لا تستخفوا بالإسلام السياسي وهو القوة المحجبة

لا تستخفوا بالإسلام السياسي وهو القوة المحجبة

مشاهدة

20/06/2021

فاروق يوسف

تعرف فرنسا ماكرون ماذا تفعل حين تضع على طاولة الواقع أساليب مبتكرة للتصدي لظاهرة الإسلام السياسي بوجهيها المعلن والخفي. 
هناك مَن يرى أن باريس تبالغ في مشروعها التنويري الذي يخترق صفوف المهاجرين الذين كانوا إلى وقت قريب يجيدون اللعب مع القوانين وبها. 
من هنا جاءت الانتقادات التي تحمل بين ثناياها رغبة ثأرية في التحريض على "فرنسا المصابة بالاسلاموفوبيا" وكأن ما تفعله فرنسا انما هو تعبير عن عداء للإسلام دينا وللمسلمين حملة عقيدة مختلفة. 
هناك خلط واضح ومقصود لدى المعترضين على السلوك الأمني المتحفظ والحذر الذي قررت الأجهزة الفرنسية اتباعه بين الدين الإسلامي والإسلام السياسي. بين المؤمنين بالعقيدة الإسلامية ودعاة التطرف الديني.  
يقع على تلك الأجهزة اللوم لأنها تعاملت لسنوات طويلة بكثير من التساهل والاريحية مع الجماعات الارهابية التي كانت تتستر بغطاء الدين كونها جمعيات ثقافية دينية غير ربحية، بحيث كانت تحظى بدعم مالي من قبل الدول التي تستضيف أفرادها لاجئين ومن ثم مواطنين. 
ربما كانت تلك الأجهزة تعتقد أن كل شيء سيكون تحت السيطرة وأن الشر الذي يبيته المتطرفون سيتوجه إلى الخارج من غير أن يشمل الحاضنة التي أوتهم ووفرت لهم سبل الحماية والأمان.    
انطوى ذلك التفكير على خطأ وجريمة معا. 
خطأ لأن التقديرات لم تأخذ بعين الاعتبار حجم الخطر الذي يمثله انتشار التطرف والتشدد بين صفوف شباب المهاجرين الذين يعانون من فشل في الدراسة وبطالة مصدرها الازمات الاقتصادية المتراكمة. 
وجريمة لأن الحسابات قد ذهبت عن سابق تصميم وإصرار إلى الحاق الأذى بالمجتمعات الأصلية التي ينتمي إليها أفراد تلك الجماعات التي تعتبر وجودها في أرض الكفار بمثابة تمثيل للأصل الذي يقيم في أرض الإسلام. 
ومثلما استفادت الفروع من الدعم الأوروبي الذي لم يكن بريئا فقد استفاد الأصل من ذلك الدعم. كانت الفروع بمثابة الخلايا النائمة التي تنشر الدعوة في المجتمعات المهاجرة وتقف حائلا دون اندماج المسلمين المهاجرين بالمجتمعات التي تستضيفهم. 
وكما رأينا فقد وصلت الثقة بالنفس نتيجة لهيمنة جماعات الإسلام السياسي على مجتمعات مغلقة تعيش مستفيدة من القوانين الأوروبية في حماية الحرية الشخصية، إلى مرحلة الدعوة إلى اعلان الدولة الإسلامية في الدنمارك. مشهد أضحك الكثيرين غير أنه لم يكن مصدر تسلية بالنسبة للأجهزة المختصة. كان ذلك الحدث الصادم عنوانا لفشلها. 
في البدء كانت صدمة النقاب الذي تعاملت معه الدول الأوروبية باعتباره قناعا واحتوت من خلال القانون كل ما يمكن أن يترتب عليه من اضطراب غير أن الثمن كان مقنعا بالنسبة للجماعات المتشددة. أن يتم قبول غطاء الرأس "حجاب المرأة" باعتباره علامة تميز. وذلك ما حصل. لقد صارت ظاهرة تحجيب الأطفال بارزة للعيان بطريقة لافتة وهو ما يشعر المجتمعات بأن مصير أولئك الأطفال "البنات" لن يتخطى مصير امهاتهن المحجبات إذا لم يكن أسوأ. لن ينفع التعليم في مثل تلك الحالة. 
أما حين بدأت العمليات الإرهابية فقد استسلمت الدول وليست الأجهزة الأمنية وحدها معلنة فشل معالجاتها السابقة. فالظاهرة أكبر من محاولة الاحتواء. لقد أنشأت تلك الجماعات مجتمعات تابعة وخاضعة لها وتأتمر بأوامرها ومن يخرج عن ذلك سيكون منبوذا إن لم ينله عقاب أقسى.      
ومثلما غذى الغرب ظاهرة الربيع العربي بالإسلام السياسي الذي يؤمن الكثير من مفكري الغرب العقائديين وسياسييه بأنه الخيار الأصلح لحكم العالم العربي فإن الإسلام السياسي من موقعه المتعدد الأطراف قد غذى ظاهرة العداء للغرب أو المجتمعات الكافرة لدى أبناء الجاليات العربية المهاجرة. 
وهكذا انتهت مرحلة السلام المنافق.
ربما فشل الإسلاميون في تحقيق آمال الغرب في السيطرة على السلطة في غير بلد عربي. الأهم أنهم هُزموا في مصر. وهي دارتهم ودرة تاجهم ومصدر الهامهم وبادئة فتوحاتهم. مقاومتهم في ليبيا وتونس يمكن اعتبارها مسألة وقت. اما وجودهم في العراق ولبنان واليمن فإنه مرتبط بالصراع الأميركي الإيراني. في العموم فإن السلطة لن تنتقل إلى الإسلاميين. غير أن ذلك لا يعني أن الإسلام السياسي قد انتهى أو أنه في طريقه إلى أن يختفي. 
العكس هو الصحيح. 
لقد نجح الإسلاميون في وضع الجزء الأكبر من النساء العربيات على الطريق التي تؤدي إليهم. هناك اليوم مجتمعات عربية كاملة محجبة. ذلك يعني أن المرأة بغض النظر عن أفكارها صارت بمثابة علامة تميز تشير إلى الإسلام السياسي الذي خلط حملته الأوراق بحيث صارت الدعوة إلى تحرير المرأة نوعا من الكفر وهكذا عدنا إلى بدايات القرن العشرين. مئة سنة إلى الوراء. بالقوة المحجبة يمكن العودة بالعالم العربي ألف سنة إلى الوراء.

عن "ميدل إيست أونلاين"

الصفحة الرئيسية