كيف بددت "المقامرة العثمانية" الحلم التركي بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

كيف بددت "المقامرة العثمانية" الحلم التركي بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟

مشاهدة

10/10/2020

في العام 2004، وفيما كانت تركيا تبدو كطالب مجتهد يُنظّم أوراقه ويتلقن الدرس بعد الآخر من أجل أن ينال ثقة الأستاذ الأوروبي، لم تكن تركيا واثقة رغم ذلك من أنّ مساعيها العديدة التي بدأت منذ العام 1959، حين أرادت الانضمام لأول مرّة لهيئة أوروبية متمثلة في "الجماعة الأوروبية للفحم والصلب"، ستكلل بالنجاح.

بعد 16 عاماً من عبارة أردوغان أنّ "انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ليس نهاية العالم"، أعلن الاتحاد الأوروبي استحالة قرب ذلك الحلم

وقتها، وقف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قائلاً: "إذا ما أغلق الأوروبيون الباب في وجه الأتراك، فعندئذٍ سوف نعلن عن تحويل معايير كوبنهاغن السياسية (قمّة عُقدت في العام 2002 وأرجأت تحديد الموعد لبدء الحوار مع تركيا للانضمام للاتحاد إلى العام 2004 للنفوذ الكبير للعسكريين في البلاد آنذاك) إلى معايير أنقرة، وتحويل معايير ماسترخيت الاقتصادية إلى معايير إسطنبول، وسنتابع طريقنا".

وخلال العام نفسه، وتحديداً في 15 كانون الأول (ديسمبر) 2004، وبعدما أيّد أغلبية النواب الأوروبيين في البرلمان الأوروبي بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ظهر أردوغان مجدّداً، ملوّحاً بالخطة "ب"، التي ربما لم تكن حاضرة فعلياً على الطاولة التركية آنذاك، قال: ستجمّد تركيا ترشيحها إلى الاتحاد الأوروبي في حال فرض القادة الأوروبيون شروطاً غير مقبولة على تركيا لانضمامها إلى الاتحاد. سنضع هذه المسألة في الثلاجة ونتابع طريقنا، ولن يكون ذلك نهاية العالم.

اقرأ أيضاً: قنابل أردوغان الموقوتة في العالم العربي!

في العام التالي، قبل الاتحاد الأوروبي بدء حوار مع تركيا كمرشحة رسمية لعضوية الاتحاد، في مرحلة من التقييم الطويلة، تطلبت ضبط عدة ملفات، في مقدمتها ملف الحرّيات، وملف العلاقات الخارجية، وملف السياسة والعسكر.

تركيا وحلم أوروبا  

وعلى مدار سنوات طويلة، ظلت تركيا أسيرة لحلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تنفذ ما يُملى عليها من إصلاحات، وتجتهد في تحصيل درجات مرتفعة في التقييمات.

 

الأسوأ ليس بتخلّي تركيا عن ذلك الحلم، بل بالطريقة التي استبدلتها فيه، وتتمثل في حلم الخلافة العثمانية، فدخلت أنقرة في مقامرة غير مأمونة العواقب

 

 وقتها كان الحضور التركي خافتاً في الخارج، وليس كما هو عليه الآن، كانت جهودها تتركز على إصلاحات داخلية، ساهمت بإحداث طفرات في الاقتصاد التركي، وتقدّم في ملفات عدة، غير أنّ قضايا أخرى هي عوائق، مثل العلاقة مع اليونان وقبرص التي انضمت إلى الاتحاد في العام 2007، وملف الأرمن، فضلاً عن موقف لدى بعض الدول يرفض انضمام تركيا إلى الاتحاد من حيث المبدأ، سواء لاعتبارات جغرافية، إذ إنّ نسبة 3% فقط من تركيا هي ما يقع في أوروبا، أو لاعتبارات دينية وحضارية وسكانية؛ إذ تمثل تركيا كتلة سكانية كبيرة، ما يعني أنّ انضمامها إلى الاتحاد سوف يؤدي إلى سيطرتها على النفوذ الأوروبي وصنع القرار فيه، فالمقاعد داخل البرلمان الأوروبي مثلاً تُقسم بحسب عدد السكان.

وظلت تركيا تلهث خلف الجزرة الأوروبية وحلم الانضمام إلى الاتحاد على مدار عقود، صحيح أنّ رونق تحقيقه، وما يمكن أن يعود على تركيا منه من مكاسب اقتصادية وسياسية، كانا كفيلين بالتمسك بالأمل واتباع سياسة النفس الطويل، غير أنّ عوامل أخرى كثيرة كانت تؤكد أنّ الحلم التركي محض حلم، سيتبدّد يوماً طال أم قصر.

اقرأ أيضاً: أردوغان يدخل تركيا في متاهة

وبعد 16 عاماً من عبارة أردوغان أنّ "انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ليس نهاية العالم"، أعلن الاتحاد الأوروبي استحالة ذلك الحلم؛ إذ قالت اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي في تقريرها السنوي بشأن تركيا في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2020: إنّ الحكومة التركية تقوّض اقتصادها، وتقلص الديمقراطية، وتدمّر المحاكم المستقلة؛ ممّا يجعل محاولة أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أبعد من أيّ وقت مضى.

 

انتهجت أنقرة سياسات القمع، وفتحت جبهات عدة وحرباً مع الأكراد في الداخل والخارج، وكسبت أعداء من كلّ حدب وصوب  

 

الإعلان لم يكن مفاجئاً، وتركيا التي ظلت لسنوات تبدي الولاء لم تكن تتخذ النهج ذاته وهي يراودها الحلم أو الرغبة ذاتها في الانضمام للاتحاد، فقد بدّدت تركيا الحلم منذ سنوات، وهي تسقط عاماً تلو الآخر شرطاً من القائمة الطويلة التي سلمها إليها الاتحاد قبل سنوات.

والأسوأ ليس بتخلي تركيا عن ذلك الحلم، بل بالطريقة التي استبدلتها فيه، فقد هيأت الظروف العالمية، والطموح المتنامي لشخصية الرئيس التركي والأجواء، أن تتخلى عن حلم أوروبا إلى حلم أكبر، يتمثل في حلم الخلافة العثمانية، فدخلت تركيا في مقامرة غير مأمونة العواقب.

التحوّل

ولا نملك خطاً مفصلياً أو توقيتاً دقيقاً للوقت الذي تخلت فيه تركيا عن حلم أوروبا إلى حلم الهيمنة العثمانية، لكن يبدو أنّ أحداث "الربيع العربي" التي أبرزت تركيا لاعباً إقليمياً ينافس النفوذ العالمي والقوى الكبرى في سوريا، ووصول جماعات الإسلام السياسي إلى الحكم مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، كانت مرحلة رئيسية في تعديل بوصلة الاتجاهات لدى أنقرة وأردوغان.

وقبل ذلك الوقت بسنوات، كانت تركيا تدرك أنّ مهمتها في الانضمام إلى الاتحاد أصعب، في ظل مزيد من التحولات، كان أبرزها بحسب أستاذ التاريخ الدكتور إسكندر أبي يونس، وصول الرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي إلى الحكم خلفاً لجاك شيراك، إذ بموجب ذلك الوصول انتقلت فرنسا هي الأخرى من خانة من يدفعون لانضمام تركيا، على اعتبارها جسراً للتواصل مع العالم الإسلامي، إلى أشدّ المعارضين.

عقبات قديمة

وفي دراسة بعنوان "العلاقات الحائرة بين تركيا والاتحاد الأوروبي" لأبي يونس، في العام 2011، فسّر موقف ساركوزي في "الرغبة في الحفاظ على نفوذ فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي، لهذا فإنه يريد منع تركيا من الانضمام كونها دولة كبيرة سيبلغ تعداد سكانها 80 مليون نسمة، بالإضافة إلى كونها تملك طاقات اقتصادية تنمو على نحو ديناميكي فعّال. واقترح ساركوزي حلّاً يقضي بإنشاء مجموعة الدول المتوسطية على أن تتبوّأ تركيا مركز الصدارة داخلها، كلّ ذلك بهدف إقناع الأتراك بالتخلي عن مشروع انضمامهم للاتحاد الأوروبي. وقام ساركوزي باستخدام لجنة خبراء، شكّلها من أجل مستقبل الاتحاد الأوروبي بغية الحصول على توصية تعارض قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي".

اقرأ أيضاً: المراوغة الأردوغانية المكشوفة

تنبأت تلك الدراسة، التي سبقت التغيرات الكبرى التي تلت "الربيع العربي"، بأن    "تعود تركيا إلى وجهها القديم الذي حاولت علمانية أتاتورك أن تعدّل من ملامحه"، في إشارة إلى استعادة مشروع الدولة العثمانية المستند إلى النفوذ الديني في التوسع وبسط النفوذ". وقالت الدراسة أيضاً: إنّ "تركيا إذا لم تدخل الاتحاد الأوروبي، على الأرجح، فإنها ستأخذ خيارات إقليمية ودولية جديدة".

وقد أوغلت تركيا بالفعل في تلك الخيارات، غير أنّ ميزان قوّة تركيا وأوضاعها الداخلية، إبّان معايشتها للحلم الأوروبي، وعودة الهيمنة العثمانية كفيل بتوضيح كيف عاد الأوّل بالرخاء على تركيا، وبالتقدّم الاقتصادي، وإطلاق الحرّيات، فيما عاد الآخر بخزينة مثقلة، وليرة متهاوية، وقمع غير مسبوق، وجبهات عدة مفتوحة، وحرب مع الأكراد في الداخل والخارج، وأعداء من كلّ حدب وصوب، من الشرق الأوسط إلى أوروبا إلى الولايات المتحدة نفسها التي تتبدل مواقفها من أنقرة وفق مصالحها، فيما لا يبدو بجانب تركيا في شراكة استراتيجية عميقة سوى قطر، شريكة المشروع نفسه.

ومن ثمّ، فإنّ إعلان الاتحاد الأوروبي ابتعاد تركيا عن الانضمام إليه ليس مفاجئاً لأحد، ولا يستحقّ الإعلان، وما يستحقّ الترقب هو مصير تركيا وأردوغان في ظلّ مقامرة الهيمنة العثمانية.

الصفحة الرئيسية