أطماع تركيا وحقوق مصر: الفرق بين الاحتلال وحماية المصالح

أطماع تركيا وحقوق مصر: الفرق بين الاحتلال وحماية المصالح

مشاهدة

22/06/2020

بون شاسع بين التدخّل التركي في ليبيا وتلويح الرئيس المصري عبجالفتاح السيسي بتدخّل عسكريّ فيها؛ فالأول أتى لمصلحة أردوغان وتركيا أولاً في الاقتصاد والنفط الليبي، ولدعم أجندة جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة في عدد من الدولة كتنظيم إرهابي، وإثارة القلق في شرق المتوسط في إطار أطماع أردوغان في الغاز، وفي سياق الصراعات الدولية بين الناتو وروسيا؛ فأين مصلحة الشعب الليبي في ذلك؟

اقرأ أيضاً: مصر بين الردع والتدخل العسكري في ليبيا.. 3 سيناريوهات محتملة

أمّا التدخل المصري المتوقع؛ فيأتي في إطار حقّ مصر المشروع في حماية حدودها الغربية من عبث الجماعات الإرهابية، واتساقاً مع الأخوّة التي تجمع شعبَي البلدين، والارتباطات التاريخية العضوية بينهما منذ آلاف الأعوام، وهدف صريح هو مساعدة الأشقاء الليبيين في إنهاء الاقتتال، والشروع في مفاوضات صادقة من أجل إنقاذ ليبيا وشعبها، ووقف حمامات الدم، فلا أطماع خاصة لمصر وراء التدخّل.

التدخل المصري

في ظلّ المتغيرات التي شهدتها الساحة الليبية، وتغوّل نفوذ الميليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا، والتدخل التركي العسكري، هدّد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بالتدخل عسكرياً في ليبيا، بهدف منع ميليشيات الوفاق (تركيا) من تجاوز الخطوط الحمراء للأمن القومي المصري، ومصالح الشعب الليبي، والمتمثلة في خط سرت-الجفرة، والسيطرة على مناطق النفط، والقبول بمفاوضات عادلة مع المشير حفتر والبرلمان الليبي.

اقرأ أيضاً: أطماع تركيا في ليبيا.. شركات ومشاريع إعادة إعمار

جاءت تصريحات السيسي خلال تفقده للمنطقة العسكرية الغربية، وأعلن فيها سياسة مصر تجاه الوضع في ليبيا، وهي: الحرص على دعم كافة جهود التوصل لتسوية شاملة وعادلة، وسرعة استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن والاستقرار المصري، وضمان السيادة والوحدة الوطنية والإقليمية، وسلامة الأراضي الليبية وأمنها، وسرعة استعادة أركان المؤسسات الوطنية، وإعطاء الأسبقية للقضاء على الإرهاب، ومنع انتشار الجماعات الإجرامية والميليشيات المتطرفة والمسلحة، ووضع حدّ للتدخلات الأجنبية غير الشرعية التي تسهم في تفاقم الأزمة، في إشارةٍ صريحة إلى تركيا.

وأكد السيسي ارتباط أبناء الشعبَين، المصري والليبي، بعلاقاتٍ تاريخية وحضارية وروابط أزلية خاصة عبر الحدود بين الشعبين، ومسؤولية مصر تجاه أشقائها الليبيين، في ألّا تدع السيطرة التركية-الإخوانية على حكومة الوفاق تحوّل البلاد إلى ملاذ للجماعات الإرهابية، وتوظيفها في تهديد أمن دول الجوار.

بناءً على ذلك؛ شدّد السيسي على مشروعية التدخل العسكري المصري؛ لحماية أمن مصر، الذي يأتي بموافقة السلطة الشرعية الوحيدة المنتخبة من الشعب الليبي؛ وهي مجلس النواب.

اقرأ أيضاً: لماذا لوّحت مصر بالتدخل العسكري في ليبيا؟ 

يقول محمد عبد القادر، رئيس تحرير مجلة "شؤون تركية": مرحلة الصراع الحالية في ليبيا فرضت على مصر التدخل العسكري؛ لأنّها لم تعد تشكل تهديداً لأمن ليبيا فقط، بل أيضاً تشكّل تهديداً مباشراً على الأمن المصري؛ حيث دولة معادية (تركيا)، سياسياً وأيديولوجياً، ومتورطة في دعم عمليات إرهابية في الداخل المصري، تسعى لإقامة قواعد عسكرية على حدود مصر.

ويضيف عبد القادر لـ "حفريات": "المشكلة الحالية في ليبيا مركبة؛ فتركيا ليست دولة جوار لمصر، لكن باحتلالها مناطق ليبية أصبحت دولة جوار، وتستند في هذا الاحتلال على جيش قوامه جماعات إرهابية ومرتزقة أجانب، مما يزيد من المخاطر على الأمن القومي المصري".

أطماع تركيا وحقوق مصر

هناك فروق جوهرية بين التدخّل العسكري لتركيا ومصر؛ فالأول أتى في إطار سياسة توسعية احتلالية، فتركيا تحتل مناطق في سوريا والعراق وليبيا، وتهدّد أمن اليمن والصومال، وتنتهك سيادة قبرص واليونان، أمّا مصر فلم تحتل أرض دولة أخرى، ولم تعتدِ على حقوق جيرانها، أو تتورط في سفك دماء الشعب الليبي، يقول محمد عبد القادر لـ "حفريات".

اقرأ أيضاً: بعد تصريحات السيسي عن ليبيا.. الجيش المصري يتصدر توتير

تتمثّل الأطماع التركية في ليبيا في عدة نقاط، هي: استخدام ليبيا قاعدة لنهب حصةٍ من غاز شرق المتوسط، لذلك وقّعت اتفاقيّتَين باطلتَين مع حكومة الوفاق الليبية، بشأن ترسيم الحدود البحرية، اعتدت بموجبهما على المنطقة الاقتصادية لدولتي اليونان وقبرص، دون أن يكون لشعب ليبيا دوراً في ذلك، أو مصلحةً.

جاءت الاتفاقية الثانية، وهي التعاون الأمني كذريعة لتبرير وجودها العسكري لحماية هذه الأطماع، ومحاصرة اليونان وقبرص من الجنوب، ومرةً ثانيةً دون مصلحةٍ لشعب ليبيا، الذي طالما حافظ على علاقة طيبة بدول الجوار.

إلى جانب ذلك؛ هناك أطماع في الداخل الليبي تتمثّل في الحصول على حقوق التنقيب عن النفط والغاز، والاستحواذ على الحصة الكبرى من مشاريع إعادة الإعمار، وتحويل البلاد إلى سوقٍ للمنتجات التركية.

فضلاً عن ذلك؛ الأطماع المرتبطة بمشروع أردوغان التوسعي، وإعادة الإرث العثماني، عن طريق استخدام فروع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في بلدان العالم العربي، فجاء التدخل العسكري لتمكين جماعة الإخوان من السيطرة على ليبيا، كخطوةٍ أولى في هذا المشروع، وكخطوةٍ في خطة أردوغان لتهديد أمن مصر، ودعم الجماعات الإرهابية فيها، في إطار عدائه لها منذ تخلص الشعب المصري من حلفائه الإخوان، في ثورة 30 يونيو.

على الجانب الآخر؛ يأتي التدخل العسكري المصري المرتقب في إطار محورين: الأول لحماية الأمن القومي المصري، الذي يرتبط بأمن دول الجوار، وهو حق مشروع.

والمحور الثاني ينبع من التزام مصر تجاه الشعب الليبي، بما يربط البلدين من علاقة عضوية على جميع الأصعدة، ولذلك يأتي التدخل العسكري لمنع هيمنة طرف فاقد لقراره، لصالح أردوغان والجماعات الإرهابية، كخطوةٍ أولى للانتقال إلى المفاوضات العادلة بين مكونات الشعب الليبي، وصولاً إلى إعادة تأسيس الدولة الحديثة، لخدمة مصالح شعب ليبيا، وحماية استقلالها وسيادتها، ولارتباط استقرار ليبيا باستقرار مصر والمنطقة.

ويوضح محمد عبد القادر لـ "حفريات"؛ أنّ مصر، بخلاف تركيا، لا تدعم ميليشيات مسلحة، ولا تسعى لإنشاء قواعد عسكرية، ولا تدعم فريقاً على حساب آخر، بل توازن بين الليبيين، إلى جانب أنها طرحت نقطة الخروج، حال تدخّلها العسكري، قبل أن تتدخل فعلياً على الأرض.

لذلك ظلت القاهرة لمدة عقد من الزمن ترعى المفاوضات بين الأطراف الليبية، وتدفع ناحية تنظيم المؤسسات الأمنية، ونزع السلاح من يد العصابات الإجرامية، والقضاء على الجماعات الإرهابية، ومن ذلك المحادثات السياسية والأمنية والعسكرية التي استضافتها مراراً، بينما جاء التدخّل العسكري التركي لدعم فصيل الإخوان المسلمين والجماعات الإرهابية بشكل حصري، كون هؤلاء تجمعهم علاقات قوية بتركيا، وتستخدمهم في تنفيذ مخططاتها، مثلما فعلت في سوريا.

مشهد دولي مرتبك

يزيد ارتباك المشهد الدولي حول ليبيا الأزمة تعقيداً؛ إذ إنّ الهواجس الأمريكية من دور مستقبلي لروسيا في ليبيا دفع بها إلى السماح لأردوغان بالتدخل لصالح الأطراف الموالية له، مقابل ضمان مصالح أمريكا الإستراتيجية، وكأنّ أمريكا جاهلة بما فعله أردوغان من تنسيق مع روسيا في سوريا، على حساب مصالح الناتو نفسه؛ حين سخّر قواته ونفوذ الناتو في قتال الأكراد شركاء الناتو في الحرب ضد داعش.

يأتي التدخّل العسكري المصري في أحد أبعاده لإجبار المجتمع الدولي على وضع مصالح مصر في الاعتبار، وعدم الانسياق الكامل وراء تركيا.

يقول محمد عبد القادر لـ "حفريات": "بعض الأطراف (تركيا) تعمل على توجيه كلّ التفاعلات الدولية لخدمة مصالحها، العسكرية والسياسية والاقتصادية، على حساب الشعب الليبي، لتتحول الجهود الدولية إلى وبالٍ على شعوب المنطقة، كما حدث في سوريا والصومال وغيرها، لذلك جاء التهديد المصري بتدخل عسكري لحماية خط سرت-الجفرة الأحمر، لتذكير القوى الدولية بأنّ مصالح مصر المشروعة يجب أخذها بعين الاعتبار".

ويضيف عبد القادر: "بنفرض معادلة جديدة، وبنحقق مصالحنا"، ولن تقبل مصر بسياسة فرض الواقع التركية، التي استخدمتها في العراق وسوريا.

ترحيب ليبي بالتدخل المصري

في السياق نفسه؛ رحّب البرلمان الليبي، وهو "السلطة الوحيدة الشرعية"، بتعبير الرئيس السيسي، بالتدخل المصري، كما رحّب فتحي المريمي، مستشار رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، بكلمة السيسي بخصوص ليبيا، وقال في تصريحات لقناة "RT": إنّ البرلمان يؤيد ما جاء في كلمة الرئيس السيسي، وتأكيده على أنّ سرت وحقول النفط خطّ أحمر، وأنّ مصر لن تتردّد في التدخل العسكري إذا ما تجاوز المرتزقة والجماعات الإرهابية تلك المنطقة.

كما رحّب وزير الخارجية الليبي، عبد الهادي الحويج، بالتصريحات، قائلاً: "ليبيا تتقاسم مع مصر وتونس المصير المشترك"، ومؤكداً أنّ "الموقف المصري تجاه ليبيا ينسجم مع مخرجات برلين وموقف العديد من الدول"، وأنّ موقفها واضحٌ في الوقوف مع الشعب الليبي ضدّ الاستعمار والعدوان الأجنبي والمرتزقة.

الترحيب لم يقتصر على الجهات الرسمية؛ إذ أيّد بيان صادر عن أهالي مدينة طبرق كلمة السيسي حول ليبيا، قائلين: "نتقدم، نحن مؤسسات المجتمع المدني وحكماء وأعيان ومشايخ ومواطنين مدينة طبرق، دار السلام، ليبيا، بتأييد كلمة الرئيس السيسي للوقوف إلى جانب ليبيا والشعب الليبي ضدّ الغزو والعدوان التركي، والمليشيات السورية المسلحة".

كما أعلن مجلس مشايخ وأعيان ترهونة أنّه يحيّي مصر، قيادةً وشعباً، ويؤكد على ضرورة البدء الفوري في تطبيق ما جاء في خطاب الرئيس المصري حول ليبيا، وذلك حسبما أفادت قناة "ليبيا".



الوسوم
الصفحة الرئيسية