كيف أضحت الحقوق المدنية تحت وصاية التأويلات الفقهية؟

كيف أضحت الحقوق المدنية تحت وصاية التأويلات الفقهية؟

مشاهدة

21/10/2019

كان عام 2000 هو عام الانتصارات التشريعية، نسبياً، للنساء في مصر، خاصة فيما يخص تعديلات جزئية طرأت على قانون الأحوال الشخصية، الذي لم يتغير كثيراً منذ عام 1929، وجاءت التعديلات موجهة لقضيتين أساسيتين:
أولهما: قرار المحكمة الدستورية منح الزوجة حقّ السفر دون إذن كتابي من الزوج، وإلغاء مقدرة الزوج على منع زوجته من السفر بمجرد إبلاغ مصلحة الوثائق والسفر التابعة لوزارة الداخلية (أي الشرطة في مصر). 
لكن، للأمانة البحثية، فإنّ قرار المحكمة لم يلغِ حقّ الزوج في اللجوء إلى القضاء لرفع قضية احتباس شرعي للزوجة، بحسب الشريعة الإسلامية؛ أي إنّ حقّ الزوج في منع زوجته من السفر ما يزال قائماً، لكن تستلزمه إجراءات تقاضٍ مطولة، مما خفف التعنّت ضدّ الزوجات لكن لم يلغه.

اقرأ أيضاً: الطلاق في تركيا: أزمة يستغلها حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي لفرض مشروعه

وثانيهما: تشريع آخر يخفف وطأة التقاضي في قضايا الطلاق، فتم منح الزوجات حقّ اللجوء إلى الخلع الشرعي، بحسب بعض التأويلات الفقهية، وليس انطلاقاً من الحق المدني، وهو القانون الذي يُطالب بعض النواب في البرلمان المصري بتعديله في الوقت الراهن.
الكتلة الحرجة والتأثير في إقرار الحقوق
كانت هذه الانتصارات، الجزئية، نتيجة إرادة سياسية تسعى لتخفيف الانتقادات الدولية في سجل الحقوق النسوية من جهة، أو ربما حتى رغبة في إجراء تعديلات على قوانين مجحفة، ونتيجة حراك المجتمع المدني من جهة أخرى، وهو الحراك الذي يمثل الكتلة الحرجة critical) minority ) التي أثرت في صنع القرار، وقد تأتي بنتائج تنتصر للحقوق المدنية بخلاف الاستفتاءات الجماهيرية في بلدان ما تزال، تُصارع ثقافة التمييز ضدّ النساء.
فالاستفتاءات الجماهيرية قد تنتهي بنزع الحقوق الأساسية، وهذه إشكالية الديمقراطية في كثير من البلدان العربية؛ حيث تتحول الاستفتاءات إلى حقّ الغلبة والاستقواء ضدّ الآخر، فتفقد الديمقراطية ركناً أساسياً، وهو مناهضة التمييز؛ فالديمقراطية لا تشرعن التمييز وفق النوع؛ لأنّ المساواة ليست مجالاً للاستفتاء.

الأصل بالتشريع المدني إقرار المساواة، لكنّ المساواة غائبة في حقّ الطلاق؛ فالزوجة لا تتساوى مع الزوج في هذا الحق

والانتصار التشريعي هنا ليس انتصاراً للنساء ضدّ الرجال، بل انتصار لحقوق المساواة والمواطنة، على اعتبار أنّ القانون (في فلسفته) يُفترض أن يساوي بين مواطنيه، ذكوراً وإناثاً،   
فالاعتقاد الشائع هو أنّ حقوق النساء تنتقص من حقوق الرجال، رغم أنّ تلك الحقوق لم تنزع حقوق الرجال بقدر ما مكّنت المرأة من مقدراتها، وهذه المقدمة السابقة ضرورية كمدخل لمناقشة أزمة إقرار الحقوق "المدنية" وثغراتها المتعددة.
كيف تحول حقّ الطلاق المدني إلى مطالبات بالعتق؟
الأصل في التشريع المدني هو إقرار المساواة، لكنّ المساواة غائبة في حقّ الطلاق؛ فالزوجة لا تتساوى مع الزوج في حقّ الطلاق؛ بسبب مفهوم القوامة الذي يحكم قانون الأحوال الشخصية المصري.
فيحقّ للزوج أن يُطلق زوجته لدى مأذون شرعي في لمح البصر، ودون إبداء أسباب، بينما تظلّ الزوجة عالقة في المحاكم لأعوام حال رغبتها في الطلاق.
أقرّت الدولة المصرية، عام 1979، تشريعاً محورياً لتخفيف أزمة التقاضي وهو قانون الطلاق للضرر، ومن بعده قانون الخلع، بحسب الشريعة الإسلامية، عام 2000.

الخلع الذي يحتفى به مجتمعياً يعدّ ثغرة تفلت فيها الزوجة من زيجة لم تعد قادرة على الاستمرار فيها لتفقد حقوقها

الطلاق للضرر: دعوى قضائية تقيمها الزوجة تطالب فيها برغبتها في الطلاق لتضررها من سوء معاملة الزوج، أو لإهماله المعنوي أو المادي أو الجسدي، ويقع على الزوجة عبء الإثبات، وفي حالة الحصول على الطلاق من القاضي تحصل الزوجة على ما يسمّى قانوناً "حقوقها الشرعية".
عدّ القانون رقم (44) للأحوال الشخصية، الصادر عام 1979، الجمع بين الزوجات ضرراً للزوجة الأولى، وأعطاها حقّ طلب التفريق لما تعرضت له من إيذاء، واعترض حينها، النائب صلاح أبو اسماعيل، على القانون قائلاً: "كذب الزوج على زوجته ليرضيها لا يُعدّ كذباً، وكذب الرجل في الحرب خدعة" (كتاب خلف الحجاب، سناء المصري، ص 362 وص363). 
في 4 أيار (مايو) 1985، صدر حكم المحكمة الدستورية في مصر بعدم دستورية قانون 1979، وصدر القانون رقم 100 لعام 1985، ليحلّ محله، فأجاز للزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها الذي تزوج بأخرى، خلال عام من تاريخ علمها بالزواج، إذا لحقها ضرر معنوي أو مادي، وبحسب هذا القانون؛ فإنّ التعدّد لا يعدّ سبباً مباشراً للتطليق، إنّما على الزوجة أن تثبت أنّ زواج زوجها بأخرى وقع عليها بالضرر.
الخلع: هل هو مساومة قانونية للزوجات؟
إقرار الخلع الشرعي أعطى للمرأة حقّ رفع دعوى للانفصال، كونها تخشى ألا تستطيع أن تقيم حدود الله، وليس عليها إثبات وقوع ضرر من الزوج، مما يسهل إجراءات وزمن التقاضي لكن، في المقابل؛ تتنازل عن أية حقوق مادية، بل تردّ مقدم الصداق، حتى إن كانت زوجة مشاركة أو متحملة لنفقات المعيشة مناصفة مع الزوج، بحسب العديد من الحالات الموثقة.
لكنّ بعض النساء اعتبرن القانون بمثابة العتق، ولطالما كان عائق الطلاق هو رغبة الزوج في أن تتخلى الزوجة عما يسمى حقوقاً شرعية.

اقرأ أيضاً: %40 نسبة الطلاق في مصر: الأسرة في خطر
والخلع الذي تمّ الاحتفاء به مجتمعياً يعدّ ثغرة تفلت فيها الزوجة من زيجة لم تعد قادرة على الاستمرار فيها، ثغرة تفقدها جميع حقوقها وتعرضها للمساومة، وعليها انتظار بتّ القاضي، والذي يصدر حكمه في غضون عام أو أقل، وبحسب تقارير حديثة تستغرق بعض قضايا الخلع أكثر من ذلك نسبياً، كما أوردت مجلة "نصف الدنيا"، وهي مجلة نسوية تصدر عن مؤسسة "الأهرام" الرسمية، في عددها الصادر ليوم 25 نيسان (أبريل) 2016.
الخلع لا يعني أنّ المرأة نالت حقوقها المدنية في الطلاق بالضرورة، بل يعني أنّ القانون جاء تسهيلاً على محاكم الأسرة التي تعجّ بإجراءات التقاضي، قبل أن يكون تسهيلاً على المرأة ذاتها، وبكل تأكيد كان موقف الزوجات قبل الخلع كارثياً، هكذا أصبحت هذه الثغرة الشرعية متنفساً وانتصاراً نسبياً لنساء عديدات.
حقّ المساواة في الطلاق
رغم أنّ الخلع مكسباً جزئياً، ولا ينطبق عليه قواعد المساواة في حقّ الطلاق بين الذكور والإناث، إلا أنّ مجلس النواب المصري تقدّم من خلال أحد الأعضاء، في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، بمشروع تعديل على قانون الخلع ليجعله سارياً فقط في حالة إثبات الضعف الجنسي للأزواج، مما قد يعدّ موقفاً مهيناً للزوج والزوجة، على حدّ سواء.
وهذا يلفت الانتباه إلى أمرين:
أولهما:
أنّ العضو محسوب على لجنة حقوق الإنسان في المجلس، وهذا يستدعينا للتساؤل عن الفكر الملتبس لحقوق الإنسان في أعلى المناصب التشريعية؛ فالإنسان هو المواطن والمواطنة وليس الذكر فقط.
ثانيهما: هو أنّ تعديل قانون الخلع أثارته جماعة الإخوان المسلمين، عام 2012، بعد تشكيلها الأغلبية البرلمانية، مما يعني أنّ قضية حقوق النساء لا يتم حسمها بمجرد خروج الإخوان من سدة الحكم الرسمي؛ فالدولة المدنية، وما تقرّه من حقوق أكثر شمولاً من عزل الإخوان. 
لكنّ حقيقة الأمر؛ أنّ ما يثير القلم البحثي هنا ليس مشروع القانون الذي تسبّب في جدل كبير، وإنّما ما يثير الباحث في مجال الحقوق بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص، هو الرأي التشريعي الرسمي في مسألة المساواة في حقّ الطلاق.

اقرأ أيضاً: إكراهات الزواج والطلاق لدى الأقباط المصريين
وهنا نشير إلى حدثَين مهمَّين: أولهما؛ كان عام 1975، حين اقترحت وزيرة الشؤون الاجتماعية المصرية، السيدة عائشة راتب، المساواة في حقّ الطلاق بين الزوجات والأزواج، وعليه؛ يطلق الزوج زوجته أمام القاضي، وليس لدى المأذون الشرعي، وذلك للحدّ من سهولة تطليق الزوج لزوجته (راجع حوار جريدة "المصري اليوم"، مع عائشة راتب، 4 أيلول (سبتمبر) 2008)؛ هو ما رفضته القيادة السياسية في عهد الرئيس السادات، وتبعته مظاهرات في جامعة الأزهر.

يحقّ للزوج أن يُطلق زوجته لدى مأذون شرعي بلمح البصر ودون إبداء أسباب بينما تظلّ الزوجة عالقة بالمحاكم حال رغبتها بالطلاق

أما الحدث الثاني، جاء عام 2017، حين تقدم النائب المصري عبد المنعم العليمي، بمشروع يحقّ فيه للمرأة أن تُطلّق نفسها لدى المأذون أسوة بالزوج، والمشروع اسمه "قانون المأذونين"، وجاء في تصريحات العليمي أنّ المشروع الذي صاغه لا يخالف الشريعة.
ومن جانبه، علّق النائب الدكتور، أسامة العبد، رئيس لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب الحالي والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، الذي تمّ تعيينه إبان الثورة، عام 2011، على مشروع القانون قائلاً: "الأصل في القرآن أنّ الطلاق بيد الزوج وليس بيد الزوجة، وإذا كان الطلاق بيد الزوجة يكون هذا تنازلاً من الزوج لزوجته"، ثمّ أضاف: "لا يحقّ للمرأة الطلاق في المسيحية كذلك".
لكنّ ما يثير الانتباه؛ أنّ إشكالية الطلاق في الكنيسة لا تخص الزوجة وحدها، بل الزوج كذلك، وتتم المحايلة على القانون (بتغيير الملة) للحصول على الطلاق.
وهكذا؛ فإنّ محاولة درء الأنظار عن الإشكاليات في قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، تذرعاً بتلك الموجودة في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، يفتح مجالاً للحديث المجتمعي عن ضرورة إقرار قانون أحوال شخصية مدني، يستند إلى حقّ المواطنة. 

اقرأ أيضاً: الهند: السجن 3 سنوات لرجال الطلاق "بالثلاثة"
تتوافق رؤية المجلس التشريعي، كذلك، مع رؤية الشيوخ الرسميين، ومن بينهم الشيخ أحمد كريمة، أستاذ الشريعة، الذي يقول: إنّ "الشرع جعل الطلاق للزوج؛ إما بالأصالة، أي يوقعه بنفسه، وإما بالوكالة، وكذلك جعل حقّ الطلاق في يد القاضي، ويُسمى تطليقاً في أحوال محددة؛ وما عدا ذلك فهو غير شرعي"، ثم استطرد الشيخ قائلاً: "للإسلام ربّ يحميه". 
وهنا نتوقف كثيراً أمام خطاب جعل من مجرد الحديث عن حقوق المرأة اعتداء على العقيدة بحسب العديد من الفقهاء، فأصبحت الزوجة التي تطالب بحقّ مدني، أو تئن من ظروف عسيرة، بمثابة المعتدية على العقيدة الدينية، وهذه مفردات قد تزيد الأزمات لا تحلها.
الالتباس بين الحقوق المدنية والتأويلات الفقهية 
في هذا الصدد؛ استندت بعض الآراء الفقهية إلى حقّ الزوجة في العصمة، إن أرادت ذلك، وتمّ الترويج لهذا الحقّ الشرعي كونه يمنح الحقوق الشافية الوافية للزوجة، التي تستطيع من خلالها تطليق نفسها.
لكن تعد العصمة في يد الزوجة من الحالات النادرة جداً، فالقليل من الأزواج يرتضون ذلك، والترويج لحالة ليست شائعة إلا في ظروف بعينها على أساس أنّها السبيل الشرعي الوحيد لتطليق الزوجة، ينأى عن مناقشة القضية في إطارها؛ المدني والمجتمعي.  
فمن المفترض أنّ العقد المدني يقرّ المساواة، ولا يمنح طرفاً الغلبة على الآخر، كما أنّ وقوع العصمة في يد الزوجة لا يمنع الزوج من الزواج بأخرى، لذا فهو ليس رهين العلاقة الزوجية كما هو الحال بالنسبة إلى الزوجة التي لا تملك العصمة في يدها، وهنا أصبح الحديث عن المساواة واهياً.

الصفحة الرئيسية