لماذا يُفكّر أطفالنا بالهجرة إلى المريخ؟

لماذا يُفكّر أطفالنا بالهجرة إلى المريخ؟

مشاهدة

11/11/2020

أحد الحلول التي بات يقترحها الأطفال لتلوّث الأرض في درس الجغرافيا هو الهجرة إلى المريخ، ولكنّ المفاجئ هذا العام تنامي مخيّلتهم؛ فعلى حدّ قولهم إنّه تمّ البدء ببناء بيوتٍ على سطح المريخ لاستقبال سكّان الأرض. إنّ التفحّص في إجابة هؤلاء الأطفال يعكس أمرين في غاية الخطورة؛ الأوّل يُشير إلى النقلات الكبيرة التي أحدثتها التقنيّة في تشكيل إدراكهم، سيما وأنّ أحد إنجازاتها "الموبايل، التاب" بات يُرافق نموّهم منذ طفولتهم المُبكّرة، والثاني هو فائض المعلومات الذي توفّره مواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي يفتقر الكثير منها إلى المصداقيّة العلميّة، ما يُشكّل لدى الأطفال إدراكاً سطحياً تدعمه المنظومة التربويّة، التي تعاني أساساً من تأخّر علمي ومعرفي واستسهال معرفي أوصل الأطفال إلى استبدال كوكبٍ بكوكب، وكأنّهم يتحدثون عن استبدال حذائهم القديم بحذاءٍ جديد.

عدم قدرة الفرد على ربط الأسباب بالنتائج يؤسس لديه غياب الحس السببي وانعدام القدرة على الربط المنطقي والواقعي

قد تكون أهمّ أعراض الاستسهال المعرفي لدى الفرد، هي عدم قدرته على ربط الأسباب بالنتائج، ممّا يؤسس لديه غياب الحس السببي، وانعدام القدرة على الربط المنطقي والواقعي، كما أنّ غياب الحس السببي، يُقلّص إحساسه بالعمق والمعنى، فيصبح العالم الذي يحيا فيه عالماً سطحياً ومائعاً وفاقداً للمعنى، إلّا من المعاني والقيم التي تُكرّس ويكرّسها غياب كل من الحسّ والذاكرة الإنسانيّة، واللّذين سيبيح ويعمّم فقدانهما لاحقاً استسهال الغباء والعنف، حيث أصبحا السمة الأبرز في المجتمعات البشرية، وقد حذّر باكراً من مغبّة ذلك الفيلسوف والروائي "أمبرتو إيكو"، بقوله: "مع الانترنت وفي لمحة بصر، تجد بحوزتك كل المعلومات، وبالمقابل ليس بمقدورك أن تُميّز بين المعلومة الصحيحة والمعلومة الخاطئة، وهذه السرعة تتسبب في فقدان الذاكرة، خاصّةً للأجيال الشابة. وفرة المعلومات المُتعلّقة بالحاضر لا تسمح لك بالتفكير في الماضي، إنّ هذه الوفرة هي بمثابة خسارة، وليست ربحاً؛ فالذاكرة هي هويتنا، وهي روحنا، إذا حدث وفقدت ذاكرتك فإنّك ستصبح وحشاً".

إنّ الذاكرة التي قصدها "أمبيرتو إيكو"، هي التي بدأت تنحل داخل انعدام الحس السببي؛ إذ ليس من المعقول أن نطلب من طفل أن يكون مسؤولاً في عالمٍ لا مسؤول، عالم تخلّينا فيه عن كل مسؤولية يمكن أن تُحدث فرقاً في  الواقع، فعندما نُعلّم أطفالنا مالا نقوم به ونحاسبهم عليه، سيبدو الأمر مضحكاً حقاً، وكأنّ المُطالَب الوحيد في تصحيح مسار الأرض هو الطفل، وهذا ما يساهم وربما يؤسس لبداية انفصال أطفالنا عن الواقع، فبدل أن نكون نحن وهم جزءاً من الحل، سيصبح كلانا جزءاً من المشكلة، أو المشكلة بحدِّ ذاتها، ومن جهةٍ أخرى هناك النكبة التقنية التي أفقدتنا وتُفقد أطفالنا أهمّ عنصرين يشكّلان دعامة الحياة (الانتباه والاهتمام)؛ إذ إنّ فقدانهما جعل من تصورات الأفراد تصورات مطلقة ومعزولة، ينظر من خلالها كل فرد إلى نفسه على أنّه المالك الحصري للحقيقة، ولكنّها الحقيقة التي أُنتجت في مخابر التوحّش الرأسمالي، وحوّلت الجميع إلى مستهلِكات فظّة لكل شيء، أي إلى وحوش "إيكو".

اقرأ أيضاً: هل تمنحنا التكنولوجيا السعادة؟

 ففكرة استيطان المريخ التي شكّلت عامل اطمئنان افتراضي في مخيّلة أطفالنا، نجد ما يحاكيها لدى داعمي فكرة ملاجئ الإنقاذ من نهاية العالم، لكنّها هنا تشكّل عاملَ اطمئنانٍ واقعي؛ فبحسب تقرير لمجلة "ذي نيويوركر" فإنّ أكثر من نصف المليارديرات في وادي السيلكون (عاصمة شركات التكنولوجيا المتقدمة في الولايات المتحدة الأمريكية) استعدوا لنهاية العالم المحتملة، فهناك تسابق على بناء الملاجئ المترفة تحت الأرض وفي البحر خوفاً من نهاية العالم، وقد جُهّزت هذه الملاجئ بمعداتٍ تساعد من يقطنها في البقاء على قيد الحياة في حال اندلاع حربٍ نووية، أو اصطدام كوكب ما في الأرض، أو ما يمكن أن ينتج عن التلوث البيئي من كوارث، وتحتوي على إمدادات غذائية ولوجستية تكفي للعيش لعام كامل وبترفٍ كامل.

والملفت في الآونة الأخيرة، وبعد انتشار فيروس كورونا بالتحديد، ازدياد الطلب على الملاجئ بحسب تصريح "غاري لينش"، مالك الشركة التي تقوم ببناء وصيانة الملاجئ تحت الأرض، لكن هذه المرة ليس خوفاً من الشتاء النووي الناتج عن حربٍ نووية، أو بسبب احتمال اصطدام كوكب بالأرض، ولا حتى خوفاً من عدوى فيروس كورونا، إنما لأنّ أصحاب الملايين في الولايات المتحدة الأمريكية يخشون انفجار الوضع الاجتماعي، وما يرافقه من عنفٍ بسبب انتشار الوباء، ممّا يُشكّل خطراً عليهم ويدفعهم إلى حجز هذه الأمكنة؛ إذ ليس هناك ما سيحميهم على الأرض من فورة المواطنين الغاضبين المحتملين. إنّ هؤلاء ينظرون إلى النتائج، ولكن في غياب الحس المنطقي، لا أحد منهم يولي أهمية إلى الأسباب التي ستجعل من الغاضبين المحتملين الخطر الأكبر على وجودهم.

إنّ التقنية التي حملت تفكير الأطفال على الهروب إلى المريخ هي نفسها التي جعلتهم يتراجعون عن التفكير في ذلك

وبينما الأنظار تارةً موجهة إلى باطن الأرض للاحتماء، وتارةً إلى الفضاء بوصفه إمكانية لحلّ مشاكل الأرض أو الهروب منها، نجد أنّ أكثر نشاط مفضّل لرواد الفضاء أنفسهم، هو مشاهدة الأرض من مواقعهم الفضائية، هذه المشاهدة التي غيّرت كثيراً في طرق تفكيرهم، حيث تجاوزت الأوطان لديهم مفهومها الضيّق المُحدّد بقرية أو مدينة أو دولة، إلى مفهوم أوسع هو (الوطن الأرض) فجميع رسائلهم الموجّهة إلى الأرض تصبّ في حمايتها والحفاظ عليها، وليس تغييرها بكوكبٍ آخر. يُصرّح رائد الفضاء الألماني "ألكسندر غرست"، قائلاً: "يمكنك بالفعل أن ترى حرباً من الفضاء.. بمرحلة ما لو تواجدت حياة ستزورنا من جزء آخر من الكون، فإنّ هذا أول ما ستراه، نحن نقتل بعضنا، ندمر غابات الأمازون المرئية جداً جداً من الأعلى، كيف سنُفسّر لهم ما نفعله؟ كيف سنُفسّر لهم أنّنا نطلق على حياتنا وصف الـ "حياة ذكية" في الوقت الذي نُدمّر فيه الوطن الوحيد الذي لدينا".

اقرأ أيضاً: هل الخوف على أطفالنا يحميهم؟

ليس الأمر بحاجة لريادة الفضاء حتى نُغيّر من طريقة تفكيرنا؛ إنّ التقنية التي حملت تفكير الأطفال على الهروب إلى المريخ هي نفسها التي جعلتهم يتراجعون عن التفكير في ذلك، فما أن رأوا صوراً فضائية للمريخ، وشاهدوا صحراءه القاحلة ومنظره الموحش والكئيب، حتى بدؤوا بالتنظيف تحت مقاعدهم، ولكن ماذا عن الذين يلوثون الحياة بحروبهم السياسية والاقتصادية والدينية؟ من سيقنعهم بتنظيف عقولهم من قمامة الجشع والأيديولوجيا، من سيقنعهم أنّ رائد الفضاء في ظلال وحشة الكون وعتمته التي تبتلعه، ليس لديه سوى حلم العودة إلى وطنه الأرض.

الصفحة الرئيسية