لماذا يميل الأندونيسيون لتطبيق الشريعة الإسلامية؟

7296
عدد القراءات

2017-11-11

أشارت دراسة أجريت مؤخراً  على مستوى أندونيسيا، أنّ نسبة معتبرةً من السكان  تؤيد تطبيق الشريعة الإسلامية ضمنَ الأمّة الجنوب شرق آسيوية ذات الأغلبية المسلمة.

الدراسة الاستقصائية التي أجراها "معهد دراسات جنوب شرق آسيا - معهد يوسف إسحاق" ومكانه سنغافورة، وجدت أنّ 82% من نسبة 1,620 شخصًا استطلعت آراؤهم، اعتبروا ارتداء الحجاب أو غطاء الرأس الإسلامي علامة ظاهرية مهمّة على التدين الإسلامي عند النساء.
وتأتي نتائج الدراسة وسط مخاوف متزايدة بشأن دور الدين والنشاط السياسي الإسلامي اليميني في إندونيسيا التي تُعدّ موطن أكبر  عدد من السكان المسلمين في العالم بعددٍ يبلغ أكثر من 200 مليون نسمة.
وفي هذا الشأن، صرّح أستاذ السياسات المقارنة والدين في الشرق الأوسط  بجامعة بوسطن جيريمي مينيشك لـ"دويتشه فيله": "إنّ الأندونيسيين  جزءٌ من الصحوة الإسلامية العالمية، وهي اتجاه ينحو إلى زيادة التدين وصبغ المجتمع بالهوية الإسلامية".
وأضاف مينيشك: "إن الصحوة الإسلامية تعود جزئياً إلى الإحباط الشعبي من جراء الفراغ الأخلاقي لليبرالية العلمانية والرأسمالية. وفي بحثهم عن روابط ذات معنى على نحو أكبر، فإنّ العديد من الأندونيسيين يتطلعون إلى الإسلام".

الضغط من أجل التوافق مع التعاليم الإسلامية

زكاري أبوزه، خبير أمني مختص في جنوب شرق آسيا وأستاذٌ في كلية الحرب الوطنية التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، يتفق أنّ ثمة تزايد واضح في التدين وعروض التقوى في المجتمع الأندونيسي.
ويشرح أنّ النمو الحاصل في التدين هو جزء من "عملية ممتدة لعدة عقود بدأت في ثمانينيات القرن الماضي عندما أخذ الدكتاتور الأندونيسي حينذاك "سوهارتو" يفقد الشرعية، فقام بالتلاعب بدور الإسلام والمؤسسات الإسلامية في محاولة لتعزيز شعبيته المتدنية".
ويضيف أبوزه: "السياسيون الآن، يطلبون رضا الإسلامويين ولا يعترضون على "صبغ كل شيء بصبغة الشريعة" الزاحفة من خلال السياسة العامة".

مينيشك: إن الصحوة الإسلامية تعود جزئياً إلى الإحباط الشعبي من جراء الفراغ الأخلاقي لليبرالية العلمانية والرأسمالية

ولفتَ أبوزه النظر إلى قيام قانون ضد التجديف و إلى أنّ الجماعات الإسلاموية  "تقوم بتطبيق ما تراه من الشريعة بنفسها، وبغض النظر  عن سلطة الدولة كما تقوم بانتهاك حقوق حرية التعبير وتعمل على ترهيب وإسكات المعارضين في السنوات الأخيرة". أيضًا، صارت المؤسسات العلمانية من قبيل الجيش أو الشرطة أقل علمنة اليوم مما كانت عليه من قبل.
ويؤكد أبوزه أن جزءاّ من أسباب هذه الأسلمة المتزايدة للمجتمع والمؤسسات العامة يمكن أن يعزى إلى "وجود تدفّق من المال والموظفين من بعض أطراف بالمملكة العربية السعودية إلى المؤسسات التعليمية الإسلامية في جنوب شرق آسيا".
بدورها، تحدثت عالمة الاجتماع الثقافي والمتخصصةِ في المجتمعات الإسلامية بجامعة كولورادو بولدر راشي رينالدو، عن أهميةِ توخي الحذر إزاء بعض النتائج التي توصلت إليها الدراسة الاستقصائية الأخيرة. وهي تعتقد أنّه من الصعب في الواقع القول إن كان ثمة بالفعل زيادة في التدين بأندونيسيا.
وأوضحت رينالدو: "إن البيانات المتعلقة بالقيم والممارسات الدينية في أندونيسيا تعتبر حديثةً نسبياً، ولذلك لا نمتلك أساساً جيداً بما يكفي للمقارنة، كما يعتمد الأمر كثيرًا على كيفية تعريفنا للتدين، فإذا عرّفناه على أنه الإيمان بالإله، فإن الإندونيسيين ربما كانوا متدينين فعلًا منذ زمن طويل".
ورأت الخبيرة، التي أجرت أعمالاً ميدانية في أندونيسيا منذ عام 2002، أنّ ما تغير في أندونيسيا خلال العقود القليلة الماضية هو أفكار بشأن ما يعنيه أن تكون متديناً وكيف تكون مسلماً، وتفسر رأيها هذا بالقول:
"من المؤكد أنّ هناك ضغطًا أكثر في السنوات الأخيرة للتوافق مع الممارسات الدينية التي تعتبر إسلامية، من قبيل ارتداء الحجاب، أو أداء الصلوات الخمس في الأوقات الموصى بها، أو حضور الفصول الدراسية القرآنية، إنّ المسلمين الأندونيسيين الآن، أكثر احتمالًا لأن يقوموا بهذه الأمور مما كان عليه الحال فى الماضي، ويبقى السؤال مفتوحاً إن كان كل هذا يمثل تديناً؟".

سؤال الحجاب
وتشير دراسة "معهد دراسات جنوب شرق آسيا - معهد يوسف إسحاق" أنّ ما يقرب من 80 % من النساء المسلمات الأندونيسيات اللواتي شملتهن الدراسة يرتدين الحجاب، ومن المثير للاهتمام كشفُ الدراسة أن ارتداء الحجاب الإسلامي  أصبح أكثر شيوعاً بين النساء من ذوات التعليم والدخل العاليين.
وكما أوردت الدراسة: "لا يبدو أنّ ارتداء الحجاب أصبح علامة ظاهرية مقبولة عن التدين الإسلامي للنساء في إندونيسيا فحسب، فقد يكون مرتبطًا أيضا بالمركز الاجتماعي للمرأة المسلمة".
لكن رينالدو قالت إنّها حذرةٌ أيضاً فيما يتعلق بنسبة الـ 78.2 % من المسلمات اللواتي استطلعت آراؤهن وورد أنهن يرتدين الحجاب حيث قالت: "يبدو هذا الرقم كبيراً جداً في رأيي، سواء على أساس تجربتي الخاصة، أو على أساس البيانات الأخيرة".
وفي معرض حديثها، أشارت رينالدو  إلى دراسة استقصائية أجريت في جاكارتا الاندونيسية عام 2014 باسم "الانتقال إلى سن البلوغ"، إذ وجدت الدراسةُ حينها أنّ 37% من النساء المسلمات يرتدين الحجاب. وهو ما جعلها تضيف أنّها غير متأكدةٍ من التباين الموجود بين الدراستين إلا أنّها غير مقتنعة بأنّ حوالي 80% من المسلمات الأندونيسيات يرتدين الحجاب.
أما بخصوص أسباب ارتداء المسلمات الأندونيسيات الحجاب، فقالت رينالدو إنّها مختلفة: "فمن بينها الموضة، والحشمة، والضغط الاجتماعي، والاختيار الفردي. ومن المؤكد أنّ أندونيسيا اجتازت الكثير من التغيير فيما يتعلق بملابس النساء، على الرغم من أنني أجادل بأنّ التغييرات الكبرى قد حدثت فى أوائل الألفية الحالية".
وأصبح رائجاً عن المرأة المسلمة في العقود القليلة الماضية تبنيها نوعاً من اللباس المحتشم، غالباً ما يشتمل على الحجاب، وهو ما تؤكده رونالدو: "هناك بالتأكيد ضغط اجتماعي، بما في ذلك  ضغط من نساء أخريات لارتداء الحجاب، وفي بعض مناطق البلاد هناك لوائح تشترط ذلك".
لكن خبراء يشيرون إلى أنه من المهم أيضًا أن ندرك أن اللباس الإسلامي أصبح بشكل كبير متماشيًا مع الموضة على مدى العقد المنصرم.

أبوزه: الأحزاب الإسلاموية استفادت من الفساد المتفشي للأحزاب العلمانية، وفشل المؤسسات السياسية في مكافحته

وفي هذا السياق، نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن المصممة "ديان بيلانغي قولها: "في نيويورك، عندما عرضت مصممات أندونيسيات واعدات تصاميم أنيقة للأحجبة والعباءات في أسبوع الموضة بدا أنهن يقلن "لسنا مضطهدات ونريد أن نُظهر للعالم أننا ما زلنا نستطيع أن نكون جميلات وأنيقات عند ارتداء الحجاب".
رينالدو، عادت وعلقت على هذا الرأي بقولها: "في بعض الحالات، يتمثَّل الفارق الرئيس بين اللباس الإسلامي واللباس الغربي في تعطية المرأة لشعرها، وعدم تعريتها لذراعيها أو ساقيها - ولكن ما خلا ذلك يظل الشئ نفسه"، وهكذا، غالباً ما نرى في الموضات الإسلامية أنماط الملابس نفسها الموجودة في أجزاء أخرى من العالم، ولكن بعد أن جُعلت أكثر حشمة".

معبد هندوسي في بالي

تأييد الشريعة

تُعتبر أندونيسيا إلى حد بعيد دولة يمارس معظم شعبها شكلًا معتدلًا من الإسلام، وبينما يشكل المسلمون حوالي 85 % من سكان البلاد، هناك أقليات هندوسية وبوذية ومسيحية وطوائف أخرى، ومن ثم فإن المجتمع الإندونيسي متنوع ويتكون من عدد من المجموعات العرقية ذات الثقافات واللغات وأنماط الحياة المختلفة.
ولكن في السنوات الأخيرة، هناك مخاوف بشأن التعصب المتزايد الذي يتساوق مع النفوذ التدريجي الذي تكتسبه محاولة المسلمين الراديكاليين تحويل إندونيسيا إلى دولة إسلامية صارمة.
ففي الدراسة، قال عدد كبير من المسلمين الذين استطلعت آراؤهم إنهم يعتقدون أنه ستكون هناك فوائد مختلفة إذا تم تطبيق الشريعة في بلادهم، ووفقًا لهم، فإن أهم فائدة ستكون حماية القيم الأخلاقية في المجتمع.
وبهذا الشأن لاحظت رينالدو أن: "أسئلة الدراسة الاستقصائية حول الدين والأخلاق مُراوغة للغاية لأنها تميل إلى استخلاص ما يعتقد الناس أنه من المفترض عليهم قوله".
وأكدت أن الدراسة ربما وجدت قدرًا كبيرًا من التأييد "39%" لفرض الشريعة، لكن من الصعب معرفة ما يعنيه الناس بالشريعة، كما أن هناك تفسيرات مختلفة جدًا، بما في ذلك داخل إندونيسيا نفسها، كما لاحظت الخبيرة.

هناك مخاوف في السنوات الأخيرة من تزايد التعصب المتزامن مع محاولة المسلمين الراديكاليين تحويل أندونيسيا إلى دولة إسلامية صارمة

وعلاوة على ذلك، فإن المسلمين الأندونيسيين لا يصوتون بأغلبية ساحقة للأحزاب السياسية الإسلامية في الانتخابات، مما يشير إلى أن الشريعة ليست بالضرورة الشاغل الرئيس. وقد أشار واضعو الدراسة إلى أن الشريعة تبدو وكأنها وسيلة لحماية القيم الأخلاقية.
وفي المجتمعات التي تشهد تغيرات اجتماعية سريعة، غالبًا ما يكون هناك قلق بشأن الحفاظ على التقاليد والعادات، وذلك فإنه ليس من المستغرب جدًا أن نرى هذا في إندونيسيا التي يقل عمر الديموقراطية فيها عن 20 عاًما كما أوضحت رينالدو.
وهو ما يوافق عليه أبوزه بقوله: "هناك شعور بأن الشريعة مرتبطة بالأخلاق"، لكن الأحزاب الإسلاموية استفادت أيضًا من الفساد المتفشي للأحزاب العلمانية، وضعف المؤسسات السياسية التي لا تستطيع وقف الفساد. "بطبيعة الحال، بمجرد وصولها إلى مواقع السلطة، لا تكون الأحزاب الإسلاموية كما أثبتت التجربة في مأمن من الفساد، ومع ذلك، لا يزال الجمهور يميل إلى النظر إليها على أنها أنظف يدًا".
وفي حين لم تحقق الأحزاب الإسلاموية الأندونيسية إلا نجاحًا محدودًا على الصعيد الوطني، فإنها تحكم على الصعيد المحلي، وتطبق تدريجيًا أجندتها الاجتماعية. ومنذ عام 1998، دخل أكثر من 440 قانونًا محليًا حيز التنفيذ، وجرى فرض محدداتٍ لها  من الشريعة، من قبيل إجبار النساء على ارتداء الحجاب أو تقييد مبيعات الكحول.
وتختم رينالدو الموضوع بقولها: "لقد أصبح الإسلام في إندونيسيا أكثر تسييسًا بالتاكيد، وباتت الشخصيات السياسية أكثر احتمالًا للتحالف مع منظمات إسلامية محافظة، بل ومتطرفة، تدعم إجراءات من قبيل تطبيق الشريعة".

سرينيفاس مازومدارو - دويتشه فيله

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بيير كاريجي: لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-12

ترجمة: مدني قصري


نظّمت وزارة الخارجية الأمريكية، في الفترة بين 16 إلى 18 تموز (يوليو) 2019، الاجتماع الثاني حول الحرية الدينية؛ فمنذ عام 2016، تنشر وزارة الخارجية تقارير سنوية عن حالة الحرية الدينية في العالم، حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "voaafrique.com" مقابلة مع الباحث بيير كاريجي. 

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية
حصل جان بيير كاريجي (Pierre Karegeye)، خريج جامعة كاليفورنيا في بيركلي، على درجة الدكتوراه في الأدب، ودرجة الماجستير في اللاهوت الأخلاقي، وهو يدرّس في جامعة ديكنسون، تنصبّ اهتماماته البحثية على ظاهرة الإبادة الجماعية، والجنود الأطفال، والتطرف الديني، ونشر وأدار بحوثاً جماعية، منها: "الشهود" (2016)، "مواقع الحديث عن الإبادة الجماعية في رواندا" (2015)، "الأطفال في النزاعات المسلحة" (2012)، "الدين في الحرب والسلام في أفريقيا" (2018)(1).
هنا نص الحوار:
شاركتَ مؤخراً في سلسلة من الاجتماعات التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية؛ ماذا كان مضمون هذه اللقاءات؟

هذه اللقاءات جمعت العديد من الزعماء الدينيين والأكاديميين والسياسيين، ناقشنا التحديات وتعزيز حرية الدين، وحدّدنا أيضاً طرقاً لمكافحة الاضطهاد والتمييز الدينيَّين.
إنّ ما يهمني، من بين أمور أخرى؛ حقيقة أنّ السياسيين يُدمجون الحقيقة الدينية في تحليلهم للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنّ الفصل الضروري بين الدولة والدين لا يجعل من هذه الأخيرة ظاهرة إضافية للواقع الاجتماعي.
ترتبط الحرية الدينية في أمريكا بحرية التعبيركواحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين

ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟
الحرية الدينية في الولايات المتحدة تخضع لحقوق الإنسان التي يحميها القانون؛ فهي جزء من التاريخ والأخلاق الأمريكية، لكن قبل كلّ شيء، يعدّ البحث عن الحرية الدينية أحد الأفعال المؤسِّسة للولايات المتحدة، التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، الذي تمّ التصديق عليه عام 1791، يتناول الحرية الدينية، وفي التعديل نفسه توجد حرية التعبير، وهكذا ترتبط الحرية الدينية في الولايات المتحدة بحرية التعبير؛ إنّها في الأساس واحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين.
هناك إذاً علاقة بتاريخ الولايات المتحدة؟
بالتأكيد؛ لقد فرّ بعض المهاجرين من أصل إنجليزي من اضطهاد تشارلز الأول في القرن السادس عشر، واكتشف هؤلاء "المتشددون" نيو انغلاند؛ حيث أمكنهم أن يمارسوا حريتهم الدينية، أراد القادمون الجدد بناء مجتمع وفق معايير الكتاب المقدس تحت قيادة القسّ جون كوتون.
لكنّ تاريخ الحرية الدينية بُنِي خارج الولايات المتحدة؟
بدأ الإنسان، الآن، يدرك فكرة السموّ المرتبطة بحرية الاعتقاد والتفكير، الولايات المتحدة لم تخترع مفهوم حرية الدين، حوار الأديان دعوة لحرية الدين، في حالة الغرب المسيحي، كانت ولادة البروتستانتية، خاصة فكرة الإصلاح، المقدمة الأولى حول خطاب جديد حول الله المتجذر الراسخ من بين أمور أخرى، في حرية الفرد، كانت نقطة التحول هذه أساسية؛ حيث تمّ الاعتراف بالفرد كموضوع معرفة، خلافاً لبعض الكاثوليكية التي أسّست الإيمان والمعرفة على تجربة المجتمع وتقاليده.
هل تقتصر هذه اللقاءات في وزارة الخارجية الأمريكية على البعد الديني وحده؟
خطب الديمقراطيين والجمهوريين، التي استمعت إليها خلال هذه الاجتماعات، سواء من إنسي بيلوسي، أو مايك بومبيو، كانت تهاجم الصين وروسيا، اللتين لا "تحترمان" "الحرية الدينية، لكنّها لا تهاجم السعودية، نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الاستثمار في المجال الديني هو، إلى حدّ ما، استخدام "القوة الناعمة" ضدّ الأنظمة ذات العضلات الضخمة، لكن، بشكل عام، وبحسن نية، فإنّ منظّمي هذه اللقاءات، مثل السفير الجمهوري سام براونباك، لديهم معتقدات دينية مسيحية قوية، من المثير للاهتمام أن يدعو المحافظون إلى الحرية الدينية، في هذه اللقاءات كان هناك مسلمون وبوذيون، وغيرهم كثيرون.
مايك بومبيو

هل يمكننا القول إنّ هناك المزيد والمزيد من اللجوء إلى الدين؟
هناك المزيد من المحاولات الدينية في الوقاية وحلّ النزاعات، كان إعلان مراكش لعام 2016 بشأن حقوق الأقليات الدينية، بِدعمٍ من ملك المغرب، قفزة من حيث التسامح الديني، خاصة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وفي عام 2017، كانت "الأمم المتحدة"، قد أطلقت أيضاً "خطة عمل فاس" الموجهة للزعماء الدينيين حول الوقاية من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب؛ فالأديان نفسها منخرطة في مبادرات السلام.

وإذا فرضت أمريكا نفسها مدافعاً عن الحرية الدينية؛ فهل يمكننا القول إنّ ليس لديها ما توبَّخ عليه؟
كما سبق أن قلت؛ هناك أسباب جوهرية، أو أفضل من ذلك، أسباب تاريخية، تفسّر التزام الولايات المتحدة من أجل الحرية الدينية؛ فالمتشددون الذين لجؤوا إلى الولايات المتحدة أصبحوا غير متسامحين بشكل مثير للسخرية.
يرى جون كوتون أنّ التزمّت هو المعتقد الحقيقي الوحيد، وهنا ندرك أنّ البحث عن الحرية الدينية لا يضمن التسامح الديني، فلا يمكن ربط الاثنين إلا إذا كانت الحرية الدينية قائمة على الغيرية (أي ما يخصّ الآخر في مقابل الأنا).
ما هي رهانات الحرية الدينية في أفريقيا؟
مبدأ الحرية الدينية مهمٌّ أيضاً لأفريقيا، يتحدث الإنجيل، بحسب القديس ماثيو، عن العائلة المقدسة التي لجأت إلى مصر، هرباً من مذبحة الأبرياء، غالباً ما ينسى أنّ أتباع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لجؤوا عام 615 إلى أفريقيا، وبشكل أكثر تحديداً في أكسوم، شمال أثيوبيا وإريتريا، وكان موضع ترحيب من قبل ملك أفريقي ومسيحي، كانت هذه "الهجرة الأولى"، لحظة حاسمة في تطور الإسلام، وكانت أفريقيا، أرض الترحيب، مفتوحة للحرية الدينية أو السياسية، فكيف يتم للأديان الذي ولدت من الاضطهاد، الإسلام أو المسيحية، أن تستخدم لنشر العنف الشديد في أفريقيا؟ (جيش الربّ للمقاومة في أوغندا؛ سيليكا وأنتي بالاكا  (anti-Balaka)(2)، في جمهورية أفريقيا الوسطى، وحركة الشباب في الصومال وكينيا، وبوكو حرام في نيجيريا والنيجر وتشاد، وأنصار الدين في مالي، والمتطرفون الإسلامويون في مصر، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والعديد من المجموعات الأفريقية يقسمون بولائهم للدولة الإسلامية.
إضافة إلى تصاعد التطرف الديني وعنف الهُويات، فإنّ الاستجابة التي يقدمها عالَمٌ ديني للأزمات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، يدعونا إلى إعادة التفكير في آثار الدين، لقد ابتكرت الأزمات الأفريقية ممارسات دينية غير عقلانية، قائمة على شكوك عقيمة، وطقوس غريبة، كالمحاكاة الصوتية(3)، والصراخات أحادية المقطع الصوتي.
من أين يأتي الخطر الواقع على الحرية الدينية؟
يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية، ويمكن أن يأتي أيضاً من صراع بين الأديان، لكن داخل الديانة نفسها أيضاً، يمكن للعلاقة المطلقة أن تستعبد الإنسان، بتحليل بعض الممارسات الدينية، يحذّر اللاهوتي والفيلسوف الكونغولي، كا مانا، مما يسمّيه "دكتاتورية الخفي والتورم اللاعقلاني".
"التطرف الديني" اليوم يتجاوز إلى حدّ كبير عالم الإيمان والعبادة

وماذا عن منطقة البحيرات الكبرى؟
لكلّ دولة حقائقها بالتأكيد، بالمعنى الدقيق للكلمة، يعدّ انتهاك حرية الدين محدوداً للغاية ومتقطعاً، الكونغو وبوروندي ورواندا تُعتبَر في الغالب بلداناً كاثوليكية، الكنيسة الكاثوليكية في هذه البلدان الثلاثة متواجدة في الخدمات الاجتماعية، في الكونغو، كان خطاب المؤتمر الأسقفي حاسماً في إدانة ديكتاتورية موبوتو وإرساء الديمقراطية في البلاد، وبصرف النظر عن الأزمة بين الكاردينال مالولا والرئيس موبوتو، في السبعينيات، فقد كان هناك، منذ التسعينيات، عنف حكومي ضدّ الالتزام الاجتماعي للكنيسة، وتمّ قمع المسيرات المسيحية من قبل كلّ من موبوتو وجوزيف كابيلا.

يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية ومن صراع بين الأديان أو حتى داخل الديانة نفسها

وثمة خطر آخر يأتي من الحركات الدينية (...)؛ فأمام الأزمات الاجتماعية والجمود السياسي، يشكّل توسّع وتضخّم الحركات الدينية تهديداً لحرية الضمير، "دكتاتورية غير المرئي"، على حدّ تعبير كا مانا، والتي يصاحبها الخوف، لا يمكن أن تتعايش مع مفهوم الحرية؛ فالمؤمن الخاضع لأوامر زعيم ديني متسلط، يَعِد ويتوعّد بالسماء والأرض، متّهِماً أفراد العائلة نفسها بالسحر، ومحرّضاً على الكراهية، ليست له أيّة حرية، في بوروندي، في عهد باغازا، كانت هناك إجراءات قمعية ضدّ الكنيسة، نظام بيير نكورونزيزا اضطهد طائفة "أتباع إوسيبيا"، منذ عام 2012، وقد فرّ أكثر من 2000 من أتباع هذه الطائفة إلى الكونغو، ناهيك عن التجاوزات "الصوفية" من قبل الرئيس الذي أعلن نفسه "المرشد الأعلى الأبدي"؛ فالربّ الذي يتحدث إليه مباشرة، بحسب زعمه، لا يمنعه من إرسال جزء من سكانه إلى المنفى، تاريخ رواندا، يتميز بتواطؤ الكنيسة مع الأنظمة السابقة إلى حدّ اتهامها، خطأ أو عن حقّ، بالمشاركة في الإبادة الجماعية ضدّ قبيلة التوتسي.
هل تنتهك التدابير التي اتخذتها الحكومة الرواندية لإغلاق عدة أماكن للعبادة حرية الدين؟
لا أعتقد ذلك؛ فإذا سمحت الحكومة الرواندية لنفسها بانتهاك حرية الدين، فهي تنتهك بذلك دستور 2003، المعدَّل عام 2015، الذي يُدرج حرية الدين في المادة 33، في ترتيب حرية الفكر والرأي والضمير نفسه، هذه الحريات تعدّ حقوقاً أساسية، تُعرِّف المادة الأولى من الدستور نفسه الدولةَ الرواندية؛ بأنّها جمهورية علمانية، بمعنى أنّ حقيقة عدم خضوعها لمنظمة دينية معيّنة تضمن تعليمات المادة 33 من هذا الدستور.
ولكن تمّ اتخاذ إجراءات لإغلاق كنائس ومساجد؟
لكن لم يُمنَع أحدٌ من الصلاة، أو من اتّباع تعاليم دينه؛ لقد تعرّضت بعض أماكن العبادة للتلوث الصوتي (الضوضاء)، أو كانت معرضة للتداعي والانهيار، في أيّ وقت، أو لم تكن بها مراحيض، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
باختصار: لم تحترم أماكن العبادة هذه، وهي أماكن عامة بحكم الواقع، التدابيرَ الوقائية ومعايير السلامة والنظافة، ...إلخ؛ فكلّ حكومة مسؤولة لها الحقّ وواجب المنع؛ في نيجيريا، مثلاً، انهارت كنيستان، على الأقل، على المؤمنين، عام 2014، في لاغوس، وفي 2016 في مدينة أويو، يوجد في رواندا نظام تأمين صحيّ للجميع، وهو يمنح بشكل عام ضماناً اجتماعياً جيداً، ومثل هذا الاستثمار المُكلِف ينجح بشكل أفضل مع تدابير وقائية.

في الوقت نفسه؛ أليس فرضُ شهادات على الخطباء الدينيين من قبل الحكومات مشكلة؟
لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة، لكنّ التكفّل بالآلاف من الناس، بالنسبة إليّ، يفترض بالتأكيد المهنية أو الكاريزما، ولكن أيضاً الخبرة، ومتطلباً أخلاقياً، وما يسميه جوزيف مينغت "المعرفة المنطقية" للإيمان، هناك مؤمنون يطلبون مساعدة روحية تشمل إرشاداً نفسياً، أو تسوية نزاع عائلي، وبعضهم يريدون استجابة فورية لمشاكل مالية، ليس متحدثاً وخطيباً جيداً، من يعالج عن بعد، من دون تدريب لاهوتي، ومن دون معرفة بالتخصصات الأخرى، المشكلات التي يطرحها أتباعه، هناك أيضاً حركات دينية مستقلة يمكن لأيّ قائد فيها أن يعلن نفسه رسولاً أو داعيةً أو حَوارياً أو مبشراً، أعرف بعض الذين يرون أنّهم تجسيد لـ "الروح القدس". الكتاب المقدس، أو القرآن الكريم، كتابان مهمان للغاية؛ لنأخذ مثال الكتاب المقدس، الذي هو مجرد مجموعة من الكتب المختلفة المكتوبة بالعبرية واليونانية، من قبل العديد من المؤلفين ولعدة قرون، هناك على الأقل 1500 عام تفصل الكتاب الأول عن الكتاب الثاني؛ ففي كلّ مجال، يعدّ التدريب أكثر من ضروري لتدريس الدين.
القائد الديني الذي يَحظُر ويحرم على المؤمنين من أتباعه، باسم الكتاب المقدس، إكمال علاجهم الطبي بعد دُعائهم بالشفاء، يمثل تهديداً لأنشطة الصحة العامة.
الإيمان ظاهرة معقدة، لكن ما يزال يلعب دوراً إيجابياً؟
هذا استنتاجي؛ ينتشر الدين من خلال تقلبات الواقع الإنساني، "التطرف الديني" اليوم يتجاوز، إلى حدّ كبير، عالم الإيمان والعبادة، يجب على الزعماء الدينيين، من مختلف المجتمعات الدينية، والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحفظة السلام والقادة السياسيين، العمل بالتآزر لإدانة العنف ومكافحته بشكل أفضل، والمشاركة في الإجراءات الوقائية ومبادرات السلام، يمكن أيضاً لنموذج "3P"، المقاضاة والحماية والوقاية، المستخدم في مكافحة الاتجار بالبشر، أن يُطبَّق ضدّ التطرف الديني والعنف، وضدّ حرية الدين، كما تعدّ هياكل التعليم والعدالة وسائل وقائية أيضاً.


الهوامش:
(1) Bearing Witnesses/Témoignages (2016), Lieux discursifs du génocide au Rwanda (Présence Francophone, Vol.83, June 2015), Children in Armed Conflicts (Peace Review, 2012), (With Ensign), Religion in War and Peace in Africa, 2018)
(2) ميليشيا أنتي بالاكا :مصطلح يستخدم للإشارة إلى تحالف من الميليشيات تشكلت في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد أن صعد ميشيل جوتوديا إلى السلطة، عام 2013، ويُقال إنّها تتكون أساساً من المسيحيين. ومع ذلك؛ فقد اعترض بعض قادة الكنيسة على الطابع المسيحي الحصري لمثل هذه الجماعات، وكما أشارت مؤسسة "توني بلير للإيمان" إلى وجود أتباع من الإحيائية بين جماعات أنتي بالاكا، وأفادت منظمة العفو الدولية، عام 2015، بأنّ بعض أعضاء جماعات "أنتي بالاكا" قاموا بتحويل بعض المسلمين قسراً إلى المسيحية، كما وقامت مجموعات من "أنتي بالاكا" بخطف وحرق ودفن نساء حوامل متّهمات بأنهنّ "مشعوذات".
(3) المحاكاة الصوتية: هي محاكاة الأصوات المسموعة في الطبيعة، مثل الضوضاء أو أصوات الحيوانات، منها أصوات الهواء والرياح: حفيف الريح بين أوراق الشجر، أصوات الماء: خرير المياه، أصوات الحيوان: صهيل الخيل ونقيق الضفادع، أصوات تحريك المعادن والمواد الأخرى: صليل السيوف وصرير الباب.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: voaafrique.com

للمشاركة:

هل حقاً أنّ حكومة أقلية ستعيد إسرائيل إلى العقلانية؟

2019-11-10

ترجمة: إسماعيل حسن


يواصل زعيم حزب "أزرق أبيض"، بيني غانتس، مشاورات مكثفة في محاولة لتشكيل حكومة ائتلافية في إسرائيل، وذلك بعد فشل بنيامين نتنياهو، زعيم الليكود، في تحقيق ذلك؛ حيث هاتف غانتس كلاً من نتنياهو وغالبية رؤساء الكتل السياسية، لإقناعهم بالانضمام إلى حكومة وحدة موسعة؛ لتجنّب انتخابات تشريعية مبكرة ثالثة، لكنّ العقبات ما تزال تواجهه مع قرب انتهاء مهلة التفويض الموكلة إليه.

من السيناريوهات المتداولة تشكيل حكومة موسعة وطنية تضم أعضاء حزبَي "الليكود" و"أزرق أبيض"

ونتيجة لذلك؛ يعتزم بيني غانتس القيام بتشكيل حكومة أقلية بمشاركة أفيغدور ليبرمان والأحزاب العربية، التي شاركت، للمرة الأولى، في مشاورات تشكيل الحكومة، وتؤيد غانتس في تشكيل الحكومة الجديدة بدلاً من نتنياهو، لكن، رغم التأييد الواسع من قبل الإسرائيليين، لتشكيل حكومة أقلية لإنقاذ البلاد من الانزلاق السياسي، يعارض نتنياهو، وبشدة، طرح التوجه إلى تشكيل حكومة أقلية بمشاركة الأحزاب العربية، معلناً أنّه سيترأس قوائم المعارضة لمواجهة أيّ مخطط لإشراك القائمة العربية في الحكومة المقبلة.
زعيم حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس

أوشكت المدة الزمنية أن تنقضي
على صعيد غانتس؛ أوشكت المدة الزمنية التي تمّ منحه إياها لتشكيل الحكومة أن تنقضي دون إحراز أيّ تقدّم، إضافة إلى أنّ الفترة الزمنية التي تمّ تفويضه فيها، قد تشهد حسماً لقضايا نتنياهو المتهم فيها، خاصّة قضية الرشوة، تحت مسمى "قضية 4000"، ولا شكّ في أنّ غانتس وأعداء نتنياهو وشريحة كبيرة من الشعب الإسرائيلي، يتمنون بطبيعة الحال إدانته وإنهاء حياته السياسية، في حين أنّ مناصري نتنياهو لديهم قدر كبير من الثقة بأنّه ستتمّ تبرئته، لا سيما أنّ هناك بعض المؤشرات المسربة من داخل حزب الليكود، تقول إنّ نتنياهو استقطب عدداً من كبار المحامين الأمريكيين، وجلبهم لحضور جلسة الدفاع الأولى أمام مندلبليت، المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: هل ينجح بيني غانتس فيما فشل فيه نتنياهو؟
وبالتأكيد إذا نجح نتنياهو في النجاة من تلك القضية والبقاء على قيد الحياة السياسية، فقد تتاح له فرصة كبيرة لاستعادة ثقة الشعب الإسرائيلي، الذي لم يصوّت عدد كبير منه لنتنياهو، بسبب القضايا المشتبه بتورطه فيها، وهو من الطبيعي أن يسعى إلى انتخابات ثالثة، باعتبار أنّ موقفه سيكون أكثر قوة، وسيحصل على الأصوات التي فقدها في الانتخابات السابقة.
التقديرات السياسية ترى أنّ الرغبة الكبيرة من قبل مواطني إسرائيل في تشكيل حكومة أقلية بزعامة غانتس، تأتي نتيجة غياب أيّة بوادر إيجابية نحو تشكيل حكومة جديدة تتناصف فيها الأدوار بين الأحزاب الكبرى؛ فالعقدة استحكمت، ولا أحد يريد التنازل للآخر. الكتلتان اللتان تتصارعان على السلطة، وهما: "أزرق أبيض" و"الليكود"، لم تستطع إحداهما، حتى الآن، الحصول على الأغلبية التي تمكّنها من تشكيل ائتلاف حكومي مع الأحزاب الأخرى، والبلاد في حاجة إلى حكومة تدير شؤونها، في ظلّ المخاطر الحقيقية التي تحيط بها.
السياسة الإسرائيلية تطحن الماء
الكاتبة رويتل عميران تقول: "كلّما مرّ الوقت يظهر أنّ السياسة الإسرائيلية تطحن الماء، وبات المواطنون غير مبالين والحسابات الائتلافية تؤدي، المرة تلو الأخرى، إلى طريق بلا مخرج، وفي هذه الأثناء، تدير الدولة دائرة شؤون الموظفين، التي وإن كانت تحافظ على استقرارها، إلا أنها لا تستطيع اتّخاذ القرارات الحاسمة المهمة، العجز ازداد والميزانيات عالقة، والإصلاحات تذوي والعالم من حولنا يشتعل، وقضايا جديدة وقديمة تتوق لإيجاد حلّ لها، ولا توجد حكومة".

ليبرمان، الذي بنى نفسه على كراهية العرب، لن يكون مسروراً بالتعاون معهم، ومثله أشخاص في "أزرق أبيض"

في احتفال رسمي، وفّر للمواطنين فرصة لتخيله كرئيس للوزراء، أخذ غانتس على عاتقه التكليف الأسبوع الماضي، السماء لم تهوِ، وإسرائيل لم تسقط، ولكن بالقدر ذاته لم يصبح أحد متفائلاً على نحو خاص، واضح للجميع أنّه إذا واصل القيام بما كان يقوم به حتى الآن، فلن تتغير النتيجة، غانتس الذي شهد على نفسه بأنّه لن يخاف من اتّخاذ قرارات صعبة، مطالب بالفعل بخطوة دراماتيكية، تحطم الأواني والمفاهيم كي يُخرج إسرائيل من الطريق المسدود.
إنّ الخطوة الوحيدة التي يمكنها أن تخرج إسرائيل من العقدة، وفي الوقت نفسه أن تثبته كزعيم شجاع، هي خطوة حكومة أقلية برئاسة "أزرق أبيض"، والتعاون داخل الحكومة، أو بإسنادها من الخارج، حزب العمل، والمعسكر الديمقراطي، و"إسرائيل بيتنا"، والقائمة المشتركة، حكومة أقلية كهذه، باحتمالية عالية، لن تبقى لزمن طويل، ولكن لا يعني هذا أنّها لن تكون عديمة الغاية، العكس هو الصحيح؛ حكومة أقلية كهذه سيكون لها العديد من الفضائل، وهي أولاً: أنّها ستقطع دابر المؤامرة التي يرى كثيرون أنّها انعقدت بين نتنياهو والحكم، وتثبت أنّ إسرائيل لن تضيع، ثانياً: للمرة الأولى منذ زمن بعيد، ستساهم في شرعية المواطنين العرب، وتبدّد الخوف الذي نجحت دوائر عديدة في اليمين بإدخاله في عقول الإسرائيليين، وساهمت في شيطنة السكان العرب، ومنعت التعاون السياسي معهم. ثالثاً: حكومة أقلية ستتمكن من معالجة الشؤون المدنية المهمة لعموم الإسرائيليين، وتتخذ خطوات مهمة في المجالات الاجتماعية، مثل: المواصلات، والصحة، وبلدات المحيط، فإذا عارضت كتلة "الليكود"، من مكان جلوسها في المعارضة، مثل هذه الخطوات، فإنّها ستنكشف بكلّ عريّها، وتضعف فرصها للعودة إلى الحكم.
 أفيغدور ليبرمان

جدول الأعمال العلماني
وأخيراً؛ فإنّ جدول الأعمال العلماني الذي وقف في مركز الانتخابات الأخيرة، يمكن بمفاهيم عديدة أن يتحقق من خلال مواصلات عامة؛ في السبت، وزواج مدني، وقانون تجنيد على سبيل البداية، إنّ الشرط الذي طرحه رئيسا الحزبين الأصوليين، ليتسمان ودرعي، على نتنياهو، بأنّهما لن يدخلا الحكومة إلا إذا تمكّنا من سنّ قانون يمنع مواصلات عامة في السبت، هو مثابة تحدٍّ لغانتس، فحيال الروح الليبرالية التي تهبّ الآن من السلطات المحلية؛ فإنّ حزب الليكود بكتلته الأصولية والأصولية القومية، لم يكن ليسجل هدفاً ذاتياً في ملعبه أعظم من هذا، وبالتالي؛ إنّ حكومة الأقلية هي الأمر السليم، وليس الجوهري فحسب؛ بل السياسي أيضاً، فخلال استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، يبين أنّ 50% من المقترعين لحزب إسرائيل بيتنا، لن يصوتوا مرة أخرى لهذا الحزب، من ناحية غانتس أيضاً، فإنّ الفشل في تشكيل حكومة قد يمسّ بشدة بصورته، والخوف من أن تزيد حكومة أقلية تستند إلى أحزاب عربية من نزع الشرعية عن اليسار الإسرائيلي، وحملة تحريض اليمين ضدّه، ليس تخوفاً بلا أساس، إضافة إلى ذلك، من المهم أن نتذكر أنّ الأيام ليست أيام أوسلو، وما يزال الطريق طويلاً إلى المفاوضات السياسية، التي يمكن لليمين أن يجري على ظهرها جولة شيطنة أخرى لليسار في هذه المرحلة، فإنّ أهدافاً مثل تعزيز المعايير السلطوية وإشفاء الشروخ في الشعب، تقدم أجندة اجتماعية وجدول أعمال علماني، وهي مهمة بما يكفي، وتحقيقها سيثبت أحزاب الوسط واليسار، كأحزاب حكم للمدى البعيد.
استيعاب غانتس للقائمة العربية
وختمت الكاتبة رويتل مقالتها؛ رغم الحديث الدائر عن استيعاب غانتس للقائمة العربية المشتركة في الحكومة المقبلة، إلا أنّ غانتس سيحاول حصد أصوات تغنيه عن الأصوات العربية التي أضافت له 10 مقاعد، وذلك بسبب أنّه يدرك أنّ ائتلافه إذا اعتمد على أصوات القائمة العربية، سيكون في مخاطرة أو مجازفة، باعتبار أنّ أيّة مواقف يتخذها ضدّ مصالح الفلسطينيين، وهو متوقع بطبيعة الحال، قد يترتب عليه سحب الثقة من القائمة المشتركة، وبالتالي يفقد عدد المقاعد التي أعطت له الأغلبية؛ لذا سيحاول جذب عدد من أعضاء الليكود، أو حزب شاس الديني، ولا يستبعد بعض السياسيين الإسرائيليين تحالف شاس مع "أزرق أبيض"، إذا سقط نتنياهو، باعتبار أنّ شاس له مواقف سياسية توصف بالوسطية وتؤيد التفاوض مع الفلسطينيين.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تتّهم ترامب بخيانة الأكراد وتخشى من مصير مماثل
على صعيد القائمة العربية المشتركة، والتي حصدت 13 مقعداً، يعد ذلك إنجازاً تاريخياً وسياسياً لها، ويؤكد أنّ نواب القائمة المشتركة، بدؤوا يضعون مصالح فلسطينيي الداخل قبل مصالحهم أو طموحاتهم الشخصية، أما بالنسبة إلى الثقل السياسي للقائمة المشتركة، فهي قد تكون بداية لتحول مؤثر في الحياة السياسية الإسرائيلية، خاصة أنّ القائمة المشتركة هي ثالث أكبر حزب في الكنيسيت، وفق الانتخابات الأخيرة، إلا أنّ هذا الثقل يعتمد أيضاً على شكل الحكومة القادمة؛ فهي لن تدخل في تحالفات سواء مع اليمين أو الوسط واليسار، كما أنّه من المستحيل التصور أنّها يمكن أن تشارك في أيّ تحالف فيه ليبرمان، والذي قال إنّه لا يمكن أن يجلس مع حكومة وحدة وطنية موسعة، تستند لها أو تعتمد على الأصوات العربية.

اقرأ أيضاً: غانتس يرفض الشراكة مع نتنياهو: إسرائيل تحت نير الانسداد السياسي
القراءة الشاملة للمجريات لا تبشر بانفراج قريب يلوح في الأفق، فالمفاوضات بين اللاعبين الأساسيين فشلت، والمبادرات والصفقات التي يتم طرحها ترفضها الأطراف الأخرى، ونتنياهو يصرّ على البقاء حتى آخر نفس، حفاظاً على إرثه السياسي، وخوفاً من شبهات الفساد التي تطارده، وباتت السيناريوهات المطروحة والمعقدة تنحصر، فالسيناريوهات المطروحة حالياً تقوم على الآتي:
مناصرو نتنياهو لديهم قدر كبير من الثقة بأنّه ستتمّ تبرئته

السيناريوهات
السيناريو الأول: تشكيل حكومة موسعة وطنية تضم أعضاء حزبَي "الليكود" و"أزرق أبيض"، وهو ما حاول سابقاً رئيس "الدولة"، ريفلين، إقناع زعيمَي الحزبيَن، نتنياهو وغانتس، به، وبالتناوب على رئاسة الحكومة، إلا أنّ هذا الاقتراح مرفوض تماماً من غانتس، الذي يشترط أن ينسحب نتنياهو تماماً من "الليكود"؛ بسبب تورطه في قضايا فساد، وعدم استعداد غانتس للتعامل معه، وهو ما تعهّد به خلال حملته الانتخابية، أما نتنياهو؛ فلا شكّ في أنّه لن يتنازل، ومتمسّك بزعامته لليكود حتى آخر نفس.

اقرأ أيضاً: ردود عربية ودولية على تصريحات نتنياهو.. هذه أبرزها
السيناريو الثاني: حكومة وحدة وطنية تضمّ "الليكود" و"أزرق أبيض" و"إسرائيل بيتنا"، الذي يتزعمه ليبرمان، وإن كانت هذه المسألة ليست سهلة وتحتاج إلى تنازلات، خاصّة من نتنياهو، الذي لن يجد خياراً آخر إلا التضحية بالأحزاب الدينية، فليبرمان يصرّ على شروطه للتحالف مع الليكود، وأن يفرض على المتدينين التجنيد العسكريّ الإجباري، وهو ما ترفضه تماماً الأحزاب الدينية، وقد دعا ليبرمان أيضاً لتشكيل هذا الائتلاف الموسّع، مقترحاً تولّي نتنياهو الفترة الأولى من رئاسة الحكومة، لكنّه أصرّ على شروطه السابقة، هذا فضلاً عن أنّ غانتس يتمسك بشرط إبعاد نتنياهو عن أيّ ائتلاف يشارك فيه.

اقرأ أيضاً: نتنياهو وإيران.. وعسر الهضم
أما السيناريو الثالث، وهو الاحتمال الأضعف؛ فيقوم على تحالف أحد الحزبَين، "الليكود" أو "أزرق أبيض"، مع "إسرائيل بيتنا"؛ فالمحاولات السابقة لتحالف نتنياهو وليبرمان فشلت، وهو ما أدى إلى إعادة انتخابات نيسان (أبريل) الماضي، ويبدو أنّ الأمور لن تتغير، فليبرمان ما يزال متمسكاً بشروطه، وفي الوقت نفسه؛ لن يستطيع نتنياهو التخلي عن الأحزاب الدينية؛ لأنّه سيفقد 16 مقعداً للحزبَيْن الدينيَّيْن في الكنيسيت، وبالتالي حتى إذا تحالف مع ليبرمان فلن يحصل على الـ 61 مقعداً، أما تحالف ليبرمان مع غانتس، فهو أيضاً يواجه عدة عقبات؛ فرغم أنّ غانتس ليست لديه مصلحة مع الأحزاب الدينية، وتوجهاته تنسجم مع توجهات ليبرمان العلمانية، وكذلك قضية التعامل مع قطاع غزة، إلا أنّ ليبرمان يرفض أن تحسب في هذا التحالف أصوات القائمة المشتركة، التي يراها عدواً، على حدّ وصفه، بينما يقوم السيناريو الأخير على إعادة الانتخابات للمرة الثالثة، وهو أكثر السيناريوهات ترجيحاً، وهو خيار يتمنى الإسرائيليون تجنّبه، لتداعياته الاقتصادية، فضلاً عن أنّه سيزيد حالة التشتت والانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وسيكون السابقة الأولى في تاريخ دولة إسرائيل، التي تعاد فيه الانتخابات للمرة الثالثة خلال عام واحد.
إسرائيل والعقلانية!
إلى ذلك، يقول الخبير في الشأن السياسي، حيمي شلاف: رغم الضجة التي سترافق تشكيل هذه الحكومة، فإنّ حكومة أقلية ستعيد إسرائيل إلى العقلانية، على الأقل بشكل مؤقت، وسيقف على رأسها شخص يعدّ وظيفته مهمة جماهيرية، وليست ضيعة شخصية، وإلى جانبه قيادة حزبه وشخصيات قوية لها رأي، يتم فحصهم بحسب إنجازاتهم، بدلاً من المجموعة الحالية الضعيفة وغير المهمة، التي تمتاز بالأساس بالتملّق الأعمى، حكومة أقلية يمكن أن تدفع قدماً بخطوات مباركة؛ من زيادة الاندماج، ومزيد من المساواة للجمهور العربي، لكنّ احتمالية تحقّق ذلك، كما هو معروف، ضئيلة، ليبرمان، الذي بنى نفسه على كراهية العرب، لن يكون مسروراً بالتعاون معهم، وأشخاص في "أزرق أبيض"، مثل: موشيه يعلون، وتسفي هاوزر، ويوعز هندل، سيجدون صعوبة بالجلوس والتشاور مع القائمة العربية، هم سيفضلون عدم اليقين لانتخابات جديدة على ثغرة الهرب الآمنة التي هي أمامهم الآن، إذا لم ينحرفوا عن مواقفهم المتشددة، فقد يسجلهم التاريخ كمن فضلوا الرأي والموقف المسبق على تأييد حكومة إنقاذ.


صحيفة معاريف
مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-727473

https://www.maariv.co.il/journalists/Article-726109

للمشاركة:

كيف يبدو الشمال النيجيري بعد 20 عاماً من تطبيق الشريعة؟

2019-11-09

ترجمة: محمد الدخاخني


في 27 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1999، أعلن حاكم ولاية زمفارا في نيجيريا، أحمد ساني يريما، تطبيق الشّريعة. وحذت 11 ولاية أخرى في شمال نيجيريا ذات غالبيّة مسلمة، بما في ذلك ولايتا كانو وكادونا، حذو زمفارا. وفي الوقت نفسه، احتجّ بشدّة العديد من المسيحيّين الّذين يعيشون في البلاد على هذه الخطوة. تلا ذلك أعمال شغب وتوفّي عدّة آلاف من المسيحيّين والمسلمين. ويتذكّر عطا باركيندو، الّذي يرأس "مركز كوكاه الكاثوليكيّ"، وهو عبارة عن منظّمة تعزّز الحوار بين الأديان، هذا الوقت المضطّرب جيّداً: "لقد شعرنا بقلق عميق. لم يُدرك أحد عواقب القرار. وكنّا قد خرجنا للتّوّ من حكم ديكتاتوريّ عسكريّ. والغضب كان هائلاً".

"صورة نمطيّة" للشّريعة
يتذكّر الإمام نور الدّين ليمو مدى خوف السّكان المحلّيّين لحظة صدور قرار العديد من الحكّام النّيجيريّين بتطبيق الشّريعة. ويقود ليمو قسم الأبحاث في "معهد الدّعوة النّيجيريّ" الّذي يتّخذ من مدينة مينا بولاية النّيجر مقرّاً له. يقول إنّ "النّاس كانوا يخشون ممّا تنطوي عليه الشّريعة الإسلاميّة، وخشي البعض هيمنة المسلمين وتعرّض المسيحيّين للاضطّهاد". ومع ذلك، يعترف أيضاً بأنّ "المسلمين في نيجيريا لم يؤدّوا واجباتهم للتّلطيف من هذه المخاوف".

حتّى يومنا هذا يُنظر للشّريعة بنيجيريا على أنّها موضوع مُسيَّس حيث قام الحكّام بإعلام تطبيقها بالشّمال تلبيةً لمطالب النّاخبين

ويشير ليمو إلى أنّه حتّى اليوم لا يزال لدى البعض صورة نمطيّة عن الشّريعة في أذهانهم والّتي لا علاقة لها بالواقع. ويقول "إنّ البعض من غير المسلمين يعتبرون الشّريعة الإسلاميّة شيئاً بربريّاً"، مضيفاً أنّ الصّور النّمطية الشّائعة تتضمّن "فكرة عقاب الأشخاص بقطع أذرعهم، وإجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام، وانتهاك حقوق الإنسان بشكل روتينيّ". وفي الوقت نفسه، يصرّ المسلمون على أنّ الشّريعة تُطبّق فقط على المسلمين. ولهذا السّبب يوجد لدى ولايات شمال نيجيريا أنظمة قانونيّة أخرى موازية للشّريعة الإسلاميّة.

الإمام نور الدّين ليمو

اقرأ أيضاً: مداهمة مدرسة تحولت لسجن تعذيب في نيجيريا.. هذا ما كان يحدث فيها
على كلّ حال، لدى الشّريعة تقليدها الطّويل في هذا الجزء من العالم. فقد كانت تُمارَس في خلافة سوكوتو وإمبراطوريّة كانيم-بورنو التّجاريّة الأفريقيّة قبل الحكم الاستعماريّ البريطانيّ في القرنين التّاسع عشر والعشرين. وكلا الكيانين كان مزدهراً وقويّاً، وبالتّالي ربط النّاس حينها صورة إيجابيّة بالشّريعة. يقول عطا باركيندو من "مركز كوكاه الكاثوليكيّ" إنّه بسبب رغبة شمال نيجيريا في "العودة إلى مجد العصور السّابقة"، كانت هناك دعوات لإعادة تطبيق الشّريعة منذ استقلال البلاد في عام 1960.

الشّريعة باعتبارها ورقة سياسيّة
لكن هذا لم يتحقّق إلّا عندما تركت نيجيريا وراءها عقوداً من الحكم العسكريّ في عام 1999 وعادت إلى نظامٍ ديمقراطيّ متعدّد الأحزاب. وفي العام نفسه، انتُخب أولوسيجون أوباسانجو - وهو مسيحيّ من جنوب غرب البلاد - رئيساً لنيجيريا. ولا يمكن اتّهامه بأنّه يريد فرض الإسلام على البلاد، كما قد يكون الحال لو وجد زعيم مسلم في سدّة الحكم. وعندما أعلنت ولايات شمال نيجيريا تطبيق الشّريعة، لم يتدخّل لوقف ذلك، ممّا أكسبه تأييد السّكان المسلمين في البلاد.

اقرأ أيضاً: آخر جرائم بوكو حرام في نيجيريا
لكن حتّى يومنا هذا، يُنظر إلى الشّريعة في نيجيريا على أنّها موضوع مُسيَّس، حيث قام الحكّام بإعلام تطبيقها في الشّمال تلبيةً لمطالب النّاخبين المحتملين. ويوضّح الإمام ليمو أنّه "في بعض الأحيان يستخدم السّياسيّون كلمة "الشّريعة" عندما يعلمون أنّ غالبيّة السّكّان من المسلمين، وأنّ غالبيّة النّاخبين سيدعمونهم، وأنّ العلماء المحلّيّين سيدعمونهم".

لم يحدث تحسّن كبير في الوضع الأمنيّ ونظام التّعليم والبنية التّحتيّة في شمال نيجيريا على مدار العشرين عاماً الماضية

لكن حليمة جبريل، الرّئيسة الحالية لـ "اتّحاد جمعيّات النّساء المسلمات في نيجيريا"، تقول إنّ الشّريعة أكثر من مجرّد سياسة، وفي الواقع تُنظّم طريقة تعايش النّاس. وتقول عندما تُطبّق القواعد بشكل صحيح، يكون لها فوائد عديدة. وتُثني على الحظر المفروض على بيع واستهلاك الكحول في شمال نيجيريا، قائلة إنّه "عندما تُطبّق القيود على المشروبات الكحوليّة، فإنّ أيّ شخص يريد أن يشرب، يجب أن يذهب بعيداً إلى ضواحي البلدات. وسَعِدَت العديد من الزّوجات بذلك".
وتقول حليمة إنّه نتيجة لذلك، أصبحت الأسر أكثر قرباً وأخذ الرّجال يعتنون الآن بزوجاتهم وأطفالهم بشكل أفضل - بالرّغم من أنّه لا تزال هناك طرق للحصول على الكحول في شمال البلاد، مع وجود حانات غير قانونيّة، على سبيل المثال، تبيع البيرة والمشروبات الرّوحيّة وتخفيها في أكياس تغليف شركة "تترا باك" للأغذية. وتضيف حليمة أنّ الشّريعة تدعو الولايات أيضاً إلى دعم السّكّان حتّى "يتمكّنوا من عيش حياة موافقة لمبادئ الإسلام". هذا، إذا مُدّ على استقامته، يعني، على سبيل المثال، أنّه يجب ضمان مستوى معيشة أساسيّ للجميع حتّى لا يضطّر أحد إلى السّرقة. ومع ذلك، لا يوجد حتّى الآن نظام للرّعاية الاجتماعيّة في شمال نيجيريا.

باركيندو يشعر أن تطبيق الشريعة قسم نيجيريا

تحسينات محدودة
مع ذلك، لم يحدث تحسّن كبير في الوضع الأمنيّ ونظام التّعليم والبنية التّحتيّة في شمال نيجيريا على مدار العشرين عاماً الماضية. وفي ولايات زمفارا وكاتسينا وكادونا، يتعرّض السّكان المحلّيّون لخطر الوقوع ضحايا قطاع الطّرق بشكل كبير. وهنا، أكثر من أيّ مكان آخر في نيجيريا، يقضي الأطفال في المدرسة أقلّ وقت. وعلاوة على ذلك، لم يمنع تطبيق الشّريعة الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة مثل بوكو حرام من اكتساب النّفوذ، ولم يساعد في الحدّ من الفساد المتفشّي في المنطقة.

اقرأ أيضاً: فتّشوا عن إيران حتى في... نيجيريا!
يشعر عطا باركيندو بخيبة أمل، قائلاً إنّ 20 عاماً من تطبيق الشّريعة في الشّمال جعلت الأمور أسوأ من ذي قبل. إنّه يريد أن يكون هناك نقاش حول الشّكل الّذي ينبغي أن تكون عليه نيجيريا علمانيّة، وكيف تعرّف نيجيريا نفسها كأمّة وكيف يمكن تعزيز التّعايش المتناغم بين المسيحيّين والمسلمين. ووفقاً لباركيندو، فإنّ "ما فعلته الشّريعة هو تقسيمنا أكثر في هذا البلد. فقد انسحب النّاس من مجتمعاتهم إلى رحم دياناتهم". وهذا، كما يقول، لأنّه اليوم يُحدِّد دين النّاس وعرقهم الوصول إلى السّلطة والموارد والامتيازات.


كاترين غانسلير، دويتشه فيله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.dw.com/en/nigeria-looks-back-on-20-years-of-sharia-law-in-th...

للمشاركة:



الحوثيون يقصفون المناطق السكنية في تعز.. والجيش يتقدّم في الجوف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

توفيت طفلة وأصيب أربعة أطفال آخرون في قصف لميليشيات الحوثي، استهدف إحدى القرى في مديرية الصلو جنوب شرق محافظة تعز.

وسقطت قذيفة صاروخية على أحد المنازل في قرية الشرف بمديرية الصلو، أسفرت عن مقتل الطفلة رحمة فارس عبده الشيبة، وإصابة أربعة أطفال آخرين، وفق ما نقلت صحيفة "المشهد" اليمنية عن مصادر عسكرية.

توفيت طفلة وأصيب أربعة أطفال آخرون في قصف لمليشيات الحوثي في إحدى قرى تعز

ولفتت المصادر إلى أنّ الأطفال إصابتهم خطرة للغاية وعدد الوفيات مرشح للزيادة.

وتواصل مليشيات الحوثي قصفها الصاروخي والمدفعي على الأحياء والقرى السكنية في مدينة تعز ومديرياتها الريفية من وقت إلى آخر مخلفة العشرات من الضحايا في صفوف المدنيين وغالبيتهم أطفال.

في الأثناء، تقدمت قوات الجيش الوطني في جبهة صبرين شرق محافظة الجوف، وسط انهيارات واسعة في صفوف مليشيا الحوثي الإرهابية التي تلوذ بالفرار.

وقال موقع "سبتمبر نت"، نقلاً عن أركان حرب محور الجوف، العميد صادق العكيمي؛ إنّ "قوات الجيش أحكمت سيطرتها بشكل كلي على مواقع؛ أم الحجار، وجبال صبرين، بمديرية خب والشعف، نافياً أن تكون المليشيا قد استعادتها، كما تروّج لذلك في إعلامها".

ولفت إلى أنّ مدفعية الجيش الوطني استهدفت مواقع الميليشيا الحوثية، في جبلَي الطائرة، والأطحال، وكبدتها خسائر كبيرة في العدد والعدة.

صفوف مليشيا الحوثي الإرهابية تلوذ بالفرار وسط تقدم الجيش في جبهة صبرين شرق الجوف

من جانبه، أكّد العقيد في اللواء 155 مشاة، ربيع القرشي؛ أنّ قوات الجيش تمكنت من التقدم والسيطرة على عدد من المواقع في الجبهة ذاتها، من بينها موقع الطويلات، وكبدت الميليشيا المتمردة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

ولفت إلى أنّ الفرق الهندسية لقوات الجيش الوطني، نزعت أكثر من 500 لغم أرضي، زرعتها الميليشيا الحوثية، في محاولة يائسة منها لإعاقة تقدم قوات الجيش الوطني.

 

للمشاركة:

آخر تطورات الثورة اللبنانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

تتواصل الاحتجاجات والتحركات في لبنان، لليوم السابع والعشرين على التوالي، بالتزامن مع استمرار إقفال المحتجين لمؤسسات تابعة للدولة اللبنانية، ومرافق عامة، في وقت سُجّلت إشكالات بين المعتصمين وعدد من المحامين الذين كانوا يحاولون الدخول إلى مقرّ النقابة من الجهة الخلفية لقصر عدل بيروت.

وبعد يوم حافل بالمواقف السياسية، أمس، يطلّ الرئيس اللبناني، ميشيل عون، عند الثامنة والنصف من مساء اليوم، الثلاثاء، في حوار تلفزيوني يتناول فيه التطورات الراهنة، وفق ما أفادت به صفحة الرئاسة اللبنانية عبر "تويتر".

المتظاهرون في لبنان يواصلون قطع الطرق في كثير من المدن والمؤسسات التابعة للدولة

من جهته، يصرّ رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، على بقاء رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، على رأس الحكومة، ونقلت صحيفة "النهار" اللبنانية عن بري ما مفاده: "إذا بقي سعد على موقفه ورفض تسلم الحكومة، فسأكون على عداء معه إلى الأبد، المصلحة تقتضي تعاوننا جميعنا للخروج من هذه الأزمة".

بدوره، قال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله: إنّ "هناك مطالب عديدة في الحراك الذي يشهده لبنان ليست محل إجماع".

وذكر نصر الله، في كلمة متلفزة أمس بمناسبة احتفاله بيوم الشهيد؛ أنّ من مطالب الحراك التي لا إجماع عليها إلغاء الطائفية والمطالبة بقانون انتخاب جديد.

الرئيس اللبناني يطلّ اليوم في حوار تلفزيوني يتناول فيه التطورات الراهنة ومطالب المتظاهرين

ورأى نصر الله؛ أنّ مقاومة الفساد في لبنان تحتاج إلى قاضٍ نزيه ومستقل، لا يخضع لضغوط السياسيين، مضيفاً أنّ آليات مكافحة الفساد ليست موجودة عند حزب أو حراك في الشارع، مؤكداً أنّ خطوة إنقاذ البلاد بيد الجهاز القضائي.

وأشار إلى أنّ اللقاءات متواصلة والاستشارات قائمة بشأن تشكيل حكومة جديدة، بعد استقالة حكومة سعد الحريري.

وقطع المحتجون، صباح اليوم، السير في محلة العدلية باتجاه سامي الصلح مقابل مبنى قصر العدل في بيروت، وتجمعوا أمام قصر العدل في بيروت مقفلين مداخله "دعماً لاستقلالية القضاء وللضغط على السلطة السياسية للبدء بالاستشارات النيابية".

وأفادت "الوكالة الوطنية للإعلام" الرسمية اللبنانية بحصول إشكال بين بعض المتظاهرين وأحد المحامين الذي حاول الدخول إلى قصر العدل في بيروت.

نبيه بري يصرّ على بقاء رئيس حكومة تصريف الأعمال، سعد الحريري، على رأس الحكومة

إلى ذلك، تجمّع عدد من الطلاب أمام وزارة التربية في الأونيسكو، وسط انتشار للقوى الأمنية، وفي حين قرّر وزير التربية اللبناني، أكرم شهيب، إبقاء المدارس والجامعات مقفلة اليوم، لم تلتزم مدارس وجامعات عدة بالقرار، وفتحت أبوابها أمام التلاميذ والطلاب.

وبدأ موظفو الشركتين المشغلتين لقطاع الهواتف الخليوي "ألفا" و"تاتش" إضراباً مفتوحاً، اليوم، فتوقفوا عن العمل في المراكز الرئيسة للشركتين.

وحضر الموظفون إلى أماكن عملهم، لكنّهم اعتصموا خارجها، رافعين شعارات مطلبية تدافع عن حقوقهم، وطالبوا وزارة الاتصالات بالاستجابة لمطالبهم التي لخصوها بالآتي: "عدم حسم 30% من مدخولهم السنوي، توقيع عقد العمل الجماعي وضمان استمرارية عملهم في العقود، سواء كانت عقود إدارة أو خصخصة، أو أيّ نوع آخر".

حسن نصر الله: هناك مطالب عديدة في الحراك الذي يشهده لبنان ليست محلّ إجماع

كما أقفلت المصارف أبوابها، اليوم، وذلك بعد إعلان الموظفين الإضراب؛ بسبب الإساءات التي يتعرضون لها نتيجة الوضع القائم، وتهافت المودعين لسحب أموالهم، مع وجود سقوفات على السحوبات.

على الصعيد نفسه؛ أقدم تجمع أصحاب محطات الوقود، صباح اليوم، على إقفال أبواب شركات تسليم المحروقات في لبنان في مراكز الجية، والدورة، والضبية، وعمشيت، وطرابلس، احتجاجاً على تسليمهم المحروقات بالدولار، مطالبين تسليمها بالليرة اللبنانية.

موظفو شركات اتصالات الهواتف النقالة يعلنون إضراباً مفتوحاً عن العمل حتى تحصيل  حقوقهم

إلى ذلك، قطع المحتجون طرقات عدة، منها مفرق قب الياس البقاع بالاتجاهين، بالإضافة إلى العبدة، وحلبا، والبحصاص، والمنية، ودير عمار، وجسر البالما.

وشمل الإقفال كلّ المرافق التربوية والمصرفية في صيدا في جنوب لبنان، فيما أعلنت المدارس والجامعات والمعاهد والمهنيات في طرابلس شمالاً إقفال أبوابها أمام التلاميذ والطلاب، كذلك أقفل المحتجون، في الثامنة صباحاً، مؤسسة كهرباء لبنان في مدينة صيدا، كما عمدوا إلى إقفال مراكز تابعة لشركة "أوجيرو" المشغلة لخطوط الهواتف اللبنانية، في مناطق مختلفة.

موظفو المصارف يضربون عن العمل بسبب الإساءات التي يتعرضون لها نتيجة الوضع القائم

إلى ذلك، أدّى إطلاق نار عند دوار مرج الزهور في محلة أبي سمراء في طرابلس شمال لبنان، إلى إصابة 3 أشخاص بطلقات نارية في الرأس وسائر أنحاء الجسم، نقلهم عناصر جهاز الطوارئ والإغاثة في "الجمعية الطبية الإسلامية" بالتعاون مع أبناء المنطقة، إلى مستشفيات المنطقة، وما لبث أحدهم أن فارق الحياة، وفق ما ذكرته "الوكالة الوطنية للإعلام"، ولم يتّضح ما إذا كان إطلاق النار على خلفية الاحتجاجات الأخيرة.

 

 

للمشاركة:

هل نقلت تركيا إرهابيين إلى ليبيا؟ الجيش الليبي يرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، العميد خالد المحجوب: إنّ تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش.

وأكّد المحجوب، في تصريحات صحفية؛ أنّ أردوغان طرف رئيس في المعركة الأمنية والعسكرية في ليبيا، مشدداً على أنّ "هذه الميليشيات الإرهابية لن تستطيع المواجهة لمدة نصف يوم، لو لم يمنحها الرئيس التركي الدعم المادي والمعنوي والغطاء الجوي، عن طريق الطيران المسيَّر"، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية.

المحجوب: تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش

وتابع المحجوب: "تنظيم داعش الإرهابي لم يخفِ مساندته للميليشيات منذ بدء معارك بنغازي"، مشيراً إلى أنّ "رايات التنظيم الإرهابي كانت تُرفع بوضوح في أغلب المواقع والمحاور ضدّ الجيش الليبي".

وتأتي تصريحات المحجوب تعليقاً على أنباء متداولة عن وصول دفعة من الدواعش لمطار مصراتة، أرسلها أردوغان لدعم الميليشيات في ليبيا.

ويتخوف متابعون للشأن الليبي من نقل الرئيس التركي آلاف الإرهابيين من تنظيم داعش إلى البلاد بعد غزوه الشمال السوري.

وكان اللواء أحمد المسماري قد أعرب، خلال مؤتمر صحفي سابق، عن تخوف بلاده من ذلك قائلاّ: "الغزو التركي لشمال سوريا ربما يؤدي إلى هروب عناصر داعش من السجون التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وأردوغان سيسعى لنقلهم لمأوى آمن، وربما تكون ليبيا هي وجهتهم، بسبب الفراغ الأمني، خاصة في مناطق مصراتة وطرابلس، وغيرهما من مناطق الغرب الليبي".

ودعمت تركيا الإرهابيين والميليشيات في ليبيا بعدة طرق، أبرزها: صفقات التسليح والطيران التركي المسيَّر، وهو ما يعدّ خرقاً للقرارات الأممية بحظر توريد السلاح إلى ليبيا منذ 2011.

بدوره، ينفّذ الجيش الليبي، في الفترة الأخيرة، عمليات واسعة ضدّ الميليشيات.

 

للمشاركة:



بيير كاريجي: لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-12

ترجمة: مدني قصري


نظّمت وزارة الخارجية الأمريكية، في الفترة بين 16 إلى 18 تموز (يوليو) 2019، الاجتماع الثاني حول الحرية الدينية؛ فمنذ عام 2016، تنشر وزارة الخارجية تقارير سنوية عن حالة الحرية الدينية في العالم، حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "voaafrique.com" مقابلة مع الباحث بيير كاريجي. 

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية
حصل جان بيير كاريجي (Pierre Karegeye)، خريج جامعة كاليفورنيا في بيركلي، على درجة الدكتوراه في الأدب، ودرجة الماجستير في اللاهوت الأخلاقي، وهو يدرّس في جامعة ديكنسون، تنصبّ اهتماماته البحثية على ظاهرة الإبادة الجماعية، والجنود الأطفال، والتطرف الديني، ونشر وأدار بحوثاً جماعية، منها: "الشهود" (2016)، "مواقع الحديث عن الإبادة الجماعية في رواندا" (2015)، "الأطفال في النزاعات المسلحة" (2012)، "الدين في الحرب والسلام في أفريقيا" (2018)(1).
هنا نص الحوار:
شاركتَ مؤخراً في سلسلة من الاجتماعات التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية؛ ماذا كان مضمون هذه اللقاءات؟

هذه اللقاءات جمعت العديد من الزعماء الدينيين والأكاديميين والسياسيين، ناقشنا التحديات وتعزيز حرية الدين، وحدّدنا أيضاً طرقاً لمكافحة الاضطهاد والتمييز الدينيَّين.
إنّ ما يهمني، من بين أمور أخرى؛ حقيقة أنّ السياسيين يُدمجون الحقيقة الدينية في تحليلهم للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنّ الفصل الضروري بين الدولة والدين لا يجعل من هذه الأخيرة ظاهرة إضافية للواقع الاجتماعي.
ترتبط الحرية الدينية في أمريكا بحرية التعبيركواحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين

ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟
الحرية الدينية في الولايات المتحدة تخضع لحقوق الإنسان التي يحميها القانون؛ فهي جزء من التاريخ والأخلاق الأمريكية، لكن قبل كلّ شيء، يعدّ البحث عن الحرية الدينية أحد الأفعال المؤسِّسة للولايات المتحدة، التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، الذي تمّ التصديق عليه عام 1791، يتناول الحرية الدينية، وفي التعديل نفسه توجد حرية التعبير، وهكذا ترتبط الحرية الدينية في الولايات المتحدة بحرية التعبير؛ إنّها في الأساس واحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين.
هناك إذاً علاقة بتاريخ الولايات المتحدة؟
بالتأكيد؛ لقد فرّ بعض المهاجرين من أصل إنجليزي من اضطهاد تشارلز الأول في القرن السادس عشر، واكتشف هؤلاء "المتشددون" نيو انغلاند؛ حيث أمكنهم أن يمارسوا حريتهم الدينية، أراد القادمون الجدد بناء مجتمع وفق معايير الكتاب المقدس تحت قيادة القسّ جون كوتون.
لكنّ تاريخ الحرية الدينية بُنِي خارج الولايات المتحدة؟
بدأ الإنسان، الآن، يدرك فكرة السموّ المرتبطة بحرية الاعتقاد والتفكير، الولايات المتحدة لم تخترع مفهوم حرية الدين، حوار الأديان دعوة لحرية الدين، في حالة الغرب المسيحي، كانت ولادة البروتستانتية، خاصة فكرة الإصلاح، المقدمة الأولى حول خطاب جديد حول الله المتجذر الراسخ من بين أمور أخرى، في حرية الفرد، كانت نقطة التحول هذه أساسية؛ حيث تمّ الاعتراف بالفرد كموضوع معرفة، خلافاً لبعض الكاثوليكية التي أسّست الإيمان والمعرفة على تجربة المجتمع وتقاليده.
هل تقتصر هذه اللقاءات في وزارة الخارجية الأمريكية على البعد الديني وحده؟
خطب الديمقراطيين والجمهوريين، التي استمعت إليها خلال هذه الاجتماعات، سواء من إنسي بيلوسي، أو مايك بومبيو، كانت تهاجم الصين وروسيا، اللتين لا "تحترمان" "الحرية الدينية، لكنّها لا تهاجم السعودية، نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الاستثمار في المجال الديني هو، إلى حدّ ما، استخدام "القوة الناعمة" ضدّ الأنظمة ذات العضلات الضخمة، لكن، بشكل عام، وبحسن نية، فإنّ منظّمي هذه اللقاءات، مثل السفير الجمهوري سام براونباك، لديهم معتقدات دينية مسيحية قوية، من المثير للاهتمام أن يدعو المحافظون إلى الحرية الدينية، في هذه اللقاءات كان هناك مسلمون وبوذيون، وغيرهم كثيرون.
مايك بومبيو

هل يمكننا القول إنّ هناك المزيد والمزيد من اللجوء إلى الدين؟
هناك المزيد من المحاولات الدينية في الوقاية وحلّ النزاعات، كان إعلان مراكش لعام 2016 بشأن حقوق الأقليات الدينية، بِدعمٍ من ملك المغرب، قفزة من حيث التسامح الديني، خاصة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وفي عام 2017، كانت "الأمم المتحدة"، قد أطلقت أيضاً "خطة عمل فاس" الموجهة للزعماء الدينيين حول الوقاية من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب؛ فالأديان نفسها منخرطة في مبادرات السلام.

وإذا فرضت أمريكا نفسها مدافعاً عن الحرية الدينية؛ فهل يمكننا القول إنّ ليس لديها ما توبَّخ عليه؟
كما سبق أن قلت؛ هناك أسباب جوهرية، أو أفضل من ذلك، أسباب تاريخية، تفسّر التزام الولايات المتحدة من أجل الحرية الدينية؛ فالمتشددون الذين لجؤوا إلى الولايات المتحدة أصبحوا غير متسامحين بشكل مثير للسخرية.
يرى جون كوتون أنّ التزمّت هو المعتقد الحقيقي الوحيد، وهنا ندرك أنّ البحث عن الحرية الدينية لا يضمن التسامح الديني، فلا يمكن ربط الاثنين إلا إذا كانت الحرية الدينية قائمة على الغيرية (أي ما يخصّ الآخر في مقابل الأنا).
ما هي رهانات الحرية الدينية في أفريقيا؟
مبدأ الحرية الدينية مهمٌّ أيضاً لأفريقيا، يتحدث الإنجيل، بحسب القديس ماثيو، عن العائلة المقدسة التي لجأت إلى مصر، هرباً من مذبحة الأبرياء، غالباً ما ينسى أنّ أتباع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لجؤوا عام 615 إلى أفريقيا، وبشكل أكثر تحديداً في أكسوم، شمال أثيوبيا وإريتريا، وكان موضع ترحيب من قبل ملك أفريقي ومسيحي، كانت هذه "الهجرة الأولى"، لحظة حاسمة في تطور الإسلام، وكانت أفريقيا، أرض الترحيب، مفتوحة للحرية الدينية أو السياسية، فكيف يتم للأديان الذي ولدت من الاضطهاد، الإسلام أو المسيحية، أن تستخدم لنشر العنف الشديد في أفريقيا؟ (جيش الربّ للمقاومة في أوغندا؛ سيليكا وأنتي بالاكا  (anti-Balaka)(2)، في جمهورية أفريقيا الوسطى، وحركة الشباب في الصومال وكينيا، وبوكو حرام في نيجيريا والنيجر وتشاد، وأنصار الدين في مالي، والمتطرفون الإسلامويون في مصر، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والعديد من المجموعات الأفريقية يقسمون بولائهم للدولة الإسلامية.
إضافة إلى تصاعد التطرف الديني وعنف الهُويات، فإنّ الاستجابة التي يقدمها عالَمٌ ديني للأزمات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، يدعونا إلى إعادة التفكير في آثار الدين، لقد ابتكرت الأزمات الأفريقية ممارسات دينية غير عقلانية، قائمة على شكوك عقيمة، وطقوس غريبة، كالمحاكاة الصوتية(3)، والصراخات أحادية المقطع الصوتي.
من أين يأتي الخطر الواقع على الحرية الدينية؟
يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية، ويمكن أن يأتي أيضاً من صراع بين الأديان، لكن داخل الديانة نفسها أيضاً، يمكن للعلاقة المطلقة أن تستعبد الإنسان، بتحليل بعض الممارسات الدينية، يحذّر اللاهوتي والفيلسوف الكونغولي، كا مانا، مما يسمّيه "دكتاتورية الخفي والتورم اللاعقلاني".
"التطرف الديني" اليوم يتجاوز إلى حدّ كبير عالم الإيمان والعبادة

وماذا عن منطقة البحيرات الكبرى؟
لكلّ دولة حقائقها بالتأكيد، بالمعنى الدقيق للكلمة، يعدّ انتهاك حرية الدين محدوداً للغاية ومتقطعاً، الكونغو وبوروندي ورواندا تُعتبَر في الغالب بلداناً كاثوليكية، الكنيسة الكاثوليكية في هذه البلدان الثلاثة متواجدة في الخدمات الاجتماعية، في الكونغو، كان خطاب المؤتمر الأسقفي حاسماً في إدانة ديكتاتورية موبوتو وإرساء الديمقراطية في البلاد، وبصرف النظر عن الأزمة بين الكاردينال مالولا والرئيس موبوتو، في السبعينيات، فقد كان هناك، منذ التسعينيات، عنف حكومي ضدّ الالتزام الاجتماعي للكنيسة، وتمّ قمع المسيرات المسيحية من قبل كلّ من موبوتو وجوزيف كابيلا.

يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية ومن صراع بين الأديان أو حتى داخل الديانة نفسها

وثمة خطر آخر يأتي من الحركات الدينية (...)؛ فأمام الأزمات الاجتماعية والجمود السياسي، يشكّل توسّع وتضخّم الحركات الدينية تهديداً لحرية الضمير، "دكتاتورية غير المرئي"، على حدّ تعبير كا مانا، والتي يصاحبها الخوف، لا يمكن أن تتعايش مع مفهوم الحرية؛ فالمؤمن الخاضع لأوامر زعيم ديني متسلط، يَعِد ويتوعّد بالسماء والأرض، متّهِماً أفراد العائلة نفسها بالسحر، ومحرّضاً على الكراهية، ليست له أيّة حرية، في بوروندي، في عهد باغازا، كانت هناك إجراءات قمعية ضدّ الكنيسة، نظام بيير نكورونزيزا اضطهد طائفة "أتباع إوسيبيا"، منذ عام 2012، وقد فرّ أكثر من 2000 من أتباع هذه الطائفة إلى الكونغو، ناهيك عن التجاوزات "الصوفية" من قبل الرئيس الذي أعلن نفسه "المرشد الأعلى الأبدي"؛ فالربّ الذي يتحدث إليه مباشرة، بحسب زعمه، لا يمنعه من إرسال جزء من سكانه إلى المنفى، تاريخ رواندا، يتميز بتواطؤ الكنيسة مع الأنظمة السابقة إلى حدّ اتهامها، خطأ أو عن حقّ، بالمشاركة في الإبادة الجماعية ضدّ قبيلة التوتسي.
هل تنتهك التدابير التي اتخذتها الحكومة الرواندية لإغلاق عدة أماكن للعبادة حرية الدين؟
لا أعتقد ذلك؛ فإذا سمحت الحكومة الرواندية لنفسها بانتهاك حرية الدين، فهي تنتهك بذلك دستور 2003، المعدَّل عام 2015، الذي يُدرج حرية الدين في المادة 33، في ترتيب حرية الفكر والرأي والضمير نفسه، هذه الحريات تعدّ حقوقاً أساسية، تُعرِّف المادة الأولى من الدستور نفسه الدولةَ الرواندية؛ بأنّها جمهورية علمانية، بمعنى أنّ حقيقة عدم خضوعها لمنظمة دينية معيّنة تضمن تعليمات المادة 33 من هذا الدستور.
ولكن تمّ اتخاذ إجراءات لإغلاق كنائس ومساجد؟
لكن لم يُمنَع أحدٌ من الصلاة، أو من اتّباع تعاليم دينه؛ لقد تعرّضت بعض أماكن العبادة للتلوث الصوتي (الضوضاء)، أو كانت معرضة للتداعي والانهيار، في أيّ وقت، أو لم تكن بها مراحيض، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
باختصار: لم تحترم أماكن العبادة هذه، وهي أماكن عامة بحكم الواقع، التدابيرَ الوقائية ومعايير السلامة والنظافة، ...إلخ؛ فكلّ حكومة مسؤولة لها الحقّ وواجب المنع؛ في نيجيريا، مثلاً، انهارت كنيستان، على الأقل، على المؤمنين، عام 2014، في لاغوس، وفي 2016 في مدينة أويو، يوجد في رواندا نظام تأمين صحيّ للجميع، وهو يمنح بشكل عام ضماناً اجتماعياً جيداً، ومثل هذا الاستثمار المُكلِف ينجح بشكل أفضل مع تدابير وقائية.

في الوقت نفسه؛ أليس فرضُ شهادات على الخطباء الدينيين من قبل الحكومات مشكلة؟
لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة، لكنّ التكفّل بالآلاف من الناس، بالنسبة إليّ، يفترض بالتأكيد المهنية أو الكاريزما، ولكن أيضاً الخبرة، ومتطلباً أخلاقياً، وما يسميه جوزيف مينغت "المعرفة المنطقية" للإيمان، هناك مؤمنون يطلبون مساعدة روحية تشمل إرشاداً نفسياً، أو تسوية نزاع عائلي، وبعضهم يريدون استجابة فورية لمشاكل مالية، ليس متحدثاً وخطيباً جيداً، من يعالج عن بعد، من دون تدريب لاهوتي، ومن دون معرفة بالتخصصات الأخرى، المشكلات التي يطرحها أتباعه، هناك أيضاً حركات دينية مستقلة يمكن لأيّ قائد فيها أن يعلن نفسه رسولاً أو داعيةً أو حَوارياً أو مبشراً، أعرف بعض الذين يرون أنّهم تجسيد لـ "الروح القدس". الكتاب المقدس، أو القرآن الكريم، كتابان مهمان للغاية؛ لنأخذ مثال الكتاب المقدس، الذي هو مجرد مجموعة من الكتب المختلفة المكتوبة بالعبرية واليونانية، من قبل العديد من المؤلفين ولعدة قرون، هناك على الأقل 1500 عام تفصل الكتاب الأول عن الكتاب الثاني؛ ففي كلّ مجال، يعدّ التدريب أكثر من ضروري لتدريس الدين.
القائد الديني الذي يَحظُر ويحرم على المؤمنين من أتباعه، باسم الكتاب المقدس، إكمال علاجهم الطبي بعد دُعائهم بالشفاء، يمثل تهديداً لأنشطة الصحة العامة.
الإيمان ظاهرة معقدة، لكن ما يزال يلعب دوراً إيجابياً؟
هذا استنتاجي؛ ينتشر الدين من خلال تقلبات الواقع الإنساني، "التطرف الديني" اليوم يتجاوز، إلى حدّ كبير، عالم الإيمان والعبادة، يجب على الزعماء الدينيين، من مختلف المجتمعات الدينية، والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحفظة السلام والقادة السياسيين، العمل بالتآزر لإدانة العنف ومكافحته بشكل أفضل، والمشاركة في الإجراءات الوقائية ومبادرات السلام، يمكن أيضاً لنموذج "3P"، المقاضاة والحماية والوقاية، المستخدم في مكافحة الاتجار بالبشر، أن يُطبَّق ضدّ التطرف الديني والعنف، وضدّ حرية الدين، كما تعدّ هياكل التعليم والعدالة وسائل وقائية أيضاً.


الهوامش:
(1) Bearing Witnesses/Témoignages (2016), Lieux discursifs du génocide au Rwanda (Présence Francophone, Vol.83, June 2015), Children in Armed Conflicts (Peace Review, 2012), (With Ensign), Religion in War and Peace in Africa, 2018)
(2) ميليشيا أنتي بالاكا :مصطلح يستخدم للإشارة إلى تحالف من الميليشيات تشكلت في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد أن صعد ميشيل جوتوديا إلى السلطة، عام 2013، ويُقال إنّها تتكون أساساً من المسيحيين. ومع ذلك؛ فقد اعترض بعض قادة الكنيسة على الطابع المسيحي الحصري لمثل هذه الجماعات، وكما أشارت مؤسسة "توني بلير للإيمان" إلى وجود أتباع من الإحيائية بين جماعات أنتي بالاكا، وأفادت منظمة العفو الدولية، عام 2015، بأنّ بعض أعضاء جماعات "أنتي بالاكا" قاموا بتحويل بعض المسلمين قسراً إلى المسيحية، كما وقامت مجموعات من "أنتي بالاكا" بخطف وحرق ودفن نساء حوامل متّهمات بأنهنّ "مشعوذات".
(3) المحاكاة الصوتية: هي محاكاة الأصوات المسموعة في الطبيعة، مثل الضوضاء أو أصوات الحيوانات، منها أصوات الهواء والرياح: حفيف الريح بين أوراق الشجر، أصوات الماء: خرير المياه، أصوات الحيوان: صهيل الخيل ونقيق الضفادع، أصوات تحريك المعادن والمواد الأخرى: صليل السيوف وصرير الباب.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: voaafrique.com

للمشاركة:

نسبة الفقر المدقع تتضاعف في المنطقة العربية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

محمد حماد

أطلق التفاوت الحاد بين الفقراء والأغنياء في العديد من الدول موجة احتجاجات عالمية، كان للمنطقة العربية نصيب الأسد منها، في ظل الافتقار لتحقيق نمو اقتصادي وتداخل القضايا السياسية بالتنموية والاقتصادية، وحيث يتجه الغضب الشعبي نحو النظم السياسية التي تحصن النخبة الحاكمة ضد أي تغيير، وإصلاحاتها المقترحة تكون على حساب الشارع.

وتشير تقارير المنظمات الدولية على غرار البنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (أسكوا) إلى أن المنطقة العربية هي الوحيدة في العالم التي ارتفع فيها معدل الفقر المدقع خلال السنوات الست الأخيرة إلى 20 بالمئة من السكان.

ويحذّر محمود محيي الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولي، من السياسات العشوائية التي تفاقم أوضاع الفقراء في المنطقة، بعد أن شهدت معدلات الفقر ارتفاعا كبيرا، مقابل انخفاض ملحوظ على مستوى العالم. وقال لـ”العرب” إن نسبة من يعانون من الفقر المُدقِع زادت عربيا إلى الضعف من 2.5 بالمئة تقريبا إلى نحو 5 بالمئة، وفق تقديرات البنك الدولي.

ويعدّ الإقليم الاقتصادي العربي الأسوأ في عدم العدالة في توزيع الدخل، إذ يستحوذ أغنى عشرة بالمئة من السكان على نحو ثلثي الدخل القومي، في حين أن العشرة بالمئة الأغنى في أوروبا لا يتجاوز نصيبهم 37 بالمئة وفي الصين 41 بالمئة والهند 55 بالمئة.

الصين بلا فقراء

أرجع محيي الدين، الفضل للصين في خفض معدلات الفقر المُدقِع عالميا، وهذا النموذج جدير بالفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد، حيث نجحت بكين في انتشال أكثر من 850 مليون مواطن من حدة الفقر، ووصفه بأنه “أمر مذهل”.

وتستعد بكين لتعلن العام المقبل أنها خالية تماما من الفقراء، من خلال توفير كساء وغذاء مناسب لكل فرد، ورعاية صحية، وتعليم مجاني في أول تسعة أعوام من المراحل الدراسية.

وأوضح الخبير الاقتصادي أن التجربة الصينية اعتمدت على المؤسسات القائمة منذ عهد  ماو تسي تونغ الذي رأس الحزب الشيوعي في عام 1935 في مواجهة الفقر، وليس الاتجاه لهدمها وبناء مؤسسات جديدة. وما عزز من نجاح النموذج الصيني الاهتمام بالسياسات الكلية في مواجهة المشكلة، والتركيز على الاقتصاد السياسي وآلياته وردود الفعل، فضلا عن إدراكهم لجانب سبقوا فيه غيرهم وهو التواصل والإعلام كجزء أساسي من السياسات العامة والاقتصادية.

ولفت محيي الدين إلى أن الجانب الإعلامي مهم جدا في التأثير على الرأي العام لتقبل الاتجاهات الجديدة، وليس تطبيق السياسات أولا ثم الترويج لها لاحقا.

واستخدمت الصين طريق التواصل المباشر، وتمتلك هذه المرونة من القاعدة إلى القمة من خلال آليات التواصل في الحزب الشيوعي وتم ذلك بشكل كفء للغاية.

وحول السلطات المطلقة للحكومات الإقليمية قال محيي الدين إن المسؤولين يؤمنون بأنه كلما ثبت محور السيارة تسارعت إطاراتها وزاد انطلاقها، ومن هذا المنطلق يمنحون حكام الأقاليم سلطات مطلقة، الأمر الذي عزز من توطين عمليات التنمية وانتعاش حياة الأفراد.

وأشار نائب رئيس البنك الدولي إلى أن التجربة الصينية من الممكن أن تصبح فرصة تطوعها الدول العربية للاستفادة منها في تعزيز معدلات النمو وتنشيط الاقتصاد والاستفادة من طاقات الشباب، فالعالم العربي لديه نقاط قوة لا بد من الاستفادة منها، حيث تزداد المجتمعات شبابية في هرمها السكاني، فنحو 60 بالمئة من السكان في الدول العربية تحت سن الثلاثين.

ويتزامن ذلك مع ارتفاع العمر في ذات الوقت، وهي أمور إيجابية إذا أحسن الاستعداد لها بزيادة الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية كمكونات رئيسية لرأس المال البشري. ورغم القاعدة الشبابية للعالم العربي، إلا أنه يعاني من أعلى نسبة بطالة في العالم، وصلت إلى 10.6 بالمئة وهي تقترب من ضعف متوسط نسبة البطالة العالمية ومقدارها 5.7 بالمئة، وهي أشد تركزا بين شباب العرب وأعلى بين النساء مقارنة بالرجال.

ويحتاج الاقتصاد العربي لخلق 10 ملايين فرصة عمل جديدة كل عام حتى يتصدى لمعضلة البطالة، ومواجهة الفقر، وعلى أن تتاح هذه الفرص وفقا لسياسات نمو شاملة تعزز من فرص مشاركة النساء في سوق العمل، دعما للتنمية المستدامة التي لا تفتئت على حقوق الناس أو تهدر تصف طاقتهم البشرية عبثا.

عشوائية النموذج

لفت محيي الدين إلى أن عدم اكتمال التجارب في حالات عربية كثيرة سببه العشوائية، ليس عشوائية النموذج المراد تطبيقه لمواجهة التحديات، لكن عندما لا تستقيم عملية تراكم الإصلاح عبر الزمن، بغض النظر عن الاتجاه الذي تتبناه الدول سواء كان اشتراكيا أو رأسماليا.

وأكد أن الدول العربية خالفت في هذا الاتجاه النموذج الصيني القائم على استكمال البناء وتطويره، واتبعت نموذج الهدم والبناء من جديد، وتسببت في التخلف عن ركب التنمية وتفاقم معدلات الفقر.

وللخروج من هذا النفق والقضاء على الفقر، طالب بتعظيم الاستثمار في البشر والرعاية الصحية والحوكمة التي تعني فصل الملكية عن الإدارة والقدرة على إعمال دولة القانون لتعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح واستثمار البنية الأساسية والتكنولوجية، ولا تكتمل المنظومة دون إعمال قواعد السوق في توزيع الموارد وأن يكون منظما ومراقبا بما يحقق عدالة المنافسة.

وهذه المبادئ والأطر كانت أهم لبنات نجاح تجارب الصين وفيتنام والهند والبرازيل والمكسيك وكولومبيا، مؤكدا أنه عند الحديث عن الفقر لا بد ألا يجب التوقف عند حدوده فقط، بل لا بد من مراعاة عدالة توزيع الدخل والثروة.

وعن مدى مسؤولية الفقير عن فقره ودور المؤسسات الدولية في مواجهة هذا التحدي، كشف أن هناك 163 دولة عضو في البنك الدولي، استفادت نحو 125 دولة من مساعدته، ونجحت نماذج منها الصين واليابان وكوريا، فكان أول طريق سريع في الصين بتمويل من البنك الدولي وأول مطار أيضا في اليابان وأول قرض لكوريا الجنوبية.

وثمة دول أفريقية نجحت وتسير في الطريق، منها رواندا ولديها برنامج مهم جدا لدى البنك، وبروندي تملك برامج، وإن كانت ليست ناجحة بالشكل الكافي، لكن لديها برامج لمواجهة الفقر، والتباين بين الأمرين يكمن في الإصرار والإرادة السياسية والتوجه الذي تقوم به الدولة التي ترغب في مواجهة تحدي الفقر.

وشدد محيي الدين على أن النجاح والإخفاق مسؤولية الدول في ظل إتاحة البرامج الإنمائية والتمويلية التي تتيحها المؤسسات الدولية، لأن التنمية قضية وطنية محلية العمل داخل نطاق الدول، لكنها لا بد أن تستخدم كل ما يتاح لها من فرص وبرامج تمويلية من المؤسسات الدولية.

وذكر لـ”العرب” أن التقدم التكنولوجي يفتح آفاقا جديدة ويمنح فرصا للتوظيف وتشغيل المشروعات الصغيرة، الأمر الذي يسهم بشكل فاعل في مواجهة الفقر وتوطين التنمية، إذا تم استخدامها بكفاءة، ويعد هذا الاتجاه مصدرا مهمّا يواكب متطلبات الشباب ويعزز نمو مشروعاتهم.

عن "العرب اللندنية"

للمشاركة:

تونس والغنوشي في انتظار صراع الدين والدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

فاروق يوسف

يتحرك شبح راشد الغنوشي بين الحكومة والبرلمان.

خياران كلاهما مر بالنسبة للشعب التونسي.

فالرجل الذي فاز حزبه "حركة النهضة الإسلامية" بأغلبية لا تؤهلها لنيل المنصبين إلا بعد أن تعقد تحالفات صعبة يحلم بأن يحكم تونس.

ذلك هو حلمه الشخصي الأخير. هو ما قد يُحرم منه إذا ما فشلت حركته في اقناع الآخرين بالقبول به.

لربما خُيل إليه أنه رجل تونس القوي بعد وفاة الباجي قائد السبسي. ذلك ليس صحيحا. فالغنوشي هو زعيم حركة تحوم حولها الشبهات.

تلك شبهات يمكن أن لا يلاحقها القضاء إذا ما تمكن الرجل من القبض على إحدى السلطتين. التنفيذية أو التشريعية.

فالغنوشي في حقيقته لا يملك مشروعا للنهوض بتونس وإصلاح الأوضاع الاقتصادية. وإذا ما كان الآخرون يفكرون في حكومة انقاذ اقتصادي وهو ما لا يمكن التراجع عنه خشية انفجار الشارع المتخم بالأزمات، فإن الغنوشي إذا ما أتيحت له فرصة الجلوس على كرسي رئاسة البرلمان على سبيل المثال سيعطل إمكانية الذهاب إلى حكومة انقاذ مصغرة بالاعتماد على العقول الاقتصادية. لا لشيء إلا لأنه يفكر عقائديا، وهو لا يرى في وجود النهضة في رئاسة الحكومة أو البرلمان إلا مناسبة لخدمة المشروع العقائدي الذي ناضل شخصيا أو من خلال حركته من أجل أن يرى النور.

ربما تتخلى حركة النهضة عن السلطة التنفيذية بعد ضمان عدم فتح ملفاتها وتتشبث برئاسة البرلمان من أجل أن يحقق الغنوشي حلمه الشخصي في إدارة الحياة التشريعية. وهو ما قد يحدث. غير أن ذلك حدثا سعيدا بالنسبة لأغلبية الشعب التونسي.

فالغنوشي بالرغم من تجاربه السابقة لم يكن راغبا في الارتقاء بحركته إلى مستوى متطلبات الحفاظ على الدولة المدنية التي يحرص التونسيون على أن يكون وجودها ضمانة لحياتهم مواطنين.

ما تفكر فيه حركة النهضة كونها تنظيما دينيا يقع خارج إطار الدولة المدنية بل هي تعمل على إزاحة تلك الدولة عن طريقها. ذلك لأن وجودها يشكل عقبة في طريق سن القوانين التي تيسر لها السيطرة على مجتمع، يتحول فيه المواطنون إلى رعايا، فيما تفرض الزعامات الدينية أسلوبا في العيش، لن يكون الغفر من خلاله مشكلة تقع على الحكومة والطبقة السياسية مسؤولية حلها.

أما إذا لم تتمكن رئاسة البرلمان مجسدة في شخص الغنوشي من فرض تلك القوانين فإنها ستعمل جاهدة على تعطيل سن القوانين التي سيكون من شأنها تحسين الأوضاع المعيشية في دولة، ستكون عاجزة عن الالتفات إلى مواطنيها في ظل الأزمات التي ستعصف بالسلطتين التشريعية والتنفيذية.

يمكن للغنوشي إذا ما ترأس البرلمان أن يعطل عمل الحكومة.

ويمكنه أيضا إذا ما ترأس الحكومة أن يميع قوانين البرلمان.

ذلك كله مرتبط بشخصيته وضوابط عمله العقائدي والمشروع الديني الذي تبنته حركته. لذلك يمكنني القول إن الرجل لا يصلح لتبوأ منصب سياسي قيادي.

ربما كان على الغنوشي أن لا يرشح نفسه لمنصب قيادي في الدولة ويكتفي بإدارة ممثليه في الدولة من خلال موقعه في الحركة. غير أنه انجر وراء تحقيق حلمه الشخصي من غير أن يفكر بالمستقبل السياسي للحركة التي يقودها والتي لم يرغب في تحريرها من أهدافها الدينية بالرغم من أنها لم تمارس سوى العمل السياسي.

ما كان على أحد أن يطلب من الغنوشي أن يلتزم بمبادئ العمل السياسي في دولة مدنية مثل تونس لو لم يعمل شخصيا في السياسة ويختبر نفسه وحركته في متاهات الديمقراطية التي لا تمت إلى العمل الديني بصلة.

هو رجل سياسة لكن على طريقته الخاصة التي ليس فيها من السياسة الحديثة شيء يمكن التعويل عليه في انجاز ما ينفع الناس.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية