فضل شاكر من الغناء العاطفي إلى الأشغال الشاقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
20230
عدد القراءات

2017-11-04

لم يكن أحد يتوقع أن تؤول حياة المطرب اللبناني فضل شاكر من الانغماس بالأغاني المفعمة بالأحاسيس إلى العزلة خلف صرير القضبان، فالرجل الذي منح الأمل لقلوب العذارى والحيارى بصوته الدافئ وعواطفه الدفاقة اختار أن ينأى بنفسه إلى الجهة الأخرى من الحياة، حيث الاحتفاء بثقافة الموت والتطرف لأفكار شيخه أحمد الأسير.
الجديد في حكاية شاكر ما نشره على حسابه في "تويتر" تعليقاً على الحكم عليه بالسجن 15 عاماً مع الأشغال الشاقة في قضية "أحداث عبرا" مع تجريده من حقوقه المدنية؛ حيث ترك شاكر الغناء قبلها، وأطلق لحيته وتبع شيخه إلى "التقويس" وجعل خصومه "يفطسوا" على حد تعبيره في الفيديو الذي ظهر خلاله حينئذ، مدججاً أيضاً بالملابس السوداء والأسلحة الرشاشة.

شاكر: قرار اعتزالي جاء توبةً إلى الله، ونصرةً لنبيّ الله والإسلام محمّد الذي قصّرنا في حقّه بصراحة

يقول شاكر في تغريدة له: "الذي تعامل مع الاحتلال الإسرائيلي حكم عليه بسنتين فقط، والذي قتل رفيق الحريري لم يجرؤ أحد على حكمه أو إلقاء القبض عليه.. والذي فجّر مساجد طرابلس حر طليق .. لكن من وقف بوجه بشار وقال كفى، يحكم عليه ظلماً بـ 15 عاماً، مع الأعمال الشاقة ! شكراً لعدالتكم".
ويتابع في تغريدة لاحقة: "قل لآل الحريري صبراً، فإن نوائب الدنيا تدور" في إشارة إلى عائلة رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري.
من يتابع مسيرة شاكر الفنية أولاً و"النضالية" ثانياً يكتشف أنّ وراء هذا الفنان المرهف مزاجية عالية تحكم أفعاله، وتردد متواصل بين الانتصار للقضايا التي يعتقدها من خلال الغناء والجماهير الواسعة أو بالذهاب إلى النقيض، أي اعتزال الفن والذهاب إلى الكفاح المسلح بجماهيره الخاصة أيضاً.
يبدو أنّ شاكر المولود في مدينة صيدا اللبنانية عام  1969 من أصول فلسطينية، والذي أصدر نحو 11 ألبوماً خاصاً، و21 أغنية منفردة قد فكر كثيراً قبل أن يعتزل الغناء بشكل نهائي عام 2012 ثم الانضمام إلى فصيل مسلح للجماعة الإسلامية سلفية التوجه برئاسة الشيخ أحمد الأسير، ويبدو أنّ تأثيرات كثيرة قادته إلى هذا القرار الذي فاجأ كل محبيه منها التأثير المباشر للأسير عليه، واشتراكهم في الحماسة ذاتها للثورة السورية ودعمها، ومحاولة عزل حزب الله والدعوة إلى نزع سلاحه في الجنوب، ويبدو أنّ فكرة الحلال والحرام قد سيطرت تماماً على حياة شاكر أيضاً، فقد صرح ذات مرة بأن "قرار اعتزالي بحمد الله جاء توبةً إلى الله عزّ وجلّ، ونصرةً لنبيّ الله والإسلام محمّد عليه الصلاة والسلام الذي قصّرنا في حقّه بصراحة".

اعتزل الغناء لأنّ الموسيقى حرام
أكّد فضل أنه اعتزل الموسيقى لأنّها حرام. وأضاف "اليوم أنا كفنّان؛ السبب في أنّك ما تأخذني تجلس مع حبيبتك أو خطيبتك أو صديقتك أو زوجتك، أثيرك حين أغنّي بمرافقة الموسيقى الصّاخبة وأتلاعب في كلمات الحبّ والغزل لإثارتك". لكن مثل هذه التصريحات يمكن أن تظل حرية شخصية  للفنان في الاعتزال عن جمهوره، والاعتكاف بعيداً عن "الوسط الفني الوسخ" كما وصفه ذات مرة، أما مسألة حمل السلاح والقتال المباشر فربما لها أسباب أخرى، وهذا ما يوضحه تصريحه "كان اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005 هو البداية حيث اتهم ادعاء دولي 4 من ميليشيا حزب الله بارتكاب هذه العملية، وفي أيار(مايو) 2008 هاجمت ميليشيا حزب الله المسلمين السنّة في بيروت، ثم دعمت بشار الأسد، السنة محبطون ولا يجدون من يحميهم، الشيخ الأسير يقول الحقيقة".
اختار شاكر إذن التيار السنّي الذي يعيش في كنفه، والذي رآه مناسباً للأفكار التي يحملها في داخله أصلاً، فشيخه الأسير صديق للعائلة، ووالد الأسير نفسه كان يعمل طبالاً وعازف عود في فرقة شاكر، ولكن الأسير نفسه، الذي أكمل دراسته بكلية الشريعة في جامعة بيروت الإسلامية، لديه خبرات ماضية في التنقل بين الجماعات الدينية؛ فقد قضى في صفوف "جماعة الإخوان المسلمين" 4 سنوات  قبل أن ينضم إلى "الدعوة والتبليغ" ويصبح لاحقاً محسوباً على التيار السلفي.
الطريف في الأمر أنّ التطرف الطائفي للأسير يبدو مبالغاً فيه ومدفوعاً بتأثيرات خارجية؛ فوالدته شيعية مثلاً، ونشأ هو نفسه في حي الشيعة بصيدا، وكانت دراسته الابتدائية في مدرسة للراهبات، ولكن السياسة تفرق ما يجمعه الدين، وطلب الرياسة والسلطة الدينية يحتاجان كما يبدو إلى تضحيات وتخندق، ويحتاج إلى أصوات داعمة كصوت شاكر ليتحول إلى منشد ديني ومؤذن أحياناً في مسجد بلال بن رباح ، وقد اشتهر رجل الدين السلفي الأسير بعدائه الجلي لحزب الله، وقدم نفسه خلال برامج حوارية على أنه "مدافع عن حقوق السنة في مواجهة حزب الله الشيعي".

هل كان شاكر يحمل في داخل شخصيته الهادئة الحنونة والغامضة شخصية أخرى على النقيض أي مشروع إرهابي؟

كان شاكر في تصريحاته المتناقضة حينئذ حائراً بين تبرير تغيراته الحادة من خلال الفتوى بأنّ الغناء حرام، وصولاً إلى رفض مصافحة النساء لاحقاً، وبين موقفه السياسي الذي أخذ لبوساً دينياً قتالياً، ورغم ظهوره مع الأسير فإنّ شاكر لم يهجر مباشرة مهنته أو منزله البالغ قيمته 4.5 مليون دولار أو مطعمه في صيدا، رغم أنه توقف عن تقديم المشروبات الكحولية فيه، ولكن توجهاته السياسية بدأت بالظهور للعلن بشكل فاقع،  فقد ظهر في حفل في أيار(مايو) عام 2012 بالمغرب في مهرجان موازين، وطلب من الجماهير أن تردد خلفه "الله يدمر بشار الأسد.. الله يأخذ بشار الأسد"، ثم الانتقال في وقت لاحق للقتال في سوريا للتصدي لميليشيا حزب الله الداعمة للأسد هناك، كما شارك في اشتباكات ضدهم في لبنان.
 

ذروة التحولات
بلغت التحولات ذروتها لدى الاشتباك مع الجيش اللبناني في حزيران (يونيو) عام 2013 بمنطقة "عبرا" فى صيدا، والتي أسفرت عن مصرع 18 جندياً و11 مسلحاً، وقد أصدر القضاء اللبناني عام 2014 حكماً غيابياً بإعدام شاكر " الهارب" على خلفيه ارتكابه أعمالًا إرهابية مع الشيخ الأسير و54 آخرين، ثم مع القاء القبض عليه وعلى شيخه لاحقاً.
الحكم القضائي صدر على شاكر بالأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عاماً، فيما حكم على الأسير بالإعدام، لتنتهي فصولٌ من الترقب والنقاش الطويل داخل الساحة اللبنانية حول ما جرى، والسيناريوهات المتوقعة.
هل كان شاكر يحمل في داخل شخصيته الهادئة الحنونة والغامضة شخصية أخرى على النقيض أي مشروع إرهابي، أم كما يعده بعضهم بأنه مناضل وطني شعر بالضيم مما يجري، وهل كانت تضحياته من أجل المبادئ والتقوى الطارئة التي هبطت عليه، أم لأنّ هناك من ساهم في إشعال حنقه واستفزاز غضبه، وخصوصاً مع تدمير ممتلكات بيته وسرقة محتوياتها، إضافة إلى تمرد ابنته عليه للزواج من رجل من غير طائفته؟
أسئلة كثيرة تحتاج إلى أن تنضج على نار هادئة ليخبرنا بها شاكر نفسه حينما يعود إلى حياته العادية يوماً ما ويكون جاهزاً للبوح بالحقيقة، وربما العودة إلى ما اعتبره حراماً ومثيراً للغرائز!

 

اقرأ المزيد...

الوسوم:



إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال

أعدمت مجموعة من رجال الأمن الصومالي أمس 9 مدنيين في مدينة جالكعي وسط الصومال.

وصرح أحد أعيان المدينة محمد يوسف بأن " رجال الأمن اعتقلوا 9 أشخاص في المدينة واقتادوهم إلى خارجها، قبل أن يتم إعدامهم بشكل جماعي ما أثار غضب الأهالي"، وفق ما نقلت وكالة الأناضول، فيما أكدت مصادر صحفية أن القتلى ينتمون لقبيلة دغل ومرفيلي القاطنة في إقليم جنوب غرب البلاد.

رجال الأمن الصومالي يقدمون على إعدام جماعي لـ 9 مدنيين من مدينة جالكعي وسط البلاد

بدورها نددت الحكومة الصومالية بحادثة القتل الجماعي، كما وعدت بفتح تحقيق حوله وتقديم المتهمين للعدالة.

من جهتهم، حذر شيوخ وأعيان قبيلة دغل ومرفيلي السلطات المحلية، من المساس بأبنائهم العاملين وسط الصومال، بعد تعرضهم "لمضايقات من قبل رجال الأمن" هناك، واتهامهم بـ "التستر على عناصر حركة الشباب التي تنفذ عمليات ضد رجال الأمن والمصالح الحكومية".

هذا ونقلت وكالة سبوتنيك أن انفجارين وقعا  في العاصمة الصومالية مقديشو اليوم، ما أسفر عن إصابة شخص واحد على الأقل.

انفجار قنبلتين في العاصمة الصومالية مقديشو بعد توقيف سيارة محملة بالمتفجرات

ونقل موقع "جوب جوج" الصومالي أن "الانفجار الأول ضرب منطقة سيادكا، القريبة من مجلس النواب، والثاني كان بالقرب من حاجز أمني". ونقل الموقع عن شاهد عيان أن "الانفجار الثاني وقع بعد أن أوقفت قوات الأمن سيارة محملة بالمتفجرات، وأسفر الانفجار عن إصابة السائق، الذي تم توقيفه لاحقا".

كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

تحيي كاتدرائية نوتردام بباريس اليوم أول قداس بعد الحريق الذي تعرضت له قبل نحو شهرين ودمر قسماً كبيراً منها.

ويترأس أسقف باريس ميشال أوبوتي القداس في نوتردام الذي سيحضره نحو ثلاثين شخصاً فقط نصفهم من رجال الدين.

وقالت أبرشية باريس في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إن القداس لن يحضره مصلون "لأسباب أمنية واضحة"، لكن ستقوم قناة "كي تي أو" الكاثوليكية بنقل وقائعه مباشرة "ليتمكن المسيحيون من المشاركة فيه".

أبرشية باريس: القداس في نوتردام لن يحضره مصلون لأسباب أمنية واضحة وسيحضره نحو 30 شخصاً

وإلى جانب المونسنيور أوبوتي، سيحضر القداس خادم رعية الكاتدرائية المونسنيور باتريك شوفيه وعدد من الكهنة ومتطوعون وأشخاص يعملون في الورشة وعاملون في أبرشية باريس. ولن تشارك جوقة معهد نوتردام في القداس، لكن قائداً لجوقة الترتيل سيكون حاضراً.

وسيطلب من الكهنة بالتأكيد ارتداء خوذ لكنهم سيحضرون بلباسهم الكهنوتي.

وتضرر جزء كبير من الكاتدرائية التي تمثّل رمزاً في قلب العاصمة الفرنسية، في حريق أثار حملة تضامن واسعة في العالم لإنقاذ وترميم هذا الموقع الذي يرتدي طابعاً رمزياً كبيراً في قلب العاصمة الفرنسية.

ودمر الحريق مسلة الكاتدرائية وسقفها وجزءاً من قبتها.

واختير موعد هذا القداس في ذكرى تكريس مذبح الكاتدرائية. وقال حول الموضوع المونسنيور شوفيه، إنه "تاريخ يرتدي طابعاً مهماً روحياٌ"، معبراً عن ارتياحه لتمكنه من إثبات أن "نوتردام حية بالتأكيد".

منذ الحريق، يعمل بين 60 و150 عاملاً في الورشة مواصلين نقل الركام وتعزيز البنية. وما زالت المنشأة في طور تعزيزها. أما أعمال تأمينها بالكامل فيمكن أن تستغرق أسابيع قبل إطلاق الأشغال الطويلة والمعقدة لترميمها.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة بناء الكاتدرائية خلال خمس سنوات.

وحتى الآن، لم يتم دفع سوى تسعة بالمئة من المساهمات الموعودة والبالغة قيمتها 850 مليون يورو.

ويفسر ذلك بأن التبرعات الصغيرة للأفراد يمكن تقديمها بدون أي شروط، لكن الشركات الكبرى والمجموعات عليها صياغة عقود حول تخصيص مساهماتها.

في عام 2017 زار نحو 12 مليون سائح كاتدرائية نوتردام التي تعد تحفة معمارية للفن القوطي وتجري فيها أشغال منذ سنوات.

والكاتدرائية مدرجة على لائحة التراث العالمي منذ 1991. وقد اكتسبت شهرة كبيرة بفضل رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" التي تم اقتباسها عدة مرات في السينما والعروض المسرحية الغنائية.

مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان..

أكد مسؤول أمريكي كبير على أنّ هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية بعد فض الاعتصام، محذراً من الفوضى. بينما طالبت الشفافية الدولية بوضع حد للفساد، داعية إلى مقاضاة منتهكي حقوق الإنسان هناك.

وطالب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون إفريقيا، تيبور ناجي، بإجراء تحقيق "مستقل وذي مصداقية" في عملية القمع، التي شهدها السودان بدايات الشهر الجاري وأدت إلى مقتل العشرات، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.

مسؤول أمريكي يؤكد أن هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية

وفي سياق آخر، أصدرت منظمة الشفافية الدولية بياناً، أمس، دعت فيه إلى "وضع حد للفساد لحماية حقوق الإنسان في السودان".

وأضافت المنظمة في بيانها "في الأسابيع الأخيرة وردت تقارير عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وفظائع ارتكبها الجيش السوداني. تدعو منظمة الشفافية الدولية إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان".

وقالت، المنسق الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة الشفافية الدولية، كندة حتر: "الوضع في السودان ينطوي على طاقة كامنة تؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار والعنف، الأمر الذي سيحصن فقط مستويات الفساد العالية بالفعل هناك."

وأضافت حتر: "تحتاج البلاد إلى فترة من الاستقرار لبناء مؤسسات ديمقراطية وأنظمة الحكم الرشيد واستعادة ثقة الشعب في الحكومة".

وكان قد أقرّ المتحدّث باسم المجلس العسكري الحاكم في السودان، أول من أمس، بأنّ المجلس هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية تسبّبت في مقتل العشرات.

منظمة الشفافية الدولية تدعو إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان في السودان ووضع حد للفساد

واعتصم المتظاهرون لأسابيع أمام قيادة الجيش في الخرطوم للمطالبة بداية برحيل الزعيم عمر البشير، ولاحقا للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.

لكن في 3 حزيران (يونيو) وبعد ايام على انهيار المحادثات بين قادة الاحتجاجات والجيش، اقتحم مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مخيم الاعتصام في عملية قالت لجنة الاطباء انها خلفت 120 قتيلاً. الا ان وزارة الصحة اعتبرت أن الحصيلة في ذلك اليوم بلغت 61 قتيلاً فقط.

هل يُسجن صحفيان لنشرهما مقالاً عن الاقتصاد التركي؟

حملت حكومة العدالة والتنمية التركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة عبر الاستناد على نظرية  المؤامرة، التي تحاول الحكومة الإسلامية الاختباء خلفها في تبرير فشلها في إدارة الأزمة الاقتصادية.

حكومة العدالة والتنمية تحمل وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة

وفي أحدث فصول هذه المعارك بين أنقرة والإعلام العالمي، برزت قضية وكالة بلومبيرغ الدولية التي اتهمها الادعاء العام التركي بنشر تقارير عن الاقتصاد التركي "تناقض الواقع"، وتبالغ في تصوير أزمة العملة التركية، وفق ما نقل موقع "أحوال تركية".

وقالت وكالة بلومبيرغ، إنّ المدعين العامين الأتراك يسعون إلى فرض عقوبة السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات على اثنين من مراسليها في تركيا، بسبب تقريرهما حول أزمة الليرة التركية العام الماضي.

وأوضحت "بلومبيرغ" أن كريم كاراكايا وفيركان يالينكيتش قد اتُهما بمحاولة تقويض الاستقرار الاقتصادي لتركيا بسبب قصة إخبارية كتباها في آب (أغسطس) 2018.

وبحسب تقرير "أحوال تركية"، فإن هذه الاتهامات تأتي بعد أن اشتكت هيئة تنظيم البنوك في تركيا، من تقرير بلومبيرغ حول أزمة العملة.

ودان رئيس تحرير بلومبيرغ، جون مكلثويت، لائحة الاتهام، مشدداً على أنّ مراسلي وكالته قدّما تقارير عادلة ودقيقة عن الاقتصاد التركي.

وكانت تقارير لبلومبيرغ وغيرها قد تناولت أزمة العملة التركية، كما تحدثت عن أن بعض فروع البنوك في تركيا تعاني من انخفاض في العملة الأجنبية، وهو ما ركزت عليه بلومبيرغ التي كشفت، في تقرير لها، أنّ أحد فروع البنوك لم يستطع على الفور، تلبية طلب من أحد العملاء لسحب 5000 دولار.

المدعون العامون الأتراك يطالبون بسجن مراسلين "بلومبيرغ" لخمسة أعوام بسبب تقرير حول الليرة التركية

واستندت بلومبيرغ في تقريرها، على أنّ العميل زار فروع ثلاثة بنوك كبيرة، لكن لم تتم تلبية طلبه، إذ استنتج أن البنوك تكافح لمواكبة الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.

وهبطت الليرة التركية إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية، وزادت من سوء الوضع الاقتصادي الملفاتُ السياسية الداخلية، وكذلك التوترات بين أنقرة وواشنطن في أكثر من ملف إقليمي ودولي.

كان الرئيس التركي رجب إردوغان، انتقد بشدة في نيسان (أبريل) 2019، وسائل الإعلام الغربية التي اتهمها بتضخيم الصعوبات الاقتصادية لتركيا، مشيراً خصوصاً إلى مقال نشرته "فايننشال تايمز" حول البنك المركزي التركي.

وتندد منظمات تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة، بانتظام بحملات الاعتقال التي تطال الصحافيين، وبإقفال وسائل إعلام منذ الانقلاب الفاشل في 2016.

وتحتل تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة لعام 2018، الذي وضعته منظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية.

إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟

تأتي العملية الأخيرة، التي استهدفت ناقلات نفط على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من السواحل الإيرانية المقابلة لسواحل سلطنة عمان، في إطار تناقض أصبح مكشوفاً في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ومواصلة معركة عض الأصابع بين الجانبين، في إطار رهانات أمريكية على تنازلات إيرانية، وانصياع طهران للمطالب الأمريكية بالتفاوض، مقابل رهانات إيرانية بإمكانية صمودها أمام الضغوط الأمريكية، وضعف احتمالات قيام أمريكا بشن هجوم على إيران؛ لأسباب مرتبطة بالانتخابات الأمريكية القادمة، والخلافات الداخلية بين البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ترامب يكشف من وراء تفجيرات خليج عُمان

استهداف ناقلات النفط، جاء متزامناً مع تطورين بارزين وهما: زيارة رئيس الوزراء الياباني "صديق الرئيس الأمريكي ترامب" إلى طهران حاملاً رسالة من ترامب، وإطلاق صاروخ كروز من قبل الحوثيين على مطار أبها المدني جنوب المملكة العربية السعودية، بعد ضربات ضد أهداف مدنية وعسكرية ومنشآت اقتصادية تم تنفيذها من خلال طائرات إيرانية مسيّرة، إضافة إلى العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أكثر من شهر.

خلافاً لعملية الفجيرة أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء تفجير ناقلات النفط في خليج عُمان

وخلافاً لعملية الفجيرة، أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء العملية الأخيرة، وبأدلّة تشير إلى قيام عناصر من الحرس الثوري الإيراني باستعادة لغم لم ينفجر بمحاذاة إحدى ناقلات النفط خلال تفجيرها، فيما جاء إطلاق الحوثيين صاروخ كروز ليؤكد مسؤولية الحرس الثوري، ارتباطاً بالقدرات المحدودة للحوثيين على التعامل مع هكذا صواريخ.

رغم انشغالات المحللين والرأي العام بسؤال الحرب في المنطقة، من حيث توقيتها ومدياتها وأطرافها، وفيما إذا كانت ضربة محدودة ستوجهها أمريكا لأهداف إيرانية أم ستكون حرباً شاملة مفتوحة؟، إلا أنّ ردود الفعل الأمريكية المتناقضة ترسل رسائل واضحة أنّها متمسكة بخيار الضغط على إيران لأبعد حد ممكن لإجبارها على التفاوض، وأنّها ليست بصدد الذهاب إلى الحرب، ويبدو أنّ القيادة الإيرانية، وفي ظل تقدير عميق لرد الفعل الأمريكي المحتمل وأنّه لن يصل لمستوى شنّ حرب ضدها، تمارس تنفيذ سياسة استفزاز لأمريكا، وحلفائها في المنطقة، وإحراجها بتنفيذ عمليات نوعية ضد ناقلات النفط في الخليج، وقد أرسل رد الفعل الأمريكي السلبي على عمليات تفجير ناقلات الفجيرة رسالة لطهران بأنّ بإمكانها مواصلة الاستفزاز وتعطيل الملاحة البحرية "النفطية" في الخليج، وهو ما يعزز قناعات واسعة في المنطقة بأنّ إيران ستنفذ المزيد من العمليات ضد أهداف متعددة في الخليج، دون رد فعل أمريكي خارج أطر التنديد والوعيد، خاصة وأنّ تلك العمليات لا يتوقع أن تشمل أهدافاً أمريكية، بما في ذلك بوارجها في الخليج العربي، وقواعدها العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وخاصة في البحرين؛ حيث قيادة الأسطول الأمريكي الخامس، وفي قطر؛ حيث القواعد العسكرية في السيلية والعديد، وقاذفات بي 52 الرابضة فيها.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟

العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط بالقرب من السواحل الإيرانية، تزامنت مع تصريحات ذات دلالة أصدرها المرشد الأعلى خامنئي، حول موقف طهران من الملف النووي الإيراني، وأنّ إيران تؤكد بشكل قاطع أنّها ليست بصدد إنتاج قنبلة نووية؛ لأنّها "محرمة دينياً"، وهو ما يعني تنازلاً إيرانياً واستعداداً لإغلاق الملف النووي، وتقديم ورقة للرئيس الأمريكي، باعتبار أنّ القضية النووية تشكل السبب الجوهري لانسحابه من الاتفاق الموقّع مع إدارة الرئيس الأمريك السابق باراك أوباما، وهو ما يكشف ملامح الإستراتيجية الإيرانية بإبداء استعداد للتفاوض مع أمريكا وتقديم تنازلات في ملفات محددة كالملف النووي، وشن عمليات تثبت استمرار توفر بدائل لدى القيادة الإيرانية، في حال قررت أمريكا مواصلة الضغط على طهران، في العقوبات الاقتصادية التي أصبح واضحاً أنّها تنتهك إيران من الداخل، وهو ما تخشى معه القيادة الإيرانية، من اندلاع انتفاضة شاملة، تضعف موقفها التفاوضي وقدراتها على مواصلة حرب عض الأصابع مع أمريكا وخصومها في الخليج والسعودية.

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب خياراً غير واقعي

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران، محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب شاملة، خياراً غير واقعي، رغم الانضباط الإيراني العالي والدقيق في التخطيط لتنفيذ العمليات واختيار الأهداف والتوقيت، كما أنّ الرهانات على عامل الوقت، الذي يشكل قاسماً مشتركاً في رهانات القيادتين؛ الأمريكية والإيرانية، لم يعد مضموناً في ظل احتمالات وقوع أخطاء عسكرية، أو تنفيذ عمليات من قبل قوى أخرى بما فيها "داعش" و"القاعدة"، التي تحفل سجلاتها بتنفيذ عمليات بحرية ضد حاملات طائرات في خليج عدن"كول".

اقرأ أيضاً: كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

العملية الأخيرة وردّ الفعل الأمريكي عليها المتضمن تقديرات استخبارية بإمكانية تنفيذ عمليات جديدة ضد ناقلات النفط في الخليج، وضد أهداف في دول الخليج، بما يعنيه أنّ أمريكا ليست بوارد الرد على إيران، يطرحان تساؤلات حول قدرة المنطقة وخاصة المملكة السعودية والإمارات، ودول أخرى تعاني أزمات اقتصادية خانقة، على الصبر على التجاوزات الإيرانية، في ظل شكوك "رسمية وشعبية"، عميقة تتصاعد في المنطقة بأنّ هناك توافقات أمريكية إيرانية على السيناريوهات التي يتم تنفيذها، تتزامن مع توجهات أوساط أمريكية لتقييد تصدير الأسلحة الأمريكية للإمارات والسعودية، على خلفية دورهما في حرب اليمن.