رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي

رحيل صالح علماني صوت الإسبانية العربي
صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
3746
عدد القراءات

2019-12-03

اختار صالح علماني، الذي توفي اليوم في إسبانيا، ذات وسم في صفحته على فيسبوك نهاية عام 2010، أن يلخّص حياته ببساطة "عشتُ لأترجم"، مستوحياً ما كتبه من العبارة التي عنون بها ماركيز مذكراته.
بدت رحلة علماني في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً، قبل أن يحزم قراره الذي سيكرّسه واحداً من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر، جعلت قارئ الضاد يتنقل مع عوالم نيرودا ولوركا وماركيز وإيزابيل الليندي .. كأنّه يقلب بأُلفة صفحات خطّها نجيب محفوظ أو محمود درويش.

كانت رحلته في الحياة أشبه بواقعية سحرية لشاب فلسطيني، بدأ في دراسته طبيباً، تراوده أحلام رومانسية أن يغدو روائياً عظيماً

من آخر معقل مقاوم في فلسطين عام 1948، غادر الفلاح عمر علماني ابن "ترشيحا" أو "جبل الشيح" كما كانت تعرف بالكنعانية تلك القرية الموشحة بأشجار الزيتون شمال عكا؛ حيث تعايش المسلمون والمسيحيون قروناً، لتبدأ التغريبة، ويشارك الآلاف من أبناء شعبه الذين هُجروا في تلك الرحلة التي ستطول كأنّها مئة عام من العزلة، لينتهي به المطاف في سورية، وفي شهر شباط (فبراير) من عام 1949، رزق الحكّاء الأمي بمدينة حمص بذلك الطفل الذي سيولع بالقراءة، وأطلق عليه اسم "صالح".

 

 

استقر مقام العائلة في الحجر الأسود ذلك الاتساع الغرائبي لمخيم اليرموك جنوب دمشق؛ حيث أكمل صالح علماني دراسته، ليحزم حقائبه نهاية الستينيات صوب مدريد لدراسة الطب حاملاً معه دواوين لصلاح عبدالصبور، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وديوان محمود درويش الأول "آخر الليل" مما كان يثير سخرية زملائه، فلم يكن مستغرباً ألا يتوافق مع هذا التخصص، رغم نجاحه في السنة الأولى، ليتحول إلى دراسة الصحافة التي وجدها أكثر صعوبة! ثم يترك الدراسة فترة بعد أن ساءت أحواله المادية، خصوصاً مع اشتعال حرب تشرين عام 1973، واضطر للعمل في الميناء وأماكن أخرى، ليوفر تكاليف دراسته الجديدة "الأدب الإسباني"، وكانت بدايته في الترجمة مع مقررات المجلس الوطني الفلسطيني التي كان يقوم بنقلها لرفاق شيوعيين إسبان، لتنشر في مجلة يشرف عليها الحزب الشيوعي الإسباني.

اللقاء الأول مع أدب أمريكا اللاتينية

ذات مساء قاده التسكع في قاع مدينة برشلونة إلى أحد المقاهي؛ حيث كان لقاؤه الأول مع أدب أمريكا اللاتينية برواية "مئة عام من العزلة" التي أهداه إياها أحد أصدقائه الإسبان، ليُؤخذ بذلك السرد العجائبي لغابرييل غارسيا ماركيز، ما جعله يحسم أمره ويمزق مخطوط روايته الأولى، ويغادر حلمه الأثير بأن يكون روائياً معروفاً "أن تكون مترجماً مهمّاً أفضل من أن تكون روائياً سيئاً"، ليشرع بترجمتها، وداوم على ذلك لاحقاً بعد إنهاء دراسته في معسكرات الجيش أثناء تأديته الخدمة الإجبارية في سورية، قبل أن يتوقف بعد صدور أول ترجمة عربية للرواية بقلمي سامي وإنعام الجندي.. لكن ظل في نفسه شيء من هذا العمل، حتى بعد أن تُرجِم أكثر من مرة، وكان على القارئ العربي أن ينتظر حتى عام 2005، لتصدر الرواية بعربيّة علماني.

اقرأ أيضاً: هل يرحل الشعراء: عن الكتابة الحيّة لأمجد ناصر في لحظة الاحتضار
دفعَهُ حرص التّرجمان إلى الانتساب لجامعة دمشق، ودراسة الأدب العربي، حتى يتسلح باللغتين؛ العربية والإسبانية، ويذكر الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور أنّ أول عمل ترجمه صديقه صالح كتاب صغير عن شاعر التشيلي بابلو نيرودا، ولكن لم تلتفت إليه الأنظار إلا عام 1979، بعد أن انتهى من ترجمة رائعة ماركيز "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" لتتسابق بعدها دور النشر للتعامل مع هذا المترجم الواعد، "كنت أعمل في وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) وذهب عبدالله حوراني (من دار الفارابي) إلى مدير دائرة الثقافة وسأله: ماذا يعمل صالح علماني معكم، فأخبره لا أعرفه، وبعد أن سأل، أخبروه أنني أعمل محرراً في الوكالة، فقال لا هذا احبسوه معكم في غرفة وخلوه يترجم فقط!"، وكان من ضمن متابعيه محمود درويش أثناء عمله محرراً في مجلة "شؤون فلسطينية"، بعد أن وقع على نسخة مترجمة له لأشعار "رافئيل ألبيرتي" ليعلق درويش "هذا الرجل ثروة وطنية ينبغي تأميمها"، ويطلب من الشاعر أحمد دحبور التواصل مع علماني، وإخباره بنية المجلة نشر بعض هذه الأشعار المترجمة.

الترجمة أداة للديمقراطية

الترجمة في نظر علماني، أداة للديمقراطية تتساوى فيها جميع اللغات، ولكنه يؤمن أنّها في الوقت نفسه ضرب من الخيانة الأمينة؛ لأن الترجمة الحرفية كما يعترف جريمة لا تغتفر "المنطق البلاغي بين لغتين قد لا يتقاطع دائماً.. لا يمكن لأي مترجم أن يختفي وأن يتلاشى، هذا مستحيل.." لكنه يرى أنّ "الخيانة" الآن أقل مع التقدم التقني؛ لأن المترجم أصبح يطّلع الآن بكل سهولة على حقيقة المنطقة والثقافة التي يترجم عنها، "عندما تواجهني كلمة أبحث في غوغل عنها، وأطلب معرفة معناها في منطقة البيرو وأحصل على المعنى فوراً ... هذا سهّل عمل المترجم وقلل خيانته".

اقرأ أيضاً: يا أمجد ناصر: الإنسان لا يفنى وإن فني الوجود بأسره

كرس علماني حياته لترجمة الأدب المكتوب بالإسبانية، لكنه لم يقاوم في عام 2006 إغراء ترجمة الديكاميرون للإيطالي بوكاشيو، وكانت هذه أوّل مرّة ينقل فيها عملاً من اللغة الإسبانيّة لم يكتب بها، بعد أن رأى أنّ سبعة قرون فترة امتدت أكثر مما يحتمل، لنقل "ألف ليلة وليلة الإيطالية" كاملة إلى العربية؛ فهو ما يزال ينظر إلى الترجمة بوصفها في الدرجة الأولى علاقة حبّ مع النص. "أحب رواية "الحب في زمن الكوليرا" كثيراً، أحبها لأنني أحبها لا لأمر آخر، أحبها ليس لأنني ترجمتها، بل لأنني قرأتها أولاً".

حلم استحال إلى لجوء

بعد أن تحسنت أحواله المادية نسبياً لم يطل مقامه في "الحجر الأسود" بحثاً عن حياة أهدأ، فغادره مع زوجته وابنيه عمر ولارا ليبتني بيتاً في معضمية الشام. كان يعمل عشر ساعات يومياً، وهو منبطح على الأرض قبل أن يشتري آلة كاتبة استغنى عنها بجهاز الحاسوب، "أقرأ النص خمس مرات، ثم أترجمه مباشرة على شاشة الكمبيوتر. وعندما أنجز بضع صفحات، أقرأ النص الذي ترجمته بصوت عال لمعرفة الإيقاع السمعي للجملة".
عمل علماني مترجماً في السفارة الكوبية وموظفاً في وزارة الثقافة السورية لسنوات طويلة قبل تقاعده عندما بلغ الستين، وبحكم علاقته التي وثقها مع "ثورة المعلومات" ما فتئ ينبش في مواقع الكتب الإسبانية على شبكة الإنترنت، وعندما يعجبه كتاب جديد، يسارع إلى اقتنائه علّه يكون مشروع مولود ترجمة جديداً آخر.
لكم راوده حلم ببناء بيت ريفي في ضواحي دمشق، يكون محراباً لعمله، لكن أطاحت به قذيفة من "الربيع السوري" أتت على معظم بيته في المعضمية، لينتقل منه لاجئاً في مسقط رأسه سورية قبل أن يجبر على مغادرتها والإقامة في إسبانيا التي كرمته في عام 2015، عندما أعلنت "مدرسة طليطلة للمترجمين" عن منحه جائزتها السنوية للترجمة، في دورتها الأولى، مؤكدة أن "لا كرامة لنبيّ في وطنه".

رحلة صعبة أهلته للنجومية

نجح صالح علماني في تكريس نجوميّة المترجم؛ لأنه آمن أنّ الترجمة جنس أدبي قائم بذاته، وأنّ المترجم هو مؤلف مستقل آخر للترجمة يندمج مع النص ويعيد إنتاجه، لكنه ظل وفياً لتواضعه الذي ميزه طوال حياته، فرغم أنّه ترجم جميع أعمال ماركيز، إلا أنّه رفض ترجمة رواية "خريف البطريرك" التي يعدها بعض النقاد أهم أعمال صاحب "مئة عام من العزلة"، والتي نقلها إلى العربية عن الفرنسية محمد اليوسفي، وحين سئل علماني عن ذلك أجاب "لن يكون بإمكاني ترجمتها أفضل منه".
عناوين كثيرة مهمة لم يترجمها علماني، مرجعاً ذلك إلى "صعوبة تسويق الأسماء المجهولة إلى قرّاء العربية"، من جهة وإلى أنّ "دور النشر تلحق الأسماء الرائجة" من جهة أخرى، مستدركاً في إحدى تصريحاته على ما سبق "من المؤسف ألّا تصلنا أعمال الأرجنتيني توماس إيلوي، أو خوان كارلوس وينتي من الأوروغواي، هذا الروائي هو الأب الشرعي للواقعية السحرية".
لم تكن رحلة "كولونيل الترجمة" سهلة، بل كافح ليصل إلى قلوب القراء، ويحصد محبتهم؛ فقد باتوا يدركون معنى كتابة اسم علماني على غلاف الكتاب، ليكون جديراً بالاقتناء، وعن ذلك قال في مداخلة له بأحد المؤتمرات: "إن مهنة المترجم دائماً في الظل؛ لأنه يقدم شخصاً آخر، والمصادفات وحدها هي التي جعلتني نجماً. وأقبل محبة الناس لكنني أخجل، وأرجو لكل المترجمين حظاً مثل حظي في الشهرة".

علماني من أهم المترجمين العرب الذين طوعوا الإسبانية لتنطق بالعربية مع أكثر من مئة عمل بين رواية وقصة وشعر

علماني الأكثر وفاء لخيانة الترجمة

المترجم العراقي الدكتور محسن الرملي في حديثه مع مدونة وطن   "eSyria" قال عن "عرّاب أدب أمريكا اللاتينية": "إن الحديث عن صالح علماني يقتضي تذكر عبارة تقول: "إن الترجمة خيانة"، فإذا كانت كذلك، فإن أكثرنا وفاء لهذه الخيانة هو صالح علماني".

بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، صرنا نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية

وأضاف الرملي "صالح علماني درسٌ حيّ وتاريخي لنا جميعاً نحن المترجمين، حيث تخلى عن كل شيء، ليجعل الترجمة طريقاً وهدفاً له، تخلى عن دراسته الأكاديمية، وتخلى عن الكاتب فيه لمصلحة المترجِم فأذاب الروائي في المترجِم كما تذوب قطعة سُكّر في قدح الشاي، لذا نلمس هذه العذوبة في أسلوبه لكل ما ترجمه. وقد راهن علماني على الترجمة ولم يخسر، فحقق شهرة تفوق شهرة الكثير من الكُتاب، حيث لا تكاد تخلو أية مكتبة عربية عامة أو خاصة من كتاب يحمل اسمه".
وفي مقالة له نشرت في صحيفة "القدس العربي" روى الروائي والقاص الفلسطيني رشاد أبو شاور علاقة تربطه بصديقه وجاره صالح علماني قائلاً: "صالح علماني وأنا عشنا لسنوات جارين في (الحجر الأسود) جار مخيم اليرموك، الذي لا يفصله عنه سوى شارع الثلاثين، وتتداخل سبل الحياة بينهما، ففي الحجر أسر فلسطينية كثيرة، والمخيم موئل، كان هكذا قبل تفجّر الاقتتال".

ويمضي أبو شاور في حديثه عن تجربة علماني قائلاً: "بعد معركة بيروت غادرت إلى دمشق، فالتقيت بجاري صالح الذي أقام في الحجر الأسود مع زوجته مستقلاً عن بيت أسرته، فكان أن تساءل بحيرة: لقد فقدت كتاباً ترجمته عن بابلو نيرودا، ولا أدري أين أضعته! قلت له: يا صالح: أذكر أنني حملته إلى بيروت، وأن الدكتور الكيالي وعد بنشره. رد: لا أتذكر".

المفاجأة التي وقعت فيما بعد يقصها أبوشاور "ذات يوم كنت أمر بمكتبة (النوري) المقابلة للبريد المركزي، في دمشق، وكالعادة دخلت إليها، وبدأت أتصفح المنشورات الجديدة.. فإذا بي، ويا للمفاجأة السارة، أجد كتاب نيرودا الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية. كانت فرحة صالح كبيرة عندما فاجأته بنسختين من الكتاب".

ترجمات علماني ماركة مسجلة!

ويمضي أبو شاور بالثناء على علماني "المبدع الكبير، المثقف الرقيق النبيل"، مخاطباً إياه: لست وحدك الفلسطيني الذي يتعذب ويشقى بفلسطينيته، ولست وحدك من يعتز بهذه الفلسطينية التي يحملها صليباً يمضي به في هذا العالم، لا متمسكناً، ولكن معطاء، رغم الصدمات، والمحن، ورحلة الآلام التي يبدو أنها لن تنتهي في المدى المنظور.

وكان الشاعر والأديب الأردني الراحل أمجد ناصر، قد وصف ترجمات علماني بعلامة الجودة المسجلة، حيث كتب في إحدى مقالاته: "إننا نكاد أن نكون، اليوم، بفضل دأب وصبر وشغف صالح علماني، نتوافر على الأعمال الكاملة لأبرز كتّاب الرواية في أمريكا اللاتينية؛ مثل ماركيز وماريو فارغاس يوسا، وإيزابيل الليندي، إضافة إلى أصوات أخرى أقل شهرة عالمياً مثل؛ الفارو مويتس وغوليانو.. وقد لاحظت، شخصياً، في أكثر من معرض عربي للكتاب، مثقفين وقراء يسألون دور النشر عن ترجمات جديدة لصالح علماني بصرف النظر عن موضوع الكتاب أو هويّة الكاتب، فإن لم تكن هذه هي علامة الجودة المسجلة فما عساها تكون؟".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عبدالله البردوني.. "معرّي اليمن" مايزال يزرع الأمل

2020-02-24

يُنسب الشاعر اليمني الأشهر عبدالله البردوني إلى قرية صغيرة تسمى البردون، شرق مدينة ذمار، التي ولد فيها العام 1929 دون أية إعاقة، لكن عندما بلغ الخامسة حضر موسم الجدري، وهو "من المواسم الدائمة التي لا تتأخر عن (يمن الأئمة)" كما كتب الشاعر عبدالعزيز المقالح، في مقدمته لأعمال البردوني الكاملة.. سلب هذا الوباء حياة الآلاف، واكتفى من البردوني بغنيمة بصره لكن بالتأكيد لم ينجح في أن يسلبه بصيرته التي أنارت عقول كل من أتاح لهم حسن الحظ مصادفة إبداعاته.
عثرات النجاح
شق الطفل طريقه في الظلام ببصيرته النيرة وعقله الذكي وفضوله في البحث والمعرفة وذاكرته الحافظة، تمرّد على القدر الاجتماعي الذي يفرض على من فقد بصره أن يفقد أي طموح آخر سوى أن يصبح مقرئاً للقرآن. فتلقى تعليمه الابتدائي في قرية البردون، وهو تعليم أولي يقوم على تعلم الحروف وحركاتها، ثم درس ثلث القرآن، وانتقل إلى قرية المحلة في ناحية عنس، جنوب شرق مدينة ذمار، فتعلم هناك أجزاء أخرى من القرآن.

اقرأ أيضاً: الشاعر بدر الدين الحامد: أنا في سكرَين من خمر وعين
عندما بلغ التاسعة انتقل إلى مدينة ذمار ليكمل تعلم القرآن حفظاً وتجويداً، ومن ثم إلى دار العلوم (المدرسة الشمسية)، وفيها تعلم القراءات السبع، ومع بلوغه الثالثة عشرة بدأ يقرأ كل ما يقع بين يديه من الشعر ويترنم به، ثم ارتحل إلى العاصمة صنعاء، وفي الجامع الكبير درس لأشهر على يد بعض الشيوخ.

حصل البردوني على إجازة من دار العلوم ليُعين بعدها مدرساً للأدب العربي، وواصل القراءة في المنطق والفلسفة، وعمل بعد قيام الجمهورية في العديد من الوظائف الحكومية: رئيساً للجنة النصوص في إذاعة صنعاء، ثم مديراً للبرامج فيها حتى العام 1980، إلى جانب برنامجه الإذاعي الأسبوعي (مجلة الفكر والآداب) الذي استمر حتى وفاته.

شق الطفل طريقه في الظلام ببصيرته النيرة وعقله الذكي وفضوله في البحث والمعرفة

كما عمل مشرفاً ثقافياً في مجلة الجيش من العام 1969 حتى 1975، وكان له مقال أسبوعي في صحيفة 26 سبتمبر بعنوان (قضايا الفكر والأدب)، ومقال مماثل في صحيفة الثورة بعنوان (شؤون ثقافية)، والكثير من المقالات في الصحف والمجلات المحلية والعربية، وأسهم في تأسيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وانتُخب رئيساً للاتحاد في دورته الأولى.
نال البردوني العديد من الجوائز: جائزة أبي تمام في الموصل، 1971، جائزة أحمد شوقي 1981، جائزة اليونيسكو من الأمم المتحدة 1982، جائزة مهرجان جرش 1984، جائزة العويس 1993، كما كُتبت حول شعره العديد من الدراسات.

اقرأ أيضاً: "تصفية" شاعر عربي مناوئ لإيران تشعل انتفاضة في الأحواز
نبت البردوني في بيئة قاسية وفي ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية صعبة، عن هذه المسيرة الطويلة الكادحة والمناضلة كتب شعراً:
مُذ بدأنا الشوط جوهرْنا الحصى.. بالدم الغالي وفردسْنا الرمالْ
واتَّقدنا في حشا الأرض هوىً.. وتحولنا حقولاً وتلالْ
من روابي لحمنا هذي الرُّبا.. من رُبا أعظمنا هذي الجبالْ

وهذا البيت الأخير يُذكرنا بشطر لأبي العلاء المعري: "ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد"، لكن البردوني يعيد استعمال الصورة مضيفاً إليها دلالة أخرى.

نحت في الظلام
اتسم البردوني بحس السخرية اللاذع وله طرائف عديدة يرويها المقربون منه، وترك لنا أكثر من أربعمئة قصيدة واثني عشر ديواناً مطبوعاً: من أرض بلقيس، في طريق الفجر، مدينة الغد، لعيني أُم بلقيس، السفر إلى الأيام الخضر، وجوه دخانية في مرايا الليل، زمان بلا نوعية، ترجمة رملية لأعراس الغبار، كائنات الشوق الآخر، رواغ المصابيح، جوَّاب العصور، رجعة الحكيم ابن زايد. وله ثماني دراسات أدبية: رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه، قضايا يمنية، فنون الأدب الشعبي في اليمن، اليمن الجمهوري، الثقافة الشعبية- تجارب وأقاويل يمنية، الثقافة والثورة، من أول قصيدة إلى آخر طلقة- دراسة في شعر الزبيري وحياته، أشتات. إضافة إلى أعمال أخرى كانت مخطوطة وجاهزة للنشر وحال دون نشرها عدة أسباب أهمها العائق المادي وتقصير الدولة ممثلة بوزارة الثقافة، فضلاً عن إهمال المقربين منه.

بعد أن حصل البردوني على إجازة من دار العلوم عُيّن مدرساً للأدب العربي

يذكر الدكتور صادق القاضي تلك الأعمال التي لم تجد طريقها للنشر ويصف العملية بالإخفاء القسري والمتعمد؛ أعمالٌ تركها البردوني في صندوقه الخشبي وتوفي ومفتاح الصندوق في حوزته لكن يداً خفية صادرت محتويات الصندوق ولم تفرج عنها حتى اليوم.
من تلك الأعمال التي ذُكرت عناوينها في مناسبات مختلفة استخلص القاضي عدة عناوين، منها ثلاثة دواوين شعرية هي: "رحلة ابن من شاب قرناها"، و"العشق على مرافئ القمر"، وقد تم نشر الكثير من قصائد الديوانين في الملاحق الأدبية- ملحق "الثورة الثقافي" وملحق "اليمن اليوم"- وديوان "أحذية السلاطين" الذي يقال إنّ البردوني "رهنه لطبيب أو رجل أعمال سوري من أجل دفع تكاليف علاج زوجته" لكن المصدر لم يذكر أية معلومات مفيدة عن مصير الديوان.

اقرأ أيضاً: بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران
يضاف إلى أعماله رواية "العم ميمون"، التي قال البردوني عنها في مقابلة في صحيفة الثقافية- العدد السابع، 2 أيلول (سبتمر) 1998- إنها "مُراجعة وجيدة وستخرج للناس عندما تجد مخرجاً؛ لأنها تحتاج إلى فلوس أكثر مما ينبغي"، وثمة كتاب في الفكر السياسي "الجمهورية اليمنية"، وهو امتداد لكتابه المنشور "اليمن الجمهوري"، وكتاب في النقد الأدبي "الجديد والمتجدد في الأدب اليمني"، وهو كتاب يقع في حوالي ألفي صفحة، ويضم دراسات نقدية لنصوص الحداثة الشعرية في اليمن، وكتاب في التراجم "أحياء في القبور" يتناول أعلام الأدب والفكر في اليمن، إضافة إلى كتاب "المستطرف الحديث" وهو عبارة عن مجموعة مقالات نشرت في صحيفة "الوحدة" ويعالج فيها قضايا الواقع من منظور ثقافي، وكتاب عن سيرة البردوني الذاتية.

اقرأ أيضاً: قاسم حداد شاعر أقام ورشة للأمل فضاؤها الشعر
يذكر الدكتور عبدالعزيز المقالح أنّ رحلة البردوني الشعرية انتقلت من الكلاسيكية إلى السوريالية واستقر حيناً عند الرومانتيكية، ثم عاد إلى الكلاسيكية الجديدة، "ورغم تمسكه بالقصيدة العمودية والإيقاع الكلاسيكي، فإنّ صوره وتعابيره الشعرية حديثة كما أنّه جدد في محتويات قصائده وفي بنائها "القائم على تحطيم العلاقات اللغوية التقلدية، وابتكار جمل وصيغ شعرية نامية"، كما تميَّز شعر البردوني بالقصص الشعري والحوار والدراما، بخاصة في دواوينه الأخيرة.

مُعارض من أول قصيدة
خاض البردوني خلال مسيرته الطويلة معارك عديدة، فتعرض للاعتقال والمؤامرات والتجاهل المتعمد؛ بدأ اختلافه مع السلطة وهو صبي صغير عندما هجا أحد الأعيان الأثرياء. يسرد الأستاذ خالد الرويشان مقتطفاً عن هذه الحادثة فيقول: أثناء قيام البردوني بالوضوء في الجامع فاجأه أحدهم بالضرب، كان الضرب مؤلماً وقاسياً، والأقسى والأكثر إيلاماً أنّ الفتى لم يكن يعرف من أي اتجاه تأتيه اللطمات، كان من يضربه من أعيان المدينة وأثريائها، وكان الفتى قد هجاه ببضعة أبيات قبل أيام، ولعل الرجل أحس بالندم بعد أن أشبعه ضرباً فأعطاه خمسة ريالات فضية أنسته آلامه وظل لسنوات طويلة يتذكر كنزه الصغير الذي جعله يقضي بحبوحة العيش لأسابيع.

نبت البردوني في بيئة قاسية وفي ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية صعبة

أما مصادماته مع حكم الأئمة فبدأت العام 1949 بعد اغتيال الإمام يحيى بن حميد الدين،  لكن نجله الإمام أحمد نجح في وأد الثورة بدهائه، ونكـَّـل برموزها وسجن البردوني بسبب شعره اللاذع تسعة أشهر. ثم تصادم مع نظام الأئمة في العام 1953 وقضى في السجن 11 شهراً. وفي ذكرى انتصار الإمام أحمد على أول انتفاضة ثورية شعبية، "كان سفاح اليمن يقيم الزينات ويحشد الشعب إلى ساحات المدن ليسمعوا كيف يمدح الشعراء الجلاد"، لكن شاعراً واحداً خرج على هذه القاعدة وصدح بقصيدته:
عيد الجلوس أعِرْ بلادك مسمعاً.. تسألك أين هناؤها هل يوجدُ؟
تمضي وتأتي والبلادُ وأهلها.. في ناظريك كما عهدت وتعهدُ
يا عيدُ حدِّث شعبك الظامي متى.. يروى وهل يروى وأين الموردُ؟
فيمَ السكوتُ ونصفُ شعبك هاهُنا.. يشقى، ونصفٌ في الشعوبِ مشردُ؟

البردوني الذي عارض جبروت الأئمة هو نفسه الذي سيقف معارضاً للحكم الفردي الذي يمثله علي عبدالله صالح، فكانت له آراء مختلفة حول الوحدة، التي رأى فيها شكلاً من أشكال الاستقواء والضم والإلحاق: "كل وحدة مهيأة للانفصال ووحدتنا منفصلة؛ لأنها قامت على الإلغاء"، "لا توجد تعددية حزبية، وإن وجدت أحزاب فإنها بلا قوة سياسية"، "لا يستطيع أحد القول إنّ حرب 94 انتهت مادامت آثارها قائمة".

ترك أكثر من أربعمئة قصيدة واثني عشر ديواناً مطبوعاً فضلاً عما ضاع ولم يُنشر

كما كان له رأيه في الثورات المجهضة التي تتخلص من "مستعمرٍ غازٍ إلى مستعمر وطني".. هي آراء تتسم بعمق التجربة وبعد النظر وتضع في الاعتبار مصلحة الناس لا التزلف للحاكم، وهو ما جعل البردوني من المغضوب عليهم طوال فترة حكم علي عبدالله صالح.
كان بإمكان البردوني أن يصبح ثرياً لو أنّه تقرب من السلطة، لكنه فضل الزهد عن كل الماديات، وهو ما تشهد نماذج عديدة في سيرته، منها أنّه أصرّ على صرف المبلغ الذي حصل عليه من جائزة العويس من أجل نشر كتبه وتوفيرها بأرخص ثمن لمحبي شعره وأدبه.

البردوني الرائي
يُستدعى البردوني كلما ألمَّت باليمن فاجعة؛ فكثير من قصائده تحمل معاني ودلالات تجعلها صالحة لكل زمان ومكان، خاصة وأنّ اليمن تجتر تاريخها ومع كل تكرار للفواجع يجد اليمنيون في قصائد رائي اليمن عزاءهم وسلواهم فيظلون يرددونها كمعجزات يعتقدون أنّها سبقت الحدث وتنبأت بالمستقبل. من أكثر تلك القصائد استدعاءً قصيدة "يا مصطفى" التي استدعاها اليمنيون مع اشتداد الحرب الحالية وقصف الحوثيين للأحياء السكنية في الحرب الجارية منذ 2015، نُشرت القصيدة العام 1986 لكنها تجد مكانها في وسائل التواصل الاجتماعي لتدل على الحاضر:
فليقصفوا لستَ مقصف.. وليعنفوا أنت أعنفْ
وليحشدوا، أنت تدري.. إن المخيفين أخوفْ
يا مصطفى يا كتاباً.. من كل قلبٍ تألفْ
ويا زماناً سيأتي.. يمحو الزمان المزيفْ.

يقال إنّه رهن ديوان "أحذية السلاطين" لدفع تكاليف علاج زوجته ولم يُعرف مصيره

وثمة قصائد أخرى للبردوني يمكن قراءتها من هذا المنظور الرائي، منها هذا المقطع من قصيدة "تقرير إلى عام 71" وفيها تقرير شعريّ عن ثورة 26 أيلول (سبتمبر) 1962 وما تلاها من تداعيات، لكن مضمونها ينطبق على ثورة شباط (فبراير) 2011 إلى درجة تدعو للدهشة:
والأُباة الذين بالأمس ثاروا.. أيقظوا حولنا الذئاب وناموا
حين قلنا قاموا بثورة شعبٍ.. قعدوا قبل أن يروا كيف قاموا
ربما أحسنوا البدايات لكن.. هل يحسون كيف ساء الختامُ؟

وهناك من كتب أنّ البردوني بشَّر بثورة تشبه ثورات عبهلة العنسي؛ إذ يرى أنّ اليمن ولَّادة بالأبطال:
من ستسقي "أزاد" لم يبقَ إلا كوبها تحتسيه حتى الصبابة
هجعة الأرض برعمات التنادي آخر الموت، أول الاستجابة
ههنا تصبح الرفات بذورا أمطري أي بقعة، يا سحابة

خاض خلال مسيرته الطويلة معارك عديدة وتعرض للاعتقال والمؤامرات والتجاهل المتعمد

صنعاء اليوم تحت حكم الحوثيين تشبه تلك التي كتب عنها في العام 1971 قصيدته "أبو تمام وعروبة اليوم" لكنه في القصيدة ذاتها يبشر بيمن أجمل:
ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي؟ مليحة عاشقاها: السل والجرب
ماتت بصندوق "وضاح" بلا ثمن ولم يمت في حشاها العشق والطرب
كانت تراقب صبح البعث فانبعثت في الحلم ثم ارتمت تغفو وترتقب
لكنها رغم بخل الغيث ما برحت حبلى وفي بطنها قحطان أو كَرِب

نصف يوم من صبا البردوني
يحكي خالد الرويشان قصة لها دلالة عميقة عن صبا البردوني؛ يقول: ذات يوم قدِم البردوني من قريته إلى المدينة ليتعلم في مدرستها، وبعد عصر يوم مكفهر بالغربة والوحشة شعر البردوني بالحاجة إلى ما يسد به رمقه، وهو في حيرته البائسة لم يجد إلا ثلة من صبية رفعوا عقيرتهم بالسخرية منه ولاحقوه بالشتائم والحجارة، ولم يحمه من أذيتهم إلا قبة سبيل مهجورة عند أطراف المدينة دخلها متعثراً دامي الروح والوجه والكف. وعندما حاصره الصبية ممعنين في أذيتهم خطر له أن يخيفهم فبدأ بإطلاق أصوات مرعبة تنطق بأسماء العفاريت.

ويتابع الرويشان: ويمر الوقت بطيئاً على الفتى المختبئ داخل القبة وما أن تأكد من ذهاب الصبية تحسس بكفيه المرتعشتين طريقه وخرج في هجير تلك الساعة واتجه صوب بستان في نهاية الشارع الترابي. ارتطم بالسور الطيني فتحسس السور بكفيه واعتمد عليهما ليجلس على حافته متهيئاً للقفز إلى الداخل. همَّ بالقفز لكنه تذكر أنه لا يعرف قدر ارتفاع السور من الداخل، فربما أن هاوية ستبتلعه وحتى لو سلمت حياته قد يكسر إحدى قدميه، ثم ما أدراه إن كانت هناك صخرة ما تقف بالمرصاد أسفل السور؟! تحسس بكفيه السور باحثاً عن حصيات صغيرة بدأ يقذفها تحته وهو يصغي إلى وقعها محاولاً تقدير المسافة. قدَّر الفتى أن ارتفاع السور الطيني من الداخل أعلى قليلاً من ارتفاعه من الخارج، وقفز أخيراً فارتطم جسده قريباً من البصل والفجل. بدأ يملأ جيوبه بعد أن ملأ معدته، لكن يداً ضخمة عاجلته فجأة بضربة في رأسه، وأخرى على كتفه مع سيل من الشتائم. أمسك صاحب البستان بتلابيب الفتى وجرجره صوب مكان مظلم خاص بالبهائم وهو مستسلم وصامت. ومع اقتراب أذان المغرب فُتحت الزريبة وقُذف به في الشارع. هبّ ماشياً متعثر الخطى مرتطماً بالمارة وهم في طريقهم إلى المسجد، تفضل أحدهم وقاده إلى المسجد، وبينما هو يتوضأ فاجأه أحد أعيان المدينة الأثرياء بالضرب على النحو الذي تقدَّم.
كان ذلك مجرد نصف يوم من صبا البردوني ولم تكن سنواته في العاصمة أفضل حالاً، لكن رغم معاناته الطويلة وعذاباته لم يفقد البردوني وفاءه وحبه لأبناء شعبه ولم تتحول معاناته إلى عقدة ورغبة في الانتقام، بل ظل يشعر بآلام الناس ويُسخِّر شعره وكتاباته من أجلهم.

للمشاركة:

لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

الإسلامي الليبرالي محمد توفيق علاوي: هل يستقيم مع داعميه المسلحين؟

2020-02-09

عام 1977؛ تخلّص ابن العائلة الغنية من مخالب السلطات الأمنية والحزبية البعثية، لينفذ بجلده، مضحياً بشهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بغداد، حين تصاعدت حملة اعتقالات طالت إسلاميين شيعة، بعد أن تجرأ عدد منهم على إطلاق تصريحات ضدّ السلطة الحاكمة في مسيرة زيارة أربعين الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، من النجف إلى كربلاء.

كان علاوي في قربه من "الدعوة الإسلامية" وتأثّره بالسيد محمد باقر الصدر غريباً عن نسق سياسي امتازت به عائلته

النصف اللبناني من عائلته، فضلاً عن حالته الموسورة، مكّناه من إكمال دراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت، في تخصصه الهندسي، ليبدأ بعد ذلك رحلة في المال والأعمال امتدّت من بغداد إلى لندن، مرورواً بالعاصمة اللبنانية.
كان محمد توفيق علاوي في قربه من "الدعوة الإسلامية" وتأثره بالسيد محمد باقر الصدر (أعدمه صدام حسين في نيسان/ أبريل 1980)، غريباً على نسق سياسي امتازت به عائلته؛ فهي كانت من الجهات العروبية المحسوبة على ليبرالية النظام الملكي، ومن دعائمه قبل 1958، وبعيدة عن التيارات الإسلامية حتى وإن كانت تدين بالولاء للمرجعية الشيعية في النجف. 

إقامته في الغرب (بريطانيا)، وعمله المهني، أسهما في تغليب ليبراليته على انتمائه الإسلامي "الحزبي"، ليتبنّى مفهوم الدولة المدنية في التفريق بين السياسة والدين، فدخل المعترك السياسي ضمن قائمة ابن عمّه، زعيم "الوطنية"، إياد علاوي، منذ عام 2005، لينتخب عضواً لمجلس النواب العراقي، بداية عام 2006، حتى تعيينه وزيراً للاتصالات أواسط العام ذاته حتى نهاية عام 2007، ليعود إلى البرلمان عوضاً عن النائبة الراحلة، السيدة عايدة عسيران (من النصف اللبناني في عائلته)، عام 2008.

اقرأ أيضاً: أي دور للسفير مسجدي في تثبيت أركان الحكم العراقي؟
انتخب عام 2010 نائباً في البرلمان، ثم عُيِّن وزيراً للاتصالات نهاية العام ذاته، ليقدم استقالته أواخر عام 2012 إثر خلاف مع رئيس الوزراء حينذاك، نوري المالكي، الذي سارع إلى توجيه تهم الفساد لـ "الداعية" السابق والليبرالي حينذاك، محمد توفيق علاوي.
مافيات السلاح والفساد العراقية واجهت بقوة مشروعات اتسمت بالجرأة والجدية اقترحها علاوي عام 2007، وهي:
*مشروع أمني متكامل لحماية بغداد والمدن المهمة من التفجيرات الإرهابية والحيلولة دون دخول الإرهابيين من الأراضي السورية إلى العراق، الذين كانوا يتدفقون على بلاده بعلم دمشق وتسهيلاتها.
*تمكين العراق من تحقيق مورد مالي (غير النفط) قد يتجاوز 20 مليار دولار سنوياً، من خلال موقعه الجغرافي عبر مشروع الكابل الضوئي الذي يربط شرق الكرة الأرضية (الصين والهند وأستراليا وكوريا والباكستان وغيرها) بغربها، وبالذات أوروبا وأمريكا.

*مشروع القناة الجافة التي تربط ميناء الفاو من خلال شبكة ثنائية جديدة للسكك الحديدية بشبكة السكك الحديدية التركية، وهذه القناة الجافة تكون موازية لقناة السويس؛ حيث يمكن من خلالها إيصال البضائع التي تفرغ في ميناء الفاو خلال بضعة أيام إلى كافة المدن المهمة في كافة الدول الأوروبية.
*مشروع طريق الحرير؛ عبر خط ثنائي للسكك الحديدية بين العراق وإيران، يرتبط العراق من جهة الشرق بأغلب دول شرق آسيا، من الصين والهند والباكستان وماليزيا وغيرها، فضلاً عن كافة الدول الأوروبية من جهة الغرب.
وحاول الرجل البقاء على جانبه المهني الرافض للحزبي الضيق، وهو ما برز في رسالته 2018 إلى رئيس الوزراء حينذاك، حيدر العبادي، وجاء فيها: "أما إذا بقيت متردداً، وبقيت حاشيتك نفسها، وبقيت أنفاسك الحزبية طاغية على أنفاسك الوطنية، وبقيت رؤوس الفساد طليقة، فسيستمر حينها تدهور البلد، وستستمر معاناة الناس، وسيدمر المجتمع، وأخشى ألّا يذكرك التأريخ بخير".

ساهمت إقامة علاوي في الغرب في تعزيز ليبراليته وتبنيه مفهوم الدولة المدنية

كلّ هذه المحطات بدت وكأنّها تأكيد على مهنية الرجل وليبراليته، وظلّ على صلة بفكرته الإسلامية، حتى وإن لاحقه "الدعاة"، الحاكمون بين 2006-2018، بالاتهامات والأباطيل، وهو ما جعله يقول: "للأسف، لم يستطع أغلب أعضاء الطبقة السياسية تقبّل حقيقة أنّهم مرفوضون من قبل الشعب، وللأسف، لم يفهموا حينما لم يصوّت في الانتخابات الأخيرة (2018) أكثر من 19٪ من المواطنين المؤهلين للتصويت؛ أنّهم لا يمثلون أغلبية الشعب، بل تمادوا في الأمر وقاموا بحملة من التزوير أفقدتهم الكثير من شرعيتهم؛ وأستطيع هنا أن أقول بكل ثقة؛ إنّ هذا البرلمان لا يبلغ تمثيله الحقيقي لـ 15٪ من الشعب العراقي بل أقل من ذلك".
تأييد الاحتجاجات الشعبية

الباحث والأكاديمي الأمريكي إيريك بوردنكيرشر: الحكومة العراقية الحالية أثبتت عدة مرات أنّها ليست شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة

بدا علاوي مؤيداً لحركة الاحتجاجات الشعبية، التي انطلقت في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، معتبراً أنّها "صوت 81٪ من العراقيين الذين لم يصوتوا في الانتخابات الأخيرة؛ لذلك فالمشاركون الحقيقيون في هذه التظاهرات هم بالملايين، حتى إن بقوا في بيوتهم ولم يخرجوا إلى الشارع، إن لم يفهم السياسيون هذه الحقيقة فالمستقبل الذي ينتظر البلد خطير وخطير جداً".
هذا الموقف لعلاوي كرره في كلمته الأولى التي وجهها بعد دقائق من تكليفه، في الأول من شباط (فبراير) الحالي، بتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة عبد المهدي، فدعا المتظاهرين إلى مواصلة احتجاجاتهم وأن يراقبوه و"يرفعوا الصوت ضدّه إن أخطأ".

اقرأ أيضاً: من هو شريك سليماني في قتل العراقيين والأمريكيين؟

لكنّ جواب ساحات الاحتجاج جاء بما لا يسرّ علاوي، ولتبدأ الصورة في إظهار تفاصيلها الدقيقة، ومنها كيف تمّ تكليفه برئاسة الحكومة باتفاق أكبر قوتين، وهما "الفتح" بزعامة هادي العامري، و"سائرون" بزعامة مقتدى الصدر، اللتين سبق أن اتفقتا على تسمية رئيس الحكومة المستقيل، عبد المهدي، وليس هذا فحسب؛ بل ثمة من قال إنّه "خيار إيراني"، بدليل عناوين الصحف الإيرانية حول تكليف علاوي.
وفي الأيام التي تلت التكليف؛ بدا واضحاً رفض الشارع العراقي لتصريحات الصدر بأنّ "رئيس الوزراء المكلف جاء متناسباً مع خيارات المتظاهرين"، مشيرين إلى أنّ علاوي هو نتاج اتفاقات سياسية بين قوى مسلحة تابعة لإيران، ملمحين إلى أنّ اجتماعات قم (حيث يقيم الصدر) هي التي أفرزت تلك الشخصية.
وكانت قد وردت أنباء عن اجتماع عقد في إيران، جمع زعيم التيار الصدري (مقتدى) وزعيم تحالف الفتح (العامري)، برعاية النظام الإيراني، خلال الأسابيع الماضية، بحث فيه الطرفان تسمية مرشح لرئاسة الوزراء.

هذه الأنباء حصلت على جانب من المصداقية من حملات قمع شنّها أنصار مقتدى الصدر (المؤيد لمحمد توفيق علاوي) على المتظاهرين الرافضين الترشيح، وبما يؤكد أنّ ظلّ إيران الثقيل في العراق ليس من السهل تجاوزه، وأنّ القرار العراقي لم يعد في بغداد، بل في طهران، حتى إن كرّر المسؤولون العراقيون القول إنّهم على مسافة واحدة من طرفَي الصراع الإيراني- الأمريكي.
ويقول الباحث والأكاديمي الأمريكي، إيريك بوردنكيرشر، وهو زميل بحثي في "مركز تنمية الشرق الأوسط"، التابع لجامعة لوس أنجلوس -كاليفورنيا: "الحكومة الحالية في بغداد أثبتت عدة مرات أنّها ليست شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة، من خلال إهمال واجباتها الأساسية، بما في ذلك عجزها عن حماية الموظفين الأمريكيين في الخارج".

اقرأ أيضاً: ناديا لطفي معشوقة الجماهير ورفيقة الفدائيين المحاصرين في لبنان
ويضيف، في دراسة نشرها "معهد واشنطن" قبل أيام: "عملية التصويت المثيرة للجدل، التي أجراها البرلمان العراقي مؤخراً لإنهاء وجود القوات الأمريكية في العراق، تؤكّد ما تمّ تداوله لأشهر، إن لم يكن لأعوام، من أنّ الحكومة العراقية في بغداد خاضعة لعناصر موالية لإيران، ويثبت هذا التصويت أيضاً قبولاً باستمرار تواجد الميليشيات خارج سيطرة الدولة، على غرار "كتائب حزب الله"، وبالتالي رغبة في تجاهل سيادة القانون".

للمشاركة:



وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

غيّب الموت الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 91 عاماً، وفق ما أعلن التلفزيون المصري.

وتدهورت صحة الرئيس الأسبق على مدار الأيام القليلة الماضية، حيث نقل إلى العناية الحثيثة، حسبما ذكر نجله علاء.

وأكدت أسرة مبارك،  نبأ وفاته، وذكرت مصادر مقربة منها، لـ "العربية نت"؛ أنّه سيتم تشييع الجثمان من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس شرق القاهرة.

وبدأ مقربون من علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، في نشر برقيات العزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الأسبق، قد أعلن منذ عدة أيام أنّ والده يتواجد حالياً داخل غرفة العناية المركزة في إحدى المستشفيات، نتيجة إصابته بوعكة صحية.

صحة مبارك تدهورت على مدار الأيام القليلة الماضية حيث نقل إلى العناية الحثيثة

وتنحى مبارك عن حكم مصر، في شباط (فبراير) 2011، على خلفية احتجاجات شعبية ضدّ حكمه.

وكانت محكمة النقض المصرية قد أصدرت، في 2 آذار (مارس) الماضي، حكماً نهائياً ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، من قضية قتل المتظاهرين عام 2011، وصدر الحكم بعد مثول مبارك أمام المحكمة في أكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة مرات عديدة.

وأمضى الرئيس المصري الأسبق قرابة ثلاثين عاماً في حكم مصر، وحفلت حياته بكثير من الأحداث.

ولد مبارك في الرابع من أيار (مايو) 1928 في قرية كفر المصيلحة في محافظة المنوفية، بمنطقة الدلتا شمال القاهرة.

وعقب انتهائه من تعليمه الثانوي التحق بالكلية الحربية في مصر حصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية، عام 1948، وعلى درجة البكالوريوس في العلوم الجوية، عام 1950، من الكلية الجوية.

وتدرج في سلم القيادة العسكرية؛ فعيّن، عام 1964، قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة.

وتلقى دراسات عليا في أكاديمية "فرونز" العسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1967؛ عُيّن مديراً للكلية الجوية في إطار حملة تجديد لقيادات القوات المسلحة المصرية، عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

ثم أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية المصرية، وهو المنصب الذي ظلّ يشغله حتى تعيينه قائداً للقوات الجوية ونائباً لوزير الدفاع، عام 1972.

وعام 1973؛ اشترك في التخطيط لحرب 6 تشرين الأول (أكتوبر)؛ حيث بدأ الهجوم المصري على القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل شبه جزيرة سيناء بغارات جوية مكثفة ساعدت في دعم عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف ما كان له أثر كبير في تحويل مبارك إلى بطل قومي، وتمّت ترقيته في العام التالي للحرب إلى رتبة فريق، ثم اختاره الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، نائباً له، عام 1975.

وقد اغتيل الرئيس السادات خلال عرض عسكري، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وكان مبارك جالساً إلى جواره، خلال العرض العسكري، حين تعرضت المنصة الرئيسة للهجوم الذي قتل فيه السادات بينما نجا مبارك.

وفي 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1981؛ أدّى محمد حسني مبارك اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.

وأعيد انتخابه رئيساً للبلاد في استفتاءات شعبية، كان المرشح الأوحد فيها في أعوام 1987 و1993و1999؛ حيث إنّ الدستور المصري يحدد فترة الرئاسة بستة أعوام دون حدّ أقصى.

وعام 2005؛ أقدم مبارك على تعديل دستوري جعل انتخاب الرئيس بالاقتراع السرّي المباشر، وفتح باب الترشيح لقيادات الأحزاب، وأعيد انتخابه بتفوق كاسح على منافسيه، إلى أن تمّت الإطاحة به عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

اعتراف جديد لأردوغان..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:



هل يرعى حزب الله اللبناني جميع وكلاء إيران في الشرق الأوسط؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-25

ترجمة: مدني قصري


في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019، استهدفت سلسلة من الغارات الجوية الأمريكية مواقع لميليشيا حزب الله الشيعية في العراق، ما أسفر عن مقتل 25 عنصراً من مقاتليها، وتدمير جزء من معداتها العسكرية، لتعلن القوة شبه العسكرية في أعقاب تلك الغارات؛ "أنّ معركتها ضد أمريكا ومرتزقتها مفتوحة الآن أمام كل الاحتمالات"، فيما شجبت إيران هذا العمل الذي وصفته بـ "الإرهابي"، كما أدان المرجع الشيعي العراقي؛ آية الله السيستاني، "العدوان الأمريكي الرهيب"، وبعد 3 أيام، قُتل راعي الميليشيات الشيعية؛ اللواء الإيراني قاسم سليماني، بغارة جوية أمريكية في بغداد، إلى جانب "أبو مهدي المهندس"؛ الرجل القوي في قوات الحشد الشعبي (PMF)، ممّا تسبب في تعبئة حقيقية معادية للولايات المتحدة بين الميليشيات الشيعية في بلاد الشام.

الميليشيات: الدين المشترك والولاء لإيران
تعمل طهران، منذ التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان، يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، على تجنيد وتدريب وتجهيز مقاتلين أجانب من خلفيات متنوعة؛ مثل لبنان والعراق وسوريا واليمن وأفغانستان وباكستان، قاسمها المشترك هو مرجعيتهم الشيعية وولاؤهم لإيران، وقد طوّر هؤلاء المقاتلون قدراتهم ومعداتهم وخبراتهم العسكرية على مرّ السنين، إلى درجة زادت من اهتمام وتوتر الولايات المتحدة وحلفائها، خاصة الإسرائيليين، بشكل مطرد.

اقرأ أيضاً: استنساخ نموذج الحرس الثوري: كيف عملت إيران على تصدير ثورتها؟
فما هي هذه الميليشيات الشيعية؟ ولماذا وكيف يجد عناصرها أنفسهم مرتبطين بإيران؟ ما هو وزنهم في التوازن الجيوسياسي اليوم؟. تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال إعادة بناء التوليد الاجتماعي للميليشيات الشيعية في لبنان وسوريا، وكذلك في العراق، وبالتالي قيمتها اليوم في المعادلة الأمنية والدبلوماسية في الشرق الأوسط.
حزب الله، نقطة الانطلاق لإنشاء وكلاء الشيعة الإيرانيين
منحت الحروب في سوريا والعراق، إيرانَ الفرصة لتوسيع شبكات الميليشيات الشيعية في الشرق الأوسط وإضفاء الطابع الرسمي عليها، حيث تعمل حالياً وحدات شبه عسكرية كبيرة، مؤلفة من عراقيين وسوريين ولبنانيين وأفغان، وحتى من الباكستانيين، في مختلف مسارح العمليات التي تشارك فيها إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تم تعزيز هذا البرنامج وتوجيهه والإشراف عليه بواسطة قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني؛ قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في 2 كانون الثاني ( يناير).

ذهب بعض الباحثين حدّ تصنيف حزب الله على أنّه شريك على قدم المساواة مع إيران وليس مجرد وكيل

في الواقع، إنّ هذه الشبكة من المقاتلين الشيعة ليست ظاهرة جديدة، ومن الضروري العودة إلى الروابط بين إيران وحزب الله اللبناني، المُصنفّ حالياً كمنظمة إرهابية من قبل جامعة الدول العربية والولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول أخرى، لِفهم الوضع الحالي وتحديد خصائص وعموميات الميليشيات الشيعية في بلاد الشام، حيث يعود التقارب بين الجمهورية الإسلامية، والمنظمة اللبنانية إلى التدخل العسكري الإسرائيلي في لبنان يوم 6 حزيران (يونيو) 1982، والذي أدى إلى تشكيل حزب الله بشكل رسمي في 16 شباط (فبراير) 1985، ولكن الحقيقة هي أنّ هذا التنظيم الغامض، كان موجوداً بشكل غير رسمي منذ بداية عقد الثمانينيات من القرن العشرين، كمجموعة من المقاتلين الشيعة الذين تركوا صفوف حزب الدعوة الإسلامي وحركة أمل الشيعية.

اقرأ أيضاً: هل باتت ميليشيا الحوثي الأداة المفضلة لـ"الحرس الثوري"؟!
وبدأت المساعدات الإيرانية لحزب الله، منذ بداية الصراع اللبناني - الإسرائيلي، حيث وصل 1500 مقاتل من نخبة أفراد قوة القدس الإيرانية، الذين أخذتهم من الجبهة العراقية، حيث كانت إيران والعراق منخرطتين في صراع وحشي هائل منذ عدة سنوات، إلى منطقة البقاع في بريتال وبابشيت وبعلبك، لتوفير الدعم المادي للمقاتلين الشيعة اللبنانيين، وتدريبهم في مجالات التجنيد الأيديولوجي والتدريب العسكري، ما يشي باهتمام إيران الشديد بحزب الله، فقد ثبت أنّ العلاقة بين إيران وحزب الله أصبحت "حميمة" إلى حد كبير، منذ تلك اللحظة، حتى أنّ بعض الباحثين ذهبوا حدّ تصنيف حزب الله على أنه "شريك على قدم المساواة مع إيران، وليس مجرد وكيل".

الحرس الثوري وتطوير نموذج "تدريب المدرب"
شمل التدريب الذي قدّمه الحرس الثوري الإيراني، اكساب حزب الله مهارات محددة؛ تهدف إلى القيام بمهام الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ الخطط التي شكل فيها الانتحاريون حجرَ الزاوية. وفي هذا السياق، زاد التدريب الذي قدمته إيران لصالح حزب الله من القدرات التشغيلية للمجموعة بشكل كبير، كما منح المنظمة اللبنانية، الخبرة التي أفادت بها مجموعات أخرى؛ مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، ويُسخدم هذا النموذج من "تدريب المدرب" في سوريا اليوم، حيث عمل حزب الله، بالتعاون الوثيق مع الحرس الثوري، على تدريب المقاتلين الأجانب المؤيدين للنظام السوري، في مناطق حرب العصابات والحرب غير المتماثلة، ثم تم اختيار أفضل المتدربين، للحصول على المزيد من التدريب، بهدف إنتاج وحدات النخبة المختلطة، القادرة على محاربة الجهات الفاعلة؛ الحكومية وغير الحكومية، بفعالية وبشكل عشوائي، وهكذا وُلدت ميليشيا "لواء الإمام الباقر" عام 2012، ونشطت في محافظة حلب وجنوب منطقة تدمر، بشكل أساسي.
ميليشيات شيعية في سوريا
انخرط حزب الله بكثافة في عدة جبهات، ضد الجماعات الجهادية وحركات التمرد السورية، بسبب كفاءته العالية، إلا أنه مُني بخسائر فادحة في القتال، وصلت لما يقارب الـ 1600 مقاتل بين عامي 2011 و2019، وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، حيث لعب الحزب دوراً بارزاً في الدفاع عن المناطق العلوية السورية، وكذلك المدن والمحاور الإستراتيجية، وبهدف تخفيف الضغط على أفرادها، عملت المنظمة اللبنانية، على تجنيد عدد كبير من المقاتلين السوريين، لتشكيل "حزب الله السوري"، ما دفع العديد من الميليشيات الشيعية العراقية للمشاركة في القتال في سوريا، وخاصة في المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، التي تحدها مدينتا "أبو كمال والقائم"، في وادي الفرات الأوسط، وهذا هو الحال، على وجه الخصوص، بالنسبة لميليشيا حركات العبدل Harakat al-Abdal، أو كتائب الإمام علي.

وُعِدَ العديد من المقاتلين الأفغان اللاجئين في إيران بوثائق هوية قانونية لأفراد أسرهم إن وافقوا على القتال في سوريا

رغم الدلائل التي قد توحي، بأنّ بعض الخلافات يمكن أن تحدث بين قادة مختلف الميليشيات الشيعية مع مرور الوقت، استمرت هذه الجماعات بالتوسع والتعاون الوثيق فيما بينها، كما شوهد في سوريا؛ حيث إنّ الانقسام الذي أحدثته الميليشيا الشيعية؛ كتائب سيد الشهداء، على حساب كتائب "حزب الله العراقي"، في أوائل عام 2013، أو الذي أحدثه "حزب الله النجباء" على حساب "عصائب أهل الحق"، على سبيل المثال، لم يمنع هذه الجماعات من مواصلة التعاون والقتال في سوريا من أجل الدفاع عن نظام بشار الأسد.
بدوره، قام نظام دمشق، بتأسيس لواء "أبو فضل العباس"، كأول محاولة كبرى لإنشاء ميليشيات شيعية خاصة به، تستند أساساً إلى نموذج حزب الله اللبناني، الذي ساعد النظام كثيراً في تحقيق هدفه، كما دعم حزب الله تشكيل جماعات شيعية سورية أخرى؛ مثل لواء الإمام الباقر، الذي قاتل إلى جانب الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران.
وقد تم نشر قوات الشهيد محمد باقر الصدر (الاسم الحربي للقوات التي أرسلتها منظمة بدر إلى سوريا)، والمؤلفة من عراقيين شيعة، في جميع أنحاء سوريا، من أجل مدّ يد العون للنظام، ولكن قبل كل شيء، لإنشاء ميليشيات شيعية سورية جديدة، تشبه حزب الله اللبناني في طريقة عمله، وقد وُلدت عدة ميليشيات من هذه المبادرة؛ مثل لواء الإمام الحسين، ويتم استخدامها كقوات رد سريع.

الميليشيات الأفغانية والباكستانية في سوريا: قوات صدمة تخدم دمشق
أجبر الصراع في سوريا نظامَيْ الأسد وطهران على التفكير في تجنيد ميليشيات شيعية خارج منطقة الشرق الأوسط؛ آسيا تحديداً، ولا سيما باكستان وأفغانستان، إذ سرعان ما جذبتا الاهتمام بسبب المجتمعات الشيعية الكبيرة التي تعيش فيها (حوالي 7 ملايين في عام 2017 في أفغانستان، و30 مليوناً في باكستان عام 2018)، وتعرف السلطات الإيرانية الكثير عن ذلك، حيث يعيش حوالي 3 ملايين أفغاني في إيران، بمن فيهم حوالي 95 ألف لاجئ رسمي هناك، وقد سهّل هذا المجتمع الأفغاني القوي على الأراضي الإيرانية تجنيد مقاتلين جدد للجبهة في المناطق المعنية، إلى حدّ كبير.
الإغراء المالي والتعبئة الدينية
في الواقع، بالإضافة إلى اللبنانيين والسوريين والعراقيين، فإنّ الميليشيات الشيعية لديها عدد كبير من المجندين الأفغان والباكستانيين، إذ يتراوح عدد المقاتلين الأفغان الذين تجمعوا تحت راية لواء "فاطميون" بين 10000 و 12000 مقاتل، تم إرسالهم إلى الجبهات الأكثر عنفاً؛ مثل حلب ودرعا ودمشق واللاذقية وجبال القلمون، وتشير بعض التقارير، إلى أنّ لواء "فاطميون" تكبّد خسائر فادحة، قُدّرت بمئات القتلى. هؤلاء المقاتلون الأفغان، "الهزارة" في الغالب، مدفوعون بمزيج من الإغراء المالي والتعبئة الدينية، حيث تأثر الكثير منهم بخطاب حماية المقدسات الشيعية في سوريا؛ مثل مسجد السيدة زينب في دمشق، كما تشير دراسات أخرى إلى أنّ العديد من المقاتلين الأفغان، تم تجنيدهم مباشرة من مخيمات اللاجئين في إيران، حيث وُعِدوا بوثائق هوية إيرانية قانونية لأفراد أسرهم، في حال وافقوا على الذهاب للقتال في  سوريا.

اقرأ أيضاً: تحليل: الملالي والحرس الثوري وكفاح إيران من أجل العملة الصعبة
وطأت أقدام أولى الوحدات الباكستانية، الأرض السورية عام 2013، وهي وحدات قادمة من قبيلة توري الشيعية في منطقة كورام، ومن مجموعة "الهزارة" العرقية في منطقة كويته، حيث تم دمجهم مع الميليشيات الشيعية الأخرى دون أي تنسيق، قبل إنشاء ميليشيات خاصة للباكستانيين، حملت اسم لواء "زينبيون" في كانون الثاني (يناير) 2015.
ويستخدم كل من لواء "فاطميون" وولاء "زينبيون"، مواقع الإنترنت والصفحات المكتوبة باللغة الأوردية على الشبكات الاجتماعية، في تجنيد المقاتلين الباكستانيين، وإشراكهم بالصراع السوري، خاصة ضد داعش وغيرها من الجماعات السنية المتطرفة، إلّا أنّ هؤلاء المجنّدين شاركوا في معركة خشام، ضد الولايات المتحدة والأكراد، في 7 شباط (فبراير) 2018، والتي شنت خلالها الميليشيات الشيعية هجوماً مفاجئاً ضد القوات الأمريكية الخاصة، وقوات سوريا الديمقراطية، بالقرب من مدينة خشام في منطقة دير الزور، وأدى الردّ الأمريكي إلى مقتل 68 مقاتلاً شيعياً، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.

مسار سياسي - عسكري يشبه مسار حزب الله اللبناني
من مناطق المستنقعات على الحدود الإيرانية العراقية، إلى الجبال الوعرة في لبنان، انخرطت الميليشيات الشيعية في جميع المعارك الإيرانية المباشرة وغير المباشرة، في الشرق الأوسط، على مدار العقود الثلاثة الماضية، وتمكنت خلالها من زيادة مهاراتها العسكرية والتكتيكية، وقدرتها على التكيف مع أنواع جديدة من الصراع، المتكافئ وغير المتكافئ.

الحكومة الفيدرالية في بغداد غير قادرة على معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً أو حتى دبلوماسياً

ويشبه مسار الميليشيات الشيعية العراقية في هذا الصدد، مسار حزب الله في لبنان، مرة أخرى، من خلال الصراع غير المتماثل، حيث برزت المنظمة اللبنانية أولاً، من أوائل الثمانينيات حتّى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان في 25 أيار (مايو) من العام 2000، ورغم ما عانته الحركة من انتكاسات، إلا أنّها نجحت في كثير من الأحيان باستهداف القوات الإسرائيلية وحلفائها في جيش لبنان الجنوبي "قوات لحد"، على سبيل المثال، وكانت المجموعة قد أثبتت بالفعل نشاطها قبل الإعلان الرسمي عن إنشاء حزب الله عام 1985، خاصة بعد هجومها بسيارة مفخخة على مقر أجهزة المخابرات والأمن الإسرائيلية في صُورْ، يوم 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982، ممّا أسفر عن مقتل 75 شخصاً.

اقرأ أيضاً: الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري

واتضح أنّ الوضع مشابه في العراق، من منتصف الثمانينيات إلى التسعينيات، فقد كان المنشقون الشيعة العراقيون، والأسرى السابقون الذين خدموا ضمن المجندين في جيش صدام حسين، خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وجماعات متمردة عراقية شيعية أخرى مدعومة من طهران، وُضِعت من قبل فيلق الحرس الثوري، تحت رعاية منظمة بدر، التي تعهدت بعد ذلك بتدريب هؤلاء المقاتلين الجدد، وعلى غرار حزب الله في لبنان؛ طورت المجموعة على مرّ السنين مهارات وخبرات عسكرية في الحرب غير المتكافئة، من خلال هجماتها المختلفة على قوات الأمن التابعة لصدام حسين.

وفي ظلّ الحرب بين إسرائيل وحزب الله (12 تموز (يوليو) - 14 آب (أغسطس) 2006)، واحتلال الولايات المتحدة للعراق من عام 2003 إلى عام 2011، طوّرت الميليشيات الشيعية مهاراتها وترسانتها العسكرية المتزايدة على مر السنين، ليكون 14 تموز (يوليو) 2006 تاريخاً رئيسياً في هذا الصدد، حيث أطلق مقاتلو حزب الله صاروخاً أرضياً على السفينة الحربية الإسرائيلية لأوّل مرة، ما تسبب بأضرار جسيمة في السفينة، ومقتل 4 بحارة، وقد تمت مشاركة هذه التجربة، بالإضافة إلى سلاسل الإمداد بالصواريخ البالستية، القادمة من إيران، مع الحوثيين في اليمن اعتباراً من عام 2016، حيث أطلقوا، على سبيل المثال، صواريخ أرض - جو، على بارجة حربية أمريكية، وعلى قاعدة سعودية.
وخلال الحرب ضد قوات الاحتلال الأمريكية، أصبحت كتائب حزب الله متخصصة في الأجهزة المتفجرة المرتجلة، التي صممها حزب الله أثناء الحرب ضد إسرائيل عام 2006، كما تم إطلاق الصواريخ المرتجلة، التي أطلقت عليها المليشيات الشيعية اسم "عشتار"، بأعداد كبيرة ضد القوات الأمريكية على مر السنين، وقد طورت الميليشيات هذه الصواريخ وحسّنتها، خلال النزاع، مما زاد من مداها ومدى تأثيرها.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
لقد ثبت أنّ إدخال الطائرات بدون طيار، في الفضاء العسكري، يمثل أحد النواقل الجديدة لرفع القدرات التشغيلية لحزب الله، وبالتالي للميليشيات الشيعية الأخرى، فقد اقتصر الأمر في البداية على مهام الاستطلاع والمراقبة، وبسرعة تم نشر الطائرات بدون طيار في سماء إسرائيل من قِبل حزب الله؛ الذي أثبت مراراً وتكراراً قدرته على تحويل مسار الطائرات الإسرائيلية بدون طيار. هذه الخبرة، التي طورها حزب الله بمساعدة الحرس الثوري، سرعان ما تم توسيعها وتبادلها مع الميليشيات الشيعية الأخرى، حيث تمكنت كتائب حزب الله "العراقي"، على سبيل المثال، من اختراق طائرة أمريكية بدون طيار في العراق، من خلال استغلال نظام اتصالات غير محمي عام 2009.
من خلال القتال جنباً إلى جنب، زودت هذه المجموعات بعضها البعض بالمهارات والخبرة العسكرية، سواء في التكتيكات غير المتماثلة أو التكتيكات التقليدية، وبسرعة كبيرة فرضت هذه الميليشيات نفسها كأداة هائلة لطهران في العراق والشرق الأوسط بشكل عام، ما دفع إيران إلى تمويل وتدريب وتسليح هذه القوات شبه العسكرية على نطاق واسع.

الحرب ضد تنظيم داعش أو التكريس السياسي - العسكري للميليشيات الشيعية
كرّس الصراع ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، دورَ الميليشيات الشيعية ووزنها في المعادلة العسكرية الإقليمية، خاصة في العراق، حيث ثبت أنّ دور هذه الميليشيات في الصراع كان حاسماً في عدة مناسبات، فقد فرضت الميليشيات الشيعية الانقلاب على "تنظيم الدولة الإسلامية" خلال شهر حزيران (يونيو) 2014، على سبيل المثال، بينما كان الأخير يهرع إلى بغداد، حاصدةً أرواح القوات المسلحة العراقية النظامية، في طريقها، وفي هذه الظروف، دعا آية الله العظمى علي السيستاني؛ زعيم الشيعة العراقيين، إلى التعبئة العامة في أوائل صيف 2014 بموجب فتوى دينية، لتشجيع العراقيين على حمل السلاح، من أجل إنقاذ العراق من التهديد الجهادي، لينضم العراقيون الشيعة إلى الميليشيات الشيعية الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى الميليشيات الأخرى التي تم إنشاؤها لهذه المناسبة، بموافقة رئيس الوزراء في ذلك الوقت؛ نوري المالكي، الذي منحها وضعاً شبه رسمي، بموجب رعاية ميليشيات الحشد الشعبي، وفي الحال، دعمت إيران، وبشكل كبير هذه الوحدات الجديدة من الميليشيات الشيعية، التي سرعان ما فرضت نفسها كقوة عسكرية لا يمكن تعويضها، لتعمل حوالي 50 ميليشيا شيعية تحت قيادة الحشد الشعبي عام 2019. 

لقد فرضت المليشيات الشيعية نفسها بالفعل، مُخيبة بذلك أمل قوات الأمن العراقية، ففي حين أظهرت هذه الأخيرة ضعفها، وعدم فعاليتها واستعدادها  للقتال، تاركة المجال مفتوحاً أمام داعش لشن هجمات واسعة النطاق في المناطق الواسعة، أظهرت الميليشيات الشيعية حماسها في القتال؛ ففي خريف عام 2017 ظهرت قوات الحشد الشعبي، بما في ذلك سرايا الخراساني، في طليعة الهجوم ضد داعش في الحويجة، واستعادت السيطرة على الحي في 20 يوماً (21 أيلول (تموز) - 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2017).

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري العراقي"
وبفضل هذا النجاح، جمعت هذه الميليشيات عدداً متزايداً من المجندين والمتطوعين، إلى أن أصبحوا أحد العناصر الأساسية للجيش العراقي، إن لم يكونوا بديلاً عنه، ومنذ عام 2010، تضاعف عدد الميليشيات الشيعية في العراق 20 مرَة؛ فبعد أن كانت تضم 4 آلاف مقاتل في بداية العقد الماضي، أصبحت الميليشيات الشيعية اليوم تضم بين 81 و84 ألف مقاتل، وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017، في أعقاب الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، يوم 25 أيلول (سبتمبر) من نفس العام، شنت قوات الأمن العراقية هجوماً واسعاً، أثبتت الميليشيات الشيعية أنها رأس الحربة الحقيقي فيه.
الوضع الحالي والآفاق
أياً كان مستوى حكمها الذاتي، تبقى الميليشيات الشيعية خاضعة بعمق إلى طهران، فلم تكن مشاركة الحشد الشعبي في هجوم تشرين الأول (أكتوبر) 2017 ضد حكومة إقليم كردستان، بإرادةٍ من بغداد، بل بأمرٍ من إيران، في الواقع، قبل الهجوم ببضعة أيام، ذهب الجنرال قاسم سليماني، إلى السليمانية؛ العاصمة السياسية للاتحاد الوطني الكردستاني، للتفاوض مع ممثلي الأخير، من أجل انسحاب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني، في حال حدوث هجوم إيراني، وذلك ما تم بالفعل؛ فتحت ضغط طهران وتقدّم الميليشيات الشيعية، انسحب البيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني عن طيب خاطر، دون تبادل فعلي للرصاص، على النقيض من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ميليشيا تجسد هيمنة نظام الملالي على العراق
تَظهرُ الميليشيات الشيعية اليوم، من نواحٍ كثيرة، بوصفها تجسيداً لهيمنة نظام الملالي على العراق، فقد كانت هذه الميليشيات، التي لا يمكن السيطرة عليها، موضوع مشاريع قوانين تهدف إلى إعادتها تحت رعاية الجيش النظامي العراقي، في مناسبات عديدة؛ ففي 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، أقرّ البرلمان العراقي قانوناً يعترف رسمياً بقوات الحشد الشعبي، باعتبارها فرعاً مستقلاً لقوات الأمن العراقية، وأذِن لها، في هذا الإطار، بتلقي تمويل من الدولة العراقية، ومع ذلك، فإنّ القانون يشترط في المقابل أن تتنازل قوات الحشد الشعبي عن سلاحها لبغداد، وأن تتخلى عن أي ميل أو أي نزوة سياسية تجاه إيران.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
ولم تمتثل قوات الحشد الشعبي لهذا القانون، ولا للمراسيم الرئاسية التي تلت ذلك، ولسبب وجيه، لا تستطيع الحكومة الفيدرالية في بغداد، في الوقت الحالي، معارضة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران عسكرياً، أو حتى دبلوماسياً، لذلك تنتشر قوات الشرطة العسكرية الخاصة في جميع أنحاء البلاد، وتتطور عسكرياً وسياسياً؛ ففي أيلول (سبتمبر) 2019، كانت قوات الحشد الشعبي قد أعربت عن رغبتها في امتلاك مكوّن جوي عسكري خاص بها، ورغم أنّ هذه المعلومات لم يتم تأكيدها أو الإعراب عنها من جديد، إلا أنّها توضح مدى الاستقلالية والقوة المتوفرة لدى الحشد الشعبي.
الحشد الشعبي الفائز الأكبر في الانتخابات
أصبح ثقل الميليشيات الشيعية في الحياة السياسية العراقية أكثر وضوحاً خلال الانتخابات البرلمانية، التي جرت في 12 أيار (مايو) 2018، حيث كانت قوائم اثنين من مسؤولي الحشد الشعبي من الفائزين الكبار؛ وهم تحالف "سائرون"، بقيادة رجل الدين الشيعي وزعيم ميليشيا سرايا السلام؛ مقتدى الصدر، الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد (54 من أصل 329)، يليه تحالف فتح (47 مقعداً)، بقيادة هادي الأميري، قائد منظمة بدر.

تصاعد الحمى السياسية بين الميليشيات
استعداداً للانتخابات المحلية المُقبلة، والمقرر إجراؤها في 21 شباط (فبراير) 2020، تصاعدت الحمى السياسية بين الميليشيات الشيعية، التي تحشد المزيد والمزيد لمحاولة كسب معظم السياسيين من صفوف الميليشيات الشيعية، إلا أنّ وفاة عراب هؤلاء؛ قاسم سليماني، قد غيرت الوضع؛ فليس لهذا المعشوق في إيران، بديلاً قادراً على ضمان الاستمرارية الكاملة في قيادة الميليشيات الشيعية، وإن كان قد تم تعيين ساعده الأيمن وزوج شقيقه؛ اللواء إسماعيل قاآني في طهران، فإنّ الميليشيات الشيعية، التي لا يمكن السيطرة عليها، لن تتبناه بالضرورة على النحو الذي تريده إيران.


مصدر الترجمة عن الفرنسية :

lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية