لبنان: رفع الدعم عن السلع الأساسية وصفة لانفجار اجتماعي

لبنان: رفع الدعم عن السلع الأساسية وصفة لانفجار اجتماعي


23/12/2020

وقت ثمين أضاعه ساسة لبنان في مشاحنات لا تنتهي، دون التوصل لتشكيل حكومة جديدة، تنتشل البلاد من أزمتها الاقتصادية، منذ طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرته لتشكيل حكومة اختصاصيين، عقب كارثة انفجار مرفأ بيروت.

وقبل أيام، كشف مصرف لبنان عن كارثة مقبلة؛ بإعلانه نفاد احتياطي الدولار في غضون الشهرين المقبلين، وعجزه عن تمويل فاتورة دعم المحروقات والأدوية والسلع.

ويتزامن ذلك مع إخفاق الطبقة السياسية في تأليف الحكومة الجديدة، والقيام بالإصلاحات المطلوبة من المجتمع الدولي، للحصول على القروض والمنح، لتمويل خطط الإصلاح الاقتصادي وإعادة إعمار بيروت.

أعمال شغب رافقت احتجاجات بيروت

وتبقى حكومة تصريف الأعمال عاجزة عن إقرار ترشيد الدعم، لعدم وجود تمويل محلي، ورفض المجتمع الدولي تقديم التموّيل، ما يهدّد بانفجار الشارع، الذي يشهد صراعات الطبقة السياسية، بينما يعاني في سبيل تأمين أبسط متطلبات المعيشة.

نفاد الاحتياطي الدولاري

أعلن حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، مطلع شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ أنّ احتياطي المصرف من الدولار، لن يكفي فاتورة الدعم سوى شهرين فقط.

ووفق تقديرات اقتصاديين؛ فإنّ المتبقي حوالي مليار دولار تقريباً، إضافة إلى ودائع المصارف لدى مصرف لبنان (الاحتياطي الإلزامي)، والتي تُقدَّر بحوالي 17 مليار دولار، وهي أموال ليس من حقّ المصرف التصرف بها، تحت أيّ ظرف.

وانخفض الاحتياطي من 39 مليار دولار في 2019، مع تهاوي سعر الليرة، التي يبلغ سعرها الرسمي 1507.5 ليرة مقابل الدولار، ووصلت إلى 8300 ليرة مقابل الدولار في السوق الموازي.

يتوقّع خبراء أنّ لبنان في حاجة إلى 50 مليار دولار لاستعادة الكتلة المفقودة بالدولار، وإعادة رسملة المصارف التي تعرّض رأسمالها للتآكل

ووفق نتائج الميزانية العمومية لمصرف لبنان، بلغ الاحتياطي بالعملات الأجنبية 20,4 مليار دولار، في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2020، أي بانخفاض بقيمة 11,2 مليار دولار، أو بنسبة35,4%، من نهاية العام 2019.

ويعود ذلك إلى سداد المصرف سندات يورو بوند مستحقة، وخدمة الدين الخارجي حتى بداية آذار (مارس) 2020، وخروج الودائع، وضخّ العملات الأجنبية في سوق الصرف لإنقاذ الليرة.

وفي النصف الثاني من العام الجاري، انخفض الاحتياطي إلى 2.24 مليار دولار.

وحول تكلفة الدعم، يقول الباحث اللبناني في العلوم السياسية، عاصم عبد الرحمن إنّ "فاتورة الدعم كانت تصل تقريباً إلى 10 مليارات دولار سنوياً، تشمل؛ دعم الاستيراد، بما فيه السلع والوقود والأدوية، وتثبيت سعر الصرف الرسمي عند 1515 ليرة للدولار الواحد، وحماية الليرة من المضاربة".

الباحث في العلوم السياسية، عاصم عبد الرحمن

ويقول الخبير الاقتصادي اللبناني، وليد أبو سليمان، عن فاتورة الدعم: "أهم القطاعات التي تستنزف الدعم، هي المحروقات، وتشكّل بين 2.75 إلى 3 مليار دولار، من مجمل الدعم البالغ 5 مليارات، والباقي 1.2 مليار أدوية، 150 مليون دولار طحين، و150 مليون مستلزمات طبية، ودعم السلة الغذائية 450 مليون دولار، وخفضت هذه السلة مؤخراً، أما الأكثر استفادة من المحروقات فهم؛ 20% للأسر الأكثر احتياجاً، و40% للشركات والبعثات الدبلوماسية والميسورين، و30% تهريب، و10% عمولة".

الخيارات الأقل سوءاً

وبحسب تقارير دولية؛ سترتفع نسبة السكان تحت مستوى خط الفقر إلى 50%، في 2021، وهي نسبة مرشحة للزيادة بقوة، ما لم تتوصل الحكومة إلى خطة لترشيد الدعم.

ومن غير المطروح إلغاء الدعم، ويبحث الخبراء خطط بديلة للترشيد، وحصر الدعم بمستحقيه من الطبقات الأشدّ احتياجاً، مع الإبقاء على دعم عام لعدد من السلع التي تدخل في عمليات الإنتاج.

اقرأ أيضاً: بالأرقام والمؤشرات.. كيف سيكون عام 2021 على اللبنانيين؟

وكان رئيس حكومة تصريف الأعمال، حسان دياب، قد شدّد، أكثر من مرة، على عدم إلغاء الدعم، وأنّ المطروح هو الترشيد، وناقشت الحكومة والخبراء عدّة خيارات لترشيد الدعم، من بينها؛ إصدار بطاقات تموينية، وبطاقات تمويلية، تدفع الحكومة عبرها حصة نقدية للمستفيدين، بدلاً من الدعم العام للسلع، على أن تتناقص قيمة الدعم سنوياً.

وفي السياق ذاته؛ أعلن مصرف لبنان عدم تمويله لهذه المقترحات، بسبب النفاذ القريب للاحتياطي، وكانت الحكومة تعوّل على تمويل البنك الدولي، وهو أمر مستبعد، رغم تصريحات بعض المسؤولين المتفائلة.

اقرأ أيضاً: "دولرة" لبنان.. لمصلحة من؟ ومتى يكف حزب الله يده عن الاقتصاد المحلي؟

وحول ذلك، يقول الباحث عاصم عبد الرحمن، في حديثه لـ "حفريات": "رفع الدعم عن السلع الأساسية والمحروقات لا يشكّل حلَّاً للأزمة المالية والاقتصادية، والتي تنبئ بانفجار اجتماعي مجهول المسار والنتائج، وكلّ البحث الجاري حالياً هو حول رفع الدعم من عدمه، أو استبداله بترشيد الدعم، أي توجيهه وتخصيصه بسلع معينة، كالمحروقات، على اعتبار أنّها تدخل في معظم القطاعات العاملة، مع الإشارة إلى أنّ دعم السلع يعود بالفائدة بنحو ٨٠% على الأغنياء، و٢٠% من الفقراء فقط".

الباحث اللبناني وليد أبو سليمان لـ "حفريات": نحن بمأزق وطني، ولا بدّ من الاتفاق على خطة للوصول إلى تمديد أمد الدعم، بطريقة رشيدة

ويضيف عبد الرحمن: "المشاريع التي تُطرح حول كيفية رفع الدعم تبقى مجرد أفكار عامة، تُناقَش بين مصرف لبنان وحكومة تصريف الأعمال، دون تقديم دراسة تقنية تخصصية، تعرض لسبل المواجهة الاجتماعية، باستثناء طرح مشروع البطاقة التمويلية، التي يُقترح أن تشمل الشعب اللبناني بكامله، كي يتكمن من مواجهة انخفاض القدرة الشرائية المتزايدة، والمشكلة الأساسية التي تحول دون اعتماد هذا الخيار هو البحث عن تمويل هذه البطاقة، فلا إمكانيات داخلية في وزارة المال أو مصرف لبنان، أو حتى لجهات دولية داعمة، ويُخشى لتغطية هذه البطاقة من اللجوء إلى المزيد من طباعة العملة الوطنية، التي فقدت أكثر من ٨٠% من قيمتها، وبالتالي سترتفع نسبة التضخم ويزيد الطلب على العملات الأجنبية".

غياب القرار السياسي

من المرجح أنه لا يوجد حلّ للأزمة الاقتصادية دون تشكيل حكومة اختصاصين، وفق المبادرة الفرنسية، وإجراء الإصلاحات التي اشترطها صندوق النقد الدولي، وذلك لضمان الحصول على القروض والمنح، والتي سبق أن قُررت في مؤتمر "سيدر" في باريس، وكانت تصل إلى 12 مليار دولار.

اقرأ أيضاً: طلبة الجامعات يجددون الاحتجاجات اللبنانية.. ما الجديد؟

وليس أمام حكومة دياب سوى مجال ضيق لترشيد الدعم، ويتطلب ذلك توافقاً سياسياً، غير موجود، ويقول الباحث وليد أبو سليمان، لـ "حفريات": "هذا قرار وطني، ونحن بمأزق وطني، ولا بدّ من الاتفاق على خطة بغية الوصول إلى تمديد أمد الدعم، بطريقة رشيدة، بالتعاون مع المجلس النيابي، إذا تطلّب الأمر سنّ قوانين جديدة، لتلافي زيادة نسبة الفقر، وتأكل ما تبقى من القدرة الشرائية، وتجنّب انفجار اجتماعي".

الخبير الاقتصادي، وليد أبو سليمان

ويؤكّد الباحث في العلوم السياسية، عاصم عبد الرحمن؛ أنّ "الحلّ هو تشكيل حكومة اختصاصيين، كما يسعى الرئيس المكلف الحريري، وهو الشرط الوحيد لاستقطاب المساعدات والقروض، لانتشال البلد من قعر الهاوية، لكن يبدو واضحاً أنّ حكومة دياب تعمل على  تأجيل الحلّ، ورمي الكرة في ملعب الحكومة الجديدة المنتظرة، لتنفجر بوجهها أزمة الجوع والفقر المدقع والشارع الملتهب على وقع الاحتجاجات وأزمة كورونا".

وترى المؤسسات الدولية أنّ لبنان يمرّ بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية، منذ الحرب الأهلية، وتسبّبت الأزمة بالإطاحة بحكومة الحريري، في تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، وأدّى شحّ الدولار إلى فرض قيود على قيمة التحويلات بالدولار والليرة اللبنانية على السواء.

اقرأ أيضاً: لبنان: لماذا أشعل اتهام دياب أزمة بين السنة ورئاسة الجمهورية؟

ويملك لبنان احتياطياً من الذهب في الداخل، وفي سويسرا والولايات المتحدة، يصل إلى نحو 286.6 طناً، بقيمة 16 مليار دولار، ويتوقّع خبراء أنّ لبنان في حاجة إلى 50 مليار دولار لاستعادة الكتلة المفقودة بالدولار، وإعادة رسملة المصارف التي تعرض رأسمالها للتآكل بسبب إفراطها في إقراض القطاع العام.

والعام الماضي، شارك في مؤتمر "سيدر"، في باريس، أكثر من 50 دولة ومنظمة دولية، وقدمت الحكومة اللبنانية، برئاسة سعد الحريري، برنامج الاستثمار والإصلاح في لبنان، والذي على أساسه قررت الدول المانحة دعم البرنامج اللبناني على مراحل متعددة وفق شروط وآليات محددة.

وبلغت القروض المالية الإجمالية من الدول المانحة، خلال مؤتمر "سيدر"، نحو 12 مليار دولار أمريكي، منها حوالي 9 مليارات دولار أمريكي قروض ميسرة على مراحل، ومنح وهبات، لكن فشلت القوى السياسية في الاتفاق على البرنامج الإصلاحي، وأعقبت ذلك استقالة حكومة الحريري، ليعلن لبنان، في آذار (مارس) الماضي، توقفه عن سداد ديونه.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية