التربية الجنسية تهيّج الصراع بين الليبراليين والمحافظين في كندا

"سنقذف بمنهاج "كاثلين وين" للتربية الجنسية في سَلّة المهملات، ولا نريد لأطفالنا أن يتعلموا موضوعات جنسية حساسة في عمر صغير ومبكّر، وسنستبدله بمنهاج تربويّ جنسيّ نصوغه، بعد التشاور مع الآباء والأمهات"، بهذه الكلمات القوية تكلّم حاكم مقاطعة "أونتاريو الكندية، دوق فورد، إلى الجماهير السعيدة بفوزه الساحق،  في حزيران (يونيو) 2018.
وهاجم بتصريحه هذا الحاكمة الليبرالية السابقة للمقاطعة، كاثلين وين، وهي الناشطة في مجال حقوق المثليّين، التي هجرت زوجها بعد إنجاب ثلاثة أطفال، والتحقت بشريكتها الجنسية، بعد أن اكتشفت أنّ لها ميولاً سحاقية.
ولم يكتف الزعيم الكندي المحافظ، فورد، بذلك؛ بل أرسل رسالة تحذيرٍ شديدة اللهجة، لكلّ المعلمين الذين ما يزالون يُدرّسون بالخفاء منهاج التربية الجنسية الذي صاغه الليبراليون.

منذ تولّي الحكومة الليبرالية في كندا أصبح الترخيص لمسيرات الشباب المثليين، التي يسمونها "مسيرات الفخر"، ميسوراً وسهلاً

وتوحّدت قبل الانتخابات أطياف دينية، ومنظمات محافظة، من مسيحيين ومسلمين، وأتباع ديانات مختلفة من مواطني مقاطعة أونتاريو الكندية، في جهدٍ مشترك للإطاحة بالحكومة الليبرالية، وذلك بعد سلسلة إجراءات لم يقبل معظم سكان هذه المقاطعة بها، منها المنهاج الجنسي الذي أقرته هذه الحكومة الليبرالية العام 2015. 
وخلافاً لانحياز المسلمين الدائم لليبراليين والديمقراطيين في الدول الغربية؛ فإنّ إقرار الحزب الليبرالي الكندي الحاكم لمنهاج مدرسيّ يشجّع على المثلية الجنسية، وتغيير النوع الاجتماعي "الجندر"، والتشجيع على زواج الرجال من الرجال، والنساء من النساء، كان له وقع شديد على أغلب الجالية العربية والمسلمة الكبيرة في هذه المقاطعة.

 

 

وبعد فوزها؛ أزالت حكومة أونتاريو الجديدة المحافظة، فوراً، المنهاج الجنسي الذي أقرّه الليبراليون من الموقع الإلكتروني للحكومة، ووضعت مكانه عبارة فيها إرضاء لناخبيها، وإغاظة لخصومهم الليبراليين، تقول هذه العبارة: "إنّ منهاج التربية الجنسية للحكومة السابقة، قد تمّ وضعه في الأرشيف، ويمكن استخدامه فقط للأغراض البحثية". 

اقرأ أيضاً: كندا.. جدل بعد حظر النقاب في مقاطعة الكيبيك

لكنّنا لم نتعرف على خفايا هذا المنهاج الذي افتخر الحزب المحافظ بأنّه تمكّن من انتزاعه من أيدي المعلمين والطلبة، وأحلّ مكانه منهجاً تربوياً أكثر محافظة، ولم نجب عن الأسئلة القائلة: ما هي أهم ملامح المنهاج التربوي للصحة الجنسية، الذي أقرّه الليبراليون ونشروه في المقاطعات الكندية، منذ إعتلائهم سدّة الحكم العام 2015، وما سبب الغضب العارم عند المتدينين، من مسيحيين ومسلمين وغيرهم، من هذا المنهاج؟
تربية جنسية متدرجة تبدأ من الصفّ الأول
تمّ بناء منهاج التربية الجنسية للحكومة الليبرالية الكندية، المعتمَد العام 2015، بشكل تدريجيّ، وبحسب المراحل التعليمية التي يمرّ بها الطالب في المدرسة؛ ففي الصف الأول الابتدائي، يتعلّم التلميذ عن أجزاء الجسم الإنساني ومسمياتها، وعن الحواس، والنظافة الشخصية، ثم ينتقل إلى مراحل نموّ الإنسان، وصحة الفم في الصف الثاني. وفي السنة المدرسية الثالثة؛ يتطرّق لموضوعات أكثر حساسية، مثل العلاقات الصحية بين البشر، ونموّ المشاعر، ونموّ أعضاء الجسم، وأهمية الاحترام بين الناس.
وفي الصف الرابع الابتدائي؛ يدرس الطفل الكندي مرحلة البلوغ، وما فيها من تغيرات بدنية، وعاطفية، واجتماعية، ويتطرق المنهاج هنا لإجراءات الصحة، والنظافة البدنية. وفي الصف الخامس الابتدائي؛ يتعلّم الطالب عن الجهاز التناسلي، والدورة الشهرية للإناث، وآلية إنتاج الحيوانات المنوية في جسم الإنسان، وكذلك يوضح المنهج الصعوبات، النفسية والشخصية والاجتماعية، التي يواجهها المراهق.

تمّ بناء منهاج التربية الجنسية للحكومة الكندية، المعتمَد العام 2015، بشكل تدريجيّ، وبحسب المراحل التعلمية التي يمرّ بها الطالب

وفي السنة المدرسية السادسة؛ يتعلّم التلميذ، بحسب منهاج التربية الجنسية الليبرالي، فهم الذات، والتدريب على كيفية اتخاذ القرار بإقامة علاقة حبّ بين شخصين، ومناقشة الصور النمطية عن العلاقات العاطفية بين البشر. أما في العام الدراسي السابع؛ فيناقش المنهاج مشكلة الطلاب الذين لم يبدأوا بإقامة علاقات جسدية جنسية مع أصدقاء لهم، ويناقش كذلك الأمراض التي تنتقل عبر ممارسة الجنس، وكيفية الوقاية منها.
وفي العام الدراسي الثامن، بحسب المنهج التربوي الليبرالي الكندي، يتم إرشاد الطالب إلى اتخاذ قراره بخصوص تحديد ميوله الجنسية، وما إذا كان يميل للجنس المماثل، أو للجنس المغاير، أو لكليهما، وكذلك يتطرق لقضية اتخاذ القرار بشأن تغيير النوع الاجتماعي؛ أي أن يتحوّل الذكر إلى أنثى أو العكس، أو إلى نوع اجتماعي لا يريد صاحبه تحديده. وكذلك يقدم هذا المنهج، في هذه السنة الدراسية، إرشادات للمراهقين عن كيفية استخدام وسائل منع الحمل قبل ممارسة الجنس مع أقرانهم.
وفي العام الدراسي التاسع؛ يناقش منهج التربية الجنسية الكندي الصعوبات أو التمييز الذي قد يواجهه الطلاب ذوو الميول الجنسية المثلية، أو المتحولون جندرياً؛ أي من قام بتغيير جنسه، وثم تزويد هؤلاء بآليات الدعم، والمؤازرة التي يجب أن يلجأ إليها الشخص الذي تتم مضايقته، بسبب ميوله أو شكله العام، ويقدم المنهج هنا دورات تدريبية على مهارات وإستراتيجيات التقارب العاطفي والجنسي بين شخصين، والتركيز كبير في هذا المنهج على مبدأ "الموافقة" من الطرف الآخر، لبدء أيّة علاقة جنسية، وأهمية عدم إقامة أيّة علاقة جنسية، أو حتى اللمس، أو الاقتراب إلى داخل الحيز الشخصي للإنسان من غير موافقته.

في الصف الرابع الابتدائي؛ يدرس الطفل الكندي مرحلة البلوغ
وفي الصفّ الدراسي العاشر؛ يناقش المعلم والطلبة آليات إقامة علاقة تواصل وتفاهم صحية وواضحة بين شخصين تربطهم علاقة جنسية، وكذلك تتم مناقشة الأوهام، والأفكار المغلوطة في المجتمع عن العلاقات الجنسية.
أما في الصف الحادي عشر، في المدرسة الكندية؛ فيتلقى الطالب أيام الحكم الليبرالي، معلومات عن الأمراض العقلية، وكيفية التعامل مع الإدمان والقلق، وتقليل الشعور بالذنب والخزي. وفي الصف الثاني عشر، والعام الأخير في المدرسة، يتلقى الطالب الكندي تدريباً على كيفية تطوير علاقته مع شريكه أو شريكته، وكيف يتم التخطيط للحياة العاطفية، وكذلك يتعلم الطالب كيفية الإبقاء على الصحة النفسية في حالة الانفصال العاطفي عن الشريك، أو الشريكة، ويتطرق المبحث هنا لصورة العلاقات العاطفية في الإعلام، وكيفية التعامل مع ذلك.
الغضب من رفع أعلام المثليين
يغتاظ المحافظون والمتدينون، من مسيحيين ومسلمين ومن أتباع الديانات، الكثيرة والمتعددة في الديار الكندية، ويمتعضون من التأييد المتواصل والمؤازرة الشديدة، من حكومة رئيس الوزراء، جستن ترودو، الليبرالية، لقضايا ومطالب المثليين والمتحولين جندرياً في طول البلاد وعرضها.
ويبدي بعضهم سخطه بشكل علني؛ بل وعبر وسائل الإعلام، كما فعل جو بتلر، رئيس جمعية المحاربين القدامى في الجيش الكندي، من مقاطعة نيو برونزويك؛ الذي احتجّ بقوة على رفع رئيس الوزراء الكندي، ترودو، أثناء زيارة لإحدى الجامعات، علماً مؤيداً للمثليين الجنسيين، وتبدو فيه ألوان قوس قزح تحيط بورقة القيقب الكندي الحمراء، وقال العسكري المتقاعد بتلر: "لقد حاربنا كجنود بشجاعة من أجل علم كندا، وليس دفاعاً عن علم المثليين الذي شوّه الراية الوطنية".

الترخيص لمسيرات الشباب المثليين أصبح سهلا منذ تولّي الحكومة الليبرالية في كندا

ويلاحظ، منذ تولّي الحكومة الليبرالية في كندا؛ أنّ الترخيص لمسيرات الشباب المثليين، التي يسمونها "مسيرات الفخر"، أصبح ميسوراً وسهلاً، وذلك في جميع المدن الكندية؛ بل أصبح رفع علم المثليين الجنسيين، الذي تمثله ألوان قوس قزح، أمراً اعتيادياً، وعلى سارية العلم الكندي نفسها، فوق المنشآت العامة والسفارات والمدارس والجامعات.

لكنّ محاولة الليبراليين لوضع أساسات تربوية لقبول المثليين والمتحولين جندرياً، وتشجيع الأطفال على قبول ذلك في سنّ مبكرة، وضمن برامج تعليمية، وتثقيفية متدرجة، كل ذلك جعل المتدينين والمحافظين الكنديين يستشيطون غضباً، وكان منبع خوفهم؛ أن يبدأ الأطفال باعتبار الممارسة الجنسية جزءاً من ألعابهم وتسليتهم، ولا تكون قائمة على الاحترام والحبّ والوعي.

اقرأ أيضاً: كندا.. قاضٍ يوقف قانون حظر ارتداء النقاب
وكانت خشيتهم الكبرى؛ من أن تؤدّي الكمية الكبيرة من المعرفة الجنسية، التي تقدمها المناهج الليبرالية، إلى جعل العلاقات المثلية بين الذكور، أو بين الإناث، أمراً مستساغاً في سنّ مبكّرة من عمر الطفل.
لقد أسفرت نتائج انتخابات رئاسة حكومة مقاطعة أونتاريو الكندية، في حزيران (يونيو) العام 2018، عن ردّ قوي وقاصم، قامت به القوى المحافظة الكندية، على اختلاف مشاربها وأديانها، لإزالة منهاج التربية الجنسية الجسور، الذي تجاوز، في رأيهم، أيّ منهاج تربوي جنسيّ، في أيّة دولة من العالم المعاصر، ومن المرجّح أنّ كثيراً من المقاطعات الكندية ستحذو حذو أونتاريو، في التخلّص من التحولات الاجتماعية العميقة التي أحدثتها القوى السياسية الليبرالية، في كلّ أنحاء البلاد، وتستلهم القوى التقليدية الكندية قوتها هذه من المدّ المحافظ في الجارة الجنوبية لكندا، الولايات المتحدة الأمريكية، التي يتزعمها الآن الحزب الجمهوري المحافظ، وقد ينعكس هذا الانقلاب  المحافظ على الليبراليين سلباً في الانتخابات العامة لرئاسة وزراء كندا، العام  2019.

الأقسام: