كيف نقرأ الأزمة بين الجزائر والمغرب؟ وما مآلاتها؟

كيف نقرأ الأزمة بين الجزائر والمغرب؟ وما مآلاتها؟

مشاهدة

02/09/2021

ربما كان مفاجئاً أن تقدم الجزائر على الإعلان عن "قطع" العلاقات الدبلوماسية مع جارتها المملكة المغربية، رغم سلسلة عناوين قائمة من الأزمات المتفاقمة بين الرباط والجزائر، إلا أنّ ما كان يميز حكومات البلدين أنه رغم "المناكفات" التي شكلت عنوان علاقاتهما إلا أنهما احتفظتا بالحد الأدنى من القدرة على إدارة الخلافات التي تطورت بفعل تراكمات محلية وإقليمية ودولية إلى أزمات.

في الأزمة الحالية، ووفقاً لبيان الحكومة الجزائرية، فإنّ السبب المباشر لقطع العلاقات بين البلدين هو "الأفعال العدائية المستمرة التي يقوم بها المغرب ضد الجزائر التي اقتضت إعادة النظر في العلاقات بين البلدين"، حيث تتهم الجزائر مجموعتين صنفتهما مؤخراً ضمن المنظمات الإرهابية بالتسبب في اشتعال حرائق غابات مدمرة في الجزائر، وهما حركة "رشاد" الإسلامية" و"حركة استقلال منطقة القبائل" المعارضة للحكومة، التي نفت بشدة ضلوعها في هذه الكارثة، وقد اتهمت السلطات الجزائرية الحكومة المغربية بدعم "حركة استقلال منطقة القبائل" التي تُعرف اختصاراً باسم "ماك".

تتهم الجزائر مجموعتين صنفتهما مؤخراً ضمن المنظمات الإرهابية بالتسبب في اشتعال حرائق غابات مدمرة في الجزائر، وهما حركة "رشاد" الإسلامية" و"حركة استقلال منطقة القبائل" المعارضة للحكومة

ليس من السهولة بمكان إثبات أو نفي الاتهامات الجزائرية للرباط بدعم الحركتين "الإرهابيتين" وتوجيههما لافتعال أزمة حرائق الغابات في الجزائر، لأنّ هذا العمل يحتاج لجهود "استخبارية" مضنية، رغم أنّ الرواية الجزائرية كما هو معلن تستند لاعترافات معتقلين، لكن في ظل تحقيقات لا تخضع لأدنى درجات العدالة، كما هي حال غالبية الحكومات العربية، فإنّ الرواية الجزائرية تبقى موضع شكوك، لا سيّما أنّ الرباط نفت نفياً قاطعاً ضلوعها في دعم أيّ حركات إرهابية في الجزائر أو أي دور لها في إشعال الحرائق، بل عرضت على الجزائر تقديم كل مساعدة ممكنة للمساهمة في إطفاء تلك الحرائق.

اقرأ أيضاً: السعي لاستنساخ تجربة "طالبان" في منطقة الساحل يقلق الجزائر

إنّ سياقات العلاقات الجزائريةـ المغربية وتطوراتها تؤكد أنّ قضية حرائق الغابات الجزائرية ربما كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير بين البلدين، إلا أنها عبّرت عن أزمة تاريخية وتناقضات عميقة بين النظامين السياسيين في البلدين، مرجعياتها إرث استعماري بغيض، وما تبعه من خلق مناطق وأقاليم متنازع عليها وأزمات حدود، والتناقض في انتماء البلدين وتحالفاتهما خلال الحرب الباردة بانحياز المملكة المغربية إلى المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وانحياز الجمهورية الجزائرية إلى المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وشكّلت قضية الصحراء المغربية "بيضة القبان" في تحديد مستقبل العلاقات بين البلدين، في ظل دعم جزائري غير محدود لجبهة البوليساريو التي تطالب بانفصال إقليم الصحراء عن المملكة المغربية.

وفي استعراض نقاط القوة والضعف في السياسات الداخلية والخارجية والعلاقات الإقليمية والدولية، يلحظ المتابع أنّ المملكة المغربية بوضع أفضل من الجزائر، وهو ما انعكس في الخطاب الإعلامي المغربي بالتعامل مع الأزمة، والذي اتسم بالهدوء والتأكيد على علاقات الأخوة والجوار، وإعلان الالتزام بسياسة الأبواب المفتوحة أمام الحوار، مقابل خطاب جزائري اتسم باستخدام لغة عنيفة وتهديد ووعيد وصرامة في تفسير أسباب اتخاذها قرار قطع العلاقات.

اقرأ أيضاً: كيف رد المغرب على قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المملكة؟

مرجعيات الخطاب الجزائري تقوم على قاموس سياسي تنتمي مفرداته ومفاهيمه لسياقات الحرب الباردة، بدعم جبهة البوليساريو في وقت لم يعد الاتحاد السوفييتي داعم حركات التحرر العالمي موجوداً، وبالتزامن تصالحت غالبية حركات التحرر العالمية مع أعدائها في بريطانيا وسيريلانكا وفلسطين وفي دول أمريكا اللاتينية، وغيرها من دول العالم، ولا شك أنّ اعتراف أمريكا ودول العالم بمغربية الصحراء شكّل ضربة قاصمة للقيادة الجزائرية وخطابها الداعم للبوليساريو، لا سيّما أنّ الاعتراف بمغربية الصحراء لم يكن أمريكياً، بل جاء وفقاً لما تعلنه الحكومة المغربية بناء على رغبات شعبية لغالبية أهالي الصحراء المغاربة.

المحدد الثاني هو أنه في الوقت الذي يعيش فيه المغرب استقراراً سياسياً تبدو مشاركة الإسلام السياسي في الحكم أبرز تجلياته، فإنّ الجزائر ما زالت تعاني من حالة انقسام سياسي حاد، وربما كان من أبرز تجلياته أنّ الحراك الشعبي الذي أطاح بحكم بوتفليقة لم يحقق أهدافه، فقد تمّ إعادة تدوير النظام السابق وحكم "العسكرتاريا"عبر انتخابات هشة قاطعها أكثر من ثلثي الشعب الجزائري، وإذا كانت هناك أزمة اقتصادية في المغرب أبرز مظاهرها البطالة والفقر، فإنّ مثل تلك الأزمة لا يفترض أن تكون في الجزائر الجارة، وهي الدولة التي تمتلك احتياطات هائلة من النفط والغاز.

في استعراض نقاط القوة والضعف في السياسات الداخلية والخارجية والعلاقات الإقليمية والدولية، يلحظ المتابع أنّ المغرب بوضع أفضل من الجزائر

محدد ثالث استندت إليه الجزائر في روايتها حول أسباب قطع العلاقات مع المغرب، وهو إقحام إسرائيل على خلفية العلاقات المغربية الإسرائيلية والتمثيل الدبلوماسي بين البلدين، ولعلّ السؤال المطروح هنا: لماذا لم تقطع الجزائر علاقاتها مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية؟ ولماذا لم تفعل ذلك مع دول الخليج، بما فيها الإمارات والبحرين وسلطنة عمان وغيرها من الدول؟ ثم إنّ قضية علاقات المغرب مع إسرائيل معروفة حتى قبل توقيع مصر معاهدة كامب ديفيد، لكنّ الجزائر ودون قصد منها أعتقد أنها تسهم في تطبيع غير مباشر مع إسرائيل، إذ إنّ مجرد طرح العلاقات الإسرائيلية المغربية في ملف خلافات الرباط مع الجزائر، يعني فتح الباب أمام إسرائيل لتكون جزءاً من المنظومة العربية والإقليمية، وهو ما عبّرت عنه تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي بانحياز إسرائيل إلى جانب المغرب في خلافها مع الجزائر.

وفي الخلاصة، فإنّ مقولة إنّ القيادة الجزائرية باتخاذها خطوات تصعيدية مع جارتها المغرب إنما تعمل وفقاً لمقاربة تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج تبدو موضوعية، في ظل أوضاع البلدين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقدرة على إدارة الأزمات الداخلية، ومن المرجح أن تشهد الأزمة "حلحلة" لبعض الملفات العالقة بوساطات عربية وأوروبية، ربما تؤسس لإنهاء حالة "العداء" غير المبررة بين البلدين الجارين الكبيرين، قبيل انعقاد القمة العربية أواخر هذا العام في الجزائر.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية