الفقر في أفريقيا: كيف استعادت القارة السمراء مسيرتها التنموية؟

لمئة عام، أو يزيد، خضعت القارة الأم "أفريقيا" لحملات استعمارية استعبادية، نهبت مواردها الطبيعية، وجرفت مواردها البشرية، ليتركها الاستعمار أرضاً مسكونة بشبح الموت والأوبئة والفقر المدقع والحروب الأهلية.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
لكن، منذ منتصف التسعينيات تحديداً، بدأت أنظار العالم تتوجه نحو أفريقيا التي بدأت اللحاق في صنع مجدها الخاص، وبدت أكثر جاذبية للمستثمرين، وبشكل خاص التنين الصيني، الذي يكتسح أفريقيا بمشروعات عملاقة لم يسبق لها مثيل.
وحشية ونهب
بين سبعينيات القرن التاسع عشر وعام 1900، واجهت أفريقيا عدواناً إمبريالياً أوروبياً، وضغوطاً دبلوماسية، وغزوات عسكرية، وغزواً، واستعماراً، في نهاية المطاف، وفي الوقت نفسه، وضعت المجتمعات الأفريقية أشكالاً مختلفة من المقاومة ضدّ محاولة استعمار بلدانها وفرض هيمنة أجنبية، ومع ذلك، بحلول أوائل القرن العشرين، كانت معظم الدول الأفريقية، باستثناء إثيوبيا وليبيريا، قد استعمرت من قبل القوى الأوروبية؛ إذ كان الدافع وراء الدفع الإمبريالي الأوروبي إلى إفريقيا من خلال ثلاثة عوامل أساسية؛ اقتصادية وسياسية واجتماعية، تطوّرت في القرن التاسع عشر بعد انهيار ربحية تجارة الرقيق، وإلغائها، وقمعها، إضافة إلى توسّع الثورة الصناعية الرأسمالية الأوروبية؛ حيث ضرورات التصنيع الرأسمالي، بما في ذلك الطلب على مصادر مضمونة للمواد الخام، والبحث عن أسواق مضمونة ومنافذ استثمارية مربحة، حفّزت التدافع الأوروبي والقسمة والغزو الأفريقي في نهاية المطاف، وهكذا كان الدافع الرئيس للتسلّل الأوروبي اقتصادياً لأفريقيا، ولكن لعبت عوامل أخرى دوراً مهمّاً في هذه العملية، تمثّل في الزخم السياسي المستمد من تأثير صراعات القوى الأوروبية المشتركة والمنافسة على التفوق.

لمئة عام أو يزيد خضعت القارة الأم "أفريقيا" لحملات استعمارية استعبادية

كانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا تتنافس على السلطة في سياسات القوة الأوروبية، إحدى الطرق لإثبات التفوق الوطني كانت من خلال الاستحواذ على أقاليم حول العالم، بما في ذلك أفريقيا، وكان العامل الاجتماعي هو العنصر الرئيس الثالث، وكنتيجة للتصنيع، نمت المشاكل الاجتماعية الكبرى في أوروبا "البطالة والفقر والتشرد الاجتماعي من المناطق الريفية"، تطورت هذه المشكلات الاجتماعية جزئياً؛ لأنّه لا يمكن استيعاب جميع الأشخاص بواسطة الصناعات الرأسمالية الجديدة، إحدى طرق حلّ هذه المشكلة هي الحصول على مستعمرات وتصدير هذا "الفائض من السكان"، أدّى ذلك إلى إنشاء مستعمرات للمستوطنين في الجزائر وتونس وجنوب أفريقيا وناميبيا وأنغولا وموزمبيق ومناطق وسط أفريقيا، مثل زيمبابوي وزامبيا، في النهاية أدّت العوامل الاقتصادية الغالبة إلى استعمار أجزاء أخرى من أفريقيا، هكذا كان التفاعل بين هذه العوامل والقوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هو الذي أدّى إلى التدافع لأفريقيا والمحاولات المحمومة من قبل الوكلاء التجاريين والعسكريين والسياسيين الأوروبيين، لإعلان وتأسيس حصة في أجزاء مختلفة من القارة من خلال أمور "المنافسة التجارية الإمبريالية"، وإعلان المطالبات الحصرية لأقاليم معينة للتجارة، وفرض الرسوم الجمركية على التجار الأوروبيين الآخرين، والمطالبات بالسيطرة الحصرية على المجاري المائية والطرق التجارية في أجزاء مختلفة من أفريقيا.

المقاومة والتحرر
في كتابه "عصر الاستعمار الجديد في أفريقيا: أطروحات عن المقاومة بعد الاستقلال"، يقدم البروفيسور والمؤرخ النيجيري، إيهيدو إي. جي، أطروحته عن تجريف أفريقيا الذي تمّ تحت سطوة الدبابات الأوروبية، وكيف تمّت مقاومة هذا الاحتلال من قبل الأفارقة.

يتفاءل العديد من الاقتصاديين حول العالم بما تحرزه أفريقيا من تقدّم، فهي اليوم تغادر قروناً من التخلف والاستبداد

يشرح إيهيدو كيف ناضلت المجتمعات الأفريقية بشجاعة، إلّا أنّ قوة المحتل، أدّت إلى خلق صراعات فاقمت المشكلة؛ حيث فقدت المجتمعات الأفريقية القديمة في النهاية، وكان هذا جزءاً من أسباب سياسية وتكنولوجية؛ إذ كان القرن التاسع عشر فترة من التغييرات العميقة والثورية في الجغرافيا السياسية لأفريقيا، التي تميزت بزوال الممالك والإمبراطوريات الأفريقية القديمة، وإعادة تشكيلها في كيانات سياسية مختلفة، أعيد بناء بعض المجتمعات القديمة وأسست مجتمعات أفريقية جديدة على أسس أيديولوجية واجتماعية مختلفة، ونتيجة لذلك؛ كانت المجتمعات الأفريقية في حالة من التقلب، والكثير منها ضعيف من الناحية التنظيمية وغير مستقر من الناحية السياسية، وبالتالي لم يتمكنوا من ممارسة مقاومة فعالة ضدّ الغزاة الأوروبيين، وبحلول عام 1900، استعمرت سبع قوى أوروبية معظم أفريقيا، بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، بعد غزو الدول الأفريقية اللامركزية والمركزية، بدأت القوى الأوروبية في تأسيس أنظمة الدولة الاستعمارية، كانت هي آلية الهيمنة الإدارية التي أنشئت لتسهيل السيطرة والاستغلال الفعالَين للمجتمعات المحتلّة.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟

كتاب "عصر الاستعمار الجديد في أفريقيا: أطروحات عن المقاومة بعد الاستقلال"

جاءت التحركات الأولى في عملية التحرّر لما يمكن اعتباره القومية الأفريقية؛ ردّاً على نقد الحضارة الأفريقية من قبل الأوروبيين؛ حيث انطلقت في وقت مبكر من القرن السادس عشر في السودان، وكان الكُتّاب الأفارقة يدافعون عن الثقافة الأصلية من خلال وصف إنجازات الدول القوية، مثل إمبراطورية سونجهاي، ومع ذلك؛ فقد كان نمو تجارة الرقيق في المحيط الأطلسي، بين عامَي 1700 و1800، هو الذي أنتج أقوى الهجمات المبكرة على الهيمنة الأجنبية، وبين عامَي 1957 و1993، حصلت حوالي 50 دولة أفريقية على الاستقلال عن الحكم الاستعماري، بدأت شرارات المقاومة الأولى للسيطرة الأجنبية في وقت أبكر بكثير، وتطورت حركات الاستقلال في جميع أنحاء إفريقيا في منتصف القرن العشرين، رغم أنّهم اتبعوا مسارات مختلفة، إلا أنّهم شاركوا في بداية مشتركة وهي مقاومة هيمنة القوى الأجنبية، لكن بمجرد السيطرة، فرضت العديد من حركات الاستقلال هذه شكلها الخاص من الهيمنة، وهو ما تسبّب في مشكلات سياسية واقتصادية ما تزال تعاني منها أفريقيا، وهو ما يمكن تسميته "الإرث الاستعماري".

اقرأ أيضاً: بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل
القارة الأفريقية خفّضت معدلات الفقر بسرعة كبيرة

النجم الصاعد
عام 2010؛ توجّهت أنظار العالم تجاه القارة الأفريقية، تحديداً جنوب أفريقيا، التي كانت مسرحاً لبطولات المونديال، ما جعلها حديث الإعلام العالمي آنذاك، فالدولة التي، ولوقت ليس ببعيد، عانت من صراعات عرقية، وحروب طائفية، وتجريف لمواردها؛ ها هي ذا تستقبل ضيوفاً من كلّ أنحاء العالم، ليصرح بعدها الأكاديميان الأمريكيان؛ كزافييه سالا مارتن، ومكسيم بينكوفيسكي، بأنّ القارة الأفريقية قد خفّضت معدلات الفقر بسرعة كبيرة في الأعوام العشرة التي سبقت الأزمة الائتمانية، عام 2008، وهو ما أيدته أستاذة الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أمينة كامل، في حديثها مع "حفريات": "لا شكّ في أنّ الأزمة الاقتصادية، عام 2008، لم تكن بالتأثير ذاته على أفريقيا، مقارنة بالولايات المتحدة، فأفريقيا ما تزال تخطو بحذر تجاه التنمية، وما تزال عالقة في إرث استعماري بلا شكّ، بيد أنّ عملية تجريف الموارد البشرية والطبيعية، كان، وما يزال، أخطر مشكلات القارة الأم، لكنّها اليوم تجني بعضاً من ثمرات التطور التكنولوجي الذي أتاح الموارد المعرفية الشرط الأهم في عملية التنمية، ولا شكّ في أنّ تعاون أفريقيا مع بلدان مثل؛ الصين ودول الخليج، كان له الدور الأكبر، في الحدّ من معدلات الفقر، وتحجيم الجوع الذي عايشه الأفارقة لعشرات السنين".

أمينة كامل: تعاون أفريقيا مع الصين ودول الخليج كان له الدور الأكبر في الحدّ من معدلات الفقر

وأوضح تقرير نشره المكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية، أنّه بحلول عام 2006، كان معدل الفقر في أفريقيا أقل بنسبة 30٪ عن عام 1995، وأقلّ بنسبة 28٪ عن عام 1990، ونفى التقرير الحجة القائلة إنّ هذا كان فقط نتيجة للنخبة الأثرياء التي تحصد عائدات ثروة النفط الوفير، رغم أنّهم ما يزالون مرتفعين، وفق معايير الدول المتقدمة، إلا أنّهم يقولون إنّ معامل جيني، وهو مقياس دولي لعدم المساواة الاجتماعية، قد انخفض باستمرار، ولو ببطء، منذ أوائل التسعينيات، لكنّ هناك فريقاً يرفض تلك الفكرة، في مقدّمتهم البروفيسور في جامعة أكسفورد، ستيفان ديركون، الذي يرفض إحصاءات هذا التقرير، موضحاً أنّه تغافل عن قياس عوامل أخرى واستند إلى قيمة الناتج المحلي الإجمالي، وهو بذلك مضلل إلى حدّ كبير، لكن بالنظر إلى جوانب أخرى في أفريقيا، نجد أنّ بلداناً مثل رواندا وإثيوبيا وزامبيا، خفّضت عدد الوفيات الناجمة عن الملاريا لأكثر من الثلثين، وهي على وشك القضاء عليه، كما تضاعفت نسبة طلاب المدارس في مرحلة التعليم الأساسي، وهي مؤشرات أكثر إيجابية.
يتفاءل العديد من الاقتصاديين حول العالم بما تحرزه أفريقيا من تقدّم، فهي اليوم، وبعد قرون من التخلف والاستبداد، تفتح أحضانها للسياحة، وتقدّم صورة مغايرة عمّا رسخ في أذهان العالم.

الأقسام: