدير، إلى جانب تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر الوافد إلى قطر، نظراً إلى تخوف المستثمرين من ظروف عدم الاستقرار التي قد تتعرض لها في ظلّ الأزمة، الأمر الذي فاقم الدين العام ليقفز إلى 91.7 مليار دولار، بنهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ورفع الدين الخارجي لقطر خلال عام 2018، بنسبة 37% على أساس سنوي؛ إذ سجّل ما يعادل 43.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 31.6 مليار دولار في 2017، بحسب بيان صادر عن مصرف قطر المركزي.

ورغم شحّ السيولة؛ فإنّ قطر واصلت استنزاف الأموال من السوق المحلية، وضخّها في سوق السندات الأمريكية، في محاولة لشراء المواقف الدولية.

 

 

للمشاركة:

القوات اليمنية تصدّ هجمات حوثية وتكبّدهم خسائر كبيرة..تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

قتل عشرات، وجرح آخرون، من ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته الميليشيات على مدينة حيس، وآخر في الجبلية بالتحيتا جنوب محافظة الحديدة.

وذكرت المصادر الميدانية في مدينة حيس، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ مليشيات الحوثي تركت جثث عشرات القتلى من مسلحيها الذين هاجموا مواقع القوات المشتركة شرق وشمال مدينة حيس.

وهرب مشرفو الميليشيات تاركين جثث قتلاهم المهاجمين بالقرب من مواقع القوات المشتركة.

مقتل وإصابة العشرات من ميليشيات الحوثي خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم شنته على مدينة حيس والحديدة

وتصدّت القوات المشتركة لهجمات ميليشيات الحوثي على مواقعها شرق وشمال مدينة حيس، بالتزامن مع تصدّيها لهجوم آخر شنته المليشيات على مواقع القوات في منطقة الجبلية جنوب مديرية التحيتا.

وأضافت المصادر العسكرية؛ أنّ القوات المشتركة كبّدت ميليشيات الحوثي خسائر فادحة في العتاد والأرواح، خلال عملية التصدي للهجمات التي شنّتها المليشيات على تواصل مع التصعيد العسكري المستمر.

هذا وتحاصر القوات اليمنية الموالية للشرعية في محافظة الحديدة مليشيات الحوثي الانقلابية، بدعم من التحالف العربي بقيادة الممكلة العربية السعودية، منذ أواخر حزيران (يونيو).

ومن اليمن أيضاً؛ قالت مصادر محلية في صنعاء إنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية قامت بتوجيه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة، تسمى (مرشدات)، حيث تخضع المستهدفات بعد تعبئة استمارة لبرنامج تدريبي بدني وعسكري قاسِ .

ميليشيات الحوثي الانقلابية توجّه معلمات مواليات لها لتجنيد طالبات المدارس في مجموعة خاصة

وأكدت المصادر أنّ ميليشيات الحوثي الانقلابية لجأت مؤخراً إلى تجنيد الطالبات في بعض مدارس أمانة العاصمة، وذلك من خلال توجيه تلقته المعلمات في المدارس .

هذا وتخضع الطالبات لتدريب عسكري شاقّ، ولفتت المصادر أيضاً إلى أنّ التسجيل يجري علناً داخل الفصول الدراسية في مدرسة القديمي، الواقعة في حي الجراف، وذلك بإشراف معلمة من مليشيات الانقلاب، تدعى "أمة الإله عبد الملك شرف الدين"؛ حيث تقوم هذه المعلمة بتدريب الطالبات عسكرياً، وتشرف على عمليات التجنيد في المدرسة.

 

للمشاركة:



ما هي أفضل الدول في مجال التعليم على مستوى العالم؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

غالبا ما نطرح على أنفسنا هذا السؤال: ما هي الدولة صاحبة أفضل نظام تعليمي على مستوى العالم؟

لكن ربما تخلو أي إجابة محددة عن ذلك السؤال من الموضوعية، مما قد يجعل "برنامج التقييم الدولي للطلاب" (بي آي إس إيه) مؤشرا جيدا ربما يفيد في التوصل إلى الإجابة المطلوبة.

ويتكون هذا المؤشر من سلسلة من الاختبارات الدولية التي وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويخضع لتلك الاختبارات، منذ إطلاق البرنامج في عام 2000، طلاب في سن الخامسة عشرة، كل ثلاث سنوات.

وكشفت المنظمة نتائج الاختبارات الأحدث من هذا النوع، التي أُجريت في 2018، والتي أشارت إلى أن الطلاب الصينيين يظهرون أداء فائقا يتجاوز أداء جميع الطلاب من الدول الأخرى في القراءة، والرياضيات، والعلوم.

أرقام قياسية
شاركت 79 دولة وإقليم في هذه الاختبارات، مما يُعد رقما قياسيا. وبلغ عدد عينة الطلاب المشاركين 600 ألف طالب العام الماضي.

وتتكون منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من 37 دولة، أغلبها دول متقدمة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، ودول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

لكن عدد الدول التي تريد التعرف على مدى ملائمة طلابها للمعايير الدولية في مجال التعليم يتزايد في الفترة الأخيرة.

وأصبحت هذه الاختبارات، التي تصنف الدول حسب متوسط درجات الطلاب في كل دولة، من أدوات القياس المؤثرة في معايير التعليم الدولي، إذ توفر منظورا مختلفا مقارنة بالاختبارات المحلية.

ويدخل الطلاب تحديات حقيقية أثناء هذه الاختبارات، والتي قد تكون في شكل أسئلة تتناول اتخاذ القرارات المالية السليمة، وتحقيق الاستفادة المثلى من المعلومات.

وعلى سبيل المثال، كان هناك سؤال في اختبارات 2018 يقيس مهارات القراءة، مبني على أساس حوار متخيل على أحد منتديات الإنترنت، وفيه يتساءل صاحب مزرعة دواجن عما إذا كان تناول دجاجه للأسبرين آمنا أم لا.

سيطرة أسيوية
كانت الصين هي صاحبة التصنيف الأعلى في ثلاث من الجولات الأربع الأخيرة في هذه الاختبارات الدولية، لكن كان هناك تحفظ بأن مشاركة الصين كانت مقتصرة على مناطق معينة في البلاد.

واستخدمت السلطات الصينية نتائج الاختبار الخاصة بطلاب منطقة شنغهاي فقط في عامي 2009 و2012. كما استخدمت الصين نتائج الاختبارات التي دخلها الطلاب في أربعة ولايات فقط في عامي 2015 و2018.

وقال أندريا شلايشر، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "في هذه المناطق، أظهر الطلاب الأكثر معاناة من الحرمان الاجتماعي أداء أفضل في القراءة مقارنة بالطلاب العاديين في المناطق التابعة للمنظمة".

وكانت فنلندا هي الدولة صاحبة الأداء الأفضل في النسخ الثلاث الأولى من اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب في أعوام 2000، و2003، و2006، بينما احتلت سنغافورة الصدارة في اختبارات 2015.

وتتصدر دول آسيوية المراكز الأولى في اختبارات هذا البرنامج، وفقا لحساب جميع الدرجات. ويشير التصنيف الحالي إلى أن دولا آسيوية تحتل المراكز الأربعة الأولى في نتائج تلك الاختبارات بينما تعتبر استونيا الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تصعد إلى المراكز المتقدمة.

وألقت النتائج التي توصلت إليها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مخاوف حيال "الجاهزية للعالم الرقمي".

ووفقا لشلايشر، أظهرت نتائج اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب الأخيرة أن عشرة في المئة فقط من الطلاب المشاركين في الاختبارات من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمكنوا من التمييز بين الحقائق والآراء الشخصية، أثناء قراءة موضوعات غير مألوفة.

رغم ذلك، أشارت النتائج إلى أن الفجوة التعليمية بين الدول المتقدمة والدول النامية ليست كبيرة كما يعتقد البعض.

وأضاف مدير التعليم في المنظمة: "عندما أجرينا مقارنة بين الدول التي حصلت على نفس الدرجات في اختبارات برنامج التقييم الدولي للطلاب، اكتشفنا أن هناك فجوة واسعة في مستويات الدخل في تلك الدول."

كما كشفت النتائج عن وجود فوارق كبيرة بين أداء النساء والرجال، إذ ثبت أن الفتيات يتفوقن في الأداء على الفتيان في القراءة، ويظهرن تقدما هامشيا عليهم في العلوم (بمقدار نقطتين في المتوسط)، بينما أثبت الفتيان تفوقا على الفتيات في اختبارات الرياضيات ( بنحو خمس نقاط).

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

الإيرانيون كسروا "حاجز الخوف" بمظاهراتهم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-05

هدى الحسيني

أهم ما تركته المظاهرات في إيران أنها أبلغت القيادة بأن حاجز الخوف قد تم كسره. بدأت المظاهرات المتقطعة أولاً في العراق، ثم امتدت إلى لبنان، وأدت إلى استقالة رئيسي وزراء البلدين، ثم وصلت إلى شوارع طهران بقوة كبيرة.
وكان قرار اتخذته 3 بلديات منذ نحو 3 أسابيع برفع سعر لتر البنزين بمقدار 5 آلاف ريال، وإدخال نظام الحصص الشهرية المخفضة للوقود، أخرج عشرات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع، وتحولت المظاهرات العامة الأصيلة والعفوية والتي بدأت بوصفها احتجاجاً مالياً، على الفور إلى معارضة للنظام الذي يستثمر أموال الإيرانيين لترسيخ نفوذه الإقليمي على حساب مواطنيه. في الأسبوع الماضي تعمد «حزب الله» في لبنان نشر فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي وأعضاؤه يعدّون ملايين الدولارات التي وصلت إلى الحزب من إيران (تقدر بـ75 مليوناً)، كما نشر الحزب شريطاً لأحد أعضائه يقود سيارة وفي داخلها رزم ضخمة من الدولارات وعلى واجهة السيارة صورة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، ويستمع إلى أغنية عراقية تمجّد إيران. وكان الأمين العام للحزب قال في إحدى خطبه إن أزمة الدولار التي تعصف بلبنان لن تطال مقاتليه، فإيران هي البنك الذي لا ينضب، وبالتالي لن يعاني الحزب من أي ضائقة. وليس غريباً أن يكون الشعار الأكثر شيوعاً في المظاهرات الإيرانية: «الموت للديكتاتور»، وهذا زاد من قلق النظام إلى حد كبير.
بدأت المظاهرات في عشرات المدن على امتداد جميع أنحاء إيران، بما في ذلك المدن الرئيسية: طهران، وشيراز، وأصفهان. كان سلاح المتظاهرين الشعور بالإحباط من الاحتجاجات الفاشلة سابقاً، لذلك هاجموا قوات الأمن وأغلقوا الطرقات وأضرموا النار في مئات محطات الوقود والمصارف وقواعد «الباسيج» والكليات الدينية، وأحرقوا صوراً لكبار مسؤولي النظام. لقد أدى اليأس والإحباط والكراهية العميقة تجاه النظام التي عبر عنها الإيرانيون، إلى تغذية الاحتجاجات وزيادة حجمها. ووفقاً لوكالات أنباء عدة؛ شارك نحو 100 ألف شخص في المظاهرات، ومع هذا تجاوز مستوى العنف والمعدل الذي انتشرت به الاحتجاجات، ذلك الذي قوبلت به مظاهرات عام 2018، مما جعلها أكثر المظاهرات الاحتجاجية انتشاراً وأهمية منذ عام 2009. يبدو من هذا أنه كلما أصبح الشعب الإيراني أكثر استعداداً لتنفيذ انقلاب، زاد التطرف في التدابير التي يتخذها النظام لقمع الاحتجاجات والمظاهرات بأي ثمن. وكلما استعرت المظاهرات؛ كان قادة النظام يحاولون استرضاء الشعب. ومع ذلك؛ فإن الإجراءات تتحدث بصوت أعلى من الكلمات. وكعادة الأنظمة الديكتاتورية التي تدّعي أنها لا ترى ما يجري في الشارع، أعلن الرئيس حسن روحاني أن الأمة الإيرانية تمكنت من التغلب على تحدي الاحتجاج، وسارع متحدث باسم الحكومة إلى إبلاغ الإيرانيين بأنه لن تتم الموافقة على زيادة تسعيرة الوقود حتى شهر مارس (آذار) من عام 2020.
في الأيام التي تلت تغيرت النبرة وبدأ زعماء النظام الإدلاء بتصريحات علنية بشأن وحشية الأحداث والخطر التي تشكله على النظام. على أرض الواقع كانت هناك بالفعل تقارير عن ارتفاع أسعار الخبز والحليب في المستقبل القريب، فالوضع الاقتصادي المتدهور في إيران لا يبدو جيداً.
سواء تم فرض تدابير اقتصادية جديدة أم لا، وما إذا كانت المظاهرات تشكل تهديداً حقيقياً للنظام أم لا، فهناك شيء مؤكد تغير في المجتمع الإيراني؛ لقد تم «كسر حاجز الخوف» لدى الإيرانيين، فالجدار الذي كان بمثابة ضبط النفس من تطور الاحتجاجات المدنية حتى الآن، تم هدمه، واستعداد الجمهور الإيراني للاشتباك مع قوات الأمن يعني شيئاً واحداً: لم يعودوا يخافون من الخروج إلى الشوارع.
اتخذ النظام تدابير استثنائية عادة ما تكون مخصصة للأحداث الشديدة، مثل استخدام النيران الحية، وتم نشر كثير من قوات الأمن؛ بما في ذلك قوات «الحرس الثوري» التي تولت القيادة في العمليات إلى جانب القوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي و«الباسيج» ووزارة الداخلية. احتجز النظام 7 آلاف مواطن في جزء من محاولاته لقمع الاحتجاجات، وتأثر كثير من جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك إلغاء الدراسة في المدارس والجامعات، وتأجيل المباريات الرياضية، وإغلاق خطوط المترو، وفرض حظر تجول عام.
كما تم حظر الإنترنت والشبكات الخليوية من أجل جعل تنظيم المتظاهرين بين بعضهم بعضاً أمراً صعباً. كانت هذه محاولة أخيرة من قبل النظام لإخماد نيران المظاهرات ولو على حساب تقويض صورته والتسبب في إضرار بالاقتصاد. حتى بعد ادعاء الدولة أنها أعادت الإنترنت، أبلغ كثير من الإيرانيين عن محدودية الوصول إليه، لا سيما المواقع الإلكترونية والشبكات الخليوية. ورغم أن هذا الإجراء المتطرف قد تعرض لانتقادات شديدة من قبل كثيرين، بما في ذلك احتجاج رسمي من قبل 11 عضواً من أعضاء مجلس الشورى، فإن قرار حظر الإنترنت كان له تأثير حاسم على قمع الاحتجاج في أسبوع واحد فقط، ومع ذلك بقي الجمهور الإيراني يطلق صرخة المعركة. فقد وجدت مقاطع فيديو وصور خاصة للمتظاهرين طريقها إلى العالم، حيث أبلغت العالم بالنطاق الهائل للاحتجاج على النظام والعنف الذي استخدمه النظام لتفريق المتظاهرين. وذكرت منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان مقتل 143 متظاهراً خلال موجة الاحتجاجات، لكن المنظمة لم تكشف عن القتل الجماعي في ماهشهر حيث أحاط «الحرس الثوري» بالمنطقة وقتل ما بين 40 ومائة متظاهر مسالم أغلبهم من الشباب كانوا لجأوا إلى حقل من قصب السكر، وقيل إنهم أضرموا النيران بالجثث.
حاول النظام التخفيف من عدد القتلى، لكن مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى من وزارة الداخلية أكد مقتل 218 شخصاً «إن لم يكن أكثر». ورغم أن الاحتجاجات لم تخرج عن نطاق السيطرة، فإن العدد الكبير من القتلى قد يشير إلى أن قوات الأمن فوجئت بمدى شدة الأحداث وغضب الشارع.
ربما تراجعت موجة الاحتجاج، لكن ينبغي عدم التقليل من أهمية الانتفاضة العامة، من قبل النظام أو الشعب؛ إذ يشير الغضب الذي عبرت عنه الأحداث الأخيرة إلى شعور الجمهور الإيراني المتزايد بالاشمئزاز تجاه النظام، حتى لو حاول الأخير إيجاد حلول ملتوية لتخفيف الشقاء العام، فالحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك حل حقيقي للمعضلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة لتحسين الرفاهية العامة، ما دامت إيران تحت قيادة «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني تواصل محاولة ترسيخ نفوذها في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
رغم أن النظام ربما يكون استوعب الحساسيات الحالية للجمهور استناداً إلى سلوكه على مر السنين، فإنه من المحتمل أن يحاول الحفاظ على صورة قوته من أجل ردع المحتجين حتى عندما يكون وضعه أضعف مما يبدو عليه. هذا سيؤدي إلى خروج الجماهير مجدداً إلى الشوارع والانضمام إلى «حرب الاستنزاف» ضد النظام، وليس من الواضح من سيخرج منتصراً، مع أن الإيرانيين صاروا يدركون ويرددون أنه لن يكون سلام في إيران أو في الشرق الأوسط، إذا لم تتم إطاحة النظام الذي «يحتل بلادهم» بصورة غير شرعية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

عبد القادر الطائيّ: العرب لا يفهمون طبيعة السياسة الأمريكيّة

2019-12-05

أجرى الحوار: خالد بشير


يرى أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة الشرق الأوسط بعمّان، الدكتور عبد القادر الطائيّ؛ أنّ العرب لا يفهمون طبيعة السياسة الأمريكيّة، وأنّ الاهتمام الأمريكيّ تجاه منطقة أو إقليم ما قائم بالأساس على حسابات المصالح، وفي هذا الحوار مع "حفريات" يقدّم الطائيّ تحليلاً للأسس التي تقوم عليها الحسابات الأمريكيّة تجاه منطقة الشرق الأوسط، وعلى أيّ أساس ينشأ ويزداد أو يتراجع اهتمامها بها.

اقرأ أيضاً: ما حلمت به أوروبا من تخريب المعنى يتحقق في أمريكا
حسابات المصالح في المنظور الواقعي الأمريكي تأتي قبل كلّ شيء، هذا ما يوضحه الطائيّ، وفيه يعيد مساءلة وتقييم مقولة الانسحاب والانكفاء الأمريكي من المنطقة، ويشير إلى جوانب أخرى من طبيعة العلاقة الإيرانية الأمريكية لا تظهر عادةً على سطح العلاقة التي يطغى عليها في الفترة الحالية التوتر، ويلفت إلى بعض أسسها والحسابات التي تقوم عليه، مع وقفة على الأسس التي تنطلق منها السياسات الإيرانية والتركية تجاه المنطقة. ويبين الطائيّ أهم العوائق التي تحول دون تحقيق التقارب والتكامل على المستوى العربي. إنه حوار حول تقاطعات السلاح والنفط والاقتصاد في المخططات الإستراتيجيّة إزاء المنطقة.

يذكر أنّ الطائيّ متخصص في العلاقات الدوليّة والإستراتيجية والسياسة الخارجيّة، وله عدة كتب في هذه الاختصاصات، منها: "النظريات الجزئيّة والكليّة في العلاقات الدولية"، و"المدخل إلى دراسة الإستراتيجية"، و"الفكر السياسي والإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكيّة".
هنا نص الحوار:
هل يمكن الحديث عن تراجع وانسحاب وانكفاء أمريكي في المنطقة، مقابل الحديث عن تمدّد صيني اقتصادي، وحضور روسي عسكريّ متزايد؟ وإلى أيّ مدى هذا القول علمي وواقعي أم أنّه مجرد تعبير عن رغبات؟

بدايةً لا بدّ من التطرق إلى سياق دخول الولايات المتحدة الأمريكية وامتداد نفوذها إلى المنطقة، وهنا نشير إلى أنّ دخولها جاء في فترة متأخرة نسبيّاً، إذا ما قارنا ذلك بقوى مثل بريطانيا وفرنسا؛ فبريطانيا مثلاً كانت حاضرة في منطقة الخليج العربي منذ مطلع القرن السابع عشر الميلادي، خلافاً للدخول الأمريكي الذي تأخر إلى القرن العشرين، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن بالمعنى الاستعماري المتعارف عليه، إنّما كان بالمعنى المصلحيّ النفعيّ، وذلك بالتحديد بعد اكتشاف النفط وازدياد أهميته.

الولايات المتحدة لم تنسحب من المنطقة بمعنى الكلمة، إنما كان هناك انتباه جديد إلى مصالح أخرى أكثر أهميّة

في مرحلة الثلاثينيات؛ دخلت أمريكا في صراع مع بريطانيا، ومن الحجج التي كانت تسوقها هو أنّ بريطانيا كانت تملك حصة كبيرة من نفط الخليج فأين حصّة أمريكا من هذا النفط؟ وبعد دخولها، انحصر النفوذ الأمريكي في السعودية، بينما كانت دول الخليج الأخرى تحت النفوذ البريطانيّ، وهنا نلاحظ أنّ تنامي الدور الأمريكي في منطقة الخليج العربيّ لم يبرز إلّا بعد خروج بريطانيا من الخليج عام 1969.
ازداد الاهتمام العالمي بالنفط في مرحلة السبعينيات، بسبب أسعاره الرخيصة آنذاك، وفي تلك المرحلة تضاعفت أهمية منطقة الخليج العربي، حيث إنّ اعتماد أوروبا على النفط القادم من الخليج العربية كان يقدر بنسبة 65%، فيما وصلت نسبة اعتماد اليابان عليه إلى نحو 80%، وهنا جاء العام المفصليّ، عام 1973م، مع وقوع حرب تشرين لأول (أكتوبر)، وقرار "الأوابك" (منظمة الدول العربية المنتجة للنفط) توظيف سلاح النفط في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بغرض دفعها باتجاه الضغط على "إسرائيل" للانسحاب من الأراضي المحتلّة عام 1967، وتطبيق القرار "242"، كما جاء في العام ذاته قرار تأميم النفط العراقي، باعتبار أنّ النفط يمثّل ثروة وطنيّة وقوميّة يمكن توظيفها كسلاح في المعركة لخدمة القضايا القوميّة.

اقرأ أيضاً: "البغدادي"... فكرة تدرك أمريكا أنّها لم تمت
كلّ ذلك ضاعف من الاهتمام الدوليّ، الأمريكيّ خاصّة، بمنطقة الخليج العربي، ولفت انتباههم إلى ظهور العامل النفطيّ، إذا ما استثمر من قبل العرب، وهنا أذكر مقالة لكيسنجر، نشرت عام 1975 في مجلة "نيويورك تايمز"، قال فيها ما معناه ينبغي على دول الغرب ألا تسمح بتكرار تجربة العام 1973، وألا يسمحوا للعرب بأن يمسكوا بعنق الغرب الصناعي؛ ويقصد بذلك ألا يسمحوا للعرب باستخدام نفطهم ضدّ الغرب الصناعيّ.

الإعلان عن عدم توفر الوقود "الولايات المتحدة".. إثر القرار العربي بحظر تصدير النفط عام 1973

إذاً، هل يمكن القول إنّ الاهتمام الأمريكي بالمنطقة كان منحصراً بمسألة النفط؟
بالتأكيد لم يكن منحصراً بالنفط، وإن كان النفط يأتي في مقدمة العناصر؛ جانب أساسي من الاهتمام كان متعلقاً بالبعد الإستراتيجي؛ حيث إنّ حضور النفوذ الأمريكي كان ضرورياً لمواجهة الاتحاد السوفييتي، في إطار الصراع الأيديولوجي العالمي بين القطبين، الذي برز على السطح بعد الحرب العالمية الثانية؛ إيران مثلاً كانت تعدّ دولة تماسّ مع الاتحاد السوفييتي، وكان الاتحاد السوفييتي ينظر لها باعتبارها المعبر والمنفذ المحتمل إلى الخليج العربي، وكان من غير الممكن للولايات المتحدة أن تفرط بعلاقاتها الإستراتيجيّة معها.

اقرأ أيضاً: إيران تحتجّ على تدخلات أمريكا بشأن الاحتجاجات
وقد حاول السوفييت استغلال صعود التطلعات القوميّة والاستقلاليّة في المنطقة، وإقامة العلاقات معها لتكون جسراً لنفوذهم، في المقابل كانت الإستراتيجية الأمريكيّة في المنطقة آنذاك ترتكز على ما أسمته "العمودين"، وكان يطلق عليها اسم "إستراتيجيّة العمودين"، ومضمونها التحالف الإستراتيجي مع السعودية وإيران.

القوة العسكرية أصبحت عامل هيبة أكثر مما هي أداة من أدوات التغيير والفعل في السياسة الخارجية

ومع دخول عقد السبعينيات حسمت مسألة صراع النفوذ في المنطقة ضمناً، وأصبحت واحدة من المناطق غير القابلة لتمدّد الاتحاد السوفييتي فيها، وهنا جاء مبدأ الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، إثر التدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979، والذي أشار بشكل واضح إلى أنّ منطقة الخليج العربي خطّ أحمر، وإذا تدخلت أيّة قوة فإنّ الولايات المتحدة ستستخدم كلّ ما لديها من قوة للمواجهة.
ما أُريد قوله هو أنّ الإستراتيجيّة الأمريكيّة تنظر إلى منطقة الخليج العربي من منظورين؛ الأول النفط، والثاني الالتزام بمبدأ حماية الحلفاء، ولكن لكلّ منهما مقتضياته التي تحتّم على الولايات المتحدة التدخّل بالقوّة لحماية مصالحها ومصالح حلفائها، إن اقتضت الضرورة، وأركّز هنا على كلمة "إن اقتضت الضرورة".

جون كينيدي وزوجته في استقبال الشاه محمد رضا وزوجته عام 1962

بالحديث عن العلاقة الأمريكية مع إيران؛ إلى أيّ حدّ اختلفت العلاقة بعد ثورة 1979؟ وهل انتقلت إلى مرحلة القطيعة؟
لا أوافق على توصيف العلاقة بينهما بـ "القطيعة"؛ إذا نظرنا إلى مرحلة الحرب العراقية الإيرانية، خلال الثمانينيات، نجد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت تنتظر من الذي سيخرج منتصراً من الحرب، ولم تبدِ انحيازاً لأيّ من الطرفين، لم تقرّر الانحياز إلى الجانب العراقي، وترجيح كفّته بما يؤدي إلى انهيار نظام الحكم في إيران، وذلك عائد إلى أهمية إيران وموقعها الإستراتيجي، آنذاك كانت النظرة ما تزال أنّها قوة لا ينبغي التفريط بها وتركها لصالح عدو أيديولوجي (الاتّحاد السوفييتي) ضمن صراع الحرب الباردة، وهنا جاءت قضية "إيران كونترا"، فضيحة صفقات ومبيعات الأسلحة الأمريكية إلى إيران، إذاً نستنج أنّ إيران لم تخرج من الاهتمام الأمريكي، حتى بعد التغيّر الأيديولوجي، إثر ثورة عام 1979.
لكن، ماذا عن أزمة احتجاز الرهائن داخل السفارة الأمريكيّة في طهران؟ وماذا عن خطاب "الموت لأمريكا" الذي رفعه الخميني بعد الثورة؟
قضية احتجاز الرهائن جاءت في بداية الثورة، وضمن سياق أحداثها الأولى، ولكن هناك تطوّرات لاحقة أخذت بالحسبان المصالح الإستراتيجيّة، وتجاوزت مثل هذه الأزمات، أما عن خطاب الموت لأمريكا؛ فهو ذو طابع دعائيّ وجزء من تسويق الثورة لشعوب المنطقة التي لها معاداة لمواقف أمريكا وأدوارها في المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل إيران عنوان التحدي الأبرز لأمريكا؟
مثل هذا الشعار يعني القطيعة، لكن هذا لم يحدث، العلاقات بين البلدين استمرت؛ لأنّها تقوم على مصالح واعتبارات أهمّ، ولننظر هنا إلى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، عام 2003، على التعاون بدخول قوات الولايات المتحدة لاحتلال العراق، وتأمين إيران دخول القوّات الأمريكيّة من الجبهة الشرقية، وذلك مقابل السماح لإيران بإعادة إحيائها للبرنامج النووي الإيراني على أن يكون سلميّاً، ولكن طبعاً عندما تطوّر بعد عام 2006، وأصبح عملاً جاداً لإنتاج وامتلاك سلاح نووي، بدأت بوادر الخلاف، وذلك مع ظهور مسألة إمكانيّة تحوّل إيران إلى قوة نوويّة، وهنا جاءت المحادثات السريّة بين طهران وواشنطن، والتي تضمنت عرضاً إيرانياً، مضمونه إمكانيّة إيجاد علاقات وتفاهمات جديدة، وذلك مقابل تخفيف ضغط حزب الله على "إسرائيل"، كما جاء في كتاب "حلف المصالح المشتركة" لمؤلفه "تريتا بارسي"، والذي اعتمد على مصادر استخباريّة موثّقة.

تريتا بارسي مؤلّف كتاب "حلف المصالح المشتركة"

عودةً على سؤال الانسحاب؛ هل نستطيع اعتبار أنّ تغيّر اعتبارات النفط والإستراتيجيا كانت الدافع وراءه؟
لا أرى أنّ الولايات المتحدة انسحبت من المنطقة بمعنى الكلمة، وإنّما كان هناك انتباه والتفات جديد إلى مصالح أخرى أكثر أهميّة، وذلك بعد الاطمئنان بأنّ كلّ القوى في المنطقة باتت موالية وحليفة، وأنّه لا يوجد هناك من يتحدّى الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة، سوى الإعلانات الدعائيّة لإيران في مواجهة "الشيطان الأكبر".
هذا التحوّل في السياسات تجاه المنطقة بدأ منذ عهد الرئيس بوش الابن، واستمرّ في عهدَيْ أوباما ودونالد ترامب، وهو مستند بالأساس إلى التقرير الإستراتيجي للأمن القومي الأمريكي، الصادر عام 2006، والذي أوصى بأن تلتفت الولايات المتحدة إلى مصالحها الحيويّة أيضاً في شرق آسيا، تحديداً الصين، وألّا تتدخل عسكرياً في الصراعات البينيّة في المنطقة العربيّة، وألّا تنزلق مرة ثانية في صراعات عسكريّة، كما حصل في حرب العراق واحتلاله عام 2003، وألّا توظّف كلّ قوّتها في صراعات إقليميّة مماثلة، وأنه ينبغي أن تخرج من منطقة "الشرق الأوسط" بثقلها العسكريّ، مع الاستمرار في دعم حلفائها، لكن دون التورّط عسكريّاً.

اقرأ أيضاً: لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟
وعندما جاءت إدارة أوباما، حصلت أزمة جورجيا، مع تدخّل روسيا عسكرياً فيها عام 2008، وكان السؤال المطروح في حينها، ما الذي ستكسبه الولايات المتحدة جراء التدخّل في صراع مثل هذا النوع؟ كانت الإجابة: لا شيء، هذا هو مضمون التوجّه الجديد في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، وهو مدعوم من مراكز بحوث ودراسات: عدم التورّط عسكرياً، وإعادة تعريف وتحديد مفهوم الأمن القومي الأمريكي، ومفهوم المصالح الأكثر حيويّة، والمصالح المهمة، في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، بناء عليه؛ صنّفت المصالح إلى مصالح عُليا تعدّ مصالح حيوية، مثل تحدّي الأمن الأمريكي، والمجتمع الأمريكيّ، وتحدي الأراضي الأمريكيّة، وتحدي الاستقلال والسيادة الأمريكيّة، بما في ذلك الهجوم المباشر على القوّات العسكريّة الأمريكيّة المنتشرة حول العالم، وهناك المصالح الأخرى، المهمة أيضاً، لكنّها لا ترتقي إلى مرتبة المصالح الأكثر حيوية.
هل بالإمكان تحديد العوامل التي أدّت لبلورة التوجّه والسياسة الأمريكيّة الجديدة إزاء المنطقة؟
نعم، هناك ثلاثة عوامل أساسيّة: من ناحية تراجع أهمية النفط، بسبب زيادة الإنتاج المحلي من النفط في الولايات المتحدة الأمريكيّة، فلم يعد مصلحة حيوية، وإنما انتقل إلى مرتبة المصلحة المهمة.
والعامل الثاني، تمثّل في بروز الصين كمنافس وقوة اقتصاديّة كبرى، فعلى ضوء مؤشرات النمو الاقتصادي للصين؛ تبيّن أنّها ستصبح قوة اقتصاديّة معادلة أو لنقل مقاربة نسبيّاً للولايات المتحدة، لكن مع بقاء الولايات المتحدة صاحبة الزعامة على صعيد القوة العسكريّة، وإن كان الإدراك ازداد بأنّ القوة العسكرية أصبحت عامل هيبة أكثر مما هي أداة من أدوات التغيير والفعل في السياسة الخارجية، في حين أنّ القوة الاقتصادية حاضرة كقوّة ناعمة ذات فاعليّة أكبر، ويمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة لفرض سياساتها وأجنداتها، إذاً؛ هناك مصالح وتحديّات جديدة، كالصين التي تمثل تحدياً كبيراً، وهنا نجد عقوبات ترامب للصين، التي هي عقوبات اقتصاديّة للحدّ من حركة الصين وانتشار نفوذها كقوة اقتصادية.

اقرأ أيضاً: الهجوم على أرامكو: لماذا تخبئ أمريكا النفط في كهوف تحت الأرض؟
قوة الصين جاءت من كونها لم تطرح نفسها كدولة تريد الهيمنة، وإنّما طرحت نفسها كدولة عالم ثالث، تريد المشاركة، وذلك كي تحظى برصيد قبول، على مستوى الشعوب والقيادات، في دول العالم الثالث. كما أنّها لا تمتلك انتشاراً أيديولوجياً، وهي ملتزمة بالجانب الدبلوماسيّ، ولا توجد عندها ميول قويّة للتورّط عسكريّاً في صراعات ونزاعات دول العالم الثالث، كما أنّها ليست طرفاً في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وليس عندها التزام عالميّ كما كان الاتحاد السوفييتيّ، الذي كان حاضراً في كلّ صراع دوليّ وإقليميّ تقريباً.
العامل الثالث: الدافع وراء تبلور هذا التوجّه الجديد، كان اطمئنان واشنطن على المنطقة ودولها، من ناحية الاطمئنان إلى أنّ أيّاً منها لم يَعُد يشكّل تهديداً لنفوذها، بل إنّ دول الخليج والدول العربيّة هي التي في حاجة إليها ومعتمدة عليها؛ حيث أصبحت أيّ دولة عربيّة تشعر بالتعرض لخطر تهرع للولايات المتحدة الأمريكيّة لنجدتها وحمايتها؛ أيّ إنّ معادلة الأمن والاعتماد المتبادل أصبحت معكوسة في بعض جوانبها.

قوات عسكريّة أمريكيّة في كوريا الجنوبيّة

لكن ما يزال هناك تواجد وانتشار عسكري أمريكي في المنطقة، كيف يمكن تفسيره ضمن هذا التوجّه؟
نعم، لم تنسحب أمريكا عسكرياً من المنطقة، هي موجودة في الخليج، وفي العراق، وفي سوريا، لكن لو نظرنا مثلاً لتواجدها في العراق أو سوريا، نجده تواجداً عسكرياً رمزياً، بالقياس مع القوة الكبرى للولايات المتحدة الأمريكية، القوات الأمريكية هنا هي مجرد عصا مرفوعة في وجه كلّ من يشقّ عصا الطاعة، ويلعب بذيله، إن صحّ التعبير، في مواجهة الولايات المتحدة، هو تعبير عن النفوذ أكثر منه أداة لمباشرته.
لكن، فلننظر مثلاً إلى عدم تدخل أمريكا عسكرياّ بعد ضربات أرامكو، في أيلول (سبتمبر) الماضي، طبعاً كانت هناك حالة استغراب ودهشة عند الدول والنخب العربيّة؛ لعدم إقدام الولايات المتحدة على اتخاذ ردّ فوري وسريع حِيال إيران. في الواقع؛ عدم الردّ هو عين الواقعيّة الأمريكيّة، هي لا تريد تعريض مصالحها للخطر؛ التصوّر الإستراتيجي الأمريكي، في تقديري، كان مبنيّاً على افتراض أنّها إذا توجهت بعمل عسكري ضد إيران سوف تنفتح عليها أربع جبهات: الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان. طُرحت فكرة توجيه ضربة، وإن كانت محدودة من ناحية الأهداف، ومن ناحية الأثر، لكنّ الخبراء الإستراتيجيين نصحوا ترامب بعدم التورط عسكريّاً، وبالفعل كان تصريحه صادقاً عندما قال: "تراجعنا في الدقائق العشر الأخيرة"، بعد إسقاط إيران طائرة الاستطلاع الأمريكية، في العشرين من حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: ضرب منشآت النفط السعودية.. النيران تتسع وأمريكا تتهم إيران والعراق ينفي
الشجاعة من المنظور الأمريكي لا تتطلب أن تغامر وتلقي نفسك بالتهلكة؛ واشنطن ترجّح العقلانية في العمل السياسي، الذي يقوم على تجنب الخسائر، هذا ما نجده عند سماع الخطب التي ألقى بها بومبيو وترامب، فهما يؤكدان: "إذا تعرضت مصالحنا"، إنّهم يعنيان: إذا تعرض أيّ جندي أمريكي، أو أي هدف، أو مرفق أمريكيّ، للهجوم، فإنّنا سوف نرد، لا إذا تعرضت مصالح الحلفاء، وهذا هو ما تدركه إيران، التي تلعب بذكاء وتمتلك دبلوماسية عالية، وتحسن استخدام أوراق الضغط.
علينا أن نفهم كيف يفكّر الأمريكيون؛ هم لا يرتبون سياستهم وفق ما نريد ونتمنى، إنما وفق ما يريدون هم، ووفق ما تقتضيه مصالحهم، في الحقيقة هناك عدم كفاية في العقل العربي في تفهّم طبيعة السياسة الأمريكية، الدول العربية تريد من أمريكا أن تستجيب لمصالحها، لكن في الواقع هي تتحرك وفقاً لمصالحها هي. السياسة الواقعية الأمريكية قائمة على المصالح، وهنا يُطرح السؤال: هل من الواقعية أن تغامر الولايات المتحدة دون حسابات؟ ما نفهمه نحن، كعرب، من الواقعيّة؛ أنّه ينبغي على أمريكا أن تستجيب لما نريد، لكن في الواقع هي لا تفعل ذلك، إنّها تعمل في ضوء ما هي تريد.
وبالتأكيد؛ فالانسحاب العسكري من سوريا مدروس، لا تتوقع من الولايات المتحدة أن تنسحب دون أن تحسب لكلّ خطوة حسابها الخاصّ، في تقديري، خير من عبر عن الواقعية في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، هما أوباما وترامب.

ترامب في زيارة للقوّات الأمريكيّة بالعراق في كانون الأول 2018

"الناتو العربي" مقولة تتردّد، هل هو خيار ممكن وواقعيّ؟
إطلاقاً، هو من باب الخيال، قبل الناتو العربي، هناك جامعة الدول العربيّة، وهناك معاهدة الدفاع العربي المشترك، ومعاهدة التعاون الاقتصادي المشترك، ولم يتم تفعيل أيّ منها. نعم، تتردّد فكرة "الناتو العربي" كقول فقط، لكن من الناحية الواقعيّة، في تقديري، هي غير ممكنة؛ هذه المسألة تحتاج إلى التزامات يقتضيها التعاون العسكري، هي بحاجة لتخطيط مشترك، وتغليب المصالح العامة للحلفاء على المصالح الخاصّة، وهو ما يصعب على الدول العربيّة التضحية بها. أيضاً مثل هذا الحلف سيكون في حاجة إلى موافقة ومباركة دوليّين، ثم هناك تساؤلات عدّة: ما هي حدود تحرّك هذا الحلف؟ هل هو متوجّه مثلاً تجاه إيران؟ لا توجد اليوم سياسة عربية موحدة تجاه إيران.
وعموماً؛ لا يوجد في تقاليد السياسة العربيّة ما يجعل المرء متفائلاً حول مسألة "التضامن العربي"، أو تشكيل "ناتو عربي".
بالحديث عن الانسحاب من سوريا، وتزامنه مع عملية "نبع السلام" التركيّة، هذا يقودنا للدور التركيّ في المنطقة، وتوتر العلاقات بين تركيا وأمريكا، هل ترى أنّ التحالف بينهما انتهى؟
الدور التركيّ في المنطقة هو صناعة الجغرافيا؛ جغرافية تركيا كانت تحتّم عليها أن تلعب دور الحاجز في مواجهة روسيا والاتحاد السوفييتي، منذ بروز المسألة الشرقيّة والدور الوظيفيّ لتركيا (وقبلها الدولة العثمانية) هو الحيلولة دون التمدد الروسيّ، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ما يزال الدور الوظيفي في مواجهة روسيا قائماً.

الوجود العسكري الأمريكي الحالي في الشرق الأوسط رمزيّ، وهو مجرد عصا مرفوعة في وجه من يشقّ عصا الطاعة

نعم، هناك خلافات بين واشنطن وأنقرة، هناك توترات، لكن لا ترتقي إلى حالة صراع، وهي ليست كما تصوّر إعلامياً، الإعلام يضخّم الخلافات، لننظر إلى قضية المنطقة الآمنة في سوريا، نجد أنّ الولايات المتحدة لم تعارضها، وذلك عائدٌ إلى أنّها تتفهم القلق التركي من احتمالات قيام الدولة الكرديّة، فيما جاءت ردّة فعل الأكراد باعتبار الموقف الأمريكي خيانة لهم، هم يفكّرون بالعقلية العربيّة ذاتها، يريدون أمريكا حليفاً مطلقاً، أما تركيا فقد فهمت وأدركت السياسة الأمريكية، في الحقيقة؛ إنّ الأتراك لهم خبرة أكبر في السياسة الخارجية.
أما بخصوص تفسير العلاقة المتزايدة مع روسيا، فإنّ تركيا، كما يُقال، تلعب على الحبلين، الروسي والأمريكي، لا يعني ذلك أنّها ستميل إلى جانب إحداهما دون الآخر، هي لن تفرّط بروسيا أو الولايات المتحدة. في الواقع لا وجود لشيء اسمه القطيعة وإنهاء العلاقة في العلاقات الدولية؛ هذه محض نظرية افتراضيّة، دائماً هناك قنوات للتواصل والحوار مهما بلغ الخلاف.
بالحديث عن التمدّد والنفوذ التركي في العالم العربي؛ هل هو مُقبل على مزيد من الصعود أم الانحسار؟
تركيا أدركت، منذ مطلع الألفية، أنّ خياراتها وحظوظها في الساحة العربية أكبر منها في الاتحاد الأوروبي، وهنا تبلور خيار تركيا بالتوجه نحو الدول العربية، ولكن ليس بنفس إسلامي متشدّد، من دعم جماعات وما إلى ذلك؛ إنّ هذا التمدّد والنفوذ مقترن بمدى اعتداله، حيث تكون سياسة قائمة على أساس المصالح المشتركة، العرب الآن يبحثون عن مستثمرين، يبحثون عن قوى إقليمية مساندة لهم، وأعتقد أنّهم يجدون مع تركيا فرصة مناسبة، هذا ما أراه، خيارات وفرص التعاون بين الأتراك والعرب اقتصادية بالأساس، بعيداً عن مقولات واعتبارات أيديولوجية وفكريّة مثل دعم الإسلام السياسي أو العثمانيّة الجديدة.
بالحديث عن التمدّد والنفوذ الإيراني؛ هل ستكون العقوبات الاقتصاديّة الحاليّة على إيران سبباً في انحساره؟
مبدأ تصدير الثورة مبدأ أصيل في النظام الإيراني، منذ مجيئه عام 1979، وهو مستمرّ حتى الوقت الحالي، وقد استفادت إيران واستغلّت المناطق الرخوة والأزمات لنشر وتمديد نفوذها في المنطقة العربيّة، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو تمدّد موجود وقائم بالفعل.

اقرأ أيضاً: لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟
الآن، هناك انتباه متزايد للدور الإيراني حتى على مستوى الشعوب، وفي الحقيقة هناك نقطة ضعف في هذا النفوذ تكمن في أنّ من يقودونه هم أحزاب وقوى مؤدلجة، لا الشعوب؛ بمعنى أنّ هناك أحزاباً وقوى مرتبطة بإيران، أما على مستوى القواعد الشعبيّة فهناك وعي متزايد، وأخذ يتبلور حول فهم طبيعة الدور الإيراني في المنطقة، وهو دور طائفيّ تفتيتيّ.
العقوبات الاقتصادية موجودة، وقد أثرت فعلاً، ولكن هناك منافذ أخرى لا تستطيع الولايات المتحدة أن تمسك بها، وجديرة بأن تنتبه إليها إذا كانت جادّة في سياسة "الحد الأقصى" من العقوبات، وأهمها العراق، وهنا نتساءل، بنوع من الاستغراب، حول عدم إخضاع الولايات المتحدة البنك المركزي العراقي للمراقبة؟
نعم، إيران تعاني اقتصادياً، وكلّما طال الزمن ضاقت خيارات إيران، وبات الإنفاق الخارجي أكثر إرهاقاً، الآن إيران تراهن على الزمن وتنتظر رحيل ترامب، وهنا نسمع مثلاً التصريحات القوية الأخيرة من طهران التي تترافق مع السير بإجراءات عزل ترامب.

في الختام، وبالحديث عن النظام الإقليمي العربي ومستقبله؛ هل هناك إمكانية لتحقيق تقارب من جديد؟ وما هي فرص استعادة تماسك النظام، أم أنّ العوائق أكبر من ذلك؟
الاتحادات والاتجاه نحو العمل العربي المشترك ضدّ منطق السياسة الأمريكيّة والإسرائيلية؛ قناعتهم أنّه لا يجوز أن يكون هناك تقارب عربي على أي مستوى، نعم هناك نوع من التقاربات بين العواصم أحياناً، ولكن ليس على مستوى اتحاد إستراتيجي، هذه التقاربات تبقى في إطار العلاقات الثنائية، هناك شروط للتعاون الإستراتيجي ينبغي توافرها؛ من التعاون الأمني إلى العسكريّ، وهي غير متوفرة أبداً، بل إنّ آخر قلاع الاتحاد العربي المتمثلة في مجلس التعاون الخليجي باتت في حالة تصدّع.

نقطة الضعف في النفوذ الإيرانيّ تكمن في أنّ من يقودوه هم أحزاب وقوى مؤدلجة لا الشعوب

الحوار حول تعزيز التعاون والعمل المشترك موجود، لكنّه طرح على مستوى المثقفين فقط، الانتقال بهذا الخيار إلى أرض الواقع في حاجة إلى مصداقيّة ذاتية على مستوى القيادات العربيّة؛ إذ أمامها سؤال كبير: هل هي مقتنعة بالتضحية بمصالحها الخاصّة؟ إذاً المسألة في حاجة إلى توفير أرضيّة وقاعدة راسخة لإنجاز هذا المطلب الضخم إستراتيجياً، وفي ظلّ الأوضاع الراهنة، من الانقسامات الداخليّة والبينيّة بين العرب، فضلاً عن الاختراقات الخارجيّة، يبدو لي أنّ الأمور أصعب لإنجاز بنية نظاميّة بصيغة نظام إقليميّ عربيّ؛ ذلك أنّ الأمر، وكما أشرت، يرتبط وثيقاً بمصداقية الإرادات العربيّة القياديّة قبل كلّ شيء، وفي تقديري؛ الفرصة الآن مواتية ومشجعّة لإنجاز هذا الخيار المصيري، لكن متى تتوحد الإرادات لتحقيقه؟

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية