لماذا شبّه أردوغان خطاب ماكرون بالمحرقة اليهودية؟

لماذا شبّه أردوغان خطاب ماكرون بالمحرقة اليهودية؟


كاتب ومترجم فلسطيني‎
10/11/2020

ترجمة: إسماعيل حسن

ما تزال فرنسا مصدومة من مجموعة الهجمات الإرهابية القاسية التي نفّذها جهاديون خلال الأعوام الستة الماضية، التي قتل فيها عشرات الأشخاص؛ لذلك يرى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وبالتزامن مع الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة؛ أنّ الإسلام يحتاج إلى حركة تنوير، في حين يستخدم المسلمون المتطرفون الإرهاب وسيلة لتحقيق مساعيهم في السيطرة على العالم، ليعرضوا أنفسهم، في الوقت ذاته، كضحايا الاضطهاد، ويغطّوا على كونهم مصدر العنف المتصاعد في العالم.

 وقد وجد ذلك تعبيره بالشكل الأوضح في المواجهة الحالية بين العالم الإسلامي وفرنسا، بقيادة وحشد سلطان المؤمنين، أردوغان، الذي صعّد من حملات الشجب ضدّ فرنسا؛ فمنذ صعوده إلى الحكم وهو ينشغل في إشعال الفتن بخدمة الإسلام المتطرف الذي يمثله، وإن تجاهل طبيعته المحبة لإشعال النيران، سمح له بتثبيت مكانته السياسية في تركيا والشرق الأوسط، وفي كلّ مرة يثور فيها تهديد ما على استقرار حكمه ويشعل النار في أماكن أخرى، والآن يتدخّل في القتال في سوريا وليبيا وناغورنو قره باغ، وفي التوتر البحري مع اليونان وقبرص، ويهدّد بأن يستأنف ضخّ اللاجئين إلى أوروبا في كلّ لحظة, لكن على الأوروبيّين أن يفهموا مع من يتعاملون وكيف ينبغي لهم أن يتصدّوا له.

رجل الإخوان المسلمين

لقد شرع رجل الإخوان المسلمين، الرئيس التركي أردوغان، بحملة همجية ضدّ نظيره الفرنسي ماكرون، وهو يتّهم فرنسا ورئيسها بالتمييز ضدّ المسلمين وملاحقتهم، على نحو يشبه إلى حدّ قوله ملاحقة اليهود في أوروبا قبل الكارثة، كمن توّج نفسه بسلطان المؤمنين يقف على رأس الداعين إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية كردّ على المسّ بكرامة النبي محمّد، وكرامة مليار ونصف مؤمن يؤمنون به، وسارعت إيران إلى الانضمام إلى الهجمة على ماكرون وفرنسا، وتبعتها أيضاً الكويت والأردن والسعودية ومصر.

 الخلاف بدأ عندما شرح ماكرون، في خطاب استمرّ ساعة، أنّ الإسلام دين يواجه أزمة في العالم، و"لا نثق بالإسلام الذي لا يتساوق مع الاستقرار والسلام العالميَّين"، وتطرّق الرئيس الفرنسي للإسلام الراديكالي، ولحركات متطرفة مثل السلفيين والجهاديين والوهابيين وأمثالهم, ولكن في الدول الإسلامية، خاصة تركيا، التي تعدّ المزوّد الرئيس لأئمة الجالية الإسلامية في فرنسا، التي تضمّ حوالي 5 ملايين شخص، بدا خطابه كلائحة اتّهام ضدّ الإسلام والمسلمين جميعهم.

شرع رجل الإخوان المسلمين، أردوغان، بحملة همجية ضدّ ماكرون، متهماً إياه بالتمييز ضدّ المسلمين، على نحو يشبه إلى حدّ قوله ملاحقة اليهود في أوروبا

 هذا الخطاب كان ذريعة الحملة المناهضة لفرنسا والمتعلقة بالتصريحات التي أطلقها ماكرون خلال الاحتفال بذكرى المعلّم صموئيل باتي، الذي قطع رأسه لاجئ شيشاني شاب، بعد أن عرض، في درس عن حرية التعبير، بضعة كاريكاتيرات كانت موضع خلاف عن النبي محمد، نشرتها سابقاً صحيفة "شارلي إيبدو"، وذبح إسلاميان إثر الحادثة 12 فرنسياً  من عاملي الصحيفة، ردّاً على الكاريكاتيرات، ارتبطت هذه المذبحة بأعمال إرهابية أخرى تقف الآن في لباب محاكمة استعراضية تجري في باريس، من المهم عرض الأمور كما هي؛ القتل الحيواني لباتي هو المشكلة، لا الردود عليه، وقلب الأمور في عرض ردود الأفعال على القتل كمسبّب للتطرف من جانب المسلمين هو تشويه مجرم للواقع، هدفه حرف النقاش عن جذور الشرّ؛ فهذه الجماعات الإسلامية قال ماكرون عنها إنّها تحاول إقامة ثقافة مضادّة، والعمل بصورة انفصالية، ومبادؤها لا تتساوق مع مبادئ العلمانية في فرنسا ومع قوانين الدولة.

رجل خبيث وخطير

أردوغان بات رجلاً خبيثاً وخطيراً؛ لقد حوّل خطاب ماكرون المؤثّر في مهرجان الذكرى إلى ذريعة لمواجهة ضدّ كرامة الإنسان، فلم يكن في كلام الرئيس الفرنسي أيّة كلمة تبرّر إشعال نار التحريض من جانب أردوغان، فقد دافع ماكرون بمشاعر قوية عن قيم الحرية، التي تقبع في أساس الجمهورية الفرنسية، ليست هذه الأقوال هي ما أزعجت أردوغان؛ بل لأنّ ماكرون بدأ قبل أسبوعين من قتل باتي بالعمل على مشروع قانون يستهدف مكافحة الإسلام السياسي والإسلام المتطرف في فرنسا، وهذه التنديدات الصريحة التي أطلقها ماكرون على القتل البربري، وإلقاء المسؤولية على الإسلام المتطرف، أشارت إلى تصميم ماكرون على التضييق على حرية العمل الكبرى التي يتمتع بها المسلمون المتطرفون في فرنسا، وثمّة من يقول إنّ هذا التصميم يأتي متأخراً جداً، لكنّ ردود أردوغان الهستيرية تشهد أنّ سلطان تركيا، يرى في تغيير السياسة الفرنسية تهديداً على قدرة تأثير محافل خارجية مثله في الجاليات الإسلامية في أوروبا.

إنّ عرض باتي للكاريكاتور كان جزءاً من درس حول حرية التعبير، لكن لم يفهم الأمر بهذه الصورة، قتله بهذه الطريقة الوحشية والداعشية شكّل نقطة خلاف حول دور الإسلام المتطرف، الذي يشكّل خطراً على فرنسا، وبعد الحادثة، وردّاً على الإرهاب المتطرف، قال أصدقاء باتي؛ لن نتنازل عن هذه الكاريكاتيرات، وقال ماكرون إنّه ينوي البدء بإصلاحات تقود إلى ملائمة الإسلام مع نمط الحياة في فرنسا، أما أردوغان، الذي يرى نفسه في السنوات الأخيرة ممثلا ًللمسلمين والإسلام، ويريد إقصاء مكانة السعودية كمسؤولة عن الأماكن الإسلامية المقدسة؛ فإنّه لم يستطع المرور على تصريحات الرئيس الفرنسي مرور الكرام.

مقاطعة المنتوجات الفرنسية

 لقد دعا الرئيس التركي مواطني تركيا إلى مقاطعة المنتوجات الفرنسية، بعد بضعة أيام من إعادة ماكرون لسفيره من أنقرة، فرنسا تصدّر لتركيا بضائع بمبلغ 6.8 مليار دولار، مقابل استيراد بضائع من تركيا بمبلغ 7.5 مليار دولار، ومقاطعة فرنسا ستضرّ بالتصدير التركي أكثر من إضرارها بالتصدير الفرنسي، لكن عندما يدور الحديث عن الكرامة تغيب الأموال، ويدرك أردوغان تأثير المقاطعة التجارية فتركيا تعاني في هذه الأثناء من خطوة مشابهة من جانب السعودية التي يقدّر ضررها بأكثر من 3 مليارات دولار، ويمكن في الحقيقة عزو الخلاف الأخير بين أردوغان وماكرون إلى الاستعدادات التي يقوم بها الأخير للانتخابات الرئاسية، في نيسان (أبريل) 2022.

 لكن ثمّة بنية سياسية تحتية لا ترتبط باعتبارات سياسية داخلية للعلاقات المريرة بين الرئيسَين؛ فماكرون يقود الخطّ الأوروبي المتشدّد ضدّ التدخّل العسكري لتركيا في ليبيا؛ لأنّ تركيا تدعم الحكومة الليبية المعترف بها مقابل فرنسا التي تشكّل ركيزة عسكرية وسياسية للجنرال خليفة حفتر، فرنسا تدين وتهاجم تركيا أيضاً، بسبب غزوها لسوريا وحربها ضدّ الأكراد، بل وطلبت منها سحب قواتها من أذربيجان والتوقف عن مهاجمة أهداف بأرمينيا في المواجهة الحالية في إقليم ناغورنو قره باغ في القوقاز، وكذلك وقفت إلى جانب ألمانيا، ودول الاتّحاد الأوروبي الأخرى، إلى جانب اليونان وقبرص في موضوع التنقيب عن الغاز، الذي قامت به تركيا في البحر المتوسط في مناطق تعدّها أثينا جزءاً من حدودها الإقليمية المائية، تدفع باريس نحو فرض عقوبات على تركيا إذا لم تجلس على طاولة المفاوضات مع اليونان.

التنقيب عن الغاز والتدخل العسكري

 أما أردوغان فيرى في التنقيب عن الغاز والتدخل العسكري في ليبيا وسوريا وأذربيجان مكونات ضرورية في الإستراتيجية التي تستهدف ترسيخ مكانة تركيا كدولة عظمى، عالمية، وليس إقليمية فقط، وهو يبني محوراً سياسياً هدفه تقليص مكانة التحالف العربي المؤيّد لأمريكا، والذي بنته السعودية، ولا يخشى أيضاً من مواجهة مع روسيا في مسألة ناغورنو قره باغ، أو حتى مع الولايات المتحدة في مسألة شراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية، لكنّ طموحاته السياسية ليست الوحيدة التي تثير الحرب الثنائية بينه وبين فرنسا بشكل خاص، وأوروبا بشكل عام، فبين الرئيس التركي وفرنسا وقع خلاف كبير حول الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني، ومحاولة إجازة قانون يعترف بمسؤولية الإمبراطورية العثمانية، عن قتل نحو 1.5 مليون أرمني.

في خضمّ كلّ هذا؛ يتساءل المراقبون، في ظلّ ما يدور من أحداث حرجة؛ إلى أين يمكن لهذا النزاع بين أردوغان وفرنسا والاتّحاد الأوروبي أن يتدهور، في كانون الأول (ديسمبر) المقبل يتوقع أن تناقش بروكسل إمكانية فرض عقوبات على تركيا، بسبب التنقيب في البحر المتوسط، لكنّ ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ومالطا وهنغاريا تعارض العقوبات، خوفاً من أن تغرق تركيا أوروبا بملايين اللاجئين، ألمانيا، التي دانت أردوغان لتصريحاته تجاه ماكرون، تحاول تطوير حوار تصالحي مع تركيا، الذي من غير المؤكّد أن ينجح.

أردوغان، الذي يعاني اقتصاده من وضع سيّء، لديه كلّ الأسباب لحرف الانتباه إلى الخارج، خاصة أنّه يحاول تقديم نفسه كصوت مدافع عن الدين

 قد تفتح الانتخابات الأمريكية الطريق الذهبية لحلّ النزاع، شريطة أن ينتخب بايدن رئيساً للولايات المتحدة، لكن حتى إن كانت هذه هي النتيجة؛ فسيبقى لأروغان المزيد من الوقت للهجوم حتى حفل أداء اليمين، في كانون الثاني (ديسمبر)، وإلى ذلك  الحين أيّة ضمانة لرغبة بايدن كرئيس في طيّ ذراع الرئيس التركي، ستضطر أوروبا، كما يبدو، لمواجهة تركيا بنفسها بذخيرة متدنية إزاء رافعة ضغط وتهديد تمتلكها أنقرة.

 إنّ أردوغان، الذي يعاني اقتصاده من وضع سيّء، لديه كلّ الأسباب لحرف الانتباه إلى الخارج، خاصة أنّه يحاول تقديم نفسه كصوت مدافع عن الدين، ورغم إغضابه لفرنسا وعدد من الدول الأوروبية، إلا أنّ تصريحاته لقيت صداها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصّة الدول التي حكمتها فرنسا سابقاً كدولة مستعمرة، وعانت من حكم فرنسا، تلقّت دعوته لمقاطعة البضائع الفرنسية، تلك الأحداث أتاحت لأردوغان، الملتزم دينياً، فرصة لتقديم نفسه كمدافع عن الدين والمجتمعات الإسلامية حول العالم.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.israelhayom.co.il/article/814607



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية