إسرائيل المرعوبة: قبضنا على الأسرى الأربعة من دون دم فلماذا التصعيد؟

إسرائيل المرعوبة: قبضنا على الأسرى الأربعة من دون دم فلماذا التصعيد؟

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
16/09/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

قبل أن يتم إلقاء القبض على أربعة منهم، شكّل هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من سجن جلبوع فضيحة لمصلحة السجون الإسرائيلية وكشفها عارية أمام الإسرائيليين، صحيح أنّ العملية اكتسبت صدى ومبالغة لافتة، لكنّ الخلل الذي رافق أداء مصلحة السجون لا يقل خطورة عنها، ومن الواضح أنّ السيناريوهات المحتملة متزايدة؛ بسبب العديد من علامات الاستفهام التي رافقت السلوك الإسرائيلي، حيث يؤكد نجاح تحرير الأسرى أنفسهم من أكثر السجون الإسرائيلية حراسة عبر نفق أرضي هشاشة المنظومة الإسرائيلية وضعفها.

 كما أنّ ذلك شكّل فشلاً أمنياً لدولة إسرائيل، المفتش العام للشرطة الإسرائيلية تعهّد "في حال تمّ القبض على الأسرى الهاربين فسنقيم الاحتفالات"، لكن بعد أن تمكّنت الشرطة من القبض على عدد منهم، تراجع المفتش العام وقال من الأفضل لإسرائيل ألا تحتفل، فثمة دروس مريرة من قضية الفرار من سجن جلبوع تمسّ كلّ المنظومات التي تتعلق بأمن إسرائيل، فعملية الفرار سارت على الأقدام واستمر المشي فيها لمسافة 30 كيلو متراً، وهذا دليل على أنّه لم تنتظرهم أية سيارة في الخارج، كما ادّعت التحقيقات الإسرائيلية، كما أنّ عملية الفرار تثبت انعدام أداء منظومة الحبس والحراسة، فالعملية أوصلت رسالة للفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة، بأنّ المنظومة الإسرائيلية ضعيفة وقابلة للاختراق وخائفة من استخدام قوتها وصلاحياتها، وكلّ واحد يحاول أن ينهي ورديته بسلام، وهذا هو مرض كلّ منظومات الإنقاذ والأمن الإسرائيلية.  

في نهاية العام الماضي، نجحت إدارة السجن في معتقل جلبوع في تركيب أجهزة تشويش تعترض المكالمات الهاتفية من السجن، بوساطة تكنولوجيا متطورة، على الرغم من معارضة الأسرى الأمنيين، وقد تم تشغيل هذه الأجهزة في البداية إلى جانب الهواتف الأرضية، لكن حينها اندلعت احتجاجات كبيرة وسط السجناء الذين هددوا بالإضراب عن الطعام، ووقعت اضطرابات واعتداءات على السجانين؛ فالأجهزة كلفت إسرائيل مبالغ كبيرة، لكن في النهاية فضّلت مصلحة السجن عدم استخدامها، تجنباً لاندلاع الاحتجاجات في صفوف الأسرى وسمحوا لهم بمواصلة استخدام الهواتف الخلوية، فإدارة السجن تجد نفسها حائرة أمام أسرى الجهاد الإسلامي بالتحديد وتجد صعوبة في التعامل معهم.

سجناء الجهاد الإسلامي

 سجناء الجهاد الإسلامي يمولون أنفسهم بالأموال التي يحصلون عليها من السلطة الفلسطينية والتي يتم تحويلها إليهم بشكل ثابت، بوساطة هذه الأموال يشترون كامل مستلزماتهم، لكن هناك اختراقات يصعب على إدارة السجون كشفها، فالعديد من صور سجناء الجهاد سُرّبت وهم يحتفلون بالمناسبات ويحملون الحلوى بواسطة الهواتف التي هربت إلى الداخل، فهناك حوالي 400 سجين من الجهاد الإسلامي في السجون الإسرائيلية، منهم عدد كبير متهمون بقضايا أمنية، لكنّهم في مصلحة السجون يجدون صعوبة كبيرة في السيطرة على سجناء هذا التنظيم، يدور الحديث عن تنظيم مغلق وخلايا يصعب كسرها من ناحية استخبارية، وهناك تخوف من أن يصبحوا قوة مساومة مع قيادة السجون، تقرر في مصلحة السجون ألا يتم وضع سجناء هذا التنظيم في قسم خاص بهم، الآن معظم سجناء الجهاد الإسلامي يوجدون في أقسام حماس، وهم موزعون على السجون في محاولة للحصول على معلومات منهم.

وصف جنرالات في الجيش الإسرائيلي هروب الأسرى بأنّه أخطر قضية منذ عقود تمر على إسرائيل، فهذا فشل ذريع، ويصعب قبول هذه المهزلة لأنّنا أمام وقت حزين

 وهذا القرار أدّى إلى التوتر مع السجناء الآخرين، إلى جانب إخلال بالنظام من قبل سجناء الجهاد الإسلامي، إضافة إلى ذلك اتخذت مصلحة السجون عقاباً جماعياً ضدّ جميع السجناء ضمن أمور أخرى، منها؛ تعليق زيارة العائلات بوساطة الصليب الأحمر، وقلّصت ساعات الفورة خارج الغرف من أربع ساعات إلى ساعة واحدة، تحدث مسؤولون كبار عن إخفاقات أمنية ساعدت الأسرى على الهروب، وهذه الإخفاقات موجودة ولم تتم معالجتها منذ فترة طويلة، وفي رأي المسؤولين؛ فإنّ الإخفاقات في عملية هروب الأسرى تتوزع على إدارة سجن جلبوع وشعبة الاستخبارات في مصلحة السجون، إلى جانب وجود جملة إخفاقات سبقت عملية هروب الأسرى، بدءاً بحالة التراخي التنظيمي لمصلحة السجون وتعيين الأشخاص غير المناسبين للوظائف الخاطئة، وتجاهل الإرشادات وثقافة الاستدراج والاختباء والهرب، وتوجيه النقد الخارجي للكنيست والحكومة، كما أنّ المسؤول عن السجن لا يجوز له أن يبقى جالساً خلف مكتبه، في حين يقدر مسؤولون آخرون أنّ بعض الإخفاقات ليست من مسؤولية مصلحة السجون مباشرة، بل تقع على عاتق الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لأنّ السجون الإسرائيلية شهدت نهجاً متراخياً يعرفه الجميع منذ سنوات، بسبب خشية إسرائيل من أية مواجهة مع الأسرى.

الجبهة الداخلية في إسرائيل

 واليوم، بعد هذا الهروب، ستحاول مصلحة السجون إصلاح هذه الأعطال والأضرار الهائلة التي تسببت في هذا الفشل، في المقابل يزداد القلق لدى الجبهة الداخلية في إسرائيل من استفادة المنظمات الفلسطينية من الوضع المترتب على عمليات إلقاء القبض على عدد من الأسرى الهاربين، فالأجواء ملتهبة وفرصة الإشعال واردة، وأيّ تحرك إسرائيلي سيتم تجاه الأسرى ستكون له عواقب بعيدة المدى؛ لأنّ قضية أكثر من أيّة قضية أخرى لها إمكانات مدمرة، كونها محلّ إجماع مطلق في الشارع الفلسطيني؛ فرواية إسرائيل، التي تدّعي أنّ الأمر يتعلق بسجناء خطيرين وأيديهم ملطخة بالدماء، ليست لها أية أهمية في الخطاب العام الفلسطيني، على العكس؛ هؤلاء السجناء يعدّهم الرأي العام الفلسطيني أبطالاً نجحوا في التغلب على أحد الأجهزة الأمنية الأكثر تطوراً في العالم وتحرير أنفسهم، طلب الفلسطينيون تأمين الحماية للسجناء عند الحاجة وعدم التعاون مع عملية تعقبهم، ففي حالة الترقب أثناء مواصلة عمليات البحث الإسرائيلية عن باقي الأسرى الهاربين، يتوقع أن تزداد وتيرة الاحتكاك؛ كون معظم الأسرى من مدينة جنين.

 ويمكن الإشارة إلى أنّ هذه المدينة أصبحت كياناً مستقلاً ومنفصلاً إلى حد كبير عن السلطة الفلسطينية، التي تخشى قواتها الأمنية من دخول المدينة ومخيمها، وعندما فعلوا ذلك قبل أسابيع لمصادرة مركبات غير قانونية، وصل مسلحون لمركز الشرطة وفتحوا النار واستعادوا المركبات، ومن أجل إحباط أية اشتباكات متوقعة في المدينة، هناك حاجة لدرجة عالية من التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وجنين ليست تحت سيطرتها الكاملة، لكن مثل هذا التنسيق سيعمل على احتواء الأحداث في شمال الضفة الغربية ومنع تسربها لقطاعات أخرى فيها، ورغم تسجيل أحداث عنف في رام الله والخليل، لكنّها ما تزال تحت السيطرة، ولا يمكن للسلطة الفلسطينية وأجهزة أمنها السماح لأنفسهم بالظهور كمن ساعدوا إسرائيل في إلقاء القبض على السجناء الفارين، لكنّها أيضاً لا تستطيع أن تتيح لهم الحماية.

الآن، وفي الوقت الذي قبض فيه على الأسرى الأربعة معافين، فلا يوجد حساب دموي جديد، ولا ذريعة للتنظيمات الفلسطينية للتمسك بها لإعادة إشعال المناطق الفلسطينية

 حتى إن لم تستعن إسرائيل بالسلطة الفلسطينية، فإنّ إلقاء القبض على السجناء الستة الفارين في أراضي السلطة، هو تحدٍّ مهم قد تكون له تداعيات قاسية، وإذا مات أيّ من السجناء أثناء العمليات فقد تصبح التداعيات أكثر أهمية، منذ الساعات الأولى لهروب الأسرى يفضّل إسرائيليون هروب السجناء إلى دولة مجاورة أو إلى قطاع غزة، وذلك لتجنب الحاجة إلى مواجهة تداعيات إلقاء القبض عليهم في الضفة الغربية، لكن مع تصاعد وتيرة المواجهات سيحتاج الجيش خلال الأيام القادمة لزيادة قواته، والخوف يقف عند محاولة السلطة الفلسطينية الابتعاد عن التعاون الأمني العلني والمفتوح مع إسرائيل، حتى لا ينظر إليها على أنّها متعاونة في موضوع الأسرى، وهذه القضية تعدّ توافقية في الشارع الفلسطيني، لكن وراء الكواليس لها مصلحة في القيام بذلك، فالفوضى وتقوية التنظيمات المسلحة تهدد سيطرة السلطة في الضفة الغربية، أما الآن، وفي الوقت الذي قبض فيه على الأسرى الأربعة معافين، فلا يوجد حساب دموي جديد، ولا ذريعة للتنظيمات الفلسطينية للتمسك بها لإعادة إشعال المناطق الفلسطينية؛ فالمطاردون الأربعة كانوا داخل حدود الخط الأخضر، ولم يكونوا مسلحين، هذه الحقيقة ضمنت استسلامهم دون أية إصابة، وإذا وصل واحد من الاثنين المتبقيين إلى جنين، فسيشعرون هناك بأنّهم أكثر أمناً، أجهزة السلطة الفلسطينية تقلل من الدخول إلى المخيم، والنشطاء المسلحون سيوفرون الحماية للفارين من السجن الإسرائيلي، لكنّ أيّ دخول إسرائيلي إلى المدينة سيرافقه تبادل لإطلاق النار، وقد ينتهي بموتهما، يجب الأخذ في الحسبان باحتمالية أن يشرع الاثنان بتنفيذ عملية، في محاولة للتسبّب بالضرر قبل إلقاء القبض عليهما أو قتلهما.

جنرالات: هذا حادث مخجل

لقد وصف جنرالات في الجيش الإسرائيلي هروب الأسرى بأنّه أخطر قضية منذ عقود تمر على إسرائيل، فهذا فشل ذريع، ويصعب قبول هذه المهزلة لأنّنا أمام وقت حزين، هذا حادث مخجل لأنّ هناك أوامر تتطلب فحصاً شاملاً تحت كلّ مرحاض حمام، وفي أية نقطة، هذا ليس الهروب الأول، فقد كانت هناك محاولات دائماً مثل هذه، رغم أنّ سجن جلبوع يعد مكاناً آمناً يحتجز فيه أخطر الأسرى في إسرائيل، إلا أنّه، وبعد الإخفاق في سجن جلبوع، يجب على طاقم التحقيق مع إدارة السجن التركيز على جملة من الأسئلة المهمة في القضية؛ فبرج الحراسة يقع فوق فتحة النفق، كيف على الكاميرات والحارسة المناوبة عدم رؤية الحدث، كما أنّ الأسرى الستة تمكّنوا من حفر النفق خارج السجن، بل وفتحوا فتحة خروج قرب جدرانه دون أن يعرف أحد ما يجري، ما يعني ذلك وجود مشكلة كبيرة في الجانب الاستخباراتي، كيف يتم حفر نفق لشهور أو لسنوات ولا يعلم به أيّ مخبِر، لكن، وبشكل أولي أمام هذا الإخفاق، مصلحة السجون مطالبة بالاستمرار في الحفاظ على النظام في السجون، بعد فشلها الخطير وتعرضها لضربة معنوية شديدة، وما يشعرون به من إحباط وخيبة أمل كبيرة، فما جرى يمثل انتكاسة لمنظومة الأمن مقابل انتصار حققه الأسرى، فهناك العديد من الثغرات يمكن من خلالها دخول الأراضي الفلسطينية من منطقة جلبوع، والوصول إلى مناطق الضفة الغربية في بضع ساعات قليلة، فكيف يمكن لدولة عظمى، يقولون إنّها الدولة الثامنة من حيث قوتها العسكرية في العالم، أن تفقد أعصابها بسبب هروب السجناء الستة، ثم يعيش مواطنوها منذ بضعة أيام من لحظة استيقاظهم، وحتى وقت نومهم، على صدى هربهم أو إلقاء القبض عليهم، كيف يمكن الحفاظ على دولة عظمى تهدّد كلّ جيرانها بجيشها.

لقد منحت عملية الهروب مساحة من الانتقادات الحادة داخل الأحزاب السياسية، فرئيس المعارضة، بنيامين نتنياهو، حمّل مسؤولية الهرب لحكومة بينيت، واصفاً الهرب من السجن بأنه دليل على ضعف حكومة بينيت ولبيد، وينبع ذلك من عدم الردع الإسرائيلي أمام الإرهاب، لكن هذا الحدث كان يمكن أن يحدث في ولاية نتنياهو، كما أنّ الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، كان في ذروة استعداده لإلقاء خطاب سياسي في الأمم المتحدة، ليجمل شهراً ناجحاً، بدءاً من اللقاء مع وزير الدفاع بيني غانتس، والحوار المباشر مع حكومة إسرائيل، وتقديم تسهيلات مدنية واقتصادية، وحوار مفتوح مع إدارة واشنطن، لكن هروب السجناء الستة من سجن جلبوع خلط جميع الأوراق، ولم تؤخذ هذه الاحتمالية في الحسبان ضمن أيّ سيناريو، ولم يكن إطلاق سراح سجناء قريب في الوعي الفلسطيني مطلقاً، والإمكانية الوحيدة لإطلاق سراح سجناء لم يقضوا كلّ عقوبتهم لن يكون سوى بصفقة تبادل أسرى، لكنّ هروب السجناء الستة من أحد السجون المحصنة جداً، لم يكن بحدث يؤخذ في الحسبان، وإذا كان الأمر هكذا فليس من الغريب أنّ الأخبار عن هروب السجناء تثير هزة أيضاً في النظام السياسي وفي الرأي العام وفي الخطاب الجماهيري كله، لكن في مثل هذه الورطة يجب على إسرائيل أن تواجه الواقع الجديد، الآن لجنة تحقيق واستخلاص دروس بخصوص سلوك الشاباك هي موضوع داخلي، في المقابل الخطوات التي يتم القيام بها ضدّ السجناء في السجون، ستؤثر أيضاً على الضفة والقطاع، وربما أيضاً على استقرار الائتلاف الحكومي في إسرائيل، ومعركة كبيرة في غزة أو تصعيد واسع في الضفة، يتوقع أن يؤثر أيضاً في الجمهور العربي في إسرائيل.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.israelhayom.co.il/opinions/article/4503913/



الصفحة الرئيسية