أردوغان يدخل تركيا في متاهة

أردوغان يدخل تركيا في متاهة

مشاهدة

10/10/2020

ناصر زيدان

هل يبحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن مكانة متقدمة له بين أقرانه رؤوساء الدول العشرين الكبرى؟ أم إنه يحاول استعادة أمجاد عثمانية ولَّت قبل مئة سنة؟ وكلا الرؤيتين خلفهما تبعات جيوسياسية واستراتيجية كبيرة، وتخفيان مغامرات مهولة، قد تؤدي للوصول إلى دراما سياسية واقتصادية وعسكرية مخيفة، وقد تقضي على أحلامه بالاستقرار في سدة الحكم لولايات جديدة، بعد أن أمسك بمفاصل القرار التركي منذ العام 2002.

أردوغان يخلق ساحات توتر، وينتج ملفات خلافية واسعة، بعدما رفضت أوروبا انضمامه إليها بعد مرات ومرات من طلب الانضمام للاتحاد، والولايات المتحدة الأمريكية لم تُعطه الدور الذي طالب به، أي تزعُّم العالم الإسلامي. واستدارته نحو روسيا، بعد أن كاد يدخل الحرب في مواجهتها في العام 2015، لم تُحقق له ما أراد، خصوصاً في إطلاق يده في الملفات الإقليمية المهمة شمال العراق وشمال شرق سوريا وفي ليبيا، واكتشف أن تفاهمه غير المعلن مع إيران، غير كافٍ لتغطية اندفاعته، وتلبية طموحاته التوسعية.

من المؤكد أن أردوغان قرر إزعاج الاتحاد الأوروبي الذي رفض انضمام تركيا إليه، وذلك عن طريق التحرُّش باليونان وبقبرص وفي التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط، مستنداً إلى اتفاقية بحرية غير معترف بها، وقعها مع حكومة فايز السراج المتهالكة في ليبيا نهاية العام الماضي. كما قرر إزعاج الولايات المتحدة بعقد صفقة شراء صواريخ الدفاع الجوي المتطورة إس - 400 مع روسيا. وقد أدرك متأخراً أن الحصار الأوروبي عليه، والدعم الميداني الفرنسي لليونان، سيخلقان له متاعب كبيرة، فانكفأ عن التنقيب في محيط قبرص، وقرر إجراء مفاوضات مع اليونان لحل النزاع معها بالطرق السلمية، وهو يحاول مهادنة واشنطن في شمال وشرق سوريا، خشية أن تنقلب عليه روسيا.

وعندما اكتشف أردوغان أن الغطاء الروسي لحراكه في شرق المتوسط غير كافٍ، أو أنه غير موجود، كما أن السياسة الروسية تعارض توجهاته في ليبيا، وهناك تقييد روسي لنشاط الموالين لتركيا في إدلب السورية ومحيطها، ذهب باتجاه الشرق، محاولاً الضغط على موسكو لتبادل الخدمات الاستراتيجية معها في ليبيا وسوريا والعراق، لكن تفجير الوضع في إقليم ناجورنو كارباخ الأرمني داخل أراضي أذربيجان، خرج عن السيطرة، وتحوَّل إلى أزمة دولية بكل المقاييس، وقد يؤدي إلى عكس النتائج التي ترغب فيها أنقرة. وبدل أن تتحول الاندفاعة التركية نحو الشرق مفيدة لها لاستعادة نفوذها بين دول وسط آسيا الإسلامية والتي تنتمي بغالبيتها إلى القومية التركمانية، ربما يتحول هذا التدخل إلى نافذة متاعب جديدة تُفتح في مواجهة الانفلات الأردوغاني، وبالتالي يخسر «صداقته اللدودة» مع موسكو بدل أن يتساعد معها لتقوية مساحة نفوذه في المنطقة المحيطة بتركيا، لأن موسكو لا يروق لها التوسُّع التركي في القوقاز، لأنه يوقِظ المشاعر القومية والدينية التي تتعارض مع التوجهات الروسية.

والبحث الأردوغاني عن توسيع النفوذ في وسط آسيا أيقظ المشاعر العدائية لإيران أيضاً، حيث تعارض المصالح بين طهران وأنقرة واسع جداً في تلك المنطقة، وله خلفيات إثنية وتاريخية وازنة، لا يمكن إغفالها، أو تجاوزها، لأن عدداً من دول المنطقة كانت ساحة نفوذ للإمبراطورية الفارسية في السابق، والتغلغل التركي يشكل تهديداً لمصالح إيران. والقتال الذي يجري بين أذربيجان وأرمينيا بسبب إقليم ناجورنو كارباخ المتنازع عليه منذ العام 1991، يؤكد حقيقه التعارض بين سياسة طهران وسياسة أنقرة، حيث تؤيد إيران أرمينيا في قتالها، وتؤيد تركيا أذربيجان، بغض النظر عن الانتماءات المذهبية. ووراء التأييد الإيراني لأرمينيا المسيحية أسباب عقائدية واقتصادية، لأن إيران تعتبر أن نظام أرمينيا الديني يناسبها ولو كان مسيحياً، بينما النظام المدني في باكو يبعث بعض التهديد لطبيعة التوجهات الفقهية الإيرانية، ولأن التمدُّد التركي في أذربيجان وجورجيا له أبعاد اقتصادية ونفطية يؤدي إلى ضرر بالمصالح الإيرانية.

ربما كانت تركيا تعتقد أن تفاهمها غير المعلن مع إيران على تقاسم النفوذ في بعض دول المنطقة على حساب التراجع العربي، كافٍ لتحييد طهران عن الصراع بين أذربيجان وأرمينيا، لكن حساباتها لم تكُن في محلها، فبقيت أنقرة وحيدةً في مواجهة حلف سياسي واسع، يشمل روسيا والاتحاد الأوروبي وغيرهما، لن يمكنها من تحقيق أهدافها الاستراتيجية حتى لو ربحت الحرب مع أذربيجان في إقليم ناجورنو كاراباخ.

عن "الخليج" الإماراتية

الصفحة الرئيسية