السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب

5608
عدد القراءات

2019-04-11

تعتمد هذه المقاربة -التي تحتمل الصواب والخطأ- أدوات التحليل السياسية، ونظرية العلاقات الدولية؛ فهي ليست تراثية أو فقهية، وإن كانت تستخدم أدبيّاتها في عملية التحليل السياسي .

اقرأ أيضاً: كيف تنمو السلفية في السويد؟

أعتقد أنّ جميع الحركات الإسلاموية التي تنسب إلى السلفية، هي حركات تجريبية لسيرورة "السلفية الملتوية"، منذ أن نظّر لها ابن تيمية في العام 656هـ/1258م؛ معيداً إياها إلى عصر النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين.

السلفية الملتوية والسلفية التجريبية
ويقصد هنا بالسلفية التجريبية، أنّ جميع الحركات السلفية بكافة أشكالها الملتوية، منذ ابن تيمية حتى العصر الحديث؛ هي تجريب لمقاربات مختلفة لكيفية إعادة عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.
وأقصد بالسلفية الملتوية جميع التجليات والتغيرات التي مرت بها الحركات السلفية منذ ابن تيمية حتى الآن.

هناك سلفية واحدة تجدد أشكالها وألوانها وأدواتها وأساليبها بشكلٍ ملتوٍ يصعب تلمّسه أحياناً

وكما أنّ هناك إسلاماً واحداً فقط؛ كذلك ليس هناك إلا سلفية واحدة، تجدد أشكالها وألوانها وأدواتها وأساليبها بشكلٍ ملتوٍ يصعب تلمّسه أحياناً، لكن الهدف واحد وهو المراوحة في الدعوة إلى "العَود الأبدي"؛ أي إلى فترة النقاء والطهورية التي تتجلى حسب ابن تيمية ومن جاء بعده حتى أبو بكر البغدادي، بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.
ولقد كانت أدبيات ابن تيمية وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، وسيد قطب (السلفية الحنبلية) تحديداً بإجماع الكثير من الباحثين والخبراء ورجال الدين المسلمين، هي القاعدة التأسيسية والذخيرة الفكرية للجماعات السلفية المقاتلة، والجماعات المتشددة النشطة اليوم، سواءً عن طريق العنف الجماعي المنظم الذي أخذ شكل الدولة بعد عام 2014، بعد إعلان خلافة داعش في سوريا والعراق، أو عن طريق نشاط العمل الفردي من خلال إرهاب "الذئاب المنفردة". 

اقرأ أيضاً: الحركات السلفية في نيجيريا.. هل تختلف عن بوكو حرام؟
وأعتقد بأنّ المقاربة السياسية للتطرف الديني المُفضي إلى الإرهاب المعاصر الذي ينسب إلى الجماعات الإسلاموية السلفيّة المقاتلة؛ هو أنّ الإرهاب العالمي المعاصر عبر خلال الكثير من التغيرات والتحولات الواسعة والعميقة في البنية والسلوك حتى تجذّر، إلى أن أصبح اليوم أداة من أدوات تنفيذ وتحقيق الأهداف السياسية بطريقة أوسع وأعمق وأكثر من أي وقت مضى، مستفيداً من تجارب إسلاموية وغير إسلامية تاريخية، بداية من حركات الخوارج إلى الإسماعيلية-النزارية (الحشاشين) إلى الجماعات والمنظمات الإرهابية العالمية الثورية واليسارية والقومية، خاصة في الأساليب والتكتيكات.

ساهمت سيرورة العولمة في تسريع هذه التحولات، خاصة آلياتها التكنولوجية المحايدة؛ حيث استفاد منها الإرهابيون واستخدموها بطريقة أكثر تعقيداً ورعباً من إرهاب الأطراف الفاعلة من الدول، حتى أصبحت هذه النسخة المتوحشة هي التصور الغالب، خاصة بعد أن اقتنع الكثيرون، واعتقد آخرون أنّ حلم إقامة "الخلافة الإسلامية" ممكناً بعد أن سيطر تنظيم داعش على مساحة من الأرض أكبر من مساحة بريطانيا، قبل أن يتلاشى هذا الأمل بعد قضاء قوات التحالف الدولي على التنظيم في آخر معاقله في قرية الباغوز في آذار (مارس) 2019.

السلفية الملتوية والصراع بين الواقعية والمثالية

تبدو، برأيي، مقاربات السلفية تاريخياً خليطاً من النظريات الواقعية؛ كما عند ابن تيمية والمثالية عند قطب، مع التأكيد على أنّ هذا البحث بحاجة إلى دراسة وتحليل أعمق.  

واقعية ابن تيمية
تعتبر الدولة /الأمة، والقوة (العسكرية والاقتصادية) من أهم فرضيات النظرية الواقعية خاصة الكلاسيكية، وما تزال الدولة كوحدة تحليل لحراك المجتمع الدولي وتغيراته، هي الأكثر قبولاً في نظريات العلاقات الدولية المعاصرة، رغم كل ما أصاب الدولة من اهتراءات بسبب سيرورة العولمة.

ساهمت سيرورة العولمة بتسريع التحولات حيث استفاد منها الإرهابيون واستخدموها بطريقة أكثر تعقيداً من إرهاب الأطراف الفاعلة من الدول

ومن المثير أنّ هذه الفرضيات تكاد تكون أساس كل منتج ابن تيمية في مجال التنظير السياسي، إذا نظرنا إليه من خلال النظريات والمفاهيم المعاصرة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والعالمية، وبحثناه من منظور كلّاني.
ولعل هذا ما  أكده الباحث المصري الدكتور، هاني نسيرة، في كتابه "متاهة الحاكمية أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى 2015، حينما أشار، تحديداً، إلى أنّ أولويات ابن تيمية كانت أولوية الأمة (الدولة) على الإمامة (نظام الحكم)، وأهمية الشوكة (القوة) في الحكم.
وعلى الرغم من أنّ نسيرة يدّعي بأنّ السلفية الجهادية ابتسرت فتاوى ابن تيمية التاريخية مثل؛ فتوى "التترس" وفتوى "ماردين" عن سياقاتها، وتجاهلت محل الفتوى وخصوصيته التاريخية والثقافية والاجتماعية، أو تحقيق مسألتها تاريخياً، علماً بأنّ "الجماعة الإسلامية" تراجعت عن هذه الفتوى في المراجعات التي قامت بها الجماعة أواخر التسعينيات.

اقرأ أيضاً: كيف خرجت السلفية من رحم الإصلاح الديني؟

إلا أنني أعتقد أنّ فتاوى ابن تيمة المثيرة للجدل خاصة في "التترس"، وفتوى "ماردين" و"التحريق" حتى في شكلها غير المبتسر أو المحرف، هذا إن تم تأكيده، كلها أقرب إلى الفرضيات والممارسات العملية للنظرية الواقعية.
ولقد أكد الباحث ناجح إبراهيم، أحد القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية في مصر، في كتابه "تفجيرات الرياض الآثار والأحكام" بأنّ فتوى التترس كانت المرجع الذي استندت إليه الكثير من التنظيرات اللاحقة للتترس والتوسيع الذي شهده استخدام هذا المفهوم.

ومثال على ذلك أنّ بيان الجبهة الإسلامية لمحاربة الصليبيين واليهود والذي صدر عام 1998، الذي كان يتزعمه أسامة بن لادن؛ احتوى على جملة مسوغات فقهية للعمل العسكري، كان من أهمها، جواز قتل اليهود والنصارى عسكريين ومدنيين بجميع الفئات مستدلين بمسألة التترس.

مثالية سيد قطب

أعتقد بأنّ قطب بدأ سرديته الفكرية ومقاربته الفكرية والسياسية واقعياً؛ لكنه انتهى من حيث انتهى أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي مثالياً وقريباً من البنائية، بالإشارة الضمنّية إلى:
1- الأمة/ الدولة كوحدة تحليل في النظام الدولي.
2- فوضى النظام الدولي.
3- محددات القوة في النظرية الواقعية مثل: القوة المادية والاقتصادية والعسكرية.
4- دورالقيم الكونية والإنسانية في النظام الدولي.

لقد تبنّت الجماعات السلفية التكفيرية القتالية مفاهيم قطب للمجتمع الجاهلي والحاكمية الإلهية العليا

لقد تبنت الجماعات السلفية التكفيرية القتالية مفاهيم قطب للمجتمع الجاهلي، والحاكمية الإلهية العليا، وإعلان ربوبية الله وحده للعالمين، والثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها، وتكفير الديمقراطيات والمجالس النيابية، وهو ما يقابل فرضيات الواقعية السياسية التقليدية تقريباً حول أهمية القوة عند الأمة/الدولة، وفوضى النظام الدولي، والعون الذاتي وعدم أهمية الأطراف الفاعلة من غير الدول خاصة مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات والأحزاب والتنظيمات السياسية.

وهو ما فتح في النهاية باب تشريع القتال واستخدام الإرهاب والعنف داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها، استناداً لمفهوم واحد فقط من أدوات النظرية الواقعية وهو القوة/الجهاد.
لكنه انتهى إلى "المثالية" أو"البنائية" التي تركز على أهمية القيم في النظام الدولي، خاصة عندما ادعى بأنّ "النظام العالمي" أو الغربي انتهى دوره، بحجة أنّه أفلس مادياً واقتصادياً وعسكرياً، ولم يعد يملك رصيداً كافياً من القيم الكونية يمكّنه من القيادة.

اقرأ أيضاً: شيوخ السلفية.. سلطة الماضي على الحاضر

وإزاء هذا الوضع، تصوّر قطب بأنّ الاسلام المحمّل بالقيم العالمية هو البديل؛ كما يحاجج في كتابه "معالم على الطريق".

يُذكّرنا ابن تيمية وقطب في حنينهما وتوقهما ودعوتهما إلى إعادة الأمة الإسلامية (الدولة) إلى حكم الشريعة الذي انقطع مع الخلفاء الراشدين، بدعوات "العود الأبدي"، التي نظّرَّ لها الكثير من علماء الأديان المقارنة وعلى رأسهم "مارسيا الياد"، إلى عصر طهوري نقي موجود، في كل الحضارات المحورية (اليهودية والمسيحية والإسلام) والحضارات البائدة من الفرعونية إلى السومرية إلى الإغريقية.

هذا التوق والحنين الذي يزدهر في أوقات الضعف الشديد، والضيق والعجز والشعور بالاغتراب، وحالة الشعور التي تصيب الأفراد والمجتمعات والدول عبر التاريخ بأنها أصبحت عالة على العالم. لكن أكثر من يشعر بها هم أكثر البشر ذكاء وخطراً وعبقرية وحساسية ورقة ونرجسية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: