بعد 20 عاماً من 11 سبتمبر: الإرهاب يتصاعد في أفريقيا

بعد 20 عاماً من 11 سبتمبر: الإرهاب يتصاعد في أفريقيا

مشاهدة

05/09/2021

ترجمة: محمد الدخاخني

يُعيد السّقوط السّريع لأفغانستان في أيدي طالبان الفكرة الكابوسيّة عن أنّ الجماعات الإرهابيّة الجهاديّة العالميّة ستعثر مجدّداً على ملاذ يمكنها فيه إعادة التّنظيم والازدهار، كما أنّه يلفت الانتباه إلى أفريقيا، حيث الجماعات الجهاديّة في تصاعد.

 بعد مرور عشرين عاماً على الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، تواصل هذه الجماعات حربها الإرهابيّة في أجزاء كبيرة من القارة.

اقرأ أيضاً: ما تأثير نجاح "طالبان" في أفريقيا؟

إنّ سيناريو تطغى فيه الجماعات الجهاديّة على دولة مثل مالي، بفسادها وافتقارها إلى التّماسك السّياسيّ وضعف قوّاتها المسلّحة، يُعدّ واقعيّاً: كاد أن يحدث عام 2013. من الملحّ التّفكير في دروس أفغانستان بالنّسبة إلى أفريقيا، حيث أصبحت الدّول الغربيّة متردّدة للغاية في زيادة مشاركتها في محاربة حركات التّمرّد هذه بعد الفشل الذّريع في أفغانستان.

انخفض الإرهاب المرتبط بالحركات الإسلامويّة الرّاديكاليّة منذ 2014 عندما وصل إلى عام قياسيّ، من حيث عدد الحوادث والوفيّات، وانخفض الإرهاب خارج البلدان التي تشهد تمرّداً جهاديّاً بشكل أكثر حدّة، ممّا يشير إلى أنّ قدرة العديد من الجماعات على شنّ هجمات ضدّ المدنيّين خارج مناطق عمليّاتها اليوميّة قد قُلّصت بشكل خطير.

يُظهِر "مؤشر الإرهاب العالميّ"، الذي يقيس الحوادث الإرهابيّة في أنحاء العالم كافّة، أنّ الوفيّات المرتبطة بالهجمات الإرهابيّة انخفضت بنسبة 59% بين عامي 2014 و2019، إلى ما مجموعه 13,826 - مع ارتباط معظمها بالدّول الّتي تشهد تمرّدات جهاديّة، ومع ذلك، في العديد من الأماكن في جميع أنحاء أفريقيا، ارتفعت الوفيّات بشكل كبير.

ليس كأفغانستان

تزدهر الجماعات الجهاديّة العنيفة في أفريقيا وتتوسّع في بعض الحالات عبر الحدود، ومع ذلك، لا توجد دولة معرّضة لخطر الانهيار الفوريّ كما حدث في أفغانستان.

تمتلك حركات التّمرّد الإسلامويّة في أفريقيا ثلاث مناطق جغرافيّة رئيسة للعمليّات، إحداها الصّومال، حيث تسبّب تمرّد قديم للغاية على مدى أعوام في عدم الاستقرار في المناطق الحدوديّة في كينيا، والذي يُلهم الآن الجماعات العنيفة في موزمبيق وجمهوريّة الكونغو الدّيمقراطيّة، والثّانية في منطقة السّاحل غرب أفريقيا؛ إذ تأثّرت المنطقة الحدوديّة بين مالي والنّيجر وبوركينا فاسو بشكل خاصّ، وكذلك بلدان مجاورة، مثل ساحل العاج وتوغو وبنين.

تزدهر الجماعات الجهاديّة العنيفة في أفريقيا وتتوسّع في بعض الحالات عبر الحدود، ومع ذلك، لا توجد دولة معرّضة لخطر الانهيار الفوريّ كما حدث في أفغانستان

 تأتي أخيراً المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد وشمال شرق نيجيريا، حيث يؤثّر الصّراع بشكل مباشر على شمال الكاميرون وتشاد والنّيجر، تُلحِق كلّ هذه التّمردات خسائر فادحة بالسّكان المحلّيّين، الّذين هم هدف معظم هجمات الإرهابيّين.

بالرّغم من الجهود الهائلة التي تبذلها الدّول الأوروبيّة والولايات المتّحدة، مع وجود فرنسا والمملكة المتّحدة على الخطوط الأماميّة، وبدعم كامل من المنظّمات متعدّدة الأطراف، مثل الأمم المتّحدة وبنوك التّنمية، استمرّت التّمرّدات الجهاديّة بل وتتوسّع.

للولايات المتّحدة حوالي 6,000 جنديّ في أفريقيا، معظمهم منخرطون في الحرب ضدّ الجماعات الإرهابيّة، وفي منطقة السّاحل، قادت فرنسا عمليّتين عسكريّتين كبيرتين للغاية؛ الأولى، المعروفة باسم "سيرفال"، أوقفت زحف المتمرّدين وتجنّبت الانهيار الكامل للدّولة المالية من خلال هجوم منسّق لأربع جماعات مسلّحة قويّة عام 2013، وأعقبتها عمليّة أخرى "برخان"، التي تتحوّل حالياً إلى "فرقة عمل تاكوبا" متعدّدة الجنسيّات، والتي تأمل باريس أن تحظى بمشاركة أكبر من جانب كثير من الدّول الأخرى.

كان لدى فرنسا ما يصل إلى 5,400 جنديّ في منطقة السّاحل حتّى قرار الرّئيس إيمانويل ماكرون الأخير بتقليص وجودها، وفي عام 2007، أطلق الاتّحاد الأفريقيّ، بناءً على طلب مجلس الأمن التّابع للأمم المتّحدة، بعثته إلى الصّومال (أميصوم)، بمشاركة 11 دولة أفريقيّة وحوالي 20 ألف فرد منتشرين في الميدان، إضافة إلى دعم ماليّ وتقنيّ مهمّ من الدّول الغربيّة.

اقرأ أيضاً: قادة الجماعات الجهادية في أفريقيا على قائمة الإرهاب الأمريكية... أسما

أيضاً، فإنّ "بعثة الأمم المتّحدة المتكاملة متعدّدة الأبعاد لتحقيق الاستقرار (مينوسما)" موجودة في مالي منذ عام 2013 ويعمل بها 18,000 موظّف، ما أدّى لأن تصبح العمليّة الأكثر دمويّة في جميع عمليّات حفظ السّلام الجارية التّابعة للأمم المتّحدة.

أسباب التّمرّد

إنّ أسباب هذا التّمرّد معقّدة، وعادةً ما تكون متجذّرة في المظالم المحلّيّة، والتنافس على الموارد المحليّة (لا سيما الأراضي المخصّصة للرّعي)، وسوء الإدارة، ونقص قدرة الحكومات على تقديم الخدمات وإتاحة الفرص الاقتصاديّة لسكّانها، خاصّة في المناطق الطّرفيّة.

يُظهِر "مؤشر الإرهاب العالميّ"، الذي يقيس الحوادث الإرهابيّة في أنحاء العالم كافّة، أنّ الوفيّات المرتبطة بالهجمات الإرهابيّة انخفضت بنسبة 59% بين عامي 2014 و2019

 بدأت العديد من الحركات الجهاديّة الأكثر تنظيماً، كما في أفغانستان، خلال الحروب الأهليّة؛ بدأت حركة الشّباب في الصّومال كفرع لاتّحاد المحاكم الإسلاميّة الذي ظهر لإحداث بعض النّظام في نهاية الحرب الأهليّة المدمّرة التي بدأت عام 1991، وفي مالي، نشأت وتعزّزت عدّة منظّمات جهاديّة، مثل: أنصار الدّين، وحركة التّوحيد، والجهاد في غرب أفريقيا، بشكل كبير أثناء تمرّد الطّوارق في شمال مالي عام 2012، كما يُسهم في التّمرّد الجهاديّ البحث عن هويّة عالميّة والبحث عن هدف بين الشّباب المهمّش والمُحبط، وسط انهيار في البنى الأسريّة التّقليديّة.

 في هذا السّياق؛ تُسهم الدّعوة الّتي تُمارسها الجماعات الدّينيّة السّلفيّة في نشر الرّسائل الخلافيّة بين الشّباب.

بعض الصّراعات الّتي تُشارك فيها الحركات الجهاديّة كانت تختمر منذ أجيال، وغالباً ما تكون متجذّرة في تاريخ من العنف على المستوى المجتمعيّ، ومن أجل الحصول على دعم الشّباب المحلّيّ، تميل العديد من الجماعات الجهاديّة إلى استخدام مظالم إثنيّة محدّدة لصالحها.

اقرأ أيضاً: تركيا تتمدد في أفريقيا عبر موريتانيا تحت عباءة الاستثمار

بدأت بوكو حرام في نيجيريا في التّجنيد بين شباب الكانوري، الذي راكم العديد من المظالم ضدّ الدّولة النّيجيريّة وشعر بأنّ منطقته، بورنو، قد هُمّشت إلى حدّ كبير من قِبل الحكومة. في الآونة الأخيرة، ظهرت جبهة تحرير ماسينا، أو "كاتيبا ماسينا"، وسط مالي، تحت قيادة داعية من إثنية الفولانيّ هو أمادو كوفا. تمكّنت "كاتيبا ماسينا" من جذب العديد من شباب الفولانيّ إلى صفوفها، وهو الشّباب الذي يشعر بالإحباط بعد أعوام من المظالم المتراكمة تجاه الحكومة والجماعات الأخرى، لا سيّما فيما يتعلّق بالوصول إلى المراعي، وسرقة الماشية، والتّهميش على نطاق واسع.

فروع للحركات الجهاديّة

غالباً ما تُقدّم هذه التّمرّدات نفسها على أنّها فروع للحركات الجهاديّة العالميّة مثل تنظيمي داعش والقاعدة وذلك لتعزيز صورتها، ومع ذلك، اليوم، في معظم الحالات، تمتلك هذه الجماعات روابط ضعيفة للغاية مع هذه الحركات ولا يبدو أنّها تحصل منها على دعم ماليّ أو عسكريّ على أيّ مستوى ذي معنى. غالباً ما تنقسم هذه الجماعات أيضاً، وقد قُتل قادتها الأكثر قدرة على مرّ السّنين في عمليّات عسكريّة أو اقتتال داخليّ، ومع ذلك، فإنّ هذا لم يُقلّل حقّاً من قدرتها على الفتك.

لا تتمتّع التّمرّدات المحلّيّة في أفريقيا اليوم بالقدرة على العمل عالميّاً، لكنّ لها تأثيراً مباشراً دراماتيكيّاً على منح الرفاهية للسّكّان المدنيّين، تشير التّقديرات إلى أنّ تمرّد بوكو حرام قد أودى بحياة 30 ألف شخص، منذ عام 2009، وأدّى إلى نزوح ثلاثة ملايين شخص قسراً.

في بوركينا فاسو وحدها، ارتفع عدد الضّحايا من حوالي 80 عام 2016 إلى أكثر من 1,800 عام 2019، وارتفع عدد النّازحين عشرة أضعاف إلى حوالي 500 ألف، ولجأ 25 ألفاً إضافيّين إلى دول أخرى، وفقاً للأمم المتّحدة.

يقوّض استمرار التّمرّد مصداقيّة الحكومات ويخلق توتّرات بين السّكّان المحلّيّين ويعزّز النّزاعات القائمة، شهدت مالي، الدّولة الّتي حقّقت تقدّماً مثيراً للإعجاب في مجال الدّيمقراطيّة قبل حرب 2012 في شمالها، ثلاثة انقلابات عسكريّة في الأعوام الثّمانية الماضية، وكلّها مرتبطة بإحساس بأنّ الحكومة غير قادرة على التّصدّي بفعالية لهذه التّمرّدات. ومع ذلك، إذا بدأت الدّول الغربيّة في قطع دعمها للحكومات بجدّيّة، يمكن أن يسيطر المتمرّدون على مناطق كبيرة، وأن يتواصلوا بشكل أكثر فاعليّة مع الحركات العالميّة، ويشكّلوا تهديداً عالمياً.

على سبيل المثال، خفّضت إدارة بايدن مؤخّراً دعمها للجيش الصّوماليّ الّذي يُقاتل حركة الشّباب، ووفقاً لضباط في الميدان، فقد تُرجم ذلك بالفعل إلى بعض المكاسب الإقليميّة للجماعة الجهاديّة.

العديد من الدّروس

يمكن استخلاص العديد من الدّروس من أفغانستان، وقد بدأت دول مثل فرنسا في تغيير إستراتيجيّاتها، نعلم الآن أنّ مجرّد وقف الجهود الأمنيّة يمكن أن يكون كارثيّاً، وأنّ المساعدة الإنمائيّة الّتي تُسيطر عليها الحكومات الغربيّة بإحكام تميل إلى زيادة الفساد وتقويض المؤسّسات المحلّيّة، وأن تجاهل نوع آليات الحكم المحلّيّ الّتي كانت موجودة منذ قرون لأنّها لا تعجبنا أو لأنّنا لا نفهمها يؤدّي إلى نتائج عكسيّة، وأنّ دفع الجهات الفاعلة المحلّيّة جانباً لأنّها لا تُعجبنا لا يقوم سوى بتأخير الأزمة.

نأمل أن تتمكّن الولايات المتّحدة وحلفاؤها من التّفكير في بعض هذه الدّروس وتطبيقها أثناء مقاربتهم لمعاركهم ضدّ التّمرّدات الجهاديّة في أفريقيا، ومن جانبها، تحاول فرنسا بالفعل تعديل إستراتيجيّتها في منطقة السّاحل، هناك درس واحد واضح للدّول الغربيّة: مجرّد الخروج لا يحلّ المشكلات.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

ألكساندر مارك، بوركنغز، 30 آب (أغسطس) 2021

https://www.brookings.edu/blog/order-from-chaos/2021/08/30/20-years-after-9-11-jihadi-terrorism-rises-in-africa/

الصفحة الرئيسية