"أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل

فلسطين

"أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل

مشاهدة

29/12/2019

للوهلة الأولى، تشعر بأنّك على مشارف سجن كبير داخل مستوطنة تحيط بها الأسلاك الشائكة والجدار والبوابات الحديدية وكاميرات المراقبة ومركبات الجيش الإسرائيلي المصفحة التي تعجّ بالمكان، هذا هو حال منزل المواطن، هاني عامر، من قرية مسحة غرب سلفيت بالضفة الغربية المحتلة، الذي تتفاقم معاناته يوماً بعد يوم بفعل تهديدات الاحتلال ومستوطنيه بالطرد والقتل، حتى وصلت حياة عائلته إلى جحيم لا يطاق.

اقرأ أيضاً: هل توارت البرجوازية الفلسطينية عن المشهد الوطني بعد النكبة؟
وفي مطلع سبعينيات القرن الماضي؛ اشترى عامر (62 عاماً)، الذي يعيل عائلته المكونة من ثمانية أفراد، قطعة أرض مساحتها 28 دونماً إلى الغرب من قرية مسحة، وأقام عليها بيتاً جديداً، بعد أن هُجّر وعائلته من قرية كفر قاسم في فلسطين المحتلة عام 1948، لتبدأ معاناته مع النكبة الفلسطينية، دون أن يلوح بالأفق أيّ حلّ لمعاناته الحالية القائمة.

"أهلاً بكم في دولة هاني عامر"، عبارة كتبها مواطن فلسطيني على جدار يفصله عن منزله ويبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار

"أهلاً بكم في دولة هاني عامر"، عبارة كتبها عامر على الجدار الذي يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار، وبمحاذاته تتواجد بوابة حديدية واحدة يدخل بها إلى منزله، الذي يقع في مستوطنة القناة، التي تعدّ من أكبر المستوطنات في محافظة سلفيت، وتمتدّ على قمم التلال المطلّة على قرية مسحة.

ووفق إحصائية صادرة عن مركز أبحاث الأراضي بالقدس؛ فإنّ طول مسار جدار الفصل العنصري بمحافظة سلفيت بلغ 16 ألف و523 متراً، ودمّر ما يقارب من 8 آلاف و697 دونماً زراعياً، كما عزل الجدار 13 ألف دونم، ومع اكتمال إنشاء الجدار سيؤدي ذلك إلى عزل 94 ألفاً و866 دونماً من أراضي المواطنين بالمحافظة عن قراهم.
وبحسب مركز المعلومات الفلسطيني؛ ففي عام 1978 أقيمت أول مستوطنة وهي "القناة" على مساحة 50 دونماً، قبل أن تتوسع وتسيطر على آلاف الدونمات من أراضي قرية مسحة في محافظة سلفيت.

سجن كبير
ويضيف عامر في حديثه لـ "حفريات": "معاناتي بدأت خلال العام 2003، مع قيام سلطات الاحتلال ببناء جدار الفصل العنصري؛ حين تمّ تخييري من قبل الجانب الإسرائيلي؛ إما ترك المنزل والرحيل للسكن خلف الجدار أو البقاء بداخله، وإلا سيجعلون حياتي مأساوية، فرفضت المقترح الإسرائيلي، وتمّت إقامة الجدار، الذي تعتليه الأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة أمام منزلي مباشرة، حتى بات المنزل من جهته الخلفية يطلّ على مستوطنة القناة، ولا تبعد مساكن المستوطنين عن البيت سوى أقل من 15 متراً".

اقرأ أيضاً: الفلسطينيون والعام 2020.. تفاؤلات خجولة وتمسك بالأمل

وتابع: "الاحتلال الإسرائيلي قام بمصادرة أرضي، إضافة إلى تدمير مطعم سياحي ومشتل زراعي ومزرعة للدواجن كنت امتلكها منذ عدة أعوام، وذلك لإقامة جدار الضمّ والتوسع الإسرائيلي، ليلاحقني الاحتلال في مصدر رزقي وعيشي، وأتكبد خسارة مالية تقدر بأكثر من 280 ألف دولار أمريكي".
اقرأ أيضاً: المستشفى الأمريكي في غزة: للعلاج أم للتجسس على الفلسطينيين؟
ولفت عامر إلى أنّ إسرائيل عمدت إلى مصادرة أرضه لتوسيع مستوطنة القناة، حتى أصبح يعيش وأسرته في سجن كبير يحيط به الجدار والمستوطنات والبوابات الحديدية، ويسمح الاحتلال الإسرائيلي له بالدخول والخروج من منزله عبر بوابة صغيرة، كي يستطيع قضاء حوائجه لمدة 15 دقيقة خلال اليوم، إلى أن استطاع بصموده وبجهود بعض المتضامنين الأجانب الذين شاهدوا معاناته بالضغط على الجانب الإسرائيلي للسماح له وعائلته بالدخول والخروج بأيّ وقت من منزله، والسماح له باستقبال ضيوفه وأقاربه القادمين إليه".

طرده من منزله
وأشار إلى أنّه استطاع بعد عدة أعوام قضاها داخل المحاكم الإسرائيلية استعادة دونم زراعي واحد فقط من أرضه المصادرة، يتوسطه منزل لا تتجاوز مساحته 110 أمتار، ويقطنه مع عائلته، وتمنعه قوات الاحتلال من إجراء أية عمليات بناء وتوسعة عليه، لمحاولة دفعه للرحيل من منزله وأرضه، بعد محاولات إسرائيلية متكررة لطرده من منزله عنوة وتحت تهديد السلاح.

اقرأ أيضاً: الأزمات المالية وسوء الأوضاع الاقتصادية يعصفان بذهب الفلسطينيين
"لا نعرف طعماً للراحة، والخوف يرافقنا عند الدخول والخروج من المنزل، ويمارس بحقنا أبشع أنواع الاضطهاد"، وفق عامر، "ولا نستطيع ممارسة حياتنا بشكل طبيعي، نبقى طوال الليل يقظين خوفاً من قيام قطعان المستوطنين بمهاجمتنا في ساعات متأخرة من الليل؛ إذ يقومون بإلقاء الحجارة وإطلاق الرصاص الحي في الهواء لترويعنا".

اعتداءات قمعية
من جهتها، تقول زوجة هاني، المواطنة منيرة عامر (55 عاماً) لـ "حفريات": "عائلتي تعيش في رعب مستمر، بعد أن حوّل الاحتلال ومستوطنيه حياة أسرتي إلى كابوس"، حيث يتعرضون لزوجها وأبنائها بالاعتداء والضرب والتنكيل، ورشق المنزل بالحجارة، حتى اضطرت العائلة للاستجابة لشروط الاحتلال بإغلاق نوافذ منزلهما الخلفية والمطلة على مستوطنة القناة بالإسمنت، مشيرة إلى أنّ هذه الممارسات القمعية "هدفها طردنا من المنزل وتهجيرنا قسراً منه".

اقرأ أيضاً: الرفاق الخليجيون على خطوط التماس دعماً للثورة الفلسطينية

وتبيّن أنّ منزلها محاط بالتجمعات الاستيطانية والجدار من ثلاثة اتجاهات، وتعيش وأسرتها في سجن نتيجة القيود والشروط التعسفية التي تفرضها قوات الاحتلال عليهم، التي حرمتهم من زيارة الأهل والأقارب لهم في أوقات كثيرة إلا بعد الحصول على تراخيص مسبقة، كون المنطقة التي يعيشون فيها هي منطقة عسكرية مغلقة بأمر من الاحتلال الإسرائيلي".

سرقة الأراضي المثمرة وتدميرها
وتضيف أنّ أرض زوجها المصادرة كانت مزروعة بأشجار بالزيتون والخيار والطماطم وأنواع مختلفة من الخضار والفواكه؛ حيث تمّت استعادة ثمانية دونمات فقط من الأرض، بعد جهود بذلتها منظمات حقوقية دولية، إلا أنّ الأرض تقع خلف الجدار العازل، و"نحتاج إلى ستّ ساعات للوصول إليها بفعل الجدار والحواجز والبوابات الحديدية، بعدما كان يتطلب الوصول إليها سابقاً 10 دقائق فقط".

اقرأ أيضاً: كيف تتحكّم القيود السياسية والاجتماعية بالكوميديا الفلسطينية؟
وتابعت عامر: "المستوطنون يقومون بقطف وسرقة محصول الأرض، خاصة ثمار الزيتون، وكأنّ المكان لا يوجد من يملكه، وبعض الأشجار المثمرة والمعمرة لم يكتب لها البقاء؛ حيث عمد المستوطنون إلى حرقها أو قطعها، ليقوم الاحتلال ومستوطنوه بتدمير كلّ شيء نملكه كسائر أراضي القرية، التي يصادر الاحتلال أكثر من ثلثيها، ولا يسمح لأصحابها بالوصول إليها إلا بعد حصولهم على تصاريح من الجانب الإسرائيلي لدخول أراضيهم".

حملة إسرائيلية شرسة
بدوره، يقول الباحث في شؤون الاستيطان، خالد معالي، لـ "حفريات": "قرية مسحة، التي تقدَّر مساحتها بـ 6 آلاف دونم، تعاني ظروفاً اقتصادية واجتماعية سيئة؛ حيث حرمهم الجدار ومستوطنة القناة من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، التي تشكّل مصدر رزقهم الوحيد، إضافة إلى تشتيت عائلات القرية عن بعضها، بعد بناء الجدار الذي ضمّ بعض منازلها إلى داخله"، مبيناً أنّ "الاحتلال الإسرائيلي صادر مساحات واسعة من الدونمات الزراعية، عام 2003، لصالح بناء جدار الفصل العنصري".

الباحث في شؤون الاستيطان خالد معالي: قرية مسحة، ذات الـ 6 آلاف دونم، تعاني ظروفاً اقتصادية واجتماعية سيئة

ويضيف: "وفق بيانات صادرة عن مؤسسات حقوقية؛ فإنّ نسبة الأراضي التي صادرتها إسرائيل من قرية مسحة تقدر بــ 80% لصالح الاستيطان والجدار، ووصلت خسائرها الاقتصادية إلى نحو 90% مما كان عليه الوضع قبل بناء الجدار ومصادرة الأراضي المزروعة بالزيتون الذي يعدّ عصب الحياة للفلاحين الفلسطينيين".
ولفت معالي إلى أنّ "الجدار الإسرائيلي قام بفصل شرق محافظة سلفيت عن غربها"، مشيراً إلى أنّ هناك حملة إسرائيلية شرسة ووتيرة استيطانية متسارعة بقرية مسحة لطرد سكانها الأصليين وتهديدهم بالقتل، للاستيلاء على ما تبقى من أراضي القرية لاستكمال المشاريع الاستيطانية التهويدية بالمنطقة، واستقدام أعداد إضافية من المستوطنين إليها".
ولإحكام السيطرة على قرية مسحة وباقي القرى في محافظة سلفيت؛ تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفق معالي، بالتضييق على سكانها بقطع المياه والكهرباء، وهدم منازلهم بحجة البناء من دون ترخيص.

الصفحة الرئيسية