ألقاب وأوصاف التبجيل أو الذمّ في التاريخ الإسلامي

ألقاب وأوصاف التبجيل أو الذمّ في التاريخ الإسلامي

مشاهدة

09/04/2018

اللغة العربية؛ شعراً ونثراً، غنية جداً بعبارات الإطراء وألقاب التبجيل والمدح للمقربين، وكذلك بالمقابل هناك أوصاف الهجاء، والذمّ للمخالفين، ومنذ بدء الدعوة الإسلامية، تشكَّلت لغة دينية عربية جديدة، تنهل من معين الوحي، ومن أحاديث الرسول، عليه السلام، وهذه المصطلحات والمشتقات اللغوية العربية الجديدة، جاءت لتؤسّس لميراث ديني إسلامي واسع، ظهر جليّاً في أيام الدعوة المكية، وثم في المدينة المنورة. وحصل بعد ذلك، تجديد وثراء لغوي هائل في مؤلفات التفسير القرآني، والسيرة النبوية، والفقه، والحديث، في العصور الاسلامية التالية.

منذ بدء الدعوة الإسلامية، تشكَّلت لغة دينية عربية جديدة، تنهل من معين الوحي، ومن أحاديث الرسول، عليه السلام

يحاول هذا المقال، أن يوثّق لمفردات وعبارات، ومصطلحات المدح والتبجيل للطيبين والأخيار، من منظور إسلامي عقدي واجتماعي، ويتطرق أيضاً للأوصاف، والكنى، والألقاب الخاصة بأحوال السيّئين الأشرار، من وجهة نظر إسلامية دينية ودنيوية.

ألقاب الطيبين الأخيار من منظور إسلامي

الله سبحانه وتعالى، يمثّل جوهر الخير، والبِرّ، والإحسان الكلي في الدين الإسلامي، وعلى المسلم أن يسبح الله، ويثني عليه مرات عديدة في صلاته اليومية، ويشكره على نعمائه في مجالسه، وأثناء عمله وراحته، والله، سبحانه وتعالى، له تسعة وتسعون اسماً، كلّها تبجل وتمجّد، وتعظّم خالق الوجود، ومرسل الرسل لهداية الناس، وإخراجها من عبادة العباد والأصنام إلى عبادة الله الواحد الأحد.

وهذه الأسماء الحسنى ذكرها الله تعالى في الآية القرآنية: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} (سورة طه، الآية 8)، وكذلك في الحديث النبوي: "إنّ لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلّا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" رواه البخاري. ومن أسماء الله الحسنى: الرحمن، الرحيم، القدوس، الرؤوف. ولا يذكر اسم الله سبحانه إلّا ويتبع بعبارات تمجّد وتثني على الله، مثل: "جلَّ وعلا، وتعالى"، وكذلك عبارات مثل: "ذو الجلال والإكرام"، و"صدق الله العظيم"، بعد الانتهاء من تلاوة القرآن الكريم.

للأنبياء ألقاب تبجيل وكُنى فمثلاً: آدم صفيّ الله وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح الله ومحمد حبيب الله

وللأنبياء كذلك، وهم رسل الله إلى الناس ألقاب تبجيل وكُنى، وعبارات مدح وتكريم؛ حيث نجد أنّ لَقَب النبي آدم؛ هو صفيّ الله، وحمل النبي نوح لقب نجيّ الله، والنبي إبراهيم خليل الله، وسُمِّي النبي موسى كليم الله، ولُقب النبي عيسى بروح الله، ولقب النبي محمد "حبيب الله". ويجب أن تتبع أسماء الأنبياء دائماً عبارة "عليه السلام"، ويتبع اسم النبي محمد عبارة "صلى الله عليه وسلم".

أما صحابة رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، فلهم ألقاب تكريم وكنى، وعبارات مدح ترافق أسماءهم، أو تتبعها دائماً، كعبارة "رضي الله عنه"؛ حيث نجد أنّ الصحابي أبو بكر بن قحافة يتبع اسمه لقب "الصّدِّيق"، لأنّه أول من صدّق رسالة النبي محمد، ويلقب الخليفة عمر بن الخطاب بالفاروق، والخليفة عثمان بن عفان بــ "ذي النورين"؛ لأنّه تزوج باثنتين من بنات النبي، هما: السيدة رقية، رضي الله عنها، وبعد وفاتها تزوّج بالسيدة أم كلثوم، رضي الله عنها.

وتتبع اسم الصحابي والخليفة، علي بن أبي طالب، عبارة "كرَّم الله وجهه"، وذلك لأنّه لم يسجد لصنم قط، ويُلقَّب الصحابي حمزة بن عبد المطلب بـ "أسد الله" لشجاعته في مواجهة أعداء الإسلام، أما الصحابي خالد بن الوليد، رضي الله عنه، فيلقب بـ "سيف الله المسلول"، والصحابي أبو عبيدة عامر بن الجراح، رضي الله عنه، يلقب بـ "أمين الأمة"، وسُمّي عبد الله بن العباس "حبر الأمة".

بعد أن ضعفت الدولة العباسية ظهرت دول كثيرة كان يحمل حكامها ألقاب مثل صلاح الدين وعماد الدين وشهاب الدين

ويلقب الخلفاء طوال التاريخ الإسلامي من بعد ذلك بألقابٍ كثيرة، جُلّها تحمل معاني التمجيد والتعظيم والتبجيل؛ حيث أطلق معاوية بن أبي سفيان على نفسه لقب "الناصر لدين الله"، وعبد الملك بن مروان لَقَّب نفسه بـ "حَمامة المسجد" ليدلّ على كثرة تعبّده، أما الخليفة الأموي الذي كان يلقب بالعادل، والزاهد، وهو عمر بن عبد العزيز، الذي مات مسموماً بعد ثلاثة أعوام من حكمه، فيلقب بـ "خامس الخلفاء الراشدين". ونجد أنّ الخلفاء الأمويين في الأندلس كانوا يتبعون أسماءهم بـألقاب مثل: "المستعين بالله، المستكفي بالله، المستظهر بالله، والمعتد بالله"، واعتمد الخلفاء العباسيون ألقاباً كثيرة مثل؛ "المنصور"، لقب الخليفة أبو جعفر، وألقاب مثل؛ المهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم بالله، والواثق بالله، والمتوكل على الله.

وبعد أن ضعفت الدولة العباسية، ظهرت دول كثيرة وكان يحمل حكامها ألقاب مثل؛ "صلاح الدين"، و"عماد الدين"، و"شهاب الدين".

وكلّ ألقاب الخلفاء الأمويين والعباسيين، وحكام الدول الإسلامية التالية، تحاول أن تصبغ منصب الخلافة، وشخص الخليفة بصفات الهداية، وحمل الأمانة، وتعكس رغبة الخلفاء بإعطاء انطباع في نفوس عموم المسلمين، أنّهم معتصمين بالله، ومتوكّلين عليه في جميع سياساتهم وقرارتهم، وغالباً ما كان يذكر اللقب الذي يعكس الصلاح والتقوى، والتعلق بعرى الدين والإسلام أكثر من ذكر الاسم نفسه، فنحن نعرف المأمون والمعتصم وصلاح الدين، ولا يعرف كثير منا أسماءهم الحقيقية.

هناك ألقاب لعلماء وفقهاء فنجد عبارات إجلال وتبجيل مثل: شيخ الإسلام  وحجة الإسلام ... إلخ

وهناك أيضاً ألقاب لعلماء وفقهاء الدين الاسلامي عبر التاريخ؛ حيث نجد عبارات إجلال وتبجيل مثل: "شيخ الإسلام"، الذي أطلق على كثير من الفقهاء، و"حجة الإسلام"؛ لقب الإمام أبو حامد الغزالي، و"العلامة الجهبذ"، و"شمس العارفين"، و"بحر العلوم"، و"شيخ الوقت والزمان"، و"أعلم أهل الأرض"، و"برهان الإسلام"، و"عَلَمْ الهدى"، و"الإمام الأعظم"؛ الذي أطلق على الفقيه أبو حنيفة النعمان.

ألقاب السيئين الأشرار من منظور إسلامي

لم يَجمع أحد صفات الشرّ المطلق في الموروث الإسلامي، كما جمع "إبليس"، وإبليس من الجنّ، وتمت ترقيته لمرتبة الملائكة لعبادته وطاعته لله، لكنّه عصى الله سبحانه عندما أمره بالسجود لأبي البشر "آدم"، ورفض الامتثال، وكانت عاقبة ذلك أن غضب الله على إبليس، وطرده من السماء، ودائماً تلحق ألقاب وأوصاف كثيرة بإبليس مثل: الرجيم، واللعين، والخناس، والوسواس، والخبيث، والمنبوذ، ودائماً يستخدم وصف "إبليس" لأيّ شخص يظهر مكراً، أو خبثاً، في التعامل مع غيره من الناس، أو يظهر الخيلاء، والكبر، والتمرد، أو الغواية.

من الألقاب التي أطلقت على أعداء الإسلام في بداية البعثة النبوية، نجد وصف "الأشرم"، لوصف القائد العسكري الحبشي "أبرهة"، أو "أبرهام"، الذي هاجم الكعبة قبل الإسلام وقد مات هو وجيشه بحجارة من سجيل، بحسب ما ذُكر في سورة الفيل.

ونجد ألقاباً وكنى تصف عدداً ممن ناصبوا الدين الإسلامي العداء، من أهل مكة، ومنهم: عمر بن هشام، الذي يُكنَّى بأبي جهل، ولُقِّب عبد العزا بن عبد المطلب بـأبي لهب، بحسب اللقب الذي ذكره القرآن الكريم في سورة المسد، حيث تقول الآية: {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.

بعد وفاة الرسول عليه السلام ظهر مصطلح "مرتد" لوصف أيّ فرد من القبائل العربية التي خرجت من الإسلام

ونجد أنّ الوليد بن المغيرة حمل لقب "عتل زنيم" أي شرير، بعد أن جاءت الآية صريحة بحقّه في سورة القلم: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} (القلم: 13)، وكلّ من لم يسلِم ويدخل في دين الله، أطلق عليه لفظ "كافر، أو مشرك"، وأطلق لقب "منافق" على كلّ من أظهر الإسلام، وأبطن عدم الإيمان بالدين الإسلامي.

وبعد وفاة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، ظهرت مصطلحات وألقاب مثل: "مرتد" في وصف أيّ فرد من القبائل العربية التي خرجت من الإسلام بعد وفاة الرسول، وظهرت أسماء شاركت في حركة الردّة عن الدين الإسلامي مثل: عبهلة العنسي الذي أطلق عليه لقب "الأسود العنسي"، أو "ذي الخمار"، وسمِّي مسيلمة بن حبيب الحنفي بـ "مُسيلمة الكذاب"، بعد أن ادّعى النبوة.

كان وما يزال كثير من المسلمين  ينفرون من ذكر بعض الشخصيات لأنّ ألقابهم كانت ترمز إلى معاداة الإسلام

واستخدمت ألقاب كثيرة في التاريخ الإسلامي لاحقاً مثل: لقب "زنديق" لوصف كل من جاء بأفكار تخالف آراء وفتاوى كبار الفقهاء، ولقب "ملحد" لكلّ من ينكر وجود الله، وكذلك ألقاب مثل: "رويبضة" لأي شخص من غير رجال الدين يدلي برأيه في موضوع ديني أو عام، ومن يتبع آراء، أو أوامر، أي إنسان من غير تمحيص كان يسمَّى "إمّعة"، ومن يطالب بإعطاء حقوق أكثر للنساء، أو يؤمن بمشاركة المرأة في الحياة العامة، كان كثير من الفقهاء المتشددين يطلقون عليه لقب "ديّوث"، أي لا غيرة عنده على نساء المسلمين.

في الختام؛ أطلقت الألقاب والكنى والأوصاف طوال التاريخ الإسلامي، وكانت إما تمدح وتبجل كلّ من يخدم الإسلام، ويرفع من شأنه، وتذمّ وتنتقد كل من عارض الدعوة الإسلامية، أو وقف في طريق نشر الهدى والإيمان بين الناس، وكان لهذه الألقاب أثر عميق، وطويل الأمد في محبة وتبجيل الناس للممدوحين؛ لأنّ ألقابهم جميلة وحسنة.

وخلافاً لذلك؛ كان وما يزال كثير من المسلمين يبغضون، أو ينفرون، من ذكر بعض الشخصيات؛ لأنّ ألقابهم كانت ترمز إلى معاداة الإسلام، أو تدل على أفعالهم السيئة، وغير الحميدة، في فترة من فترات التاريخ الإسلامي.

الصفحة الرئيسية