هل الخوف على أطفالنا يحميهم؟

هل الخوف على أطفالنا يحميهم؟

مشاهدة

22/09/2020

 يُعتبر الخوف على الطفل واحداً من القيم الاجتماعيّة المتجذّرة في أنماطنا التربويّة، ومن الطبيعي أن يرى الجميع هذا الخوف أنه: المرادف الواقعي  لإحساسنا بالمسؤوليّة تجاه الطفل، فمع تفشي فيروس كورونا، أصبحت صورة هذا الخوف أكثر حدّةً، خاصةً حين دخلنا مؤخراً في متاهات خشيتنا حول إرسالهم أو عدم إرسالهم إلى المدرسة، فالجميع يقف حائراً وخائفاً أمام القرارات الواجب اتخاذها في هذه المواجهة.

يُعتبر الخوف على الطفل واحداً من القيم الاجتماعيّة المتجذّرة في أنماطنا التربويّة

ولكن ماذا لو كان هذا الخوف مقصوداً بذاته؟ مصنّعاً على مقاس إدراكاتنا، ألا يستدعي ذلك أن نعيد قراءة كل شيء بطريقة مختلفة، أو بطريقةٍ لا يُراد لنا أن نفكّر بها؟ فربما هناك من يشتت فهمنا للمسؤولية، ويجفّف الحب في صلبها، ثم يفصلها عن الجذر العميق الذي يشكّلُها: الاهتمام.

اقرأ أيضاً: الخطاب التربوي القائم على الإلغاء.. هل يولد العنف؟

ساهمت الفيزياء الحديثة بإعادة الاعتبار لكثير من الفعاليّات النفسية، وفهمها فهماً واقعياً بعيداً عن الأحبولات الميتافيزيقيّة التي كانت تلفّها، وقد يكون أهم اكتشافاتها أنّ الأحاسيس البشرية هي التجلّي الفيزيائي لإشاراتٍ غير ملموسةٍ، تمتلك تردّدات متذبذبة، بالإمكان قياسها مخبرياً، وقد خلصت نتائجها إلى أنّ هناك إحساسين فقط يشعر بهما الإنسان، (الخوف والحبّ)، بينما الأحاسيس الأخرى تتشعب منهما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن خلال تجارب الفيزياء الحديثة تم تحديد شكل الخوف على أنه تردّد موجيٌّ طويل وبطيء، بينما الحب الذي يقف على النقيض، تم تحديده كتردد سريع وعال، أو ما يمكن اعتباره الوجود الحيويّ والنشط.

على ما يبدو هناك من يستثمر الخوف بفاعلية عالية ويدير محركاته بكفاءة

كما يمكن الاستفادة أيضاً في فهم الأحاسيس من تجارب البيولوجيين المتخصصين في دراسة الخليّة الحيّة للإنسان، إذ يجمعون على أننا لا نمتلك حالياً في جيناتنا سوى 20 شيفرة مفعّلة، من أصل 64 شيفرة محتملة في حمضنا النووي، ويعود هذا العدد القليل إلى أنّ هناك مفتاحاً يشغّل ويطفئ هذه الشيفرات، وقد نتفاجأ لمعرفتنا أنّ هذا المفتاح هو الأحاسيس، فالأحاسيس تتفاعل مباشرة وفيزيائياً مع جينات الإنسان.

اقرأ أيضاً: من يُغلق أفواه أطفالنا بحلوى المصاص؟

والخوف باعتباره موجة طويلة وبطيئة من المشاعر، فإنه يلمس نسبياً مواقع قليلة من الحمض النووي، مما يعني أن شخصاً يعيش في حالة من الخوف، محصور بعدد مواقع الاستشعار المتوفرة لديه؛ أي إنّه ينطوي على محدودية ضيّقة في التفكير وقابلية كاملة للقسر والإذعان والتسلط، بينما الشخص الذي يعيش في حالة من الحبّ، يمكن أن نلاحظ لديه تردداً أعلى وموجة أقصر، فهو يمتلك مواقع محتملة أكثر للتشفير داخل الحمض النووي، بالتالي قدرة غير محدودة على الابتكار والخلق والإبداع والنشاط والفرح.

لا يمكن للإنسان أن يهتم بما لا يحب فالخوف والاهتمام ينتميان إلى حقلين مختلفين

على ما يبدو هناك من يستثمر الخوف بفاعليةٍ عاليةٍ ويدير محركاته بكفاءة، فأنماط الهيمنة كافةً لا تتشكل إلّا في انحسار حريّة الفرد وإرادته، وليس هناك أداةً أفضل من الخوف لتحقيق ذلك، لقد نجحت الأنظمة التسلطيّة في جعل الفرد يخاف مما يحب ويحب ما يخاف، وهذه العمليّة ساهمت على مرّ التاريخ بتقليص مفردات الوجود والحط من شأنها.

وفي عالم اليوم الذي يشهد التفاهم والتعاون والثقة انخفاضاً عالياً، انفتحت واسعاً أبواب التعصّب والتطرّف والعنف، لقد ضاعف الخوف من عجز الإنسان ومحدوديته وإذعانه، وتمكنت موجة الخوف التي عززتها التقنيّات الحديثة ووسائط الهيمنة والتحكّم، من بسط سيطرة شاملة على الإنسان المعاصر، الذي بات يفتقد افتقاداً جوهرياً إلى السلام والتصالح الداخلي العميق، فعلى ضوء اللهاث المستمر داخل ثقافةٍ معمّمة، أصبحت المجانيّة والسطحيّة أهمّ سمات الفرد.   

اقرأ أيضاً: المكتبة المدرسية: هل تكون مستودعاً لمخيلة أجيالنا؟

بناءً على ما سبق لا يمكن أن ينتج الاهتمام عن الخوف، فالاهتمام ينتج عن الحب، بمعنى، لا يمكن للإنسان أن يهتم بما لا يحب؛ فالخوف والاهتمام ينتميان إلى حقلين مختلفين، مما يعني أنّ الاهتمام بالطفل يقلّص مساحة الخوف، ويفرد الطريق واسعاً أمام الثقة التي يتشكل منها الفرد الأكثر حكمةً وشجاعة، وإذا كان الجميع يخافون على أطفالهم، فهذا لأننا اعتقدنا منذ البداية أو راق لنا أن نعتقد بأنّ الخوف يحميهم، ولكن هل يحمي الخوف من الخوف؟

المشكلة ليست بإرسال أطفالنا إلى المدرسة أو عدمه بل في الخوف الذي يتحكم بمصائرنا ومصائرهم

فإذا كان هناك في هذا العالم التسلطي من يستثمر في أحاسيسنا ومشاعرنا، ليغلق علينا دائرة الخوف، فنحن أيضاً من حيث يُراد لنا، نساهم بجديّة في دخولنا هذه الدائرة، فعندما نضع أطفالنا في قالب ما نريد وما نتوقع منهم، هذا سيجعل من أيّ تغيير أو طارئ تهديداً لمخططاتنا، التهديد الذي سيضاعف مخاوفنا على أطفالنا وعلى مستقبلهم، ومن الجهة الأخرى نحن بعدم رغبتنا بذلَ جهدٍ حقيقيٍ في التفكير والبحث عن الحلول، أو الوقوف على مسؤوليتنا العميقة نحو الطفل، سوف نهرب إلى الخوف ونلجأ إليه، لأن الخوف مصَمّم ليعفينا من اهتمامنا ومهامنا، كأن يكفي أن نخاف على أطفالنا لنبتعد عن أي تقصير نشعر به اتجاههم.

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟

المشكلة ليست في إرسال أطفالنا إلى المدرسة أو عدم إرسالهم، إنها في الخوف الذي يتحكم في مصائرنا ومصائر أطفالنا، أطفالنا الذين سيكبرون وهم مزودون بالخوف، لقد كنّا قد قذفناهم من قبل إلى مستقبل لا يشبههم، وهم بدورهم أصبحوا ملاحقين بهواجسنا ومخاوفنا وتوقعاتنا، وسوف يعيدون الكرّة مع صغارهم، ولن يتوقف الدوران في هذه الحلقة المفرغة حتى نفكر بطريقة مختلفة، فنحن جميعاً نخاف على أطفالنا من كل شيء، ولكن هل نجحنا حقاً في حمايتهم من أي شيء؟

الصفحة الرئيسية