اليطوريون: قصة مملكة عربية في بلاد الشام قبل الإسلام

بلاد الشام

اليطوريون: قصة مملكة عربية في بلاد الشام قبل الإسلام

مشاهدة

12/03/2020

في بداية شهر شباط (فبراير) 2020؛ أعلن الباحث السوري، تيسير خلف، ظهور تمثال سوري مفقود منذ عام 1973 في متحف إسرائيلي في الجولان السوري المحتل، وأوضح خلف؛ أنّ التمثال، وهو عبارة عن نحت لثلاثة آلهة، يعود لقوم اسمهم "اليطوريون"، سكنوا مناطق حوران، وهم من العرب، وأنّ الجيش الإسرائيلي قام بخطف القطعة من موقع أثري في قرية كفر الشمس السورية، أثناء حرب عام 1973، بعد توغله في مناطق غرب درعا؛ فمن هم هؤلاء "اليطوريون" العرب؟ ومتى ظهروا؟ وأين استقروا؟
بداية ظهور الممالك العربية في بلاد الشام
أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، اجتاح الإسكندر المقدوني أجزاء واسعة من العالم القديم، لكن بعد وفاته سرعان ما انقسمت إمبراطوريته، وخلفتها في الحكم كيانات أضعف، فخضعت منطقة بلاد الشام لحكم خلفائه السلوقيين، إلا أنّ حكمهم لم يتّسم دائماً بالإحكام والسيطرة، فظهرت العديد من الممالك في كنفه، وحققت قدراً كبيراً من الاستقلال.

يرد أول ذكر لليطوريين في الكتب التي أرّخت لحملات الإسكندر المقدوني وكان الحاكم اليطوري يسمى "الكاهن الأعلى"

وفي الوقت الذي امتدّ فيه حكم العرب الأنباط شمالاً نحو منطقة شرق الأردن وجنوب فلسطين، في القرن الثاني قبل الميلاد، بعد أن كان مقتصراً على مناطق شمال الجزيرة، في الفترة نفسها تقريباً، وإلى الشمال من مناطق الأنباط؛ ظهر شعب آخر كانت له مملكته أيضاً، وهم "اليطوريون".
اليطوريون عُدّوا عرباً في المصادر اليونانية واليهودية، وذكرت هذه المصادر بلاد اليطوريين باسم "يطوريا"، ونجد ذكرهم عند مؤرخين معاصرين لدولتهم، مثل: بيليني، وسترابو، والمؤرخ اليهودي يوسيفوس.

التمثال اليطوري المفقود.. ظهر مؤخراً في متحف إسرائيلي!

تأسيس المملكة.. والتوسّع
يرد أول ذكر لليطوريين في الكتب التي أرّخت لحملات الإسكندر المقدوني، فيرد ذكرهم بأنّهم هاجموا جيش الإسكندر المقدوني أثناء حصاره مدينة صور الساحلية، بعد ذلك يتلاشى ذكرهم حتى يظهر في الفترة الأخيرة من القرن الثاني قبل الميلاد، وهي الفترة التي استطاعوا فيها انتزاع الاعتراف بالسيادة على مناطق واسعة من البقاع وجبال لبنان الشرقية، وتأسيس مملكتهم فيها، وكان ذلك تحديداً عام 115 ق م.
في تلك الفترة؛ كان قد وقع انقسام كبير وحرب أهلية داخل المملكة السلوقية، وذلك بعد أن نشب الصراع بين أنطيوخوس الثامن وشقيقه أنطيوخوس التاسع، بعد أن طالب الأخير بأحقيته بالعرش من أخيه، فنشب صراع أهلي وانقسمت المملكة، في صراع بدأ عام 116 ق م، واستمرّ عشرين عاماً حتى عام 96 ق م.
ومع بدء الصراع؛ استطاع "منايوس"، الحاكم الأول لمملكة اليطوريين، الحصول على الاعتراف من أنطيوخوس الثامن بمملكته، التي ستُعرف باسم مملكة "خاليكس"، نسبة للاسم اليوناني لعاصمتهم "عنجر"، و"منايوس" هو النطق اليوناني للاسم العربي "معن"، وقد ورد هذا الاسم في كتب المؤرخين اليونان والرومان.

اقرأ أيضاً: بلاد الشام والمطامع العثمانية القديمة
ومع استمرار التراجع والضعف في الدولة السلوقية، استغل اليطوريين ذلك واستمروا في توسعة مملكتهم، وخلال عهد الملك الثاني، بطليموس ابن منايوس (85 -40 ق م)، امتدت مملكتهم جنوباً حتى بلغت بحيرة طبريا، كما سيطروا على هضبة الجولان وشمال وادي الأردن، وامتدوا شرقاً حتى كادوا أن يصلوا إلى دمشق، بل سعوا لإخضاعها قبل أن يستنجد أهلها بملك الأنباط، حارثة الثالث، ويجعلوا أنفسهم تحت حمايته.

أنطيوخوس الثامن.. استغلّ اليطوريون اندلاع الصراع بينه وبين شقيقه

الدين والدنيا
كانت العبادات والطقوس الدينية تحظى بأهمية كبيرة لدى اليطوريين، وكان الحاكم عندهم يجمع مزيجاً من الوظائف الدينية والدنيوية؛ لذا، وإضافة إلى لقب الملك، كان يسمى أيضاً "الكاهن الأعلى"، وكانت هذه الثنائية حاضرة لدى اليطوريين على مستوى التنظيم الإداري أيضاً، فكان هناك عاصمة دينية، هي بعلبك، التي اشتهرت بـ "معبد الشمس"، وعرفت في المصادر الإغريقية باسم "هليوبوليس"، وعاصمة أخرى، مقرّ الحكم، وهي "عين الجر"، المعروفة اليوم باسم عنجر، وهي المدينة التي أعاد بناءها لاحقاً الخليفة الأموي، الوليد بن عبد الملك، واشتهرت بآثارها الأموية أيضاً.

اقرأ أيضاً: هل اقتتال "حرّاس الدين" و"تحرير الشام" مقدمة لانتحار "القاعدة"؟
ويذكر المؤرخ البيزنطي، إسطفانوس، أنّ مؤسس هذه المدينة هو "مونيكس العربي"، والراجح أنّ المقصود هو "منايوس" (معن)، وأطلق عليها باليونانية اسم "خالكيس".
كانت معتقدات اليطوريين وثنية، جمعت ومزجت بين الأديان والآلهة السائدة في المنطقة خلال الفترة الهلنستية، والتي تميزت بوجود آلهة من ديانات الشرق القديم، وخصوصاً الآراميين والكنعانيين، إضافة إلى حضور التأثيرات الإغريقية.

عنجر.. كانت مقرّ حكم المملكة اليطورية

صراع مع المكابيين اليهود
ويشتهر ذكر اليطوريين خصوصاً عند تناول المصادر التاريخية الصراع الذي خاضوه مع المكابيين اليهود (164-63 ق م)، بدايةً من عهد الملك المكابي، أرستوبولس الأول، الذي بادر لغزو مملكتهم عام 105 ق م، ثم خليفته، ألكساندر ينايوس (103-76 ق م)، الذي غزاهم وانتزع منهم مناطق من الجولان، وقد حاول المكابيين فرض اليهودية على اليطوريين إلا أنّهم امتنعوا، في حين تشير بعض المصادر إلى أنّ منهم من تهوّد فعلاً.

أهمية الدولة اليطورية أنها أولى النماذج لقيام الدول العربية خارج شبه الجزيرة العربية، كما كانت جارتها الدولة النبطية

وفي التوراة؛ نجد ذكر اليطوريين باسم "يطور"، ويتم قرنهم بالعرب (الهاجريون)، وذلك في الإصحاح الخامس من سفر "أخبار الأيام الأول"، جاء فيه: "وكان بنو رأوبين، والجادّيون ونصف سبط منسّى وهم ذوي البأس ورجال يحملون الترس والسيف ويوترون القوس عارفون بالقتال أربعة وأربعين ألفاً وسبع مئة وستّين من الخارجين في الجيش. فقاتلوا الهاجريين ويطور ونافيش ونوداب"، والراجح أنّه من الأسفار المكتوبة في فترات تعود للقرن الأول قبل الميلاد، أي أثناء فترة احتكاك اليهود باليطوريين، وخوض الصراعات معهم، وبالتالي قام الكتبة بذكرهم ضمن الأقوام التي خاض اليهود معها الحروب، وإن كان ذلك، بحسب التوراة، قد تمّ في فترات تعود إلى قرون سابقة، وهو بلا شك يفتقد للدقة، ولكن مجرد الذكر يبقى دليل على معرفة يهود القرن الأول والثاني قبل الميلاد (المملكة المكابية) باليطوريين.

الملك المكابي ألكساندر ينايوس.. حاول فرض اليهودية على اليطوريين

تحت حكم الرومان
مع وصول حملة القائد الروماني، بومبي، إلى بلاد الشام، والقضاء على حكم السلوقيين، وضع الرومان حداً لتوسع اليطوريين، وأعاد القائد بومبي تنظيم المنطقة إدارياً، وكان لليطوريين معاملة خاصة فاحتفظ لهم بحكم ذاتي في مناطقهم، وأعاد لهم بعض ممتلكاتهم في الجولان، التي كان المكابيون قد انتزعوها منهم؛ بل وعمد الجيش الروماني إلى تشكيل فرقة محاربة من اليطوريين، واشتركت في الحروب، كما كوّن "ماركوس أنطونيوس" (83-30 ق م)، القائد الروماني، حرساً خاصاً منهم.

اقرأ أيضاً: "هيئة تحرير الشام" ودوّامة الفصائل المتفتتة
بعد ذلك، ومع نهاية القرن الأول قبل الميلاد، بدأ الرومان بتحويل سياستهم تجاه اليطوريين، وبدأوا بالتضييق عليهم، ودفعهم نحو مناطق البادية، وفي عام 20 ق م؛ توفَّى "زنودوروس"، آخر حكام اليطوريين، واستولى هيرودس، حاكم المقاطعة اليهودية الرومانية، على ما تبقى من أملاكهم.
وفي الإنجيل يرد ذكر اسم بلاد اليطوريين في الإصحاح الثالث من إنجيل لوقا، وتذكَر على أنّها جزء من أملاك أسرة هيرودوس، في فترة ميلاد المسيح.

كوّن القائد الروماني ماركوس أنطونيوس حرساً خاصاً من اليطوريين

بذلك تكون الدولة اليطورية قد استمرت حوالي القرن من الزمان، وظلّت أهميتها تتمثل في كونها جسدت أولى النماذج لقيام الدول والممالك العربية خارج شبه الجزيرة العربية، تماماً كما كانت جارتها الدولة النبطية، وكان قيام مثل هذه الدول مرحلة مهمة في مسيرة التحضّر العربي والتحوّل من التنظيم القبلي والبداوة إلى التحضر والاستقرار.


الصفحة الرئيسية