خط بحري مع سوريا: إيران تتمدّد إقليمياً أمام أنظار واشنطن

خط بحري مع سوريا: إيران تتمدّد إقليمياً أمام أنظار واشنطن

مشاهدة

11/03/2021

يبرز التغلغل الإيراني في سوريا الأهمية الجيوسياسية التي تحوزها الأخيرة، إذ إنّها تعد نقطة ارتكاز حيوية من الناحيتين السياسية والإستراتيجية، ضمن المشروع الإقليمي للولي الفقيه، والذي يتبنى رؤية توسعية باتجاه فرض هيمنته على ما يعرف بـ"الهلال الشيعي"، ومن ثم، تأمين ممراته البرية والبحرية، وتشمل منطقة جنوب غرب آسيا والقوقاز، مروراً بالشرق الأوسط، ودول الخليج.

الولي الفقيه إذ يمهد لمشاريعه الطائفية

بيد أنّ دمشق تمثل نقطة مركزية في دائرة نشاط طهران، السياسي والميداني، لدى ما يعرف بـ"محور المقاومة"، والذي يمتد من العراق ويمر بسوريا وينتهي عند لبنان، ولذلك؛ قال رجل الدين الإيراني، مهدي طيب، عام 2014: "إذا هاجمنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سوريا أو محافظة خوزستان، فإنّ الأولوية هنا المحافظة على سوريا، فإذا حافظنا على سوريا معنا، فإنّ بإمكاننا استعادة خوزستان أيضاً، ولكن إن فقدنا سوريا، لا يمكننا أن نحافظ على طهران".

إذاً، لا يعد مشروع الخط البحري الواصل بين طهران ودمشق الذي جرى الإعلان عنه، مؤخراً، أمراً مباغتاً، إنّما يعكس الرؤية البراغماتية ذاتها، ويؤكد على المصالح المشتركة، القديمة والتقليدية. كما أنّه يفصح عن حجم التغلغل الإيراني في سوريا، والهيمنة الاقتصادية والتجارية، وقد بلغت صادرات إيران إلى سوريا، نهاية العام الماضي، 73 مليون دولار فقط، والواردات من سوريا 10 ملايين دولار، بحسب وكالة "مهر" الإيرانية، شبه الرسمية.

يلفت المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، إلى أنّ طهران تضع في أولوياتها الدعم العسكري والاستراتيجي للتنظيمات المسلحة بالمنطقة، أكثر من اهتمامها ببرامج الصواريخ والملف النووي

كما أوضحت البيانات الرسمية، الصادرة عن النظام السوري، في دمشق، في النصف الثاني من العام الماضي، أنّ طهران حصلت على عشرات المشاريع الاستثمارية بقطاعات اقتصادية، من بينها الطاقة والنفط.

ويتراوح حجم الإنفاق الإيراني في سوريا بين 30 و40 مليار دولار، خلال سنوات الحرب، وتحديداً منذ التدخل الإيراني عبر ميليشياتها المسلحة، حسبما كشفت جيسي شاهين، الناطقة الرسمية بلسان مبعوث الأمم المتحدة الدولي السابق إلى سوريا، ستيفان ديمستورا، والتي قالت إنّ "الدعم الإيراني للنظام السوري يقارب 6 مليار دولار سنوياً".

نفقات إيران في سوريا

ويلفت المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، إلى أنّ طهران تضع في أولوياتها الدعم العسكري والإستراتيجي للتنظيمات المسلحة بالمنطقة، أكثر من اهتمامها ببرامج الصواريخ والملف النووي، موضحاً في دراسة منشورة بعنوان: "شبكات التسلل الإيرانية في الشرق الأوسط" أنّ "إنفاق إيران على أنشطة ميليشياتها في سوريا والعراق واليمن، يقدر بحوالي 16 مليار دولار سنوياً، بينما ينفق النظام الإيراني حوالي 700 مليون دولار سنوياً على ميليشيات حزب الله في لبنان".

ولا تختلف الأرقام المعلنة من جهات رسمية أو حقوقية أو أبحاث ودراسات منشورة، عن ما يذكره المسؤولون في طهران، وقد أكدوا أن النفقات وصلت إلى أكثر من 30 مليار دولار، حسبما قال حشمت الله فلاحت بيشة، عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني السابق، بينما ذكر اللواء يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، أنّ تدخلات إيران في دول المنطقة لم تكن "مجانية" بل تمت مقابل الحصول على الأموال لاسيما في العراق وسوريا.

اقرأ أيضاً: إيران ووهم التغيير الديموغرافي في سوريا

وقال صفوي: "وقعنا عقوداً مع السوريين وسنحصل على أشياء بالمقابل"، لافتاً إلى أنّ عملية إعادة إعمار سوريا "سوف تستغرق عدة سنوات، وسوف تتطلب ما لا يقل عن 300 إلى 400 مليار دولار".

وأضاف أنّ "إيران يجب أن تعوض الخسائر التي تكبدتها في سوريا، والسوريون مستعدون لتعويضها من مناجم النفط والغاز والفوسفات لديهم".

إستراتيجية إيران باتجاه دمشق

وقبل أيام، تم تدشين خط بحري مباشر بين ميناء بندر عباس، الذي يقع في محافظة هرمزكان، جنوب إيران، وميناء اللاذقية السوري، بحسب ما أعلن المدير التنفيذي لشركة نقل البضائع السائبة في منظمة الملاحة البحرية الإيرانية، عبد الله حسومي.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تحذر: الأزمة الإنسانية في سوريا تتفاقم... لماذا؟

وقال حسومي إنّه "وفق برنامج دعم الصادرات والخطط الموضوعة داخل البلاد، سيبدأ العمل بهذا الخط البحري، اعتباراً من 10 مارس/آذار 2021"، موضحاً أنّه "سيتم توظيف الخط البحري بين بندر عباس واللاذقية، في مجال نقل حمولات البضائع السائبة الإيرانية بصورة منتظمة شهرياً إلى سوريا، وستبحر فيه سفن ناقلة لمختلف السلع بما فيها السائبة والعامة ونقل الحاويات".

ويتوقع المدير التنفيذي لشركة نقل البضائع السائبة في منظمة الملاحة البحرية الإيرانية "زيادة رحلات الخط البحري المباشر بين البلدين إلى رحلتين شهرياً فيما إذا لقي تدشينه ترحيباً من قبل التجار وأصحاب الصادرات".

الباحث في الشأن الإيراني، د. محمد نعناع لـ"حفريات": السعي الإيراني المحموم نحو خلق مسارات مختلفة لتوسيع مناطق النفوذ، يبدو واضحاً في سوريا والعراق

وبحسب الباحث والأكاديمي المتخصص في الشأن الإيراني، الدكتور محمد نعناع، فإنّ السعي الإيراني المتواصل والمحموم نحو خلق مسارات مختلفة لتوسيع مناطق نفوذها، يبدو واضحاً وعلنياً، بصورة متكررة، في سوريا والعراق ولبنان واليمن، موضحاً في حديثه لـ"حفريات" أنّ "ما يساعد طهران على تنفيذ إرادتها السياسية المستبطنة في المشاريع الاقتصادية والثقافية، هو عدم مزاحمتها بجدية من قبل أطراف إقليمية أو دولية أخرى، وحتى العقوبات التي تفرضها أمريكا وأوربا على طهران لم تحد من استمرار نشاطاتها في المنطقة".

مشاريع اقتصادية وأهداف عسكرية وأمنية

ويردف نعناع: "واشنطن وحلفاؤها لا يريدون ردع إيران بل استنزافها من خلال التأثير على نفقاتها المالية باتجاه وكلائها في المنطقة، ومعظم النشاطات والبرامج الايرانية الاقتصادية المحمية أمنياً عن طريق الميليشيات والتحالفات النفعية غير ذات جدوى؛ وهي عبارة عن حصان طروادة لدعم الإرادة السياسية المتمثلة في زيادة مناطق النفوذ، أو لتكون أوراق ضغط لمواجهة العقوبات القاسية المفروضة عليها، والتفاوض من خلالها على البرنامج النووي".

الباحث والأكاديمي المتخصص في الشأن الإيراني محمد نعناع

وهذه المشاريع الاقتصادية معرضة لـ"ضربات محتملة من واشنطن وتل ابيب"، بحسب نعناع، وذلك في حال لو أصبحت ذات جدوى اقتصادية لإيران، أو حققت الأهداف السياسية التي تؤثر في معادلة التوازن الإقليمي في المنطقة.

اقرأ أيضاً: الاستخبارات الأمريكية تُحذر من هجمات لإيران داخل سوريا... تفاصيل

وقام رئيس غرفة التجارة الإيرانية السورية المشتركة، كيوان كاشفي، بزيارة حلب، بالتزامن مع الإعلان عن تدشين الخط البحري بين سوريا وإيران، حيث ترأس وفداً اقتصادياً، يضم مسؤولين في غرفتي التجارة والصناعة، ورجال أعمال، فضلاً عن حضور قيادات من الحرس الثوري الإيراني، كما جرى تداول وبحث مجموعة من المشاريع التي سيتم العمل عليه، خلال العام الحالي، ومن بينها: "تنظيم عدد من المعارض للمنتجات الإيرانية والمواد الخام في حلب، في القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وتقديم قطع الغيار للشركات والمصانع المتضررة، في المدن الصناعية الرئيسية في حلب، والمساعدة في تأمين مستلزمات الصناعة والآلات الصناعية".

اقرأ أيضاً: كيف رسخت إيران تواجدها الأمني في سوريا؟

ويضاف إلى ذلك، تحديد قائمة بالمواد الأولية التي يحتاجها الصناعيون والتجار بحلب للحصول عليها من السوق الإيرانية، ثم تأمين طريق بري يصل إيران بحلب، والاتفاق على نظام خاص بالتحويلات المصرفية بين إيران وحلب، وقد كشف رئيس غرفة التجارة الإيرانية السورية عن وجود تعقيدات في التجارة مع سوريا، وذلك في ما يخص عمليتي الشحن والنقل، نظراً لعدم وجود حدود برية مشتركة.

اقرأ أيضاً: بالأسماء... أبرز ميليشيات إيران في العراق وسوريا وحجم الإنفاق عليها

ولفتت وكالة فارس الإيرانية إلى أنّه تم "إجراء التنسيقات اللازمة بين غرفة التجارة الإيرانية السورية المشتركة، ولجنة تنمية العلاقات الاقتصادية الإيرانية العراقية السورية، ومنظمة الملاحة البحرية الإيرانية، حيث تقرر تسيير خط ملاحي بحري من بندر عباس إلى اللاذقية بواقع مرة واحدة في الشهر"، مشيرة إلى أنّ "السفن ستشحن الحاويات والبضائع السائبة ولا توجد قيود بهذا الشأن، وأنّه حالياً سيتم تصدير السلع إلى سوريا، حيث إنّ هذا الخط لم يتوقف، لكنه كان "غير منتظم، ما يجعله غير مجد اقتصادياً بسبب التعطيل وبعد المسافة".

الصفحة الرئيسية