ما الغاية من محو ذاكرتنا؟

ما الغاية من محو ذاكرتنا؟

مشاهدة

23/11/2020

في قصة "الأحلام الذهبية" للأطفال، قررت لونا بيع ضفائرها، كانت الشمس قد أوحت لها في حلمها أنّ شعرها أسلاك من الذهب، فالجدّة المريضة المحتاجة إلى الدواء، والأب الذي اختفى وراء طلب الرزق بعد وفاة والدتها، لم يتركا لها خياراً سوى أن تقص ضفائرها الشقراء لتبيعها، وما حدث في السوق أنّ الجميع رغب عن ضفائرها، إمّا بحجّة أنهم لا يتعاملون مع هكذا بضاعة، وإمّا بالنفي والاستهجان، أو الحزن على ضفائرها المقصوصة، لكنّ المفاجئ أنّ أحداً منهم لم يسألها: لماذا تريدين بيع ضفائرك؟ ربما كثيرون لم يسمعوا بهذه القصة كونها ليست مشهورة، ولكن لا أعتقد أنّ هناك من لم يقرأ أو يسمع بقصة بائعة الكبريت، فمن حيث المبدأ، كلا الفتاتين فُرض عليهما ما قامتا به، كما لم يكلّف أحدٌ نفسه في القصتين سؤالهما، لماذا تعملان ما تعملان؟

الدوران السريع لعجلة الأحداث، أدى إلى ضعف بالمشترك الإنساني الذي يتعذّر نموه في حيّز اللامبالاة والإهمال والتقصير

يبدو أنّ التراجيديات تتعمّد إخفاء الأسباب لصالح المشكلة، بمعنى أنها تقتبس طريقة تفكيرنا العاطفي، والذي تتفجّر انفعالاته فقط عندما يصطدم بالمشكلة؛ فغياب إدراك العلاقة السببية يورطنا بالكثير من الحزن والألم، الذي كان يمكن تفاديهما بيسرٍ لو أنّ أحداً ما كان قد انتبه، ما يعنيه هذا: أنّنا نهدر التراكم في التجربة الإنسانية، لنعيد إنتاج المشكلة نفسها، دون أن يرتقي الوعي الإنساني من خلال تجاوزها، وهذه المراوحة في المشكلة تتكشّف عن عرضٍ جوهريّ، يتبدّى في تغييب الجوانب العقليّة للواقع وإجهاضها، ضمن حرب الإملاءات العقائدية على الأفراد وتسطيح إدراكاتهم.

 يمكن لنا ربط اغتراب الإنسان عن الواقع، باغتراب النتائج عن الأسباب، وهذا قد يشكّل منفذاً يساعد في  تقصّي الوقائع، وتأكيد الجذور المشتركة للمشكلة رغم التباين المكاني لحدوثها، ولهذا قد تعكس مشكلة ما في مجتمع ما كالمجتمع السوري مثلاً الخللَ في كل مكان، ومسؤوليّة الجميع عن حدوثه، كأن يشتكي الجميع في صفٍّ مدرسيٍّ من صخب وشغب تلامذته، هذا يجعل الأطفال مدانين بالإجماع، بالمقابل لم ينظر أحدٌ من المعنيين إلى أنّ المشكلة لا تكمن في الأطفال، وإنما في عددهم الكبير الذي تجاوز الأربعين، في صفٍّ لا يستوعب في حدوده القصوى سوى عشرين طفلاً، فحشر هؤلاء الأطفال في هذا المكان، ثم أن نتوقع سلوكاً مختلفاً منهم، إشارة واضحة إلى أنّ الخلل يكمن في عدم ردّ النتيجة إلى السبب، لقد عولجت مشكلتهم بكل الطرق الخاطئة، الطرق التي تضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى وأخرى.

اقرأ أيضاً: لماذا يُفكّر أطفالنا بالهجرة إلى المريخ؟

الاستخفاف الذي يخدش الإنسانية في المشكلة السابقة، يجرحها في مشاكل أكثر حدة، كجريمة اغتصاب الطفل السوري على أيدي مجموعة شبان لبنانيين محسوبين بحكم طائفتهم على حزب الله، وإن كانت المشكلة السابقة لم تتجاوز أسوار المدرسة فإنّ هذه الجريمة أشعلت المحطات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي، كما تشتعل النار في الهشيم، ولكن نار الهشيم سريعة الانطفاء أيضاً، فماذا تبقى من تلك الجريمة بعد هذا الوقت القصير نسبياً من ارتكابها؟ ومن فكّر بالعودة إليها بعد أن انطفأت على مواقع التواصل؟ ومن يعلم أنّ الأم قد أسقطت حقّها عن الجريمة التي تعرّض لها طفلها، فاستنكار الجريمة أو استهجانها والمطالبة بإعدام مرتكبيها أو حالات التعاطف التي أغرقت صفحات مواقع التواصل، كل هذا لم ينتزع حقّ هذا الطفل ويعيد إليه إنسانيته المغدورة؛ فالأسئلة الصحيحة التي كان يمكن لها أن تشير إلى الجناة الحقيقيين بقيت غائبة: لماذا هذا الطفل ليس في المدرسة؟ لماذا يعمل في معصرةٍ وهو في هذه السن؟ ولماذا هو في لبنان أساساً؟  

 يُعاد المشهد دائماً بغياب الأسئلة الصحيحة، فعندما تُرتكب تسع جرائم شرف في محافظة السويداء السورية  في فترة وجيزة، على الرغم من صدور قانون إلغاء العذر المخفف للعقوبة بحجة غسل العار، فهذا لأننا ما زلنا نتناول النتيجة مفصولة عن أسبابها، ومازلنا ندين الأفراد في كل مرّة ولا ندين المنظومات التي شكلتهم، فهذه المنظومات: التربوية، الاجتماعية، الدينية، الاقتصادية، السياسية، سوف تستمر في تفريخ أفراد يعيدون إنتاج الجريمة، ما دامت أصابع الاتهام والإدانة، وعدم الفهم العميق للواقع وتناقضاته، تُشير جميعاً إلى الجهة الخاطئة.

العالم الذي ترسم خرائطه المصالح والعقائد، ستكون كل إجاباته كاذبة، لقد انتزعنا منه البراءة والدهشة والصدق

كما أنّ الدوران السريع لعجلة الأحداث، أدى إلى ضعف حاد ومزمن في الذاكرة؛ أي إلى ضعفٍ بالمشترك الإنساني، الذي يتعذّر نموه في حيّز اللامبالاة والإهمال والتقصير، وهذا ما يؤسس للاغتراب كأحد الانشغالات الرئيسيّة للأفراد في مجتمعات يحكمها العنف والمجانيّة، فمع اغتراب الإنسان يبدأ توحشّه، كما يبدأ انحرافه عن الذاكرة الإنسانيّة المشتركة، بغضِّ النظر عمّا يحرفها، فعندما تختصر سرعةُ الأحداثِ المشكلةَ إلى جزئيةٍ عارضةٍ، ستنجح في إقصاء النتيجة عن أسبابها، وفي تسطيح المشكلة وإفراغها من مضمونها؛ إذ إنّ تداولها فائق السرعة ضمن الفضاء الواقعي أو الافتراضي، سيجعل من ضعف الذاكرة وقصرها الطريقَ الأقصر إلى العنف والتوحّش، فحدث اليوم يمحوه حدث الغد، والإنسانية التي لا تتذكر أخطاءها سيصبح الخطأ ذاكرتها.

الاتصال الخاطئ، كما يشير إليه فيلم "بي كي" عبر شخصية الممثل الهندي "عامر خان"، يحدث لأنّ الرقم الذي طلبناه لم يكن صحيحاً، هناك دائماً من يعمد إلى تشويش اتصالنا بالواقع، فهذا التشويش الذي يحرف الأسباب عن النتائج، يفرغ الأسئلة من جدواها، ولكن "بي كي" في زيارته لكوكب الأرض، أعاد طرح الأسئلة الصحيحة، وبهذا هدد جميع مسلّماتنا ويقينياتنا الفارغة، فهو القادم من كوكبٍ يقوم على علاقات مختلفة، علاقات يمكن أن نعثر عليها في كوكبنا فقط بين الأطفال قبل أن نبدأ بتشويههم، إنها صرخة البراءة في مواجهة عالمٍ لا يحتملها، فالعالم الذي ترسم خرائطه المصالح والعقائد، ستكون كل إجاباته كاذبة، لقد انتزعنا منه البراءة والدهشة، انتزعنا الصدقَ بما هو الطريق المباشر إلى الحياة والحبّ، لقد أصبحت القواميس والأوثان أسياد عالمنا، ومن لا ينصاع يغادر اللعبة، لقد غادر "بي كي كوكبنا" بعد أن علّمناه الكذب، ولم نتعلم منه الحبَّ، أو الطفلَ الذي هو طوق نجاتنا الأخير.

اقرأ أيضاً: كيف نصبح أرقاماً على عدّاد الوفيات؟

الصفحة الرئيسية