مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟

مستقبل مجتمعاتنا في يد "لورا".. هل الأسرار خطيرة حقاً؟
صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
3230
عدد القراءات

2020-01-23

تتفقُ المعاجم العربية على أنّ السرّ، "هو كل ما نكتمه ونخفيه"، ولكن ما لم تُشِر إليه المعاجم، أنه لا بدّ من اجتماع عاملَي الخوف وعدم الثقة كي يتواجد السرّ؛ فمنذ البداية يحمل السرّ طابعاً مأزقياً لمن يبوح به ولمن يحمله؛ فهناك شيءٌ خطير يجب ألّا يعرفه أحدٌ، وكتمان السر، بحسب الدراسات النفسية الحديثة، ينشّط المراكز العصبية الحسيّة الحركيّة الخاصة بالجهد البدني ويحفّزه، لذا فمشاعر القلق والخوف والكبت الناجمة عن هذا الكتمان، تتسبب بأعراضٍ كثيرة يعاني منها الفرد؛ كالتعب والإرهاق وضيق النفس وعدم انتظام دقات القلب والتوتر العام، والتي يصطلح الطب العام على تسميتها بالأمراض (النفس جسميّة)، ولكن هل حقاً الأسرار بهذه الخطورة؟

الرقابة المتطرفة التي يمارسها المجتمع على الفرد تضعه تحت التهديد المباشر وتدفعه إلى الاغتراب عن ذاته وفي ذاته

قد لا يبدو السرّ خطِراً ما لم نعترف بالرغبة المُلحّة في نبشه ومعرفته؛ فالجاذبية التي تغلّف الأسرار، تتناسب طرداً مع حجم الإغراء المتولّد عنها، لذا يصبح كتمانها أصعب كلما ازدادت خطورتها، وهذه الصعوبة تتأتّى من التهديد المباشر الذي يمكن أن تحمله الأسرار، خاصة في المجتمعات المغلقة؛ فالحظوة التي ينالها السرّ في مجتمعاتنا، والمبالغة بشأن أهميته، تكشف بنية وعيها التي تقوم على (ما خفي كان أعظم)، وهذا ما قد يفسر جزءاً من غياب الوضوح والشفافية عن علاقاتنا، وعدم إمكانية الانفتاح على الآخر وقبوله؛ فالرقابة المتطرفة التي يمارسها المجتمع على الفرد، والتي تضعه تحت التهديد المباشر، من شأنها دفعه إلى الاغتراب عن ذاته وفي ذاته؛ حيث تتهيأ سيكولوجيا الفرد لقبول وإنتاج العنف والتطرّف.

اقرأ أيضاً: ماذا ستطلب لو التقيت بجنيّة الأمنيات؟

ويمكن لتقصّي الأسرار في عالم الأطفال، أن يكشف بوضوح عن المفاعيل التي ينتجها السرّ وكتمانه؛ إذ إنّ مجموع التابوهات النشطة، التي ترافق الأسرار، تلقي على الطفل تبعات الكبار، فنحن نساهم من حيث لا ندري بقذف أطفالنا خارج طفولتهم؛ حيث تُشكّل لهم هذه التبعات، التي لا يستطيعون تحملّها، مصدر قلقٍ وخوف دائمين، وهذا بالضبط ما تمكّن الكاتب "بيدرو بابلو ساكريستان" أن يقصّه علينا عبر قصته "هرباً من الأسرار".

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟

"في بلد المفاجآت، كان الصغار والكبار دائماً يحضّرون المفاجآت بحماسٍ لليوم الكبير، وحين تنكشف المفاجآت، يملأ الجميع فرحٌ غامرٌ، ولكن على الضفة المجاورة للقرية، كان سيّد الصمت يشعر بالغيرة من سعادتهم، فقرر أن يقوّض هذه السعادة باستخدام أسوأ أسلحته (الأسرار)، والأسرار ـــ كما يروي الكاتب ـــ شديدة الشبه بالمفاجآت، ولكنها تكره الأعياد والأفراح، كما تكره الخروج من مخابئها، تتنقل متخفيّة، وتتسلل إلى القلوب مستخدمة أفضل حيلها (الخوف)، لتجعلنا نعتقد بحدوث أمورٍ رهيبةٍ إذا انكشفت.

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا
تمكنت أشباح سيد الصمت من ملئ القرية بالأسرار، وحين لم يبقَ طفلٌ إلا وقبض على قلبه سرٌّ، جفّت المفاجآت، ولكنّ لورا الطفلة الصغيرة التي شعرت بأنّ قلبها الصغير أخذ يضمر ويزداد حزناً، قررت أن تتغلب على خوفها الذي لم تعد تحتمله، فباحت لأمها بالسرّ علّها تساعدها، طار السرّ إلى قلب الأم وبمجرد ملامسته لقلبها، انفجر السرّ إلى ألف قطعة محرراً الطفلة، وحذا بقيّة الأطفال حذوها، فتشظّت أسرارهم وتحرروا من الخوف، وأرغموا زارعي الأسرار على الهرب إلى مملكتهم المظلمة".

إنّ الأنظمة والعقائد المتفسخة التي تحكمنا هي من حوّلت الوضوح إلى أسرار وأجبرت المجتمع على التنازل عن النور

هذه القصة التي تحمل بين تضاعيفها بعداً تربوياً يشجع الأطفال على البوح لذويهم بأسرارهم، قوبلت بسخرية مبطنة حين قرأتها لأطفال بعمر 13 عاماً، كما فجّرت نكاتاً مؤلمة فيما بينهم؛ "إذا حذوت حذو لورا فليس سرّي من سينفجر إلى ألف قطعة، بل أنا من سيحولني أهلي إلى ألف قطعة"، "إذا حذوت حذو لورا فسوف تجدون مقعدي فارغاً في الدرس القادم"، "إذا حذوت حذو لورا فإنّ الأغصان اليابسة ستمنح جسدي الاحمرار بدل احمرار المدفأة"، "إذا حذوت حذو لورا سأحلّ بديلاً عن ممسحة المنزل"، المؤلم في هذه النكات أنّها واقعيّة، تعكس عدم الثقة المتبادل في أغلب أسرنا، فبدل أن تكون الأسرة ملاذاً نفسياً آمناً للطفل، فإنّها تلعب دوراً سلبياً يقوّض الدعامات التربوية، ويساهم في جرّ الطفل إلى انحرافٍ ما.

اقرأ أيضاً: الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات

تفعل الأسرار فعلها دائماً؛ إنّها تقبض على القلوب الصغيرة وتعيق تفتّحها، فالخوف الذي تؤصّله فيها، يجعل من الظلمة مستقبلاً إجبارياً لهم، ويجعل الخفاء مسرح الوقائع، وكل ما سيدور في هذا الخفاء، يترك بصمات العنف وراءه، هناك سيلعب تراجع التحصيل العلمي والإخفاق والتنمّر والانتحار والتحرّش الجنسي، الأدوار الرئيسة، وسيشكّل المسكوت عنه الجانب الأقوى في مجتمعاتنا، ففي ظلّه وتحت مسميات شتى، ستحدث الكثير من الجرائم، وسيفلت الجُناة الحقيقيون من العقوبة دائماً، مجتمع الأسرار ماءٌ آسن، يسمح لجميع الطفيليات والعوالق والطغاة بالنمو والازدهار.

الصيحات التي ضجّت بها مجتمعاتنا وخرجت على المسكوت عنه هي لورا التي لم تعد تحتمل الخوف وما يجرّه

إنّ الأنظمة والعقائد المتفسخة التي تحكمنا، هي من حوّلت الوضوح إلى أسرار، لقد أجبرت المجتمع على التنازل عن النور، بينما بذرت في ظلمته الخوف والفقر والمرض؛ فالأطفال الذين تهكّموا على قصة "هرباً من الأسرار"، ونكاتهم التي عبّرت عن توقعاتهم بردود أفعال ذويهم على أسرارهم، تتقاطع مع ما كان ينتظر حناجر المحتجّين في مجتمعاتنا، فجذور التسلّط متشابهة، وإن اختلفت فهي تغذي الخوف عينه دائماً، نعم هناك حناجرٌ قُطعت، وجلودٌ سُلخت، ولكنّ هناك رغبة عارمة بالبوح، لم تسمح للعتمة أن تحجب عنها الضوء، فالصيحات التي ضجّت بها مجتمعاتنا وخرجت على المسكوت عنه، هي "لورا" التي لم تعد تحتمل الخوف وما يجرّه، ومع أنّ هذه الصيحات لم تجد كـ"لورا" قلباً يفجّر أسرارها إلى ألف قطعة، لكنّ هذا لم يجفف صوتها.      

إذا كان السرّ هو المرادف الفعلي للتكتم والإخفاء، فإنّ الوضوح الذي يقف على نقيضه، هو الدرس الأول في تلقّي الحياة؛ فالشجاعة والثقة اللتان تسفران عنه، هما السمتان الأبرز في بناء الشخصية المستقلّة، واللتان بدورهما تؤسسان للاختيار الحرّ، مما يجعل من أيّ تجربة إنسانية فضاءً مفتوحاً على الإمكان والوفرة، ومن المسؤولية الفردية شرطاً لازماً من شروط الحرية، وسيصبح الحق في التعبير فضاء الاختلاف الجامع، وعلى هذا الغصن سنتمكن للمرة الأولى من رؤية ثمار الاختلاف تزهر، ولن يقطع الخوف أنفاسنا ونحن نسير تجاه أنفسنا، وعندما نبلغ أنفسنا سنبلغ الحياة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أثرت أحداث "الربيع العربي" في الخطاب الديني؟

2020-02-19

تم بناء هذا المقال على فرضية تهمُّ الخطاب الديني في المنطقة العربية بالتحديد، وتفيد بأنّ أحداث "الربيع العربي"، التي اندلعت في كانون الثاني (يناير) 2011، ساهمت في إحداث تحولات لدى الفاعلين في الخطاب الديني.
ونقصد بالخطاب الديني في هذا السياق، كُلّ الفاعلين الدينيين؛ سواءً تعلّق الأمر بأداء المؤسسات الدينية التابعة للدولة الوطنية، أو بالمؤسسات المعنية بصياغة السياسات العامة المرتبطة بالحقل الديني لدول المنطقة، أو الخطاب الديني المُجسّد في الطرق الصوفية؛ أي المشروع الإسلامي الحركي بتفرّعاته الثلاثة؛ الدعوية والسياسية والقتالية، كتنظيم القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم داعش.
التحولات في خطاب المؤسسات الدينية
انطلاقاً من التحولات التي عرفها خطاب المؤسسات الدينية، نستحضر المستجدات التي مرت بها أغلب هذه المؤسسات؛ والتي كان أبرزها ما عرفته مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، على هامش أحداث "الربيع المصري"، وتحديداً ما سُميّ بـ "وثائق الأزهر"، حيث أُصدِرت 3 وثائق أساسية؛ "وثيقة مستقبل مصر" يوم 19 حزيران (يونيو) 2011 و"وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي"، يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، و"وثيقة منظومة الحريات الأساسية"، يوم 8 كانون الثاني (يناير) 2012، هذا بصرف النظر عن السجال الخطابي المباشر الذي جرى مؤخراً بين إمام الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، على هامش الخوض في موضوع تجديد الخطاب الديني؛ إذ يفيد هذا السجال بأنّ الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية لا يزال بعيد المنال، ولن يتم بين ليلة وضحاها.
التحولات في خطاب حركات الإسلام السياسي
مثلّت أحداث "الربيع العربي" فرصة للحركات الإسلامية، وخاصة حركات "الإسلام السياسي"، لاختبار أطروحة "ما بعد الإسلاموية" التي سطرها الباحث الإيراني آصف بيات قبل عام 2011، بالموازاة مع حديث الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "فشل الإسلام السياسي"، وثلاثية؛ "البيان الدعوي"، "الأخطاء الستة للحركات الإسلامية" و"الفطرية"، للباحث والداعية المغربية فريد الأنصاري.

كان حزب العدالة والتنمية المغربي متواضعاً مقارنة مع الآمال التي عُلّقت عليه قبل أحداث الربيع العربي

وصدرت توقعات هذا الثلاثي؛ الإيراني والفرنسي والمغربي، وتوقعات أخرى بالطبع، قبل أحداث "الربيع العربي"، حيث كان على الباحثين والمتتبعين لأداء المشروع الإسلامي الحركي، انتظار أداء الإسلاميين المشاركين في العمل السياسي بعد اندلاع الأحداث، وفوز الأحزاب الإسلامية في انتخابات ما بعد 2011، لمعاينة المعالم الكبرى لأداء الإسلاميين المنخرطين في العمل السياسي والحكومي، بالصيغة التي عاينوها في عدة نماذج، نذكر منها ما جرى في المغرب وتونس وفرنسا.
واتضح في المغرب، أنّ أداء حزب "العدالة والتنمية" كان متواضعاً، مقارنة بالآمال التي عُلّقت عليه قبل اندلاع أحداث "الربيع العربي"، بل ساهمت مواقف الحزب ومعه حركة "التوحيد والإصلاح" الإخوانية، الموالية له في المجال الدعوي، في تسليط الضوء على النسخة المغربية لخطاب العلمانية، التي تؤكد ضرورة إبقاء تدبير الشأن الديني للمؤسسة الملكية، متمثلة في مؤسسة "إمارة المؤمنين"، مع إبعاد الفرقاء الإسلاميين والحداثيين عن المسألة، أو من خلال مساهمتهما النسبية في حدود مُسطرة سلفاً.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً
أمّا في تونس، فقد وصلت تعقيدات الأمر حدّ إعلان قيادات حركة النهضة الإسلامية ضرورة التفكير في إحداث قطيعة نظرية بين العمل الدعوي والعمل السياسي، على أمل ترجمة هذه القطيعة على أرض الواقع لاحقاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الحديث عن الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي عند الحركات الإسلامية المنخرطة في العمل السياسي، ليس واقعاً لا يرتفع، وإنما لا يتجاوز في الغالب مقام إعلان نوايا، كما أشرنا إلى ذلك مراراً، وعاينا هذه المعضلة بشكل ميداني وصريح في التجربة المغربية وتجارب أخرى في المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
وفي فرنسا، وبسبب التحولات التي مرّ بها الخطاب الإسلامي الحركي في المنطقة العربية برمّتها، اضطرت القيادات الإسلامية الحركية، والمجسدة في تنظيم حمل اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، وهو الفرع الفرنسي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لتغيير الاسم إلى "اتحاد مسلمي فرنسا"، بمقتضى القلاقل السياسية والأمنية والثقافية والدينية التي أصبحت تثيرها الحركات الإسلامية في الساحة الفرنسية.
التيار السلفي والتيار الصوفي
بالموازاة مع التحولات والمراجعات التي ميّزت أداء المؤسسات الدينية والحركات الإسلامية، عاينا المعطى نفسه مع التيار السلفي والصوفي؛ ففيما يتعلّق بالتيار السلفي، يمكن الوقوف عند دلالات صدور كتاب يحمل عنوان؛ "ما بعد السلفية: قراءة نقدية للخطاب السلفي المعاصر"، لأحمد سالم وعمرو بسيوني، والصادر عام 2015، بكل الإيحاءات الدالة لهذا العنوان، حيث عايشنا مباشرة بعد كانون الثاني (يناير) 2011 تحولات في أداء المشروع السلفي بالمنطقة العربية، لم تكن متوقعة قبل هذا التاريخ، أقلها وأبرزها في آن؛ إعلان سلفية الإسكندرية في مصر تأسيس حزب النور والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.

لا يمكن للفاعل الديني أنّ يكون بعيداً أو غير معني بالتحولات والمستجدات المجتمعية التي تهم القيم والهوية والتدين

كما تناولت مجموعة من الأعمال البحثية هذه المسألة، نذكر منها عملين على الخصوص؛ كتاب "السلفيون والربيع العربي" لمحمد أبو رمان، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2013، وكتاب "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين"، لهنري لوزيير، الذي ترجمه إلى اللغة العربية أسامة عباس وعمر بسيوني، وصدر عن دار النديم ودار روافد، عام 2018.
أمّا فيما يتعلق بالخطاب الصوفي، والذي سلطّت المؤسسات البحثية العربية والغربية الضوء عليه، مباشرة بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن، في سياق البحث عن نماذج بديلة للخطاب الديني، بهدف مساعدة شعوب المنطقة على تجاوز المشاريع الدينية الحركية، التي أساءت إليها ولغيرها من الشعوب، ومثال ذلك ما نعاينه في الساحة الأوروبية في ظل تغذية بعض أسباب ظاهرة الإسلاموفوبيا.
ولم يسلم الخطاب الصوفي من موجة المراجعات أو التحولات، ومن ذلك الحديث عن ظاهرة "ما بعد الطُرقية"؛ أي تبني العمل الصوفي بشكل فردي، بعيداً عن العمل المؤسساتي.

اقرأ أيضاً: بن كيران يلبس عباءة المعارض لدعم حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة
بالنتيجة، يمكن الجزم بأنّ الخطاب الديني في المنطقة العربية، سواء تعلق الأمر بخطاب المؤسسات الدينية أو الحركات الإسلامية أو التيارات السلفية أو الطرق الصوفية، مرّ بتحولات نظرية؛ بدأت أولى معالمها في سياق الإكراهات التي أصابت المنطقة بشكل صادم ومباشر، على هامش التفاعل السياسي والأمني والإستراتيجي مع تداعيات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، في مرحلة أولى، وتداعيات أحداث "الربيع العربي" في مرحلة ثانية، وبالتالي، لا يمكن للفاعل الديني أن يكون بعيداً أو غير معني بهذه التحولات، خاصة مع وجود عدة مستجدات مجتمعية موازية تهم القيم والهوية والتدين، وتفرض على الفاعل الديني الانكباب النظري والميداني، نذكر منها؛ ظواهر الإلحاد ومد العلمنة والحريات الفردية وتسليع الخطاب الديني ومستجدات أخرى قائمة وقادمة.

اقرأ أيضاً: "العدالة والتنمية" المغربي.. هل حانت نهاية الحزب الإسلامي في الحكم؟
وساهمت ظاهرة "الصراع على الإسلام"، وفق تعبير رضوان السيد في أحد أعماله المرجعية عام 2014، في تعقيد المشهد، حيث إنّها لا زالت مفتوحة ولم تتوقف، لأسباب عدة؛ أهمها إصرار المشروع الإسلامي الحركي على تغذية الصراع، بما يُخول لنا التعامل مع هذه الجزئية الدقيقة، باعتبارها اختباراً حقيقياً وصريحاً لطبيعة ومآل تلك المراجعات، خاصة المراجعات التي يدّعي المشروع الإسلامي الحركي انخراطه بها، على اعتبار أنّ مراجعات المؤسسات الدينية متوقعة ومطلوبة.

لا زال الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية بعيد المنال ولن يتم بين ليلة وضحاها

ولا يخرج خطاب وأداء المؤسسات الدينية، في نهاية المطاف، عن ثلاثية الوعظ والتوجيه والإرشاد، والأمر نفسه مع مراجعات الطرق الصوفية؛ لأنّ هذه الطرق لا تدّعي الوصاية على الدين، وتدافع بالكاد عن جلسات الذكر؛ الفردي والجماعي، مع الابتعاد عن قلاقل العمل السياسي، وتحديداً العمل القتالي، فيما يختلف الأمر عند أغلب الحركات الإسلامية في الساحة، بمقتضى تورّط هذا المشروع في قلاقل لا حصر لها، رغم ترويج خطاب "المراجعات".
من الصعب إحصاء طبيعة التحديات النظرية والعملية التي تواجه الفاعل الديني العربي، ممّا يفرض على هذا الفاعل، سواء في المؤسسة الدينية أو الطرق الصوفية أو الحركات الإسلامية، الوعي بتلك التحديات أولاً، قبل التفكير في الاشتغال عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعض نتائج هذا الاشتغال تتطلب الانخراط في مراجعات حقيقية ونوعية، مع أنّ خطاب العديد من هؤلاء لا زال يعمل بنفس الأفق الإبستيمي (المعرفي) الذي كان سائداً من قبل، كأنّ شيئاً لم يتغير في المنطقة التي تعاني الويلات الإستراتيجية والمفتوحة، وفي مقدمة هؤلاء؛ الفاعل الإسلامي الحركي؛ حيث تزكي ذلك أفعاله وأقواله في الساحة، خاصة رموز المشروع داخل وخارج المنطقة.

للمشاركة:

الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2020-02-19

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر أحمد الطيب في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي، أنّ جامعاتنا بكل ما فيها لم يسهم منتجها في صناعة إطار سيارة، وأن ترامب وإسرائيل يأخذون القرارات فيما يتعلق بنا مع غياب القيادات العربية، كاشفاً عن إخفاق السلطة الزمنية.

اقرأ أيضاً: هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟
ثم قال إنّ التراث الذي تتكلمون عنه هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس والأخرى في الصين، بما يعني أنّه يقول للسلطة الزمنية انشغلوا بإخفاقاتكم، فليس التراث هو المشكلة، والسؤال: هل حققت المؤسسة الدينية - الأزهر والأوقاف - نجاحاً في أداء رسالتها الروحية؟ وما مدى مسؤولية التراث عن تدهور أو انحطاط حضور الإسلام حضارياً في العالم؟ وما هي مسؤولية التراث عن العنف وبعض مشكلاتنا الراهنة؟

مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاده بأن ما يقوم به مطلق اليقين والصواب

إذا كان فضيلة الإمام قد تحدث عن إخفاق السلطة الزمنية، فهل قام الإمام بدور فعّال كصاحب سلطة روحية على مدار أكثر من عشرة أعوام؟ الواقع أنّه قد اعترف بإخفاقه حين كان رئيساً لجامعة الأزهر في إحداث تغيير حقيقي بالجامعة، كما وضح للعيان إخفاقه أيضاً وهو على رأس المؤسسة الدينية في عدم تطوير مستوى الدعوة الدينية، ومستوى الخطاب الموجّه لجمهور الشعب المصري، فحين نبحث عن أسباب بعض الظواهر الاجتماعية الجديدة في المجتمع المصري مثل ظاهرة الإلحاد، وانتحار بعض الشباب، وانتشار العنف في الحياة اليومية للمجتمع المصري، واستشهاد أبنائنا من الجيش والشرطة على حدود البلاد علي يد الجماعات الإرهابية، فإننا نشير إلى أنّ أحد أسبابها إخفاق المؤسسة الدينية عن أداء دورها كواحد من جملة الأسباب التي تقف خلف هذه الظواهر، فالكل في الإخفاق سواء ولا ينبغي أن نتنصل من المسؤولية التاريخية.
  وأما ما ورد من كلامه بأنّ التراث هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس وأخرى في الصين، فهذا كلام يحتاج إلى مراجعة؛ لأنّ ذلك يعود إلى الإسلام -كدين وفكرة وقيمة- في بكورته الأولى، وما كان له من مقدرة على الحشد هو الذي فعل هذا في القرنين؛ الأول والثاني الهجريين، وأسهم التجار والصوفية المسلمون في نشر الإسلام في أقصى شرق آسيا وأواسط إفريقيا عبر الفكرة الدينية الحاملة لقيم التسامح والعدل.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
ومن جانب آخر فإنّ الفتح الإسلامي -في جانب منه- كان نتاجاً لضعف الدولة الرومانية الشرقية، والدولة الفارسية، وأنّ الدولة الإسلامية حينما تعرضت للضعف غزاها الصليبيون والتتار، وذبح المسلمون وطردوا من الأندلس، وحين عاودها الضعف في العصر العثماني عجزت عن فتح أسوار فيينا واقتطع الأوروبيون أجزاء منها، ومع مزيد من الضعف استطاعت إنجلترا وفرنسا تقاسم أراضيها في الحقبة الإمبريالية الحديثة، ولم يمنعهم لا الدين ولا التراث عن هزيمة المسلمين، ومن ثم فإنّ الحضارة الإسلامية بدولتها ونظم حكمها قد حكمتها دورات الحضارة من النمو والازدهار والانهيار شأنها شأن كل الحضارات في العالم كما قرر ذلك ابن خلدون في "مقدمته".

كل فصيل من حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته

وأما تراث المسلمين الكتابي المدون -الذي تحدث عنه الإمام الطيب- فلم يبدأ تدوينه إلا في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين؛ أي بعد ترسيم معظم أرجاء الخلافة الإسلامية، كانت تشكلات التراث وفقاً لتطور حركة الاجتماع الإسلامي الزمنية، صعوداً وهبوطاً، تسامحاً وتشدداً، فتخلق المذهب الحنبلي وفقاً للخلاف بين أحمد بن حنبل والمعتزلة إبان عصر المأمون والمعتصم والمتوكل، وتخلق تراث ابن تيمية في سياق تدهور وانحطاط العالم الإسلامي إبان الغزوين على العالم الإسلامي فحمل مذهبه الكثير من التشدد، والسعي إلى تعزيز تراث استعلاء الجماعة المسلمة على بقية أهل الكتاب، وأصّل علم العقائد -في مرحلة التدهور- لميراث الصراع والإقصاء والتكفير المتبادل بين المذاهب الإسلامية، فترك هذا ميراثاً من الكراهية والاستبعاد بين المسلمين بعضهم بعضاً، وبين المسلمين وأهل الكتاب؛ حيث رسخ تراث فقه أهل الذمة لتمايز واستعلاء الجماعة المسلمة على أصحاب الأديان الكتابية، وكل ذلك تم تخلقه وفقاً لتطور حركة الاجتماع في التاريخ، بما يعني تاريخية هذا التراث الذي هو في مجمله إنتاج بشري للعقل المسلم في التاريخ.

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
وحين نتحدث عن تجليات العنف الذي يحدث في العالم باسم الإسلام الآن، ونقول هل ثمة مسؤولية تاريخية لهذا التراث عما يدور من عنف وكراهية للآخر؟ الإجابة نعم، وذلك لأنّ مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاد لديه بأنّ ما يقوم به مطلق اليقين والصواب، وأنّ الجنة في انتظاره، وهم يستندون إلى تراث فقهي وديني قديم رسخ له الإمام أحمد بن تيمية وغيره.
وحين ننظر لممارسات حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام نرى أنّ كل فصيل يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته هو، فالجميع يفعل ذلك استناداً لتفسيرات تراثية قد انتقاها لخدمة توجهه سواء كان توجهاً دعوياً أو عنيفاً، وما الأحداث الطائفية، واستهداف الكنائس في مصر بين فترة وأخرى إلا نتاج الإيمان بفقه أهل الذمة الذي رسخ لاستعلاء المسلم على الكتابي، والنظر إلى الآخر المغاير لي في الدين على أنّه كافر وضال، وما أحداث القتل وسفك دماء المسلمين – من قتل المصلين في العريش إبان صلاة الجمعة، وقتل أبنائنا من الشرطة والجيش في مشهد مستمر- إلا نتاج حركات منحت نفسها التمايز على المجتمع الذي وصمته بالجاهلية والكفر، ويسعون في تغييره بكل الوسائل التي يملكونها، وذلك باستدعاء الموروثات القديمة – التاريخية – ليكون لها حاكمية على الحاضر بكل تطوراته، فالأزمة في اتخاذ الخلف من تراث السلف الذرائع والمبررات لممارستهم الحاضرة، وتجاهلهم أنّ الزمن قد تغير، وبأنّ الأمة المسلمة التي كانت منتصرة أصبحت الآن مهزومة ومنكسرة ومفككة، ونحن بحاجة إلى قراءة جديدة بفكر ديني جديد وفقاً لظروفنا الحالية.

نحن في حاجة ماسّة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد

وإذا كنا نؤمن أنّ التراث ابن زمنه وتاريخه ومجتمعه، فإنّ الأزمة الآن ليست في التراث بحد ذاته بل في استقالة العقل لدى علماء عجزوا عن الاجتهاد في الفكر الديني في زمانهم الحاضر بكل تعقيداته وتشابكاته وظروفه المستجدة ومخاطره المستمرة، فإذا بهم يتجهون إلى الاعتصام بالتراث القديم لمواجهة واقعهم المهزوم، معتقدين أنّ التمسك بالتراث والتاريخ المجيد هو سبيلهم القويم للنجاة من ذلك الواقع المهزوم، فإذا بنا نكتشف أنّ الواقع يزداد انهزاماً وتفككاً كل يوم.
إنّ الحوار بين الإمام الطيب والدكتور الخشت هو مواجهة بين تيارين، تيار يرى أنّ التجديد لا بد أن ينطلق من الأصول التقليدية القديمة؛ لأنها الأعمدة الثابتة، وهو تيار الشيخ، وتيار آخر يرى أنّ التجديد لا بد أن يأتي من الخارج باستخدام أدوات العصر من علوم إنسانية وفلسفة، وهو تيار الدكتور الخشت.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
والتيار الأول يخشى أن يكون التجديد طريقاً لتبديد الأصول والتفريط فيها فلذلك يعض عليها بالنواجذ، في حين أنّ التيار الثاني يرى أنّ الأصول في علوم الدين في حاجة إلى نظرة عصرية جديدة، والتيار الأول يتهم الثاني بأنّه يريد أن يفكك حضور الدين في المجتمع، ويحصر سيطرتهم على المجال العام الاجتماعي، والتيار الثاني يتهم الأول بأنّ نظرته مهما اجتهدت فهي جامدة؛ لأنها لا تراعي تطور حركة التاريخ والمجتمع، وفي ظل هذه النظرة المتبادلة من الشك والريبة لا ينظر أي من الطرفين إلى ما في موقف الآخر من إيجابية؛ لأنّ كلاً منهما يدين الثاني ويغمض عينيه عما في موقف الآخر من إيجابيات.

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
ومن ثم فإننا في حاجة ماسة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد، حوار يكون هدفه مصلحة الوطن والمجتمع، فنحن جميعاً نقطن في سفينة الوطن التي حين يصيبها العطب فالكل مهدد بلا استثناء، وليس فصيلاً واحداً، فهل ثمة آذان صاغية لأهمية الاستمرار على مائدة حوار واحدة؟
أتمنى أنّ ينصت الجميع لمصلحة الوطن، وضرورة رعاية مصالح العباد التي هي هدف أساسي للإسلام كدين، وبدون ذلك وفي ظل المخاطر التي تحيط بمصر من جهاتها الأربع، وفي ظل ضعف تماسك البناء الاجتماعي لها فإنّ سفينة الوطن قد تتعرض للانهيار والتفكك، فهل لنا من سبيل إلى المحافظة على ما تبقى لنا منها، وذلك بالحفاظ على تماسك البنيان الاجتماعي الداخلي لكي نملك القوة في مواجهة المخاطر الخارجية التي تحيط بنا من كل الجهات من مشاكل المياه ومواجهة حركات العنف والمطامع الخارجية.

للمشاركة:

لماذا نتعلّق بالزمن الجميل؟!

2020-02-18

رغم ارتفاع معدّل الأعمار، وتحسّن الخدمات الصحّية والتعليم، وتقدّم وسائل المواصلات والاتّصال، إلّا أنّ كثيراً من اللّقاءات في الوطن العربي، تختم بهذه العبارة الخالدة: "سقى الله تلك الأيام"! ولو جرّبنا القيام بمقاربة لمواصفات (تلك الأيّام)، لما وجدنا صعوبة في القطع بأنّها كانت (أيّاماً صعبة جداً) على كل المستويات، فردياً وجمعياً، ومع ذلك فإنّ أكثرنا ما زال متعلّقاً بها إلى حدّ بعيد.

 

 

من المنظور العقلاني البحت، يُعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد لسلطة الماضي، ومن شأنه أن يجمّد حركة الحاضر وأن يغتال استحقاقات المستقبل. ومن المنظور النفسي يُعدّ أبرز أشكال النكوص العاطفي للتهرّب من مواجهة تحدّيات الواقع. ومن المنظور الاقتصادي-السياسي يمثل تعبيراً عن انعدام الرغبة في تطوير علاقات وأدوات الإنتاج. ومن المنظور الثقافي يجسّد الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة، الذاتية والجمعية.

من المنظور العقلاني يعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد للماضي ومن شأنه تجميد حركة الحاضر واغتيال استحقاقات المستقبل

ومع ضرورة التذكير بأنّ التوق إلى الزمن الجميل أو الرغبة في استعادة الفردوس المفقود، لا يقتصر على المجتمع العربي فقط، بل هو يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف، فإنّ من الضروري أيضاً التذكير بحقيقة أنّ ثنائية (المجتمع/ التقدم) ترتبط بعلاقة عكسية مع التعلّق بالزّمن الجميل؛ فكلما قاوم المجتمع هذا التعلّق تقدّم، وكلّما استنام له تأخّر! ولا تلغي صحة هذا الاستنباط القاسي حقيقة أنّ المجتمعات المتقدّمة تتألّم وتعاني كثيراً جرّاء هذا التجاوز لسطوة الحنين، كما لا تلغيها حقيقة أنّ هذه المجتمعات لا تدّخر وسعاً للتخفيف من حدّة هذا الألم عبر استعادة الماضي بأدوات الحاضر أو لصالح المستقبل، كما نلاحظ مثلاً في المدوّنة السينمائية الغربية بوجه عام والأمريكية بوجه خاص، سواء من خلال العودة إلى زمن الجذور وإعادة استقرائه من منظور راهن أو من خلال العودة إلى الزمن البدائي بإطلاق وإعادة تأثيثه بأسئلة وهواجس ماثلة ومستجدّة.

اقرأ أيضاً: الجزائر وفرنسا وتركيا: آلام الماضي وأطماع المستقبل
تضم قائمة الزمن الجميل في الوطن العربي العديد من المفردات التي تنطوي أحياناً على كثير من المفارقات؛ فعلى الصعيد السياسي الذي يمتد من أوائل الثلاثينيات حتى أواخر السبعينيات، يميل المعارضون إلى تمجيد حالة المدّ القومي واليساري وتصاعد الحركات الثورية لكنهم يغفلون حقيقة تغلغل الحركة الصهيونية في فلسطين ونجاحها في الاستيلاء عليها كاملة ما بين عامي 1948-1967! كما يغفلون حقيقة تنامي ظاهرة الانقلابات العسكرية ومصادرة مظاهر الحياة الديمقراطية وتسويغ القمع السياسي باسم معركة التحرير، ما يلقي ظلالاً كثيفة من التساؤلات عن الأدوار الحقيقية للعديد من الزعماء السياسيين الذي يقدّمون عادة على أنّهم رموز الزمن السياسي الجميل، وفي طليعتهم طبعاً الرئيس المصري جمال عبد الناصر!

من المنظور الثقافي يجسّد التعلق بالماضي الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة؛ الذاتية والجمعية

أما على الصعيد الاقتصادي المعاشي، فلا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاندهاش جرّاء واقع الفقر المدقع الذي عاشه آباؤنا وأجدادنا، وهو الواقع المسؤول – على الأرجح- عن تدني مستوى الأعمار سابقاً؛ فنمط الغذاء كان موسمياً وغير ثابت ويخلو من التوازن. صحيح أننا يمكن أن نقع على تطبيقات متفرّقة لمفهوم الاقتصاد المنزلي أو الاكتفاء الذاتي أو ترشيد الاستهلاك، لكن الصورة العامة تملي ضرورة الشعور بالشفقة على تلك الأجيال التي قلّما اختبرت تناول اللحوم بانتظام، ودعك مما يرويه 99% من العرب المعاصرين عن إقطاعيات آبائهم وأجدادهم؛ لأن هذه (السردية) ما كانت لتنتشر على هذا النحو، لولا واقع الهجرة إلى المدينة التي حطّمت الذاكرة الحقيقية للريف والبادية وأنشأت ذاكرة هجينة برعاية السوبرماركت والمول! علماً بأنني أغفلت عامداً الإشارة إلى تدني الخدمات الصحية؛ لأنّ (مطهّر الأولاد) و(الدّاية) كانا يمثّلان في كل بادية وقرية ومخيم ومدينة وزارة الصحة المسؤولة عن كل الأمراض والأدوية!

اقرأ أيضاً: يحيى القيسي: طغيان تقديس الماضي أسهم في أزمة الفكر الإسلامي

وأما على صعيد المواصلات والاتّصالات فحدّث ولا حرج؛ كانت رحلة الحج تستغرق شهوراً، وكان الانتقال من مدينة إلى مدينة أخرى تبعد عشرين كيلومتراً فقط يُعدّ سفراً حقيقياً، وكان (المكتوب) يستغرق أسابيع حتى يصل، وكان الهاتف حكراً على عِلْية القوم. ولو قيّض لأي من أجدادنا أن يقوم من قبره ويشهد ما نشهده الآن من ثورة في عالم المواصلات والاتصالات لأغمي عليه فوراً؛ فمن كان يتخيّل أننا بكبسة زر نستطيع التواصل فوراً بالحرف والصوت والصورة مع أي مكان في العالم، إلى درجة اهتزاز مفهومي الزمن والمسافة في أذهاننا وتحوّلهما إلى مجرّد لفظين افتراضيين ينتميان إلى حقبة بعيدة.

التوق للزمن الجميل لا يقتصر على المجتمع العربي بل يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف

رغم كل هذه الوقائع والمعطيات الموضوعية التي يصعب دحضها، فسوف يظل أكثرنا يهفو إلى ما مضى بطريقته الخاصّة وبلغته الخاصّة – ولا أُعفي كاتب هذا المقال من الإصابة بهذا الافتتان- لأسباب ذاتية وجمعية؛ فمعظمنا ما زال يتوق للعودة إلى رحم الطفولة والحي والبدايات الأولى، ومعظمنا ما زال مسكوناً بزمن الأبيض والأسود في الصور والأفلام والملابس والرسائل المعطّرة وأغاني عبد الحليم حافظ وفيروز، ومعظمنا ما زال معتقلاً في روائح الخبز البيتي والقهوة المطحونة في المنزل، ولأن أبناءَنا وأحفادنا سوف يستحضرون زمننا المتوحش هذا ويختمون كلامهم عنه بالعبارة نفسها: "سقى الله تلك الأيّام"!

للمشاركة:



محاولة اغتيال وزير الدفاع اليمني.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

نجا وزير الدفاع اليمني، اليوم، من محاولة اغتيال بعبوة حوثية ناسفة استهدفت سيارته أثناء تفقده جبهات القتال شرق البلاد.

 

 

وأضافت مصادر، نقل عنها موقع "المشهد" اليمني؛ أنّ محاولة الاغتيال بعبوة ناسفة استهدفت موكب وزير الدفاع، الفريق محمد المقدشي، نتجت عنها وفاة عدد من مرافقيه.

وزير الدفاع اليمني ينجو من محاولة اغتيال بعبوة حوثية ناسفة استهدفت سيارته

هذا وقد تمكنت قوات الجيش الوطني من إحباط محاولة تسلل لميليشيا الحوثي، باتجاه مواقع محررة، جنوب محافظة الجوف.

وأكّد موقع الجيش "سبتمبر نت"، نقلاً عن مساعد قائد المنطقة العسكرية السادسة، العميد محمد بن راسيه؛ أنّ "قوات الجيش مستمرة في مطاردتها للمليشيا الحوثية، في الجبال المحاذية لمحافظة صنعاء، وتكبدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد على امتداد جبهات محافظة الجوف".

قوات الجيش الوطني تعلن إحباط محاولة تسلل لميليشيا الحوثي جنوب الجوف

إلى ذلك أعلن التحالف العربي، الذي تقوده السعودية، تنفيذه عملية ناجحة ضدّ جماعات تهريب البشر والجريمة المنظمة في محافظة المهرة اليمنية.

وأكّد المتحدث باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي، في بيان نشرته، أمس، وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس"؛ أنّ تلك الجماعات التي تشكل أنشطتها "خطراً أمنياً حقيقياً يقوض جهود الحكومة اليمنية الشرعية (المعترف بها دولياً) في فرض الأمن والاستقرار بالمحافظة"، حاولت، الإثنين الماضي، تعطيل جهود الأجهزة الأمنية الحكومية في مجال وقف وضبط عمليات التهريب بالمحافظة.

التحالف العربي في اليمن يعلن إجراءات ضدّ "خطر أمني حقيقي" في المهرة

وأوضح المتحدث؛ أنّ "الشخصيات معروفة في المحافظة والمتزعمة لتلك الجماعات" حاولت بذلك "تسهيل هذه العمليات باستخدام العنف والقوة المميتة باستهداف الوحدات الأمنية وقوات التحالف للمحافظة على مصالحها التخريبية"، ما أسفر عن وقوع بعض الإصابات في صفوف عناصر الأجهزة الأمنية الحكومية والإضرار بالأمن العام ومصالح المواطنين.

وشدّد المالكي على أنّ الأجهزة الأمنية وقوات التحالف اضطرت في هذه الظروف إلى اتخاذ "الإجراءات المناسبة، وبحسب ما يقتضيه الموقف للدفاع عن النفس والمحافظة على الأمن"، مؤكداً أنّ العملية أدت إلى ضبط العديد من الأسلحة بحوزة المنفذين.

 

للمشاركة:

بهذه الطريقة يواجه المرشد الإيراني عزوف الشباب عن الانتخابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

اتخذ المرشد الإيراني، علي خامنئي، خطوة استباقية من الضغط لضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية، المقررة هذا الأسبوع، بوصفها "واجباً دينياً" على الإيرانيين، مشهراً الورقة الدينية لمواجهة عزوف المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المقررة، الجمعة المقبلة.

 وقال خامنئي أمام حشد من أنصاره، أمس، وفق ما نقلت "رويترز": "التصويت ليس فقط مسؤولية ثورية ووطنية، بل هو أيضاً واجب ديني".

وقال خامنئي: "الانتخابات وسيلة لتقوية البلاد، ووجود برلمان ضعيف ستكون له تبعات طويلة الأمد، وجود برلمان ضعيف سيؤثر سلباً على حربنا مع الأعداء".

وتابع المرشد الإيراني: "الانتخابات ستحيّد النيات الأمريكية السيئة، ستثبت الانتخابات مجدداً أنّ الشعب إلى جانب النظام".

خامنئي يحاول ضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية بوصفها "واجباً دينياً"

ورفض "مجلس صيانة الدستور"، المسؤول عن مراجعة طلبات الراغبين في الترشح، تأهل 6850 من المعتدلين، مما صبّ في صالح المحافظين الذين يتمتعون غالباً بأفضلية في عدد المرشحين خلال الانتخابات الإيرانية، ولم يسمح لنحو ثلث النواب الحاليين بالترشح مجدداً، وبينهم نواب بارزون.

وتجري الانتخابات البرلمانية بإيران، في 21 شباط (فبراير) الجاري، وتأتي الانتخابات هذا العام في توقيت سيئ للإصلاحيين والمعتدلين الذين يواجهون سخطاً شعبياً بعد تعثر الوعود التي تعهد بها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في انتخابات الرئاسة 2017.

ومن المرجح أن يهيمن المحافظون، وهم التيار الأقرب للمرشد الإيراني مقارنة بالتيار المنافس، على المجلس المؤلف من 290 مقعداً؛ بسبب العدد الكبير من راغبي الترشح الذين رفض مجلس صيانة الدستور طلباتهم، ويحقّ لنحو 58 مليوناً التصويت من بين 83 مليوناً هم عدد سكان إيران.

 

للمشاركة:

مؤتمر دولي في بروكسل يدين أردوغان وسياساته.. البيان الختامي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

دان التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب التدخل التركي في شرق المتوسط، وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخّل التركي العسكري المباشر في ليبيا، مندداً بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، مع الحكومة التركية، معتبراً أنّ هاتين الاتفاقيتَين تهددان الاستقرار في المتوسط، ويمكن أن تحولا ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

وأضاف المشاركون في المؤتمر، الذي استضافه البرلمان الأوروبي في بروكسل أمس، تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، أنّ سياسة الخارجية التركية التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان غير واضحة، وقد تضع أنقرة في مخاطر جمّة؛ بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، لافتين إلى أنّ سياسة أردوغان كانت سبباً رئيساً في خسارة ثقة الأوروبيين منذ أعوام.

التجمّع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب يدين التدخل التركي في شرق المتوسط وفي ليبيا

وقال المشاركون في كلمات منفصلة: "أردوغان وقّع اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس، التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية"، لافتين إلى أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابيين في ليبيا أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق.

وندّد المشاركون في المؤتمر، الذي عقد بمشاركة أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي، بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية، كداعش والنصرة وجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة أيضاً في الكثير من الدول كجماعة إرهابية، وذلك على الملأ، عبر الدعم اللوجستي والعسكري وكذلك السياسي في المحافل الدولية.

متسائلين: كيف لأوروبا أن تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي ضمن سياساته العثمانية التوسعية التي يطبقها يومياً؟ ولافتين إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة لم تستخدم منذ الحقبة النازية، أو حتى خلالها.

تالياً نصّ البيان الصحفي الكامل الذي صدر عن المؤتمر في بروكسل:

مؤتمر بروكسيل يحذّر من خطر التدخل التركي في المتوسط:

  • وزير الخارجية التركية الأسبق يشار ياكيش: "سياسات أردوغان قد تحوّل ليبيا إلى سوريا جديدة".
  • كوستاس مافريديس: "أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية لم تستخدم منذ الحقبة النازية".
  • نيازي كيزيليورك: "أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية".
  • ماغنوس نوريل: "أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق".
  • جان فالير بالداكينو: "تركيا تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين في المتوسط".

الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير) ٢٠٢٠

تحت إطار التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب استضاف البرلمان الأوروبي في بروكسل، يوم الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير)٢٠٢٠، مؤتمراً أوروبياً تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، وقد تحدث في هذا المؤتمر عدد من النواب والسياسيين والخبراء يمثلون مختلف التوجهات السياسية من عدة دول أوروبية ومتوسطية، وهم: معالي يشار ياكيش (وزير الخارجية التركية الأسبق)، ود. كوستاس مافريديس (النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان)، البروفيسور نيازي كيزيليورك (النائب في البرلمان الأوروبي من قبرص)، إضافة إلى الدكتور ماغنوس نوريل (الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)، وجان فالير بالداكينو (رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس).

وضمّ هذا المؤتمر أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً، يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، وقد ركزت الكلمات على شقّين أساسيين، هما: التدخل التركي في شرق المتوسط وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخل التركي العسكري المباشر في ليبيا؛ حيث ندّد عدد من المشاركين بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، مع الحكومة التركية اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، معتبرين أنّ هاتين الاتفاقيَّتين تهدّدان الاستقرار في المتوسط، كما عبروا عن خشيتهم من التدخل التركي في المتوسط مما له تداعيات إقليمية وعالمية، ومن تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

بداية قدم وزير الخارجية التركية الأسبق، يشار ياكيش، عرضاً تاريخياً مفصلاً للحدود الجغرافية البحرية في المتوسط، ورأى أنّ طول الحدود البحرية التي يبلغ 1700 كلم مع اليونان وباقي دول المتوسط هو أحد الأسباب التي دفعت بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لتوقيع الاتفاق مع الحكومة الليبية.

التنديد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين

ياكيش رأى أنّ لتركيا مطالبات بتقسيم الحدود البحرية وحرية الوصول إلى ثرواته، وهذا هو الهدف الذي يسعى من خلاله أردوغان إلى الحصول على حقّ قانوني بخصوص الحدود البحرية، بالتالي؛ تمّ التوقيع على اتفاق أحادي مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية دون التشاور مع باقي دول المتوسط، وزير الخارجية التركي الأسبق، قال إنّ أردوغان وقع أيضاً اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس لكنّ مشكلة هذه الحكومة، على حدّ تعبيره، أنّها مسيطر عليها من قبل حركة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية. مؤكداً أنّ عمق المشكلة أنّ السياسة المتبعة من قبل حكومة أردوغان "تجعلنا نطرح تساؤلات عن الأخطار التي تحدق بتركيا من خلال انغماسها في ليبيا".

يشار ياكيش حذّر من أنّ ليبيا قد تتحول إلى سوريا جديدة بسبب ثرواتها البترولية، خاصة أنّ تركيا في هذا المشهد ليس لديها أيّة سياسة واضحة المعالم للخروج من هذه الأزمة، ومن أنّ السياسة الخارجية التركية غير الواضحة من قبل أردوغان قد تضع تركيا في مخاطر جمة، بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، وفي الختام؛ رأى ياكيش أنّ السلطة تفسد في إشارة إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، "الذي خسر ثقة الأوروبيين منذ أعوام"، على حدّ قوله.

من جهته، تحدّث الدكتور كوستاس مافريديس، النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان عن "الموت الإستراتيجي"، وهو عنوان كتاب لمفكر تركي، أحد المنظرين الذين يجلّهم أردوغان ويحاول تطبيق نظريته فيما خصّ السياسة الخارجية عبر إعادة إحياء السياسة العثمانية التوسعية.

 د. مافيرديس رأى أنّ هذا النموذج هو بسيط جداً بالنسبة إلى أردوغان؛ حيث إنّ البرلمان التركي يدعمه ويصوّت له بقوانين هدفها حماية الشعوب التي لها أصول عثمانية في المنطقة، كما حصل مع المسلمين في قبرص.

مضيفاً أنّ هذه هي السياسة التي يطبقها أردوغان بحذافيرها في العالم الإسلامي منذ عدة أعوام، وهي تضعه في مواجهة مباشرة مع باقي دول المنطقة، بالتالي؛ فإنّ هذه السياسة التوسعية هي جوهر المشكلة عبر هذه السياسات الهجومية التي لا تراعي القوانين الدولية.

رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي ندّد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه، الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين، وذلك على الملأ عبر الدعم اللوجستي والعسكري، وكذلك السياسي في المحافل الدولية، وسأل مافريديس كيف لأوروبا أنّ تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي وهذه السياسات العثمانية، التوسعية التي يطبقها يومياً.

مشيراً إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة، لم تستخدم منذ وحتى خلال الحقبة النازية، الدكتور كوستاس مافريديس شدّد على أنّ الاتفاقات التي وقعها أردوغان مع ليبيا، لا تتطابق مع قوانين الأمم المتحدة أو القوانين الأوروبية، لأنّ تركيا لا تعترف بقبرص وهي بلد عضو في الأمم المتحدة وعضو في الاتحاد الأوروبي. وختم حديثه بالقول؛ إنّ سياسات أردوغان تهدّد استقرار المتوسط، مؤكداً أنّ لا دور لتركيا في ليبيا، بالتالي؛ فإنّ تدخّلها هناك سيحول ليبيا إلى سوريا أخرى.

أما د. نيازي كيزيليورك، النائب في البرلمان الأوروبي، عن قبرص فوضع التدخل التركي في ليبيا في خانة الصراع على مصادر الطاقة، ورأى أنّ أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية، وأضاف أنّ لقبرص الحق الكامل في استثمار مواردها من الطاقة ضمن حدودها البحرية لكن تركيا ترفض أن تعترف بهذه السيادة وبهذا الحق.

د. كيزيليورك تساءل في هذا الإطار عن سبب رفض أردوغان للتفاوض مع دول المنطقة للتوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويسمح بتوزيع الثروات من الطاقة ضمن القوانين المعمول بها دولياً.

النائب القبرصي أكّد أنّ رفض اردوغان لإجراء مثل هذه المفاوضات يحرم حتى القبارصة من الشطرين بهذه الثروات، محذراً من خطر التمادي في هذه السياسات على منطقة المتوسط، ومشيراً إلى فشل السياسة الخارجية التركية.

في المقابل؛ تحدّث الدكتور ماغنوس نوريل، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، عن السياسة الخارجية التركية لنظام أردوغان، ورأى أنّ "التدخّل التركي في ليبيا يجسد مرحلة ما بعد سياسة صفر المشاكل، وهي مرحلة مليئة بالمشاكل، وصفها بالسياسة التوسعية التي تهدّد الأمن والاستقرار.

الدكتور نوريل رأى أنّ "هذه الخيارات التوسعية باتت تشكل عبأ على تركيا، وخلقت لها مشاكل مع دول المنطقة كإيران ومصر. كما شدّد الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى على ضرورة تدخل أوروبا لمنع تصدير السلاح إلى ليبيا، وخصوصاً السلاح القادم من تركيا؛ لأنّه يتسبب بزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، ويشكل خطراً على بلدان المتوسط لقرب نظام أردوغان من الميلشيات المرتبطة بالإخوان المسلمين، بالتالي المجموعات الإرهابية.

وختم الدكتور نوريل بالتحذير من خطر الإسلام السياسي، الذي ما يزال يتمدّد في شمال أفريقيا، على الرغم من سقوط ما يعرف بخلافة داعش، معتبراً أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي، أكثر مما كانوا عليه سابقاً في سوريا والعراق، ومؤكداً أنّ تركيا، وبلا شك، تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين.

جان فالير بالداكينو، رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس، تحدث أيضاً عن السياسة التوسعية لتركيا في ليبيا، وركّز على مدى خطرها على الحرب التي تخوضها فرنسا على الإرهاب في أفريقيا، ومالي تحديداً.

ورأى جان؛ أنّ لتركيا أطماع في مصادر الطاقة في منطقة المتوسط، ضاربة عرض الحائط بالقوانين والأعراف الدولية، متمثلة في سياسة هجومية توسعية تستخدم الإسلام السياسي والقومية العثمانية لتبرير تدخلها في البلدان المجاورة.

رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس تأسف لعدم تعامل أوروبا بحزم مع حكومة أردوغان، خاصة في ملف النازحين وتسلل الإرهابيين إلى أوروبا من سوريا، بالتالي تحول هذا الملف إلى مصدر ابتزاز استغله أردوغان في تعامله مع أوروبا، مؤكداً أنّ أوروبا لديها مشكلة كبيرة مع تركيا، بسبب دعمها للإسلاميين بشكل واضح وصريح، وأنّ طموحات أردوغان هي وراء التوتر في المتوسط.

 

للمشاركة:



سنقصف سوريا حتى آخر جندي إيراني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

عبد الرحمن الراشد

إن داومت إسرائيل على قصف المواقع الإيرانية في سوريا كما تفعل، فإن إيران ستغادر وينتهي بذلك شبه الاحتلال للدولة الضعيفة المدمرة. فالقوات الإيرانية وميليشياتها لا ترد على الهجمات الإسرائيلية الموجعة، ولم يبدِ الروس، الشريك الأول، بدورهم اعتراضا، إلا تصاريح إعلامية عبروا فيها عن عدم رضاهم، قائلين إنه تصعيد خطير من جانب إسرائيل ضد المدنيين في دمشق ومحيطها، وإن هجماتها كادت تتسبب في إسقاط طائرة مدنية إيرانية.
وأقوى تصريح إسرائيلي ما قاله وزير الدفاع الجديد، نفتالي بينيت: «سنتحول من العمل الوقائي إلى العمل الهجومي، فهو الإجراء الوحيد الذي يضمن لنا طرد إيران خارج سوريا. وإننا نقول لهم، أي الإيرانيين، سنجعل سوريا فيتنام الإيرانية، وستواصلون النزف حتى مغادرة آخر جندي إيراني الأراضي السورية». ما يدور ليس حرباً بالمفهوم التقليدي، بل ضربات نوعية ومطاردة مستمرة.
ولا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي الملحوظ عن الهجمات الأميركية في سوريا، وإعادة تسليح بعض فصائل المقاومة السورية، وتزويدها بصواريخ كانت وراء إسقاط طائرتي هليكوبتر للنظام السوري.
وتبدو العمليات الأميركية الإسرائيلية المستمرة في سياق عمل مشترك للضغط على إيران حتى تخرج من سوريا، ودفعها إلى الخلف في العراق. وكان اغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس»، ومسؤول العمليات العسكرية الإيرانية في سوريا، قد تم في السياق نفسه، أي إخراج الإيرانيين من سوريا.
لكنّ في القصة سطوراً غير واضحة، حيث لا نرى لنظام دمشق أثراً، وفيما إذا كانت للاشتباكات المتعددة الجنسية في الحدود الشمالية مع تركيا علاقة بذلك! لا نرى نظام دمشق متحمساً للدفاع عن حليفه الإيراني، ولا الروسي مهتماً أيضاً، وتركت إيران معزولة تحارب وحدها. أما المعارك التي تدور رحاها بالقرب من حدود تركيا، فهي جزء من التصفيات النهائية للوضع السوري ذات الموضوعات المتعددة، منها نظام الحكم في الحل النهائي، واللاجئون، والتنظيمات المسلحة، وإخراج الأتراك والإيرانيين. لكن الجزء الذي يهم عدداً من دول المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، بشكل أكثر هو إخراج إيران. وهي لن تخرج إلا بعد المزيد من النزف، وخروجها سيسهل عملية الحل النهائي للأزمة السورية.
وبالنسبة لدمشق وروسيا فإن دور إيران انتهى، فقد موّلت الحرب وقاتلت حتى حمت النظام من الانهيار التام، والآن أصبحت إيران عبئاً على حليفيها. والفارق بين وجود روسيا وإيران في سوريا، أن الأولى تريد دمشق ضمن منظومتها في المنطقة، أما إيران فلها أهداف أوسع في سوريا؛ تريد أن تجعلها مثل لبنان، دولة تابعة ومنصة عسكرية في مواجهة إسرائيل، وتستخدم سوريا لتأمين وجودها في العراق، ضمن صراع النفوذ الإقليمي.
إن تم إخراج إيران من سوريا فسيكون أهم إنجاز سياسي وعسكري، حيث سيضعف نفوذها سريعاً في كل من العراق ولبنان، لهذا الهدف استراتيجي، والمهمة لن تكون سهلة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

حزب الله يسوّق بضاعة إيران الكاسدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

علي قاسم

لم تتوقف إيران منذ عودة الخميني من منفاه عام 1979، بعد أن أطاحت ثورة حدثت هناك بحكم الشاه، عن التهديد يوميا برمي إسرائيل في البحر، وتدمير الولايات المتحدة.

لا جديد في ذلك، المشكلة أن تصدّقَ أطراف عربية هذه الادعاءات وتسمح لإيران بإطلاق التهديدات من فوق أرضها.

وليست المشكلة أيضا، أن إيران وحكامها يصدقون أنهم أولياء الله على الأرض، فهم أولا وأخيرا يخدمون مصالحهم على حساب غيرهم من الشعوب، ولكن الكارثة أن تصدّقَ جهات عربية تلك الادعاءات.

بعد أيام من استهداف غارات إسرائيلية مقارّ تابعة لها في محيط مطار دمشق، اعتبر الحرس الثوري الإيراني أن الظروف الآن غير ملائمة لمواجهة إسرائيل. وقال حسين سلّامي، قائد الحرس الثوري في مقابلة تلفزيونية الاثنين، إن هناك إمكانات كبيرة للقضاء على إسرائيل “لكن الظروف ما زالت غير ملائمة”.

سلّامي نصح الإسرائيليين بعدم الاعتماد على الأميركيين، وأخذ العبرة من آخرين قال إنهم فعلوا ذلك ولم يحققوا أي نتيجة، وقال إن طهران بنت قدراتها على مستوى عالمي، لتصل إلى مستوى القوة العسكرية الأكبر في العالم، وأن هدف إيران يتمحور حول انهيار الكيان الصهيوني والقضاء على وجوده وعلى الوجود الأميركي في المنطقة.

إيران، حسب سلّامي، مستعدة لمواجهة سيناريوهات الحرب المختلفة مع الولايات المتحدة، وللانتقام من عملية اغتيال القيادي بالحرس الثوري قاسم سليماني.

وبالطبع لن تقوم إيران بهذه المهمة بنفسها، بل ستنيط بها وكلاء لها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله، فهو كما يقول سلّامي أقوى اليوم بعشرات الأضعاف مما كان عليه في حرب عام 2006، واستطاع التغلب على “التكفيريين” بعد أن بات أكثر تسلحا ومناعة وخبرة.

حزب الله، الذي يستمد شروط بقائه من خرافات يسوّقها آيات الله، لم يكذّب خبرا، وكشف عن نصب تمثال جديد لقائد ميليشيا “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في بلدة “مارون الراس” على الحدود اللبنانية.

وتداولت مواقع لبنانية لقطات تظهر تجمعا للعشرات من مناصري ميليشيا “حزب الله”، أثناء إزالة الستار عن التمثال وهو يشير إلى الأراضي المحتلّة من إسرائيل وخلفه العلم الفلسطيني، في بادرة رمزية، لا تخفى دلالاتها، أُريدَ من خلالها إيصال رسالة، ليس لإسرائيل فقط، بل لمخدوعين من العرب اعتقدوا طويلا أن غاية حزب الله هي تحرير فلسطين.

وكان سلّامي قد هدد خلال مراسم أربعينية قاسم سليماني في طهران التي جرت الأسبوع الماضي، بأن إيران “ستضرب إسرائيل والولايات المتحدة إذا ارتكبتا أقل خطأ”.

استهداف إسرائيل لن يكون من إيران فقط، كما أكد سلّامي، وكان الأجدر به أن يقول إن الاستهداف لن يكونَ من إيران مطلقا. وكما جرت العادة كانت أطراف أخرى موالية لطهران، وفي مقدمتها حزب الله، تقوم بالمهمة نيابة عن نظام الملالي، غير عابئة بالأضرار التي ستلحق بلبنان واللبنانيين، الذين يعانون من أزمة اقتصادية خانقة، أثارت غضب الشارع اللبناني.

ولم ينسَ سلّامي أن يؤكد شرعية التواجد الإيراني في سوريا، الذي تم بدعوة من الحكومة السورية حسب قوله، لمحاربة الجماعات الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدا أن طهران لن تتوانى ولن تتسامح في الدفاع عن أمنها القومي.

استطاعت طهران أن تسوّق بضاعتها الكاسدة في المنطقة العربية، مستعينة بحزب الله، ومستغلة غضب الكثيرين من احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، ولكنها فشلت في تسويق نفس البضاعة للدول الكبرى والمحافل الدولية، التي صنفت إيران بين الدول المتعاطفة إن لم تكن الداعمة للإرهاب.

حزب الله اليوم حسب دراسة صادرة عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” بواشنطن، هو الفاعل غير الحكومي الأكثر تسلحا في العالم، وتستشهد الدراسة بأرقام تشير إلى أن الحزب امتلك خلال حرب 2006، 15 ألف صاروخ بينما يمتلك حاليا 130 ألف صاروخ، حاولت الدراسة أن تقنعنا أنها تشكل تحديا لسلاح الجو الإسرائيلي، وتجبر إسرائيل على استخدام قوات المشاة في أي حرب قد تقع بين الطرفين، وهذا ما ينشده حزب الله.

قد يكون رأس أفعى الشر مستوطن في طهران، ولكن الحل لن يكون إلا في عواصم دول عربية، عملت إيران كل جهدها على توتير الأوضاع الداخلية فيها، بدءا من بغداد ومرورا بدمشق وبيروت، وصولا إلى صنعاء.

ماذا قدمت طهران للعراق وسوريا ولبنان واليمن، سوى المساهمة في خلق الأزمات وتأجيجها؟

باتت الغالبية العظمى في تلك الدول تدرك أن الحل لن يكون إلا صناعة محلية، وأن إيران لن تكون أحن عليهم من أنفسهم.

هناك أكثر من سبب يدفع إيران إلى القلق، بدءا من العراق، حيث اقترب فيه العراقيون من تجاوز خلافاتهم الطائفية، التي سوّق لها ملالي طهران، وصولا إلى سوريا التي تشير فيها خارطة المعارك إلى سيطرة القوات الحكومية على الوضع، في وقت لم يعد يذكر فيه السوريون اسم إيران إلا للتعبير عن التذمر.

وفي اليمن يبحث الجميع عن مخرج لأزمة افتعلتها إيران هناك، ويتساءل اليمنيون عن سبب للاقتتال في ما بينهم، فلا يجدون من سبب لذلك سوى وهمٍ وأكاذيب سوّقتها طهران وصدقوها في غفلة منهم.

عزل إيران وعودة الوعي لهذه الدول الثلاث، سيحيي الأمل في أن يراجع حزب الله، الذي اختطف الدولة في لبنان، سياساته الخاطئة ويدرك أن عاصمة لبنان هي بيروت وليست طهران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

علي الدين هلال
المتابع لحركة السياسة التركية داخليا وخارجيا، لا بد أن يتضح له أنها تعبر عن رؤية للمستقبل كما يتصوره الرئيس أردوغان، وأنها رؤية تخالف الأسس التي قامت عليها دولة تركيا الحديثة وأسسها كمال أتاتورك، وأنها تسعى لاستعادة حلم الإمبراطورية العثمانية أو ما يسمى باسم "العثمانية الجديدة"، وهي مجموعة من الأفكار التي تزاوج بين المبادئ التي قامت عليها تركيا الحديثة والتقاليد الإمبراطورية العثمانية.

من أهم مظاهر هذا التفكير الدعوة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، والمعاهدات الدولية التي تم توقيعها وقتذاك والتي مثلت الأساس القانوني لنشأة الجمهورية التركية، بحجة أنها ترتيبات مجحفة بحق الأتراك. ولكي نفهم ذلك، نتذكر أن الحرب العالمية الأولى 1914-1918 دارت بين طرفين؛ الأول تحالف كان أبرز دوله المملكة المتحدة وإيرلندا وفرنسا وإيطاليا وروسيا، والثاني تحالف بين ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية.

وانتهت الحرب بانتصار الطرف الأول وفرض شروطه على الدول المهزومة، ووضع الأسس للعلاقات بين الدول وإقامة منظمة عصبة الأمم. كان من هذه الشروط، استقلال بعض الولايات والأقاليم التي كانت خاضعة لهذه الدول أو وضعها تحت نظام الانتداب، وفقا لميثاق عصبة الأمم.

وبالنسبة للإمبراطورية العثمانية اتخذت هذه الترتيبات عدة أشكال. كان أولها معاهدة سيفر الموقعة في أغسطس/آب 1920، والتي بمقتضاها قُسمت أقاليم الإمبراطورية، ومنح الاستقلال للقوميات غير التركية وفرض النفوذ الغربي عليها، ومثل ذلك صدمة مروعة للأتراك وبالذات فيما يخص الحدود مع اليونان فشنوا حربا ضدها خلال الفترة 1922-1923.

وانتهت بانتصار القوات التركية، ودعوة الحلفاء إلى مؤتمر دولي في مدينة لوزان السويسرية 1923، ورأس الوفد التركي عصمت أنونو (1884-1973) أحد أبرز الساسة الأتراك الذي أصبح الرئيس الثاني للجمهورية بعد وفاة أتاتورك عام 1938. واستمرت جلسات المؤتمر لمدة ثلاثة شهور، وفي نهايته تم التوقيع على معاهدة لوزان الثانية، التي أنشئت دولة تركيا الحديثة في حدودها الراهنة.

تتكون هذه المعاهدة من 143 مادة موزعة على 17 وثيقة بين اتفاقية وميثاق وملحق، وتناولت ترتيبات الصلح بين الدول أطراف المعاهدة وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا الحديثة والحلفاء، وفقا لقواعد القانون الدولي.

ونصت المعاهدة على رسم حدود الدولة التركية مع اليونان وبلغاريا وأصبحت أرمينيا الجمهورية دولة مستقلة، وحلت النزاعات الإقليمية بينها والدول الأوروبية الأخرى. وبالنسبة للمنطقة العربية فقد أنهت أي صلة سياسية أو قانونية مع قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام التي ضمت سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، ووضعت قواعد لتنظيم التجارة والإقامة والقضاء، فنصت على ضرورة التزام الدولة التركية الجديدة بحماية حقوق جميع مواطنيها والمساواة أمام القانون بغض النظر عن الأصل والقومية واللون والدين،

وبعدم وضع أي قيود على اختيار أي لغة يختارونها، وأنهت العمل بنظام الامتيازات الأجنبية الذي تمتعت به الدول الأوروبية، ووضعت القواعد الخاصة بتقسيط الديون العثمانية وقواعد المرور في المضائق المائية التركية واعتبارها ممرات دولية لا يجوز لتركيا تحصيل رسوم مرور من السفن العابرة فيها. وقد نصت المعاهدة أيضا على حماية حقوق الأقلية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية بتركيا والأقلية المسلمة باليونان.

تحدث أردوغان في هذا الأمر أكثر من مرة وعبر عن رغبته في مراجعة آثار هذه الاتفاقية واستعادة الحقوق التي اغتصبتها الدول المنتصرة في الحرب الأولى، فقال إن خصوم تركيا أجبروها على توقيع معاهدة سيفر 1920 وتوقيع معاهدة لوزان 1923، وترتب على ذلك تنازل تركيا عن جزر تابعة لها في بحر إيجة، ووصف معاهدة سيف بأنها الشوكة الأولى في الظهر العثماني، لأنها أجبرتها على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها.

وحسب اعتقاده، فإنه بعد مرور قرن من توقيع الاتفاقية ونشأة الدولة التركية الحديثة، فإنه يجوز إعادة النظر في هذه الترتيبات؛ ومنها مثلا فرض رسوم على السفن المارة في مضيق البسفور، والتفكير في حفر قناة تربط بين البحرين الأسود ومرمرة التي كانت تحظرها معاهدة لوزان. وهو اعتقاد لا يوجد له أساس في المعاهدة.

وتبقى قضية ولاية الموصل، التي تدعي تركيا وجود علاقة خاصة معها، وذلك بسبب خضوعها للإدارة العثمانية لمدة 4 قرون من عام 1534 إلى عام 1918، ولوجود أعداد كبيرة من التركمان الذين ينتسبون لأصول تركية ويعيشون فيها. والحقيقة أن وضع "الموصل" تعرض لتغيرات تستحق التسجيل، ففي اتفاقية "سايكس بيكو" بين بريطانيا وفرنسا في عام 1916، كانت الموصل ضمن منطقة النفوذ الفرنسي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1918، احتلت القوات البريطانية الموصل، وألحقتها بأراضي العراق التي احتلتها خلال سنوات الحرب.

وأثار ذلك غضب فرنسا، وحدثت مقايضة بين الدولتين، فتخلت فرنسا عن الموصل مقابل لواء الإسكندرونة شمال غربي سوريا. رفضت تركيا هذه الإجراءات مؤكدة حقها في الموصل مدعية أن قواتها انسحبت منها طواعية. فقامت عصبة الأمم ببحث الموضوع ومحاولة الوصول إلى تسوية مرضية للطرفين، ولكنها لم تنجح فاتخذت قرارا في 1925 بتبعية الموصل إلى العراق. لم تقبل تركيا بالقرار، وبدأت مفاوضات تركيا بريطانية انتهت بتوقيع اتفاقية أنقرة التي وقعت عليها أيضا المملكة العراقية في مايو/أيار 1926.

أقرت الاتفاقية بتبعية الولاية للعراق وتنازل تركيا عن ادعاءاتها فيها، وترسيم الحدود بين البلدين. وإثر ذلك اعترفت تركيا بالعراق في مارس/آذار 1927. نصت الاتفاقية أيضا على حصول تركيا على 10% من عائدات نفط الولاية لمدة 25 سنة، وأعطت تركيا حق التدخل العسكري في الموصل وشمالي العراق لحماية الأقلية التركمانية إذا تعرضت لاعتداء أو تهددت وحدة الدولة العراقية.

ورغم ما يبدو أن معاهدة أنقرة قد أنهت الوضع القانوني لولاية الموصل، فإن ذلك غير صحيح فقد كانت هناك معارضة في البرلمان أثناء عرضها للموافقة عليه، ووقتها قال كمال أتاتورك إن تركيا سوف تعمل على استعادة الموصل في الوقت المناسب، أي عندما نكون أقوياء.

وتحدث الرئيس تورجوت اوزال الذي حكم تركيا خلال الفترة من 1989 إلى 1993 عن ضرورة إقامة حكم ذاتي للأقلية التركمانية في العراق. وطالب الرئيس سليمان ديميريل في عام 1995، بضرورة تعديل الحدود بين البلدين لأسباب تتعلق بالأمن التركي، وأن الموصل ما زالت مرتبطة بتركيا. وفي 2003، صرح وزير الخارجية عبد الله جل – الذي أصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد- بأن تركيا سوف تحصل على حقوقها من النفط بالأساليب القانونية.

تعتبر تركيا اليوم أن هذه الاتفاقية أقرت بالعلاقة الخاصة بينها والموصل، وأن ما يحدث فيها يرتبط بالأمن التركي، وكان من تجليات ذلك أن أردوغان صرح في سبتمبر/أيلول 2016، بأن العراق يحتاج إلى عمل عسكري مشابه لعملية "درع الفرات" التي نفذتها تركيا في سوريا، وطلبت الحكومة التركية من العراق المشاركة في معركة تحرير الموصل من سيطرة "داعش".

وتشير كل هذه التصريحات إلى أن النخبة السياسية الحاكمة في تركيا تعتقد أن اتفاقية أنقرة تم فرضها على الجمهورية التركية الوليدة وهي في مرحلة ضعف وفي حاجة لمساعدة الدول الغربية، وأنها اتفاقية غير عادلة ومن الضروري تعديلها، وأن من حقهم التدخل في شمال العراق إذا تعرض الأمن القومي التركي لتهديدات نابعة من هذه المنطقة، وأن الاتفاقية تقوم على أساس أن هناك "وحدة العراق"، وأنه إذا تعرضت هذه الوحدة للتهديد فإن الاتفاقية تكون قد فقدت أساسها وأصبحت ملغاة.

من الواضح أن أردوغان يشعر أن لديه "فائض قوة" يتيح له الفرصة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إن لم يكن من الناحية القانونية فمن خلال خلق واقع جديد على الأرض.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية