ماذا فعلت بنا ثقافة الكمّ؟

ماذا فعلت بنا ثقافة الكمّ؟

مشاهدة

10/02/2021

تتناهى الوفرة إلى إدراكنا حين يحضر الكمُّ بقصدٍ أو غير قصدٍ في حوارٍ أو حديثٍ ما، بما يضمره الكمُّ من الكثرة والوفرة، فحين ينقص الإنسان كلُّ شيءٍ، كما في مجتمعاتنا، لا بد أن تدغدغ الكميّةُ مخيلتَهُ الجائعة، وقد لا يتوقف الأمر عند ذلك، فالكميّة كانت ومازالت مقياساً اجتماعياً بارعاً في تحديد مكانة وقيمة كلّ شخص، ولكن هذا المقياس تجاهل عن عمدٍ القيم الأخلاقية والتشاركيّة للفرد، فالمرويّات تتفق كلّها على أنّ التاريخ سُطّر بذهب الملوك لا بعرق ودماء الشعوب، فالحروب التي اشتعلت على صفحاته وشكّلت الجانب المشرق فيه، أكدت بما يقطع الشكّ أنّ قيمة الإنسان تتحدد بما يملك، وهذا ما أتاح للمُلكيّة أن تعيّن الملوكَ على كلّ عروش تاريخها، فالملك الذي يملك الجزء الأكبر من كل شيء أو كل شيء، لن يبقى لملكيته معنى إن فقد ممتلكاته، وبهذا لعب الكمّ حتى الآن الدور الحاسم في تعيين الوجود ورسمه، مختبئاً دائماً في العباءة الأخلاقية التي خلعها الملوك على رعيتهم، والمتسلطون على مقهوريهم.

لم تنجح الكثرة الملتبسة داخل العقل الكمّي الذي أنتجه التاريخ، من خلق الرفاه والسعادة بل تمكّنت من مضاعفة الخوف والقلق خشية فقد أو نفاد ما نملكه

لم تنجح الكثرة الملتبسة داخل العقل الكمّي الذي أنتجه التاريخ، من خلق الرفاه والسعادة والشعور بالرضى، بل إنها تمكّنت فقط من مضاعفة الخوف والقلق خشية فقد أو نفاد ما نملكه، وهذا ما جعل تاريخ البشرية تاريخ نزاع حول حدود الملكيات وكميتها، وتاريخ أطماع ومصالح وطموحات شكّلت بمجملها الصورة الأعتى لعبودية الإنسان، ووضعت الإنسان المعاصر المغترب والمنقسم على ذاته في الطّور الأخير للوثة التملك؛ إذ إنّ تغذية النزوع الاستهلاكي العام للأفراد والمجتمعات جعل من الكمّ الحصنَ الوحيد الذي تحتمي به، كما جعل هذا النزوع من الشعور بالأمان مرتبطاً ارتباطاً حتمياً بمراكمة الملكيّة، وتوسيع حدودها على حساب الإنسانيّة، التي تمّ تقليصها داخل هذا الشعور المزيّف بالأمان إلى حدودها الدنيا، حيث لم يسهم التملّك إلّا في مضاعفة الخشية والقلق والحرص والحروب، الحروب التي كلما ارتفعت أرقام ضحاياها ارتفعت أسهم مستثمريها، لقد سممّت النزعة التملكيّة الحياة وجعلت منها لعنةً على الجميع.

اقرأ أيضاً: عن وهم الحرية.. ما الفرق بين صناعة القرار واتخاذه؟

على مستوى آخر تثير مقارنة الإنسان بالقرد تحفظات الكثيرين، وتُعتبر هذه المقارنة إهانة لإنسانيتنا وحطاً من منزلتنا؛ حيث أثبتت الدراسات الحديثة أنّ نسبة التشابه الجيني بيننا وبين الشامبنزي تصل إلى 96%، وهذه الأربعة بالمئة المتبقيّة هي فقط كل ما يشكّل نقاط الاختلاف بيننا، إننا نذهب مباشرةً إلى كمّ التشابه الذي يصل إلى 96% لأننا نرى العالم كميّاً، في الحقيقة إنّ موقفنا من هذه النسبة يشكل حدود وعينا الكمّي، الذي يغفل 4% وهو الفرق النوعي الذي يتعلّق ببنية وعينا وإدراكنا لا في التشابه الكمّي بيننا، ما أقصده أننا مبرمجون على الرؤية والمحاكمة الكميّة، مما يعزز ثقافة التشابه لا ثقافة الاختلاف، وهذا يعود إلى أنّ الأنظمة التربوية التي رافقت تطور الإنسان، والتي خدمت البنى التسلطيّة لتاريخ يجرّ الجميع فيه عربة الملك، تعتمد منهجيّة التربية على الكمّ، لقد ساهمت هذه التربية بصورة فعّالة في إعاقة الحياة وخنقها.

اقرأ أيضاً: من أين تبدأ رحلة الملل؟

تغذي التربية على الكمّ النزعات القبلية، التي من المفترض أن تضمر في جسد الحضارة لصالح ارتقاء الإنسان وتطوّره، هذه التربية التي تعتمد نظام الإزاحة الدائم ضمن سلّم القيم الكميّة، أتاحت وتتيح لمفاهيم التنافس والإقصاء أن تصبح نموذج العلاقات الاجتماعيّة ومحدداً لها، بدءاً من نظام العلامة الذي جعل من حقل التعليم تهيئة وتدريباً لدخول سوق العمل، وليس انتهاءً بكم المواد الدراسية وكثافة المعلومات التي تُفقر الجانب المعرفي عند الطفل، فالعلامة الدراسيّة ليست في النتيجة سوى مؤشر على قدرة الطالب على التحصيل المعلوماتي وليس المعرفي؛ أي الكمي وليس النوعي، وهي تشجع ضمناً على أن يذهب الجميع في اتجاهٍ واحد، أقصد الجهة التي تم تعيينها سلفاً في رغبات الأهل والمجتمع، دون أن يكون للطفل دوراً أو رغبة حقيقية في أن يكون نفسه، كما أنّ هذه الجهة التي يتزاحم عليها الجميع، ستكون سبباً حاسماً في تغذية مناخات النزاع، عبر شرعنتها المستمرة لامتياز المكانة والتفوق والتفاوت، الكل سيصبح فيما بعد ما لايريد أن يكونه، كما سيكون مستعداً للتضحية في سبيل كل المعتقدات والمُثل التي تلقنه إياها القيم الكميّة.

ما يحركنا اتجاه حدثٍ ما هو الكمّ وليس إنسانيتنا وإلا لكانت صرخة طفلٍ واحد قادرة على أنسنة وجه العالم

إنّ تشجيع السلوك الكمّي الذي تم التأسيس له في الطفولة، تغذيه بشكلٍ مستمر القوى المهيمنة، عبر تعزيز النزوع الاستهلاكي العام للأفراد، والذي يشكل عاملاً حاسماً في تراكم ثرواتها واستمرار سيطرتها، وبينما حُمّى الشراء تثقب الجمجمة البشرية، تصبح الثروة والشهرة مبررين كافيين لوجودٍ تمّ اختزاله في أقدام نجوم كرة القدم والممثلين وعارضات الأزياء، أو في آخر مواصفات وصيحات الفضاء التقني، فالجميع يحلم أن يكون هناك داخل كمّ هائل من المعجبين والمتابعين والمشاهدين، وداخل كمّ هائلٍ من الإضافات التقنية العظيمة، التي قد يدفع الإنسان كل شيء لتملّكها، لكن داخل هذه الحُمّى لن يحظى أحد بالسكن داخل نفسه والشعور بالرضى، إننا نتحوّل في هذا الواقع الافتراضي إلى نوعٍ من المستهلكين العدميين الذين لم يعد يعنيهم الوجود، بل صورته الملوّنة التي تطبعها الأرقام.

اقرأ أيضاً: ما الغاية من محو ذاكرتنا؟

يقول  "أنطوان دو سانت أكزوبيري" في كتابه "الأمير الصغير": "الراشدون يحبون الأرقام، وحين تحدّثهم عن صديقٍ جديد فهم لا يسألونك قط عن الأمور الجوهرية، لا يقولون لك أبداً كيف هي رنّة صوته؟ ما هي ألعابه المفضلة؟ هل يجمع الفراشات؟ بل يسألونك كم عمره؟ كم عدد إخوته؟ ما وزنه؟ كم دخل أبيه؟ وعندها فقط يظنون أنهم عرفوه". ما يريد قوله أكزوبيري أنّ التواصل الكمّي حلّ مكان التواصل الإنساني، فهناك تناسبٌ طردي ما بين مشاعرنا والأرقام، شكّل علاقة كمية حميمة، فما يحركنا اتجاه حدثٍ ما هو الكمّ وليس إنسانيتنا، وإلا لكانت صرخة طفلٍ واحد قادرة على أنسنة وجه العالم.

الصفحة الرئيسية