الإخوان وطالبان.. رسائل "تهنئة" لتمويه محاولات بعث الإسلام السياسي‎

الإخوان وطالبان.. رسائل "تهنئة" لتمويه محاولات بعث الإسلام السياسي‎

مشاهدة

19/09/2021

يبرز تعاطي تنظيمات الإسلام السياسي على اختلاف مرجعياتها، وتباين توجهاتها ومصالحها، وكذا أفراد وهيئات تنتمي أو تتماهى مع تلك التنظيمات وأدبياتها، مع سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، مجدداً، عدة اعتبارات تتصل باستثمار الحالة التي خلقها حكام كابول الجدد، لحساب ملء الفجوات المتسببة فيها هزائمهم في عدة عواصم عربية، بفعل النبذ والطرد الشعبي، وتآكل حواضنهم، مثلما حدث في مصر وتونس والمغرب، بل وتراجع الشروط، السياسيّة الإقليميّة، الداعمة لدورهم الوظيفي.

ماذا تخبرنا تغريدات الإخوان لطالبان؟

ولذلك؛ فالتدوينات الموجودة على منصات التواصل الاجتماعي، والمنسوبة لشخصيات وتنظيمات إسلامويّة، تعكس دوافع عديدة جمة لهذا الاستثمار الضروري والملحّ لهم، والاحتياج المتنامي للتعبئة والحشد، في ظل تأثيرات الجغرافيا السياسيّة التي تخصم من رصيدهم السياسي، فضلاً عن ممارساتهم التي فضحت سقوطهم الأخلاقي. وبالمحصلة ظهر التناقض الفج بين الخطابات الانتهازيّة والممارسات التي تعنى فقط بالمصالح المحدودة والفئويّة، وبالتالي، فإنّ "تهنئة" طالبان تعد بمثابة محاولة خلق جدارية تبدد الصورة المشوهة، التي ترسخت في ذهنية الشعوب العربية، خلال العشريّة الأخيرة.

حركة طالبان التي أعلنت غير مرة أنّها ستحكم أفغانستان وفقاً للشريعة الإسلاميّة

حركة طالبان التي أعلنت غير مرة أنّها ستحكم أفغانستان وفقاً للشريعة الإسلاميّة، وعلى حد قولها، ستتحرك نحو "إقامة حكومة إسلاميّة نقيّة"، دفعت الدم في الشرايين المتكلسة لهذه التنظيمات الإسلامويّة التي تعاني من موت إكلينيكي داخل عواصم عربية عديدة. وموجات السعادة أو التفاؤل التي بدت عبر الأيام الماضية من صفحات قادة جماعة الإخوان، طرحت تأويلات متباينة عن مدى قدرة هذا المتغير الاستراتيجي بأفغانستان، على بعث مشروع الإسلام السياسي من مرقده الأخير، لا سيما بعد أن دونت الشعوب العربية، في تونس والجزائر والمغرب، وثيقة احتضار تلك التنظيمات.

تهنئة طالبان تعد بمثابة محاولة خلق جدارية تبدد الصورة المشوهة، التي ترسخت في ذهنية الشعوب العربية، خلال العشريّة الأخيرة

سيطرة حركة طالبان المباغتة على أفغانستان، تعد متغيراً استراتيجيّاً في السياسة الدوليّة، ويحمل تداعيات إقليميّة، نظراً للموقع الحيوي لأفغانستان على المستوى الجيوسياسي، وما تملكه من ثروات كبيرة ومتعددة في باطن الأرض؛ بيد أنّ ثمة توجهاً لافتاً في تمرير صورة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، من خلال استدعاء ذكرى الانسحاب الأمريكي من فيتنام، بهدف التأكيد على إخفاقات الولايات المتحدة، من جهة، وفشل الجيش الأفغاني وحكومته في الصمود أمام التقدم السريع للحركة الإسلاميّة المسلحة والمتشددة، من جهة أخرى، والأخيرة قد استولت على العتاد العسكري الأمريكي، الذي وقع في قبضة عناصر ومسلحّي الحركة دون عناء.

رسائل ومصالح

بعض الجهات التابعة لتنظيمات الإسلام السياسي، خاطبت طالبان بشكل يعكس رغبتها في التعاون المباشر، وجاء ذلك في رسالة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي كتب رئيسه الشيخ أحمد الريسوني، تحت عنوان: "رسالة إلى الشعب الأفغاني وقادته": "الاتحاد يتابع هذا الموضوع ليقدم اقتراحاته، وليكون رهن إشارة إخوانه في أفغانستان؛ ليتعاون مع علماء أفغانستان، وهي والحمد لله مليئة بالعلماء، نحن مستعدون لاستقبال علماء أفغانستان، ومستعدون للذهاب إليهم، ومستعدون للقاء معهم في أي مكان؛ لنتحاور حول قضايا الإسلام، وتطبيق الشريعة الإسلاميّة بأفضل ما يمكن..".

اقرأ أيضاً: الإخوان وطالبان: انتهازية التأييد الخجول

وقد تعددت البيانات الصادرة عن الاتحاد، والتي حملت توقيع قادته؛ مرة باسم الدكتور علي القرة داغي، وأخرى باسم الريسوني، فضلاً عن بيان تهنئة باسم الأخيرين معاً، مطلع شهر أيلول (سبتمبر) الحالي؛ حيث عبرا عن تأييدهما لما اتسمت به العاصمة كابول، أو غيرها من الولايات الأفغانيّة، من حفظ للأمان والسلم، وما أظهرته الحركة من عفو وتسامح.

سيطرة حركة طالبان المباغتة على أفغانستان، تعد متغيراً استراتيجيّاً في السياسة الدوليّة

ولهذا نجد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يحرص في بيان آخر، على أن يعلن عن تطلع "الاتحاد أن تقدم الحكومة الجديدة نموذجاً إسلاميّاً للحكم الرشيد، الذي أقامه رسول الرحمة والخلق العظيم وخلفاؤه الراشدون، من حيث اعتماد الشورى، وبسط العدل، وحقن الدماء، وكفالة الحريات، والحرمات، ورعاية الحقوق، واستكفاء الأمناء، واستيعاب الجميع، وتعزيز التصالح والتلاحم المجتمعي بين جميع الاتجاهات والأعراق والمذاهب، وترسيخ السلام، والعمل على تعزيز المشترك الإنساني والحضاري".

أفغانستان إذ تصبح ملاذاً محتملاً لمشروع الإسلامويين

 كتب محمد الحبيب الدكالي، تحت عنوان: "الزلزال الأفغاني"، على موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، وبعنوان آخر فرعي، أشار فيه إلى دور الاتحاد: "وهناك عامل آخر كبير الأهمية يغفل عنه الكثيرون، يجب استحضاره عند تحليل الوضعية الراهنة في أفغانستان، وتحديداً ما يتعلق بتطور الخطاب السياسي والإعلامي لحركة طالبان، وهو الدور الذي قام به الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، ثم أشار في نهاية مقاله قائلاً: "وقد تحدث رئيس الاتحاد بشكل واضح، عن اللقاءات المتواصلة، التي تمت بين الاتحاد وقيادات حركة طالبان، خلال وجودها في الدوحة لفترات طويلة، خلال المفاوضات مع الأمريكيين؛ لإخراج قواتهم من أفغانستان".

تركيا وقطر تمارسان دوراً محوريّاً، في أفغانستان، عبر أكثر من مستوى؛ بيد أنّ المنسوب الأكثر تأثيراً، يتماهى مع تفاعلهم المباشر مع تنظيمات الإسلام السياسي

كلمات تتضمن رسائل واضحة، أنّهم أضحوا ملاذاً أخيراً لأطروحات الإسلام السياسي، وورقة سياسية، يمكن لأطراف إقليمية استثمارها في لعبة الأمم التي تدور رحاها، عبر نقاط السياسة، واتجاهات الاقتصاد.

وعبر منصة "الإخوان المسلمون" الإلكترونية، نشر مقال في منتصف الشهر الحالي بعنوان: "حركات التحرر الوطني ومتغيرات السياسة الدولية"، وفيه طرح في مطلع المقال، الذي جاء دون اسم لكاتبه، أنّ "ساحة السياسة الدوليّة تشهد تغيرات كبيرة، إثر صعود قوى متنوعة الوزن الاستراتيجي، على سبيل المثال لا الحصر، الصين قوة كبرى، تركيا قوة متوسطة، قطر قوة محدودة، وبغض النظر عن اختلاف النظريات حول علاقة عدد القوى الفاعلة فى السياسة الدوليّة باستقرار النظام الدولي، إلا أنّ التنافس بين القوى الكبرى، يخلق المزيد من الفرص للقوي المتوسطة والمحدودة؛ للمناورة والمساومة".

أمراء الحرب الأفغان يجددون أحلام الإخوان بالسلطة

وجاء في ختام المقال رسالة لافتة، حيث ألمح إلى أنّ "البُعد الجغرافي لا يمنع من التواصل ومد يد العون، فالعالم أصبح قرية صغيرة، وقوة التكنولوجيا وخطورة الأمن السيبراني يتجاوزان كل الحدود، والقراءة الواقعية والديناميكية للمشهد، بعيداً عن الرغبات والأماني والتواكل، تؤهل للمتوقع الجيد فى قادم الأيام، ومع أسوأ الاحتمالات، ولن تتمكن حركات التحرر في غالب الأحيان من السيطرة على الحكم كطالبان، ولكن اصطفافهم المستنير مع الوحدات الفاعلة فى السياسة الدولية، يوفر الكثير من الجهد والوقت".

ليس ثمة شك أنّ تركيا وقطر تمارسان دوراً محوريّاً، في أفغانستان، عبر أكثر من مستوى؛ بيد أنّ المنسوب الأكثر تأثيراً، يتماهى مع تفاعلهم المباشر مع تنظيمات الإسلام السياسي، خلال السنوات الماضية، وكذا حضور أنقرة في حلف الناتو، على خلفية اندماجها في العالم الإسلامي، بينما الدوحة قد شهدت تفاعلات واتفاقيات سياسية من بينها اتفاقية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، في عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب خلال شهر أيار (مايو) من العام الجاري، إلى أنّ الرئيس بايدن أرجأ ذلك بعض الوقت.

ترتبط تركيا بعلاقات مميزة مع  بعض أمراء الحرب الأفغان مثل قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي الذراع السياسية للإخوان المسلمين في أفغانستان

على خلفية ذلك، يبدو أنّ تنظيمات الإسلام السياسي تمارس دوراً مزدوجاً؛ وهي تحتفي بحركة طالبان؛ الأول على مستوى الأيديولوجيا، وهى تقدم الاحتفاء بتجربة مماثلة، أمسكت بدفة الحكم، من فم القرش الأمريكي، والثاني، سياسي وظيفي، لصالح القوى الإقليميّة، التي ترعاها وتدعمها، من أجل تعزيز مكانتهما، كوسيط حيوي في المنطقة الساخنة لواشنطن، وجدار عازل يحول دون وصول بكين وموسكو إلى هذه النقطة المهمة.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الخلافات بين قادة طالبان؟ وأين مرشد الحركة ونائبه برادر؟

لذا، ترتبط تركيا بعلاقات مميزة مع بعض أمراء الحرب الأفغان مثل قلب الدين حكمتيار، زعيم الحزب الإسلامي، الذراع السياسية للإخوان المسلمين في أفغانستان، والأخير يتمتع بعلاقات قوية مع رجب طيب أردوغان، وقد نشرت جريدة الديلي ستار التركية، منتصف عام 2003، صورة لأردوغان وهو يجلس على يسار حكمتيار،  وعلى يمينه زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي، وتعود الصورة إلى حقبة سيطرة المجاهدين على أفغانستان، وهو ما يؤكد عمق الترابط بين الأطراف الثلاثة.

ووصفت جماعة الإخوان بسوريا وصول طالبان للحكم في كابول بـ"العيد"، وجاء في بيان رسمي: "تابعنا مع كافة أبناء الأمة المسلمة، التطورات الإيجابيّة الأخيرة التي تمت بفضل الله ومنته على الأرض الأفغانيّة المسلمة.. فبعد ما يزيد على نصف قرن من الاضطرابات والاحتلالات السوفيتية ثم الأمريكية، نعمت أفغانستان بحمد الله تعالى ثم بصبر شعبها وجهاد مجاهديها بالحريّة والاستقلال، وهي نعمة من الله يستحق كل الشعب الأفغاني عليها التهنئة والتجلة والإكبار".

وتابع البيان: "إنّ يوم النصر الذي حققته طالبان هو عيد حقيقي لكل الأحرار والشرفاء ليس في أفغانستان وحدها، بل عند كل الذين يكرهون الاستعباد والاستعمار والنيل من إرادة الشعوب".

الصفحة الرئيسية