المكتبة المدرسية: هل تكون مستودعاً لمخيلة أجيالنا؟

المكتبة المدرسية: هل تكون مستودعاً لمخيلة أجيالنا؟

مشاهدة

08/03/2020

قد نجد في تصوّر الكاتب الأرجنتيني "بورخيس" عن المكتبة؛ بأنّها "المكان الذي ينطوي على اللانهاية"، إشارةً ذكية إلى وحدة الوجود، التي يصبح المحدود فيها بيت اللامحدود، وبهذا فإنّ المكتبة لديه هي المرشّح الأقوى لفكرة الكمال، إنّها المستودع الهائل لأفكار وتصورات ومخيلة الجنس البشري وأحلامه، الذي ينطوي على التوثيق الأهم والأعم لرحلة الوعي الإنساني عبر تاريخ وجوده، فالكتاب بما هو حجر الزاوية في بناء المكتبة، هو أيضاً حجر الزاوية في بناء أيّ مدنيّة تشكّلت، وإدراكنا للعلاقة العضوية بين المعرفة والكتاب، سيجعل من المكتبة ضرورة تربوية دائمة، عليها أن ترافق وتوجّه الإنسان في مختلف مراحل نموّه. 

اهتمام المجتمعات المتقدمة بمختلف أشكال المكتبة ليس من قبيل الترف، وليس عبارة عن احتفاء بكماليات فارغة

وإذا توقفنا عند الأشكال الثلاثة الرئيسة للمكتبة: المكتبة الخاصة "مكتبة البيت"، والمكتبة المدرسية، والمكتبة العامّة، سنجد أنّ المكتبة المدرسية تضطلع بالدور التربوي الأهم في حياة الطفل؛ فهي من جانب توجّه وترشد المكتبة البيتيّة إلى إمكانات القراءة عند الطفل ونوعها، ومن جانبٍ آخر تفتح أمامه علاقة أوسع بالكتاب، وتحثّ خطاه المستقبلية باتجاه المكتبة العامة، وذلك يعود إلى وظيفة المكتبة المدرسيّة التي لا تقتصر على إعارة الكتاب، بل إنها تدخل في صلب العملية التربوية، كشريكٍ أساسي في إتمام التعلّم وإثرائه، وتطوير الجانب العقلي والسلوكي للطفل، وكلما كانت المكتبة المدرسيّة تتوفر على كتبٍ متنوعة تلامس المجالات المختلفة للعلم والثقافة، وعلى بنية تحتيّة تضمن راحة ومتعة الطفل، حظي الوعي بفرصة أكبر للنمو والثراء.

اقرأ أيضاً: بماذا حشونا وسائد نوم أطفالنا؟
قد تتضح أهمية المكتبة المدرسيّة أكثر من خلال تفعيل المدارس الحديثة لدور المكتبة في العملية التربوية والتعليمية، فزيارة الأطفال المنتظمة لها، وتفعيل حصص المكتبة، يشجع على معرفة بحثيّة تتجاوز الشكل التلقيني الذي يغلق الباب على عمليّة التعلّم برمتها، إنّها تربط المعرفة بالواقع وتجعل من المعرفة خبرة مباشرة، خاصّة حين جعلت هذه المدارس من مادة المكتبة مادةً أساسيّة في التقييم الثقافي للطفل آخر الفصل الدراسي، وذلك من خلال الكتب التي قرأها والبحوث التي قدمها بالتعاون مع مكتبة المدرسة.

اقرأ أيضاً: صخرة سيزيف.. العقوبة التي ورثتها مجتمعاتنا
قد لا ننجح في فهم أهمية المكتبة المدرسيّة في مجتمعاتنا، إذا لم نتمكن من الاعتراف بفقر المعرفة التي تقدمها معظم أنظمتنا التربوية والتعليمية، وقد يبدو لنا التوصيف السابق لدور المكتبة المدرسيّة وأهميتها في حياة الطفل، ضرب من الإنشاء اللفظي المرافق لتصوراتنا العامّة، ولكن في معرض سؤالي للباحثة الاجتماعيّة في حقوق المرأة والطفل، علياء أحمد، عن المكتبة المدرسية في مكان إقامتها "ألمانيا"، وبحكم عملها وكونها أماً لطفلين يرتادان المدرسة هناك، جاءت إجابتها لتفتح باباً واسعاً على شكل وإشكالية التعلّم في مجتمعاتنا. 

اقرأ أيضاً: أطفال داعش.. هل تمّ استثناؤهم من اتفاقية حقوق الطفل؟
ومن مجمل التفاصيل التي وردت على لسان علياء: "في كلِّ مدرسةٍ هناك مكتبة تضمّ الكتب المقروءة والمسموعة ابتداءً من كتب اللعب والتسلية، إلى الكتب الأدبية والعلمية والتاريخية، والكتب ذات التوجّه الفلسفي وكتب الأخلاق الإنسانية، كما أنّها لا تقتصر على الكتب؛ ففيها ألعاب تربوية رياضية وتعليمية وذهنية، إضافة إلى ذلك هناك كتب تُرفَق بلعبة من شخصيات الكتاب، يستعير الطفل الكتاب مع اللعبة، وطيلة فترة استعارته للكتاب تنام اللعبة مع الطفل في سريره، كما يعتمدون في المراحل العمرية الأولى على القصص المصوّرة التي تلفت انتباه الأطفال وتشدّهم إلى الكتاب".

اقرأ أيضاً: أطفال السوشيال ميديا.. نجومية أم عمالة من نوع جديد؟
تبدأ علاقة الطفل الجدّية مع المكتبة في الصف الأول؛ حيث ترسل المدرسة إلى أسرة الطفل في بداية كلّ عام دعوة لتسجيل طفلهم في المكتبة، تشرح المدرسة فيها ماذا يمكن للأطفال أن يفعلوا بالمكتبة، وما هي قائمة الكتب الموجودة فيها، وما شروط الاشتراك في المكتبة، ومدّة الإعارة، بالإضافة إلى تعليمات تتعلّق بالمحافظة على موجودات المكتبة، فمثلاً؛ إذا حدث أن قام الطفل بإتلاف كتاب أو لعبة، لا يتم تغريمه أو تجريمه، بل يأتي بكتاب بديل أو لعبة بديلة، وبعد موافقة الأهل وحصول الطفل على بطاقة الاشتراك، سيتمكن خلال وجوده في المدرسة من زيارة المكتبة للقراءة والبحث واللعب والاستعارة.
ويقع على عاتق المعلّم تطوير علاقة الطفل بالكتاب، وجعل المكتبة مكاناً مألوفاً وممتعاً، عن طريق الاستفادة من إمكانيات المكتبة التي تدعم المنهاج الدراسي وتساعد في اتساع ونمو ثقافة الطفل؛ ففي مادّة الأخلاق، التي تهتم بتوجيه الطفل نحو القراءة، يذهب المعلم مع الأطفال إلى المكتبة، ويقرؤون عن الأديان والمفاهيم الأخلاقية، بقصد تعزيز القيم الإنسانية، إضافة إلى ذلك يُطلب من الطفل اختيار كتاب من المكتبة المدرسية أو من مكتبته الخاصة، ليقدّم عرضاً عنه (من هو الكاتب؟ متى تم نشر الكتاب؟ ما هو محتواه؟)، وفي الأعمار الصغيرة يمكن التحدث عن الكتاب من خلال الرسم.

اقرأ أيضاً: الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات
إضافة إلى المكتبة المدرسية التي تلعب دوراً كبيراً في تعزيز أهمية الكتاب والمعرفة التي يحصل عليها الطفل من خلال الكتب، هناك مكتبة المدينة التي يسجل فيها الطفل، ومن نشاطاتها المميزة مسابقات قراءة الكتب؛ حيث يقوم كلّ طفل بقراءة مجموعة من الكتب، ويتم طرح مجموعة من الأسئلة عليه، الهدف منها معرفة إذا قرأ الطفل الكتاب وفهمَ محتواه، وبالطبع هي في ظاهرها مسابقة، لكن في النهاية الجميع سيفوز، فالمهم من هذه المسابقة  تعزيز مفهوم القراءة والمعرفة عند الطفل، بعيداً عن قيم التنافس والسرعة، وهناك أمر آخر مميز؛ فالمكان الذي لا توجد فيه مكتبة، أو تكون مكتبته صغيرة، هناك مكتبة متنقلة تأتي في فترات محددة، يستعير الناس الكتب منها عن طريق بطاقة المكتبة.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
كما أنّ هناك موقعاً إلكترونياً للأطفال، اسمه "أنتولين"، يسجّل فيه الأهل أو المدرّسون الأطفال الذين يجدون لديهم اهتماماً بالقراءة؛ حيث يدخل الطفل على الموقع بإشراف الأهل ويختار الكتاب ويقرأه، ثم يقوم الموقع بطرح أسئلة على الطفل حول الكتاب، وإجاباته الصحيحة تمنحه نقاطاً، وعندما تصل النقاط إلى عددٍ معين، يحصل الطفل على هدايا من الموقع، كمجموعة كتب حديثة الصدور، أو سيديات مسموعة أو أفلام.  
تشكّل المكتبة المدرسية ومكتبة المدينة والموقع الإلكتروني سلسلة متكاملة لدعم مفهوم القراءة، وحصول الطفل على الكتاب بيسرٍ وسهولة، إضافة إلى أماكن تبيع الكتب بسعرٍ رمزي، فيكون من المتاح للأهل أن يشكّلوا مكتبة بيتية خاصة بأطفالهم، ولكن في الجانب المعتم من هذا الواقع، هناك أطفال كثيرون لا يزورون المكتبة، ولا يستعيرون الكتب، أو يبدون اهتماماً بالقراءة.

يقع على عاتق المعلّم تطوير علاقة الطفل بالكتاب، وجعل المكتبة مكاناً ممتعاً، عن طريق الاستفادة من إمكانياتها

إنّ للتقنيات الحديثة سطوتها أيضاً في تلك المجتمعات، كما أنّ عجلة الحياة السريعة قد يرافقها إهمال للطفل، يبيح له استخدام الأجهزة الذكيّة الدائم؛ كالتاب والموبايل، مما يصرف طاقته وإمكانياته على تطبيقات وألعاب مجانيّة، تجرف الطفل وتحرف اهتماماته، فهناك أسر منتبهة ولم تسمح بانجراف أطفالها مع هذه الأجهزة وقادرة على تحقيق التوازن، بإصرارها على أهمية الكتاب، لكن هناك القسم الآخر؛ الذي لم يستطع تحقيق هذا التوازن، لتشكّل الأجهزة المتاحة بين يدي الطفل الألماني معوّقاً لعلاقته مع الكتاب، وتحدّياً لمجتمعات تراهن على الإنسان وبعده المعرفي.
بالاستناد إلى ما أوردته علياء أحمد؛ فإنّ اهتمام المجتمعات المتقدمة بمختلف أشكال المكتبة ليس من قبيل الترف، وليس عبارة عن احتفاء بكماليات فارغة مهمتها إضفاء ديكور ما على مدنيتها وتقدمها، إنّ اهتمامها بالمكتبة ينصبّ أساساً على اهتمامها بالإنسان، فالمكتبة من حيث هي بيت الوعي الأكثر دفئاً، هي المكان الذي ينفتح فيه الإنسان على الاختلاف، باعتبار أنّ الكتب هي ثمرة تنوع التجربة الإنسانية وتباينها، ومن ناحية أخرى؛ إنّ المكتبة هي الجذور المدنية للبشرية في رحلة تفتحها على الكون؛ فالمجتمعات المتقدمة لم توفر جهداً في تقديم كلّ ما يتيح نموّ وتفتح الفرد، والثغرة التي يمكن أن تحدث، هي ألّا تقوم الأسرة بدورها المناط بها في العملية التربوية، لنجد أنّ الكرة حقاً في ملعب الأسرة، الكرة التي ربما لن نجدها أصلاً في ملاعب أسر مجتمعاتنا.

الصفحة الرئيسية