دروس للعالم من وباء كورونا المستجد

دروس للعالم من وباء كورونا المستجد

مشاهدة

06/06/2020

توماس فريدمان

إذا أظهرت لنا الأسابيع الأخيرة شيئاً ما، فهو أن العالم ليس مسطحاً فحسب، وإنما هش أيضاً. ونحن هم الذين جعلناه كذلك، بأيدينا. وما على المرء إلا أن ينظر من حوله. فعلى مدى العشرين عاماً الماضية، عملنا على إزالة مصدّات ومخففات صدمات طبيعية وأخرى من صنع الإنسان، إضافة إلى قواعد ومعايير توفّر المرونة والحماية عندما تتعرض الأنظمة الكبيرة للضغط، سواء أكانت بيئية أم جيوسياسية أم مالية. وعلى نحو طائش ومتهور، عملنا على إزالة تلك المصدّات بسبب هوس بالفعالية والنمو على المدى القصير، ومن دون تفكير على الإطلاق.
وفي الوقت نفسه، تصرفنا على نحو متطرف، متجاوزين الحدود السياسية والمالية والطبيعية المنطقية.
وبالتوازي مع كل ذلك، نقلنا العالم من الناحية التكنولوجية من الاتصال بالشبكة إلى الاتصال المتبادل إلى الاعتماد المتبادل عبر إزالة مزيد من الاحتكاك واستخدام مزيد من الدهون في الأسواق العالمية وأنظمة الاتصالات اللاسلكية والإنترنت والسفر. وبذلك، جعلنا العولمة أسرع وأعمق وأرخص وأضيق من أي وقت مضى. فمن منا كان يعرف أن هناك رحلات جوية مباشرة من ووهان الصينية إلى أميركا؟
إذا وضعنا كل هذه الاتجاهات الثلاثة معاً، فإن ما سنحصل عليه هو عالم معرّض للصدمات والسلوكيات المتطرفة بشكل سهل، ولكن بمصدّات أقل لتلطيف تلك الصدمات، وشركات وأشخاص أكثر بكثير متصلين بالشبكة لينشروها على الصعيد العالمي.
وقد ظهر هذا بشكل جلي في أحدث أزمة ألمّت بالعالم برمته: وباء فيروس كورونا. غير أن هذا الاتجاه، اتجاه الأزمات المزعزعة للاستقرار الأكثر تواتراً، ليس وليد اليوم وإنما بدأ خلال العشرين عاماً الماضية مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والركود الكبير لـ2008، وكوفيد- 19، وتغير المناخ. فالأوبئة لم تعد بيولوجية فقط، وإنما جيوسياسية ومالية وبيئية أيضاً. ولهذا، فإننا سنعاني عواقب متزايدة إذا لم نشرع في التصرف على نحو مختلف، وفي معاملة الطبيعة بطريقة مختلفة.
لاحظوا النسق: قبل كل أزمة من الأزمات التي ذكرتُها، كنا نشهد أولاً ما يمكن أن نسميه نوبة قلبية «معتدلة»، تنبّهنا إلى أننا أفرطنا وجاوزنا الحد، وأننا أزلنا مخففات الصدمات التي كانت تقينا من إخفاق كارثي، غير أنه في كل حالة من تلك الحالات، لم نكن نأخذ ذاك التحذير على محمل الجد بما يكفي – وفي كل حالة من تلك الحالات كانت النتيجة نوبة قلبية عالمية كاملة.
وفي هذا السياق، يقول «غوتام موكوندا»، مؤلف كتاب «الأساسي.. عندما يكون القادة حقاً مهمين»: «لقد خلقنا شبكات معولمة، لأنها تستطيع أن تجعلنا أكثر فعالية وإنتاجية، وأن تجعل حياتنا أكثر راحة»، مضيفاً «ولكن عندما تعمل على إزالة مخففات الصدمات، وتقوّي القدرات، وتزيد وسائل الحماية سعياً وراء فعالية قصيرة المدى، أو وراء الجشع وحسب، فإنك تضمن أن هذه الأنظمة ليست أقل مقاومة للصدمات فحسب، وإنما أننا سننشر تلك الصدمات في كل مكان».
وأعتقد أنني لست بحاجة لتخصيص حيز كبير للحديث عن وباء كوفيد- 19، ما عدا القول إن إشارة التحذير كانت موجودة. فقد ظهرت في أواخر 2002 في إقليم غوانغدونغ الواقع جنوب الصين. وكانت مرضاً فيروسياً يصيب الجهاز التنفسي ويتسبب فيه فيروس تاجي «سارس-كوف»، يعرف اختصاراً بـ«سارس».
وكما جاء في موقع «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» على الإنترنت، فإنه «على مدى الأشهر القليلة المقبلة، سينتشر المرض إلى أكثر من أربعة وعشرين بلداً في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأوروبا وآسيا» قبل أن يتم احتواؤه. وقد أصيب بالمرض أكثر من 8 آلاف شخص على الصعيد العالمي، بمن فيهم ما يناهز 800 شخص ماتوا. وسجلت الولايات المتحدة ثماني حالات عدوى مؤكدة، وصفر وفيات.
الفيروس التاجي الذي تسبب في «سارس» كانت تحتضنه حيوانات الخفاش، ثم انتقل إلى البشر، لأننا كنا ندفع المراكز السكانية الحضرية ذات الكثافة العالية عميقاً في المناطق البرية ونتوسع، مدمِّرين تلك المصدات، ومستبدلين إياها بمحاصيل الزراعة الأحادية والإسمنت، بيد أنه من المهم الإشارة إلى أن «سارس» تم احتواؤه بحلول يوليو 2003 قبل أن يصبح جائحة، بفضل الحجر الصحي السريع والتعاون العالمي الوثيق بين الهيئات الصحية العالمية في عدة بلدان، إذ أثبتت الحكامة التعاونية متعددة الأطراف أنها مخفف جيد للصدمات.
ولكن للأسف، كان هذا واقع الحال آنذاك، ولم يعد كذلك اليوم. فأحدث أنواع الفيروسات التاجية يدعى بجدارة «سارس-كوف2»، مع تركيز على الرقم 2. إننا لا نعرف على نحو مؤكد من أين أتى هذا الفيروس التاجي الذي يتسبب في مرض «كوفيد- 19»، ولكن يشتبه على نطاق واسع في أنه انتقل إلى الإنسان من حيوان بري، ربما خفاش، في مدينة ووهان الصينية. والأكيد أن عمليات انتقال مماثلة ستحدث بشكل متزايد، بينما نواصل تجريد الطبيعة من تنوعها البيولوجي الطبيعي ومخففات الصدمات الخاصة بها.
وفي هذا الصدد، يوضح «روس ميترميار»، رئيس منظمة «منظمة الحفاظ على الحياة البرية العالمية»، والذي يُعد واحداً من أبرز خبراء العالم في الحياة البرية: «كلما أصبحت الأنظمة البيئية أكثر تبسيطاً وأقل تنوعاً، ولاسيما في المناطق الحضرية الضخمة والمتوسعة بشكل مستمر، أصبحنا أهدافاً لهذه الآفات والأوبئة».
غير أن ما نعرفه بشكل مؤكد هو أنه بعد نحو خمسة أشهر على انتقال هذا الفيروس التاجي إلى الإنسان في ووهان، مات أكثر من 100 ألف أميركي، وصار أكثر من 40 مليون أميركي في عداد العاطلين عن العمل.
وبينما أتأمل العشرين عاماً الماضية، ألاحظ أن ما تشترك فيه كل هذه الكوارث العالمية الأربع هو أنها جميعها «أفيال سوداء»، وهي عبارة سكّها عالمُ البيئة آدم سويدن. عبارة «فيل أسود» هي مزيج بين عبارة «إوزة سوداء»، وهي عبارة تعني في اللغة الإنجليزية حدثاً غير متوقع وغير محتمل الحدوث وله تداعيات كبيرة جداً، وعبارة «الفيل في الغرفة» ، وتعني كارثة وشيكة لا تخطئها العين، ولكن لا أحد يريد معالجتها.
بعبارة أخرى، إن هذه الرحلة التي أخذتكم إليها قد تبدو حتمية، ولكنها لم تكن كذلك. ذلك أن الأمر كله كان يتعلق باختيارات مختلفة، وقيم مختلفة، استخدمها البشر وزعماؤهم في أوقات مختلفة في عصرنا المعولم ، أو لم يستخدموها.
ومن الناحية التقنية، العولمة حتمية لا مفر منها، ولكن الكيفية التي نشكّلها بها ليست كذلك.
أو كما قال لي مؤخراً «نيك هانووَر»، المستثمر والمتخصص في الاقتصاد السياسي: «إن مسببات الأمراض حتمية لا مفر منها، ولكن تحوّلها إلى أوبئة ليس حتمياً».
وخلاصة القول: إننا قررنا إزالة مخففات الصدمات باسم الفعالية، وقررنا السماح للرأسمالية بالتغول، وتقليص قدرات حكومتنا عندما كنا في أمس الحاجة إليها، وقررنا عدم التعاون مع بعضنا بعضاً في جائحة، وقررنا إزالة غابة الأمازون، وقررنا غزو أنظمة بيئية بكر، واصطياد حياتها البرية.
هذا هو الدرس الأهم هنا، فبينما يزداد العالم ترابطاً على نحو عميق، يصبح سلوك الجميع أهم من أي وقت مضى ، ومعه القيم التي يجلبها كل واحد منا إلى هذا العالم المترابط. وكذلك الحال بالنسبة لـ«القاعدة الذهبية»، التي باتت أهم من أي وقت مضى: عامل الآخرين، كما تريدهم أن يعاملوك، لأن أشخاصاً كثيرين في مناطق كثيرة، وفي أحيان كثيرة يستطيعون الآن بطرق كثيرة أن يعاملوك، وأن تعاملهم أكثر من أي وقت مضى.

عن "الاتحاد" الإماراتية

الصفحة الرئيسية