كيف نصبح أرقاماً على عدّاد الوفيات؟

كيف نصبح أرقاماً على عدّاد الوفيات؟

مشاهدة

08/10/2020

المثل الصيني القديم: "يختبئ الحظ الجيد في السيئ"، قد يكون إشارةً جيدةً، نقرأ من خلالها الحرص الذي تبديه الكثير من المجتمعات والهيئات والمنظمات على سلامة الإنسان وصحته، بعدما بدأ فيروس كورونا بقضّ مضاجع المجتمعات في عالم اليوم، وهذا ما يفترض أن يعيد الإنسان إلى مكانه الصحيح باعتباره غايةً بحدّ ذاته، ولكن هذا الحرص أيقظ أسئلةً كثيرة، وضعت كل ما يدور محلّياً وعالمياً بدائرة الشك، إثر التناقض بين الحس الإنساني الذي ظهر فجأةً لمواجهة هذا الفيروس، وغيابه الطويل والمستمر أمام الحروب والمجاعات والفقر والعنف والأمراض الأخرى التي تفتك بالبشرية، وما يدعم هذا الشك الإحصائيات التي توثّق شلال الموت المتدفق في أفق البشرية.

 

الأمم المتحدة بإحصائياتها الدقيقة تعرف أنّ كورونا ليس السبب الأهم الذي يحصد الأرواح في هذا العالم، مقارنةً بمعدلات الموت بالجوع والفقر والعنف

 

فبحسب موقع "ورلد ميتر" المتخصص في رصد إحصاءات الوباء ومواضيع مختلفة، تخطّى إجمالي عدد وفيات كورونا حول العالم في نهاية شهر أيلول (سبتمبر) الماضي عتبة المليون شخص، بالمقابل يخبرنا الموقع نفسه وبنفس التاريخ عن 8 ملايين و386 ألف و61 شخص توفوا بسبب الجوع، وعن وفاة 5 ملايين و699 ألف و418 طفل في عمر أقل من 5 سنوات، أما الذين انتحروا فهم 804 آلاف و73 شخصاً، والوفيات بسبب أمراض المياه والأمراض المعدية والملاريا فقد تجاوز المليوني شخص، وإجمالي الوفيات بسبب الإيدز مليون و260 ألف و497 شخصاً، بالإضافة لضحايا حوادث النقل وهم مليون و12 ألف و187شخصاً، أما ضحايا العنف بكافة أشكاله، فربما بات من الصعب حصرها ضمن إحصائيات.

اقرأ أيضاً: إلى متى سيبقى القمر في بيت متاعبنا؟

لا يمكن إلّا أن تُصاب بالرعب وأنت تنظر إلى الأرقام المتسارعة على عداد "ورلد ميتر" المحدّث آنياً، فإذا أردت مثلاً توثيق عدد وفيات الجوع في العالم، فعليك أن توثق التاريخ بالدقيقة؛ لأنه بعد دقيقة من أخذك للإحصاء هناك ضحايا جدد وأرقام جديدة، والأكثر رعباً حين ترى في هذه الأرقام وجوه الأبرياء وأرواحهم التي تتهاوى من العنف والجوع والمرض، في اللحظة ذاتها التي تجلس فيها متسمّراً على كرسيك، عاجزاً عن إيقاف هذا التدفق للأرقام ولو بكلمةِ: انتظر أو توقف لمقدمٍ على الانتحار، سينتقل بعد ثانية من عِدادِ الأحياء إلى عدّاد الأرقام الذي أمام عينيك.

اقرأ أيضاً: لماذا جعلوا منك وحشاً؟!

هذه النسب التي يوثّقها الموقع لا تقلل من خطورة فيروس كورونا، بل تجعله رقماً آخر يضاف إلى الأرقام التي يحصدها النقص في هذا العالم، والتي يساهم البشر بجديةٍ وإصرار في استمرارها وزيادتها، فالعالم الذي تحكمه الأرقام اليوم، هو مجرّد قاعدة استهلاكية لعالم آخر يصنع الأرقام، وهذا ما يجعل من الحسّ الإنساني اتجاه كورونا، والذي يُفترض فيه ألّا ينفصل عن إحساسنا نحوَ موتى الجوع والفقر والعنف، إحساساً مزيفاً، يستثمر فيه الكثيرون مصالحهم خفية وعلانية.

اقرأ أيضاً: مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟

قد تكون الأنانيّة المستثمر الأهمّ في هذا السياق، إذا ما اعتبرنا أنّ تسونامي الخوف الذي سببه كورونا قد لا يكون تجاه الإنسان، بل تجاه المصالح التي تضررت جرّاءه، بينما الخوف الشخصيّ والمبرّر للأفراد، يجعل من الآخر مصدراً محتملاً ودائماً لنقل الفيروس، وهذا ما  قد يساهم بشكل خفيّ في تجفيف الروابط الاجتماعيّة، بدافع الحرص على السلامة الشخصيّة والعامّة، مما يشكل في المجمل تعزيزاً إضافياً لآليات الخوف وعدم الثقة المتبادل بين الجميع في الوقت الذي نحن بأمس الحاجة للوقوف مع بعضنا البعض.

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا

فما الذي يمكن استشفافه من مناشدة الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو غوتيريش" بوقف إطلاق النار في مختلف أنحاء العالم للمساعدة في الحد من تفشي فيروس كورونا، هل حقاً تتعلق هذه المناشدة بالحس الإنساني، أو الحرص على الإنسانيّة؟ فالأمم المتحدة بإحصائياتها الدقيقة تعرف أنّ فيروس كورونا ليس السبب الأهم الذي يحصد الأرواح في هذا العالم، مقارنةً بمعدلات الموت بالجوع والفقر والعنف، ولا أعتقد أنّ هناك ما هو أكثر بديهية من أنّ الأسلحة التي يصنعها مُمولو الأمم المتحدة تتفوق بلا منازع  في حصد الأرواح.

اقرأ أيضاً: لماذا لم نتعلم كيفية العد إلى عشرة؟

في 2019 صرّحت منظمة "أنقذوا الأطفال الخيرية" أنّ أربعة ملايين ونصف المليون طفل دون سن الخامسة يعيشون في مناطق نزاع، منها اليمن وليبيا وسوريا والسودان، يحتاجون إلى علاج  بسبب سوء التغذية الحاد، لكنّ معظم هؤلاء الأطفال لن يحصلوا على العلاج اللازم، وهذا ما جعلها تطلق تحذيرها: أنّ أكثر من نصف مليون طفل سوف يموتون. بالطبع ليس كورونا 2020 من يقف وراء جوعهم وموتهم، إنها الحرب، الحرب التي تسبب الجوع دائماً، والجوع الذي يسبب المرض، والنسبة الأعلى من الضحايا هم الأطفال الذين لم يساهموا من قريبٍ أو بعيد في إشعال فتيل الحروب في هذا العالم، ولكنهم ينالون دائماً النصيب الأكبر من هداياها!

 

لم نلمس أي إجراء حقيقي لحماية 909 ملايين إنسان في العالم مِن المتوقع أن يعانوا من نقص التغذية بحلول 2030

 

منَ الصعب على المُتخمين أن يشعروا بما يشعر به الجائعون، خاصةً إذا ما اطّلعنا على عداد "ورلد ميتر"، وقرأنا حجم الإنفاق على برامج إنقاص الوزن، بينما هناك 113 مليون شخص، على الأقل، حسب تقرير للأمم المتحدة في 2019، يعانون من جوع حاد في 53 دولة جراء الحروب والكوارث المناخية، هذه الأرقام الفلكية لكلا الجهتين، الجوعى والمتخمين، هي في النهاية محصّلة المصالح التي ترسم حدود العالم، والتي لا تعني أغلبية سكان الأرض، ولكن هم فعلياً من يسددون ثمنها مع باقي الكائنات الحيّة، التي استباح الجشع البشري وتسلّطه عالمها، فالميزانيات الهائلة التي تُنفق على صناعة السلاح، بإمكانها أن تحلّ كل المشاكل العالقة في هذا الكوكب، لو أنها صُرفت في المكان الصحيح، وهذا ما يجعل من التصدي لكورونا تصدياً عبثياً، طالما من يديرون الحروب في هذا العالم هم أنفسهم من يديرون ملف كورونا ويستثمرون فيه.

اقرأ أيضاً: "السوار الأرجواني"...هل هو حلّ لتذمّرنا؟

فبينما استثار فيروس كورونا الهمم النشطة للمجتمعات كافةً للحد من انتشاره أو وقفه، بالمقابل لم نلمس أي إجراء حقيقي لحماية 909 ملايين إنسان في العالم، مِن المتوقع أن يعانوا من نقص التغذية بحلول 2030، أي قرابة مليار جائع سيكونون ثمرة توغل البشرية في التقدم المفرط، ومشاريع السيطرة العملاقة على الكوكب، هذه التناقضات لن يسفر عنها سوى مناسيب الموت التي ترتفع في كل مكان، في الماء والهواء اللذَين نلوثهما، في الأمراض التي نتسبب في خلقها وانتشارها، في حوادث العنف من حربٍ وقتلٍ، وفي الغباء الذي سيحصد الجميع، طالما جميعنا نوافق عليه.

الصفحة الرئيسية