ماذا فعلت الخنازير والمستوطنات بعنب القدس؟

ماذا فعلت الخنازير والمستوطنات بعنب القدس؟

مشاهدة

05/09/2021

تمارس سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسة العقاب والقمع بحقّ مزارعي العنب في قرية بيت دقو، شمال غرب القدس المحتلة، بعد تراجع كميات الإنتاج بفعل الإجراءات الصهيونية التي تتعمد إلحاق الضرر بهم، وضرب مواسمهم الزراعية، لتعزيز التبعية الاقتصادية للاحتلال، وإغراق السوق المحلّية بالعنب الإسرائيلي، والذي تتمّ زراعته في المستوطنات ليكون بديلاً عن العنب الفلسطيني، وتكبيد المزارعين الفلسطينيين خسائر مالية باهظة.

وتقع قرية بيت دقو، التي تطل على الساحل الفلسطيني، على جبل يبلغ ارتفاعه 750 متراً شمال غرب القدس، وعلى بعد ثلاثة عشر كيلو متراً من المدينة المقدسة، ويبلغ عدد سكان هذه القرية الصامدة 2000 نسمة، ويعيشون على أرضاً مساحتها 8500 متراً مربعاً، حيث تنتزع مستوطنة "جفعات زئيف" جزءاً من أراضيها، كما يلتهم جدار الفصل العنصري جزءاً آخراً لأغراض حفظ الأمن، بحسب ادّعاء الاحتلال الصهيوني.

اقرأ أيضاً: هل ينجح "الإرباك الليلي" في اقتلاع المستوطنين من جبل صبيح؟

وينتشر في فلسطين ما يزيد عن خمسين صنفاً من العنب، ومن أهم الأصناف المزروعة، والتي تنتمي إلى العنب الأبيض؛ صنف الزيني والدابوقي والجندلي والسلطي وعين البقرة والبيروتي، في حين تنتمي أصناف البيتوتي والفحيصي والشامي والحلواني والبلوطي إلى قائمة العنب الأسود.

ينتشر في فلسطين ما يزيد عن خمسين صنفاً من العنب

ويعتبر العنب في فلسطين ثاني أكبر المزروعات، بعد الزيتون، ويساهم بنسبة 12.5% من الدخل القومي الزراعي الفلسطيني.

وكان وزير الزراعة السابق، الدكتور سفيان سلطان، قد قرّر، عام 2017، منع استيراد محصول العنب من الخارج، بهدف حماية المنتج المحلي، وتحقيقاً لهدف وزارة الزراعة بالحفاظ على ربحية المزارع الفلسطيني، إلا أنّ هذا القرار لم يمنع إغراق الأسواق الفلسطينية بالمنتجات الزراعية الإسرائيلية، من بينها العنب.

أبرز المشكلات التي تواجه مزارعي العنب، في بيت دقو بوجه خاص والضفة الغربية بوجه عام، تتمثّل في ارتفاع مدخلات الإنتاج، وعدم تنظيم الأسواق، والمدّ العمراني، والاستيطان الإسرائيلي

وخلال عام 2017، نفذت المجموعة العربية لحماية الطبيعة، بالتعاون مع جمعية النهضة الريفية لقرى شمال غرب القدس، عدداً من المشاريع التنموية، ضمن برنامج المليون شجرة الثالث، دعماً للمزارعين المقدسيين، حيث زرعوا 3 آلاف و500 شجرة مثمرة من العنب والزيتون واللوزيات في قرية بيت دقو.

وبحسب بروتوكول باريس الاقتصاديّ، والذي تمّ توقيعه بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل عام 1994، وعُدَّ حينها جزءاً من اتفاقيّة أوسلو الثانية، نصّ على ربط الاقتصاد الفلسطينيّ بالضفّة الغربيّة وقطاع غزّة بالاقتصاد الإسرائيليّ، إضافة إلى وضع إسرائيل يدها على المعابر والحدود والموانئ، بحيث لا تتمّ المبادلات التجاريّة بين السلطة الفلسطينيّة والعالم، إلاّ من خلال إسرائيل، ورأى المختصّون أنّ الاتفاقية أضرّت كثيراً بالاقتصاد الفلسطينيّ وكبّدته خسائر فادحة.

الخنازير البرية

بدوره، يقول عضو مجلس قروي بيت دقو، الدكتور مسعود ريان، لـ "حفريات": إنّ "إجمالي مساحة الأراضي المزروعة بالعنب بالقرية تقدر بثلاثة آلاف دونم، وقدّر إنتاجها من العنب في ثمانينات القرن الماضي ما يقارب 800 طن سنوياً، حيث شهدت تلك الفترة انتعاشاً اقتصادياً للمزارعين بعد تصدير منتجاتهم إلى أسواق عدد من الدول العربية، مثل الأردن والسعودية والكويت، إلا أنّه منذ مطلع عام 2000 بدأ إنتاج العنب في بيت دقو بالتراجع، حتى وصل خلال العام الحالي (2021) إلى ما يقارب 200 إلى 300 طنّ".

مسعود ريان

ولفت مسعود إلى أنّه "على الرغم من مصادرة سلطات الاحتلال لأراضٍ تبلغ مساحتها بين 500 إلى 800 دونم من أراضي القرية التي تقدر مساحتها 8 آلاف دونم، إلا أنّ ذلك لم يمنع سكان القرية من مواصلة الاهتمام بزراعة العنب وزيادة المساحة المزروعة، حتى بات العرض يفوق كمية الطلب، نتيجة لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تمنع القرية من تسويق العنب وتصديره نحو الأسواق الخارجية، أو التي تقع في مدينة القدس، واقتصار تسويقه داخل أسواق مدينة رام الله ونابلس".

اقرأ أيضاً: هل تتراجع إسرائيل حقاً عن إقامة مستوطنة على جبل صبيح في الضفة الغربية؟

وتابع: "الاحتلال الإسرائيلي يتعمّد تضييق الخناق على مزارعي بيت دقو، من خلال إطلاق الآلاف من الخنازير البرية داخل أراضي سكان القرية المزروعة بالعنب لتدمير محاصيلهم، وتقليل الكميات المنتجة، إضافة إلى لجوء المستوطنين لزراعة كميات كبيرة من الأراضي التي تمّ الاستيلاء عليها وضمّها للمستوطنات والبؤر الاستيطانية في مناطق الأغوار بأشجار العنب، والفواكه المختلفة، وذلك في محاولة إسرائيلية للتضييق على سكان القرية، ودفعهم للعزوف عن هذه الزراعة وترك أراضيهم".

قضية وطنية

وأكّد ريان أنّ إغراق الأسواق الفلسطينية بالعنب الإسرائيلي "ساهم بشكل كبير في عدم قدرة المزارعين في بيت دقو على بيع محاصيلهم وتصريفها، الأمر الذي دفع بالعديد منهم للتوجه نحو بيع ورق العنب لتغطية جزء من تكاليف الإنتاج"، مبيناً أنّ "إحدى الجمعيات المحلية أسّست مصنعاً بدائياً صغيراً لإنتاج ما يعرف بـ "دبس العنب"، تعمل فيه بعض النسوة داخل القرية، إلا أنّ كمية الإنتاج محدودة وقليلة".

رئيس مجلس العنب والفواكه الفلسطيني فتحي أبو عياش لـ"حفريات": العنب الفلسطيني يختلف من حيث الشكل والنوع عن العنب الإسرائيلي، ومن السهل على المستهلك الفلسطيني تمييزه

وبيّن عضو المجلس القروي؛ أنّ "معاناة مزارعي العنب في بيت دقو باتت قضية وطنية تتطلب تكاثف الجميع حولها، لمساعدة مزارعيها على الاستمرار والبقاء داخل أراضيهم، من خلال المساعدة الجادة على مكافحة الخنازير البرية التي تشكّل الخطر الأكبر على محاصيل العنب بالقرية، إضافة إلى ضرورة تخصيص أسواق محلية لبيع الإنتاج، وكذلك دعم المزارعين بفتح المجال أمامهم لإدخال بعض الصناعات المتعلقة بمشتقات العنب؛ كإقامة مصانع للعصير والدبس وورق العنب وغيرها".

ويرى فتحي أبو عياش، رئيس مجلس العنب والفواكه الفلسطيني؛ أنّ "مساحة الأراضي المزروعة بالعنب في فلسطين تبلغ 63 ألف دونم؛ 37 ألف دونم تقع في مدينة الخليل وحدها، و15 ألف دونم في بيت لحم، و7 آلاف دونم في قطاع غزة، وألف و400 دونم في الأغوار الوسطى والمناطق الشمالية؛ إذ بلغ إنتاج تلك الدونمات خلال الأعوام الماضية ما يقارب 55 ألف طن، فيما لم يتجاوز إنتاجها في العام الحالي الـ 27 ألف".

 فتحي أبو عياش

ويضيف أبو عياش، لـ "حفريات": "موسم حصاد العنب في بيت دقو مستمرّ، منذ بداية تموز (يوليو) وحتى منتصف أيلول (سبتمبر) الجاري، وتنتج القرية صنفين من العنب، هما الدابوقي والبيتوني، ويعاني مزارعو القرية، كبقية المزارعين في مناطق الضفة الغربية المحتلة، من إغراق الأسواق الفلسطينية بالعنب الإسرائيلي، والتي تعدّ من أهم الأسباب التي تشكّل عائقاً كبيراً أمام تسويق العنب، تحديداً في ذروة الإنتاج".

اقرأ أيضاً: منزل عائلة فلسطينية في رام الله وحيداً في مواجهة المستوطنين

ولفت إلى أنّ "العنب الفلسطيني يختلف من حيث الشكل والنوع عن العنب الإسرائيلي، ومن السهل على المستهلك الفلسطيني تمييزه، للعزوف عن شراء الإسرائيلي، ودعم المنتجات المحلية من العنب ومساندتها؛ حيث يعدّ العنب الفلسطيني من الأنواع البذرية وترتفع فيه نسبة السكر بشكل كبير، ويتميز بلونه المختلف، وحبّاته غير المتناسقة، بينما العنب الإسرائيلي هو لا بذري وتنخفض نسبة السكر فيه، وتكون عناقيد العنب متناسقة".

خسائر فادحة

يذكر أنّ المردود المالي من إنتاج العنب للمزارع الفلسطيني محدود جداً؛ "حيث تبلغ تكلفة بيع الكيلو الواحد من العنب قبل وصوله للسوق 2 شيكل إسرائيلي (٠.62) دولار أمريكي، كما يتكبّد المزارع ما نسبته 10% من هذا المبلغ كرسوم متنوعة"، مؤكداً أنه "طالما بقيت المنتجات الزراعية الإسرائيلية تغرق الأسواق الفلسطينية، سيبقى المزارعين الفلسطينيون يعانون من ضعف التسويق، بالتالي، إلحاق الخسائر الفادحة بمحاصيلهم، ومن بينها العنب".

وعن أبرز المشكلات التي تواجه مزارعي العنب، في بيت دقو بوجه خاص والضفة الغربية بوجه عام، بيّن أبو عياش؛ أنّها تتمثّل في "ارتفاع مدخلات الإنتاج، وعدم تنظيم الأسواق، والمدّ العمراني، والاستيطان الإسرائيلي وشقّ الطرق الالتفافية من الأراضي الزراعية، وهو ما يتطلب وقوف الجهات الرسمية الفلسطينية إلى جانب المزارعين، وتعزيز الرقابة الزراعية على العنب الإسرائيلي، لمساندة ودعم صمود المزارعين الفلسطينيين".

الصفحة الرئيسية