بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟

بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟

مشاهدة

29/12/2019

هناك جملٌ يتمّ تداولها كحقائق في مجتمعاتنا تجاه أطفال هذا الجيل: (يا لهذا الجيل! جيلٌ لا يطاق، أشقياء لا تسعهم أرضُ، صفيقو الوجه، ليس فيهم ذرة احترام، لاشيء يخيفهم أو يردعهم)، إنّ الأحكام السابقة تستند على العنف الذي ينطوي عليه سلوك أطفالنا، هذا السلوك الذي أصبح يشكّل قلقاً إضافياً لعالمنا، عالم الكبار؛ ولكن ماذا لو ذهبنا لنتقصى الحقائق في مكان مختلف؟ ماذا لو ذهبنا إلى نوم هؤلاء الأطفال؟ ربما نعثر على صورة مغايرة هناك؛ فالأحلام قد تمكننا من العثور على مفاتيح الواقع الضائعة.

اقرأ أيضاً: أطفال داعش.. هل تمّ استثناؤهم من اتفاقية حقوق الطفل؟
في استبيانٍ غير علمي أجرته كاتبة المقال شمل مئتي طفل وطفلة تراوحت أعمارهم بين 12و13 عاماً، ضمّ ثلاثة أسئلة: بماذا تحلمون؟ ممَّ تخافون؟ ما الذي يزعجكم؟، حيث شغلت أحلامٌ مشتركة ليلَ أغلب هؤلاء الأطفال، متباينة في التفاصيل، إلّا أنّها تصبّ في ذات المجرى، وعلى الرغم من أنّهم من مناطق تُعدّ آمنة نسبياً، مقارنة مع مناطق النزاعات المسلّحة، إلا أنّ قسماً من أحلامهم كان يتعلق بالحرب وتداعياتها، وقد اتسمت بالوضوح والمباشرة والبعد عن الرمزية التي تغلّف الأحلام، أما القسم الآخر فقد انطوى على دلالاتٍ رمزية، كانت تصبّ في علاقة الطفل بأسرته، وعلاقة الأسرة به.

تمتلك الحرب قدرة على تعرية كل شيء حتى الأحلام فجُلّ أحلام الأطفال تمحورت حول رؤية مقتل مقرّبين لهم وقطع رؤوسهم

تمتلك الحرب قدرةً مذهلة على تعرية كل شيء حتى الأحلام، فجُلّ أحلام الأطفال تمحورت حول (رؤية مقتل مقرّبين لهم وقطع رؤوسهم والتمثيل بجثثهم، أو هجوم داعش على منطقتهم وتعذيب أسرهم، أو تعرّضهم للخطف، أو للتفجيرات، وكان للمقربين ممن هاجروا بسبب الحرب حصة في أحلامهم)، لهذا فإنّ ما يقضّ مضاجعهم هو ما أفرزته الحرب في واقعهم، مِن خطفٍ وقتلٍ وسرقة، يضاف إلى ذلك ما يصلهم من أخبار، ومتابعة ما حدث ويحدث في مناطق التوتر، كل هذا يشير إلى الأثر العميق الذي تركته وما تزال تتركه الحرب في أطفالنا، فما يطفو على وسائدهم يعكس بوضوحٍ حجم الخوف والقلق الذي يعتريهم.
لا شك أنّ الأسرة في أي ظرفٍ كان، تتحمّل مسؤولية النمو النفسي لأطفالها، وهذه المسؤولية تحتّم عليها تأمين الحماية والأمان، وقد تساعد الأحلام التي تلعب دور المرآة في الكشف عن أثرنا التربوي على سلوكهم، مما يساعد في حلِّ الكثير من المشكلات العالقة بيننا؛ فالقسم الثاني من أحلام الأطفال في الاستبيان، تكررت لدى أغلبهم صور مثل: (أسرتي تتخلّى عني، إنهم يسافرون ولا يقبلون أخذي معهم، وأبقى وحيداً وخائفاً في المنزل)، (هناك عجوز وأحياناً ساحرة تقوم بتعذيبي أمام أهلي، وأستنجد بهم لكنهم يطلقون الضحكات بدل أن ينجدوني)، (إنني ضائع ووحيدٌ في مكانٍ مهجور، أنا عالقٌ في مكانٍ مخيف، أصرخ منادياً عائلتي، لكنهم بعيدون، وأحياناً كانوا يلتفتون إليّ ويضحكون).

اقرأ أيضاً: الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات
إنّ رمزية أحلام الأطفال البسيطة تحيل إحالة مباشرة إلى المشكلة، وما يتضح من أحلامهم أنّ المشكلة ترتكز على إحساسٍ عام بين الأطفال بعدم الأمان وبالوحدة وبالتخلّي وبالخذلان والعجز؛ فحلم الساحرة يسميه هانز هوبف، العالم الألماني المتخصص بعلم نفس الطفل، بـ"حلم العجز"، ومردّ ذلك أنّ الطفل يتعرض في حياته اليومية إلى رقابة شديدة، وتُمارس عليه سطوة زائدة، بالإضافة إلى قائمة طويلة من الممنوعات، هذا الحلم وغيره من الأحلام يشير إلى عدم اكتراثٍ واضح بمشاعر الأطفال، أو عدم الاكتراث بوجودهم أصلاً، وأنّنا لا نراهم سوى زمرة فاسدين من الأشقياء لا ينصاعون لشيء؛ فهؤلاء الذين لا يخيفهم ولا يردعهم شيء في النهار، من أين يتسرب إلى أحلامهم كل هذا الخوف؟ المشكلة تبدأ معنا إذن! منذ البداية نحن لم نوفّر لهم الحماية، لقد تركناهم يتعرضون لشتى أنواع الخوف، ثم حمّلناهم مسؤولية تجاهلنا لمشاعرهم كاملةً.

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
ربما تتضح الصورة أكثر في معرض إجاباتهم على السؤال الثاني: ممَّ تخافون؟ لقد كانت الإجابات متناغمةً مع أحلامهم، فمعظم المخاوف تتعلّق (بموت أحد المقربين، بالحرب والإرهاب، بالغدر والخيانة، بالاستغلال، بالخوف من الامتحان، بالإحساس بالفشل، بغضب الوالدين، بالسكون، بالعتمة، ويضاف إليها التنمّر الذي يتعرضون له من الأقران الأقوياء جسدياً)، من اللافت أنّ وضوح هذه المخاوف يحاكي وضوحَ أحلامهم، فكلاهما يؤكد على ما يعانيه الأطفال في هذه المرحلة العمرية، وأقلّ ما يتطلب هذا الوضوح أن نحاول فهم أزمات أطفالنا، قبل أن نطلق عليهم أحكامنا القاتلة، هذه الأحكام التي أنتجت القهر في إجاباتهم على السؤال الثالث. ما الذي يزعجكم؟

اقرأ أيضاً: لماذا نورث أطفالنا ما كان وبالاً علينا؟
الصورة كانت واضحة أمامهم، بينما لا اعتقد أنّها كذلك بالنسبة لنا نحن الكبار؛ إذ إنّ ما يزعجهم يدور حول: (تدخل الآخرين في أموري الشخصية، الكذب، التهديد، الاستفزاز، الاستهزاء، إجباري على فعل ما لا أريده، خلافات الوالدين، محاصرة الوالدين)، بالإضافة لذلك هناك إجابة اشترك فيها الأطفال من الإناث وهي: (القيود التي تفرضها الأسرة والمجتمع عليهن)، إنّ ما يخيف ويزعج أطفالنا ويجنح في أحلامهم، ليس إلّا ما صنعناه وقدمناه لهم، فهم لم يولدوا على رؤوس الأشجار، وإن كانت إجاباتهم المتشابهة تدلّ، فستدلّ حتماً، على أنّ مناخاً واحداً يخيّم فوقهم.

اقرأ أيضاً: كيف نربّي قنّاصاً بارعاً؟
كان تفاعل الأطفال في ستة صفوفٍ دراسية مع الاستبيان كبيراً، فلم أرهم من قبل بهذا الانهماك والاهتمام، لقد انكبوا على الأوراق يحيطونها بسريةٍ تامة، وبعد أن فرغوا من الإجابة، قاموا بطيّها جيداً قبل تسليمها، وحين أخبرتهم أنّي سأكتب عن أحلامهم ومخاوفهم، فرّت الضحكات من عيونهم، وارتفعت أصواتهم (نحن لم نحظ بهذا الاهتمام من قبل، لم يسألنا أحدٌ هذه الأسئلة)، هذه الاعترافات لا يمكن إلّا أن تشعرنا بالخجل من أنفسنا، فنحن في الحقيقة بدل أن نستمع إليهم، نُسْمِعهم؛ لأننا لا نجرؤ على الاعتراف أنّنا من سبّب مشاكلهم وأزماتهم؛ فالأطفال في هذه المرحلة العمرية لا يحتاجون إلى نبش ما بدواخلهم، ولا لاقتراح الحلول التي لم تنجح حتى الآن في شيء، إنّهم يحتاجون فقط إلى من يستمع لهم باهتمامٍ وحبٍّ، وإلى مشاركتهم هواجسهم ومخاوفهم.

نجحنا في تحويل أحلام أطفالنا إلى كوابيس، لقد دسسنا في نومهم حساء الخوف الذي صنعناه لهم في اليقظة

ولكن قد يكون الأمر في المراحل العمرية الأصغر مختلفاً جداً، فعند سؤالي لطفلٍ في عمر الثامنة عن حلمٍ يتكرر لديه -وهو طفل قادم من إحدى مناطق التوتر، وتشكو مدرسته من سلوكه العنيف-  ردّة فعله كانت صادمة، لقد أجهش بالبكاء وبدأ يتقيأ، وعندما حاولت تهدئته، وضع يديه على أذنيه خوفاً من أن أعيد السؤال عليه مرّةً أخرى، هنا يمكن أن نشاهد فداحة ما يحلم به أطفالنا كلما كانوا أقرب إلى مناطق النزاع، فنحن والحرب نجحنا في أن نحوّل أحلام أطفالنا إلى كوابيس، لقد دسسنا في نومهم حساء الخوف الذي صنعناه لهم في اليقظة، ثم لم ننتبه إلى أنّها وجبة قاتلة؛ فالسلوك الذي يصدر عن أطفالنا ونصفه بالعنيف هو النتيجة المنطقية لقانون السببية؛ (لكل فعلٍ ردّة فعلٍ تساويه بالشدّة وتعاكسه بالاتجاه)، نحن من بادر بالعنف، وليست ردّات أفعالهم إلا لأننا نسيناهم في العتمة، في فائض خوفنا وقلقنا وعنفنا، ولكي نراهم ملائكة عليهم أن يغرقوا بصمت، وإلّا فهم الشياطين.
لطالما وقفنا نحن الكبار أمام أحلامنا وحاولنا فتح مغاليق إشاراتها ورموزها، بينما لم يكترث أحدٌ منّا لأحلام أطفاله، وبالرغم من وضوح ومباشرة أحلام الأطفال، إلّا أنّها بقيت على هامش اهتماماتنا، هذه الأحلام التي قد تكون طريقاً إلى فهم أرحب، يُجنّبهم الخوف ويجنّبنا المعاناة، ولكن كيف لمجتمع أن يصغي لأحلام أطفاله، وهو لا يقيم اعتباراً لوجودهم أصلاً؟

الصفحة الرئيسية