كورونا: ما بين عدالة التفشي وظلم توزيع اللقاح

كورونا: ما بين عدالة التفشي وظلم توزيع اللقاح

مشاهدة

03/12/2020

يتابع العالم كله اليوم أخبار اللقاح المضاد لفيروس كورونا، في ضوء حرب شرسة بين شركات صناعات الأدوية، التي أعلنت التوصل إليه، ومن بينها شركتان "أمريكية ـ ألمانية" وأخرى روسية، إضافة إلى اللقاح الذي أعلنت عنه الصين، هذه المتابعة تأتي في ظل الموجة الثانية لتفشي الوباء، وحصده آلاف الأرواح مجدداً، والتحذيرات الصادرة من منظمة الصحة العالمية وأوساط طبية من تعمّق موجة جديدة قد تستمر حتى نهاية العام القادم. بالتزامن مع الإعلان عن اللقاح، بدأت الدول بالإعلان عن الكميات التي حجزتها من هذا اللقاح ونسب توزيعها على مواطنيها، والتي يفترض أن تغطي ما بين 20% إلى 70% من المواطنين، تبعاً لأدنى النسب وأعلاها.

 

عدالة انتشار الجائحة أكدت مجدداً أننا أمام امتحان عالمي جديد يتشكّل سيفضي إلى إلغاء مقاييس ما قبل كورونا ويضع معياراً جديداً يقسم العالم إلى دول "ناجحة وأخرى فاشلة"

 

ليس هدف هذه المقالة معالجة القضايا الطبية الخاصة باللقاح، لكنها تهدف للتوقف عند جملة محطات أفرزتها تطورات الجائحة منذ الانتشار ثم التفشي، ثم الاحتواء وعودة التفشي مجدداً، والإعلان عن اكتشاف اللقاحات، وما تخلل كل ذلك من تفسيرات، كشفت عورات الإنسان وضعفه رغم كل ما كان يقال عن تقدمه العلمي، والفروقات بين الشعوب والأمم، ومرجعياتها الثقافية ومنجزاتها الحضارية، بما فيها "نظريات المؤامرة"، التي لم يقتصر تفشيها على العالم غير الغربي المتحضر، وتالياً أبرز تلك المحطات:

أولاً: بعد تفشي الجائحة في أوروبا وأمريكا، وبمرجعيات متعددة تترجم في بعضها مقولات صدام الحضارات، سارع مفكّرون عرب ومسلمون إلى إعادة إنتاج مقولات نهاية الرأسمالية المتوحشة، وأنّ سيطرة الصين على الجائحة في مركز انطلاقها "أووهان" يشكّل بداية لتغييرات عالمية عميقة ستفضي إلى جعل الصين "العادلة" قائدة للعالم، بديلاً لتلك الرأسمالية المتوحشة، وأنّ حرباً عسكرية تلوح بين أمريكا والصين، تحطّم فيها الصين جبروت أمريكا وقوتها الاقتصادية والعسكرية، لكنّ التطورات لاحقاً أثبتت قدرة تلك الرأسمالية على التعامل مع الجائحة والتكيف معها، وعزّزت موقعها عالمياً، بالثقة العالمية باللقاح "الأمريكي ـ الألماني" الموعود، في الوقت الذي لم يتعامل فيه العالم بجدّية مع اللقاحين الروسي والصيني، دون أن ينفي ذلك مواصلة التنافس وفقاً لمرجعيات قانون الوحدة والصراع بين أقطاب الرأسمالية.

اقرأ أيضاً: الدين والتحولات.. هل يفرض كورونا مراجعات لأنماط التدين؟

ثانياً: عدالة انتشار الجائحة وشمولها كلّ الدول والأمم والشعوب أكدت مجدداً أننا أمام امتحان عالمي جديد يتشكّل، سيفضي إلى إلغاء مقاييس ما قبل كورونا، ويضع معياراً جديداً يقسم العالم إلى دول "ناجحة وأخرى فاشلة"، وهو ما يعني سقوط التقسيم الأول؛ عالم أول وثانٍ وثالث، فخلال أقل من عام كشفت الجائحة حجم التباين بين الدول في التعاطي معها، فأكدت مقولات أنّ هناك عالمين: عالم يموج بالاكتشافات العلمية والتكنولوجية الطبية والعسكرية والاقتصادية ويعزز منجزاته الحضارية، تصالح مع ذاته وانتصر على مربعاته، وغادر كل خنادقه وثنائياته، يقابله عالم آخر يقتصر دوره على استهلاك ما ينتجه العالم الأول، غارق في ثنائياته وقداساته الدينية والتاريخية، منغلق على نفسه، تنهشه نظرية المؤامرة، فشل في التعاطي مع الجائحة التي كشفت عيوبه وأثبتت عجزه، ليس في مجال الاكتشافات الطبية وقدرته على التكيف فقط، بل وفي العودة والتشبث بمقولاته، وبناء المزيد من الجدران حولها وعليها، إلى الدرجة التي فسّر فيها ضعفه بأنه ليس مطلوباً من المسلم أن يساهم في إنتاج الدواء، فقد سخّر الله بقية البشر لخدمته.

 

إذا كان تفشّي الجائحة قد أنتج عدالة في الانتشار، فإنّ ما يتردّد اليوم حول آليات التعامل مع اللقاح الجديد ستشكّل محطة جديدة تكشف الفجوة بين العالمين؛ الأول والثاني

 

ثالثاً: إذا كان تفشّي الجائحة قد أنتج عدالة في الانتشار، فإنّ ما يتردّد اليوم حول آليات التعامل مع اللقاح الجديد ستشكّل محطة جديدة تكشف الفجوة بين العالمين؛ الأول والثاني، ففي الوقت الذي سيقدَّم فيه اللقاح مجاناً أو شبه مجاني، وبنسب تغطي ما لا يقلّ عن 70% من السكان في هذا العالم، لا تزيد نسب توزيع اللقاح في غالبية دول العالم الثاني عن 20% فقط، ومن المؤكد أنه سيتخللها "فساد" وطبقية، وغياب مظاهر الحدود الدنيا من العدالة في التوزيع، وبما يقدّم إجابة عن سؤال الفرق بين حقيقة مقولات العدالة الإنسانية  بين هذين العالمين.

اقرأ أيضاً: ما المقصود بـ"أمننة" مواجهة كورونا.. وهل تدرك المجتمعات عواقبها؟

رابعاً: رهانات كثيرة على ما بعد كورونا، وحجم التغيير الذي سيشهده العالم الثاني بعدها، تترواح بين فريق يقلل من حدود هذا التغيير، وفقاً لمقولات إنّ البنيات العميقة لمجتمعات العالم الثاني عصية على التغيير، وفريق يرى أنّ كورنا، وفقاً لمقاربات المتواليات الهندسية والعددية، قد هدمت مدماكاً في الجدران الصلبة التي تعترض طريق التغيير، غير أنّ الأهم في المقاربات الجديدة أنها وضعت إنسان هذا العالم الثاني على مشرحة، في عملية ستُجرى بلا "تخدير"!

الصفحة الرئيسية