لماذا لا ننجح في مواجهة الكراهية والتطرف؟

لماذا لا ننجح في مواجهة الكراهية والتطرف؟

مشاهدة

31/03/2021

في تحوّل التطرف إلى كراهية، يصعد دور الأفراد والمجتمعات في المواجهة؛ بل تكاد المواجهة الاجتماعية والثقافية مع التطرف والكراهية تكون هي الخيار الوحيد من أجل الخروج من الأزمات والصراعات، التي تعصف اليوم بكثير من الدول والمجتمعات، وتقضّ مضجع العالم.

لقد أصبحت المواجهة مع التطرف والكراهية أقرب إلى الثقافة، أو وعي الذات وتشكيلها، وفي ذلك، فإنّ المجال العلمي والموضوعي لفهم الكراهية والتطرف يتغير عما كان سائداً؛ فلم تعد علوم السياسة والاجتماع كافية إلا بمقدار ما تساعد في تشكيل الاتجاهات والمواقف الفردية والجماعية، وصار من فضول القول، إنّ الفكر الديني في الرد على المتطرفين لا يفيد إلا غير المتطرفين لأجل فهم التطرف، أما المتطرفون فإنهم لم ينشِئوا مواقفهم بناءً على فهم ديني خالص أو مستقل، أو اجتهاد ومحاولة للبحث والتفكير في التوجيه الديني، لكنهم اختاروا من النصوص والنماذج الدينية ما يشبههم، ويلائم اتجاهاتهم وحالتهم التي وجدوا أنفسهم فيها.

لقد أصبحت المواجهة مع التطرف والكراهية أقرب إلى الثقافة، أو وعي الذات وتشكيلها

وبالنظر إلى أنّ اتجاهات العنف والكراهية، والتسامح والخضوع، والاكتئاب والتمرد والاحتجاج والعزلة والمشاركة والانقياد، والمغامرة والنزعة إلى الانتحار، والقتل والإدمان والسادية (الاستمتاع بالإيذاء) والماسوشية (الاستمتاع بتلقي الإيذاء)، أو أمراض واضطرابات نفسية وعقلية وسلوكية، مثل: الانفصام، والنرجسية، والعدوانية، والقلق، والتوهم، ...إلخ، يمكن أن تتفاعل مع السلوك الديني والاجتماعي، أو تأخذ تمظهرات دينية واجتماعية، أو أن تكون الدافع إلى السلوك الديني أو السياسي، نفسياً أو بيولوجياً، تتشكل رؤى واتجاهات علمية وسياسية في مواجهة التطرف والكراهية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي وصناعة الكراهية

وأسوأ ما تقع فيه عمليات مواجهة التطرف الكراهية والعنف المنتسبة إلى الدين، الاعتقاد بأنّها عمليات استجابة ميكانيكية أو تلقائية لنصوص دينية يُساء فهمها أو تُفهم فهماً صحيحاً أو خاطئاً؛ ذلك أنّها نصوص موجودة منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام، ويفترض أن تؤدي إلى حالات متشابهة لدى أفراد مؤمنين بهذه النصوص، وفي مجتمعات وبلاد لا يحدث فيها تطرف وإرهاب، لكنّ أهلها يؤمنون بالنصوص الدينية نفسها التي يؤمن بها المتطرفون والكارهون، وليس المقصود بالطبع إعفاء تأويل النصوص خصوصاً من المسؤولية عن الكراهية، لكن التأكيد على أنه فهم جاء منسجماً مع اتجاهات شخصية ونفسية؛ فالمعتقدات والأيديولوجيات ليست عمليات عقلية أو ناشئة عن مجهود علمي وفكري، وإن كانت تستند إلى تراث فكري وفلسفي أحياناً؛ لكن معتقداتنا في الحقيقة تعكس شخصياتنا، أو هي جزء من هويتنا وميولنا، نحن ننحاز إلى المعتقدات والتأويلات التي تشبهنا.

تذكر الإحصاءات الرسمية في الأردن أنّ 114 شخصاً انتحروا عام 2015 وهناك حالات وفاة كثيرة لم تسجّل انتحاراً

تذكر الإحصاءات الرسمية في الأردن، أنّ 114 شخصاً انتحروا عام 2015، وبالطبع، هناك حالات وفاة أخرى كثيرة لم تسجل على أنّها انتحار، وهناك أيضاً جرائم قتل كثيرة من النوع الذي ليس قائماً على دوافع جرمية، لكنها تعود إلى أزمات نفسية أو عائلية، أو بغرض الانتقام والثأر، أو في شجار يبدأ بسيطاً ثم يتطور إلى جريمة قتل، وهناك حالات محاولات انتحار لا تتم، تزيد عن عشرة أضعاف عمليات الانتحار التي تمت بـ "نجاح"، أليس طبيعياً القول إنّ هؤلاء المئات الذين أقدموا على الانتحار أو القتل، مستعدون أو كانوا قابلين للمشاركة في عمليات انتحارية أو إرهابية ضدّ دولهم ومجتمعاتهم؟ مؤكد، بطبيعة الحال، أنّ الذين يعيشون حالات من الاكتئاب والنزعة إلى الانتحار والتهميش والعزلة والشعور بالظلم، مرشحون تلقائياً إلى أن يكونوا متطرفين قساة؛ فالذي يقسو على نفسه أو المقربين إليه، سيكون أكثر استعداداً للقسوة على الآخرين.

اقرأ أيضاً: الأصولية الإسلاموية المتطرفة والفكر التكفيري الإرهابي: محاولة للفهم

وبالنظر إلى التطرف والإرهاب حالة يمكن أن تعكس الأزمات النفسية والروحية والاجتماعية، فإنه لا يمكن تصديق جدية أو جدوى ما تفعله الحكومات والمجتمعات والأسر والمدارس والجامعات والمساجد والإعلام، مع استمرار التجاهل الرسمي والمجتمعي للعنف الكامن والراسخ والمنتشر والمتقبّل على نطاق واسع في الثقافة والسلوك والأسر والحياة اليومية والمناهج التعليمية، والكتب والتراث ووسائل الإعلام، والإدارة العامة والأسواق والعلاقات الاجتماعية، والتقبل الواسع للكراهية والتمييز تجاه الآخر من الأديان والمذاهب والفئات الاجتماعية والسكانية والإثنية والطبقات والأعمال والحرف والثقافات، سواء داخل الدولة والمجتمعات، بمعنى تجاه فئة من المواطنين أو خارجها؛ لأنه، وببساطة، لا يمكن فهم العنف المادي تجاه فئة أخرى إلا بالعنف الرمزي المؤسس له، فما من عنف مادي إلا وينشئه عنف رمزي!

هذه الأعمال العنيفة وما يغطيها من معتقدات وأفكار متطرفة كانت تؤسس لها منظومة متراكمة من كراهية الآخر

يغلب على القتلة، لأسباب سياسية أو دينية أو اجتماعية، أنهم أسوياء (غير مجانين)، ولا يفيد كثيراً في فهم الإرهاب تحليل شخصياتهم، وملاحظة النزوع إلى الانتحار أو الاكتئاب أو الكراهية أو النرجسية، رغم أنها نزعات ساهمت بالفعل في تكوين شخصياتهم وقراراتهم؛ كما لم يكن مفيداً ملاحظة الاتجاهات الأيديولوجية والسياسية لمرتكبي الجرائم ورصدها؛ فقد كنا على الدوام نُفاجأ بأشخاص غير متوقعين يرتكبون جرائم إرهابية فظيعة أو يلتحقون بالجماعات الإرهابية، ولم تُعرف أو تُكتشف اتجاهات ومواقف أيديولوجية متطرفة لكثير من مرتكبي الجرائم. وهذه الملاحظة أيضاً ليست للتقليل من أثر المعتقدات الدينية والأيديولوجية ودورها في ارتكاب الجرائم، لكن لملاحظة أن تحليل النزعات النفسية والأيديولوجية لم يكن مفيداً أو كافياً، على الأقل لمواجهة التطرف والإرهاب، كما لم يكن كافياً مواجهتهما بالتدابير الأمنية، أو لنقل بعبارة توفيقية: إن هذه الأعمال العنيفة بقسوة وجنون، وما يصحبها أو يغطيها من معتقدات وأفكار ومشاعر متطرفة، كانت تؤسس لها على الدوام منظومة واسعة متراكمة من الاشمئزاز والكراهية للآخر، بما هو ثقافة أو دولة أو إثنية أو طبقة أو مجتمع أو ديانة أخرى، والإعجاب غير العقلاني، والتقديس للذات بما هي التاريخ والحضارة والبلد والثقافة والدين، والنظر إلى كل ما يتعلق بالهوية على أنه صواب ومقدس لا يُسمح أبداً بالمساس به، ثم تعزز هذه الهوية بما هي ابتداء أنشئت إنشاء لحماية الذات بمعتقدات دينية، وتتحول إلى نصوص وعبادات وطقوس ورموز تختزل كل غرائز البقاء والدفاع عن الذات ومواجهة التهديد والخطر الذي هو الآخر، بغضّ النظر عن حالته أو صفته أو علاقته أو حتى معرفته بـ "الحرب على الدين والأوطان"، وماذا يمكن أن تفيد، في حالة الامتلاء بالشعور بالتهديد والخطر الماحق تجاه الآخر، محاولات المؤسسات الدينية والإعلامية للرد على القائلين بقتل المدنيين والأطفال والنساء، أو استهداف عموم الآخرين في أسواقهم ومساجدهم كما لو تراد إبادتهم!

اقرأ أيضاً: إيران.. الطائفية المؤدلجة والاعتدال الزائف

الصفحة الرئيسية