ما الذي يجعل زيارة السيسي لفرنسا ذات أهمية استثنائية؟

ما الذي يجعل زيارة السيسي لفرنسا ذات أهمية استثنائية؟

مشاهدة

08/12/2020

تأتي زيارة الرئيس المصريّ، عبد الفتّاح السيسي لفرنسا، في وقت حساس يحتاج أكثر من أية لحظة مضت، لمناقشة القضايا المشتركة بين البلدين، والتي أصبحت أكثر اشتباكاً في الشهور القليلة الماضية، عبر عدة ملفّات، أهمها؛ شرق البحر المتوسط، والتدخّل التركيّ في ليبيا، والحرب على الإرهاب.

اقرأ أيضاً: فرنسا العلمانية أمام تحدي التطرف و"الانعزالية الإسلامية"

وأعرب السيسي، عن حرص مصر على تدعيم الشراكة الإستراتيجية مع فرنسا، والتي تمثل ركيزة مهمة للحفاظ على الأمن والاستقرار بمنطقة حوض المتوسط والشرق الأوسط.

ماكرون يعتذر عن الرسوم المسيئة

وفي سياق متوقع، خلال المؤتمر الصحفي بين الرئيسين، أمس الإثنين، عند سؤاله عن عدم تقديم اعتذار عن الرسوم المسيئة للرسول محمد: "أود أن تفهموا عن ما حدث حقاً، وعن ماذا نتكلم فيما يخص الأمر، هناك حرية صحافة في فرنسا، أي أن هناك صحفي ومصور في فرنسا يكتب ويرسم ما يريد ليس الرئيس وليس هناك أي هيئة تقول له ماذا يرسم وماذا يكتب وهذا جزء من حقوق الإنسان".

وأضاف:"الرسوم الكاريكاتورية ليس رسالة من فرنسا تجاه المسلمين والإسلام، لكن رسالة من شخص يستفز، لكن هذا هو القانون الفرنسي، الذي اختاره الشعب الفرنسي، ولا يمكنني تغيير القوانين، هذه الرسوم أوالمقالات التي تصدمكم ليست صادرة عن السلطات الفرنسية، ولا تعتبروا هذا استفزازاً من الرئيس الفرنسي، لكنه استفزاز من صحفي أو مصور، هناك بعد رسوم تصدم، وأنا أسف لذلك، وهناك آخرون يردون عليه، ولكن هناك من يردون بسلام على بعضهم بعض، ولكن أي شيء يشرع العنف، هنا نختلف في الرأي".

حفلت الأعوام الماضية بالكثير من القضايا التي تتشارك فيها مصر وفرنسا، على الصعيد الإقليميّ والدوليّ، وبات ملفّ شرق المتوسط أهمها، نظراً لمكانته الإستراتيجية

 وجاءت الزيارة تلبيةً لدعوة رسميّة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وتتزامن مع تظاهرات شعبية في فرنسا، هي الثانية على التوالي، احتجاجاً من القوى المدنية على تطبيق قانون الأمن الشامل الذي يشرع البرلمان الفرنسي في تنفيذه مطلع العام القادم.

القضايا المشتركة

حفلت الأعوام القليلة الماضية بالكثير من القضايا التي تتشارك فيها مصر وفرنسا، على الصعيد الإقليميّ والدوليّ، وبات ملفّ شرق المتوسط أهمها، نظراً لما يمثّله من أهمية إستراتيجية، تحاول تركيا عبر العامَين الماضيَين تهديدها، وتستمرّ في التصعيد، بما يتنافى مع كلّ بنود ومحددات القانون الدولي.

اقرأ أيضاً: قانون الأمن الشامل: هل تسير فرنسا على خطى الاستبداد والشمولية؟

بعيد هذا التوقيت من العام الماضي، في أيلول (سبتمبر) تحديداً، التقى الرئيسان المصريّ والفرنسيّ؛ على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة (الدورة 74) في نيويورك، وناقشا تداعيات القضية الليبية وأزمتها، قبل أن يكون التوغّل التركيّ قد بلغ هذا الحدّ الذي تشهده ليبيا منذ بداية العام الجاري، والذي شهد أيضاً تصعيداً في شرق المتوسط، تبعه اجتماع رباعيّ، في الثامن من كانون الثاني (يناير) الماضي، بين وزراء خارجية مصر وفرنسا وقبرص واليونان، انضمّ إليه وزير الخارجية الإيطالي بشكل استشاري؛ حيث شدّد الوزراء على الطبيعة الإستراتيجيّة لعلاقة دولهم، بسبب الروابط الجغرافية والتاريخية والثقافية، بما يتفق واحتراماً كاملاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة؛ إذ تشكّل هذه العلاقة أساساً قوياً للتعاون في مجالات متعددة، وجدّد الوزراء تأكيدهم على بذل جهود مشتركة إضافية لمواجهة التحديات المتزايدة في منطقة شرق المتوسط، وفي مقدمتها الصراع المسلّح والإرهاب والهجرة غير النظاميّة.

ورأى الوزراء؛ أنّ توقيع مذكرات التفاهم بين تركيا ورئيس حكومة الوفاق "فايز السراج"، انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، والقانون الدولي، وأكّد الوزراء أنّ هذه المذكرات قد قوّضت  فرص الاستقرار الإقليمي، كما أنّ مذكرة التفاهم التركيّة الليبيّة، التي هدفت تعيين الحدود البحرية في البحر الأبيض المتوسط، ​​تنتهك الحقوق السيادية للدول المجاورة، ولا تمتثل لقانون البحار، ولا يمكن أن تترتب عليها أيّة عواقب قانونيّة، ودان الوزراء بشدة الإجراءات التركية المستمرة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص ومياهها الإقليمية، ودعا الوزراء تركيا إلى الوقف الفوريّ لجميع أنشطة الاستكشاف غير القانونية.

أواصر الثقة

استمراراً للنهج التركيّ العدوانيّ ضدّ فرنسا؛ طالب الرئيس رجب طيب أردوغان، بمقاطعة دول العالم الإسلاميّ للمنتجات الفرنسية، بعد أزمة الرسوم المسيئة للرسول، التي آلت إلى ذبح المعلم الفرنسيّ، صمويل باتي، على يد إرهابيّ شيشانيّ، وعليه توجهّت القبلة الفرنسية إلى مصر، واستقبل الرئيس السيسي، رئيس الدبلوماسيّة الفرنسيّة، جان إيف لودريان، الذي زار القاهرة مؤخراً لطلب التهدئة.

الكاتب جرجس فكري لـ "حفريات": زيارة السيسي دفعة كبيرة للعلاقات المصرية الفرنسية، على الصعيد الاقتصادي والأمني، لما تتمتع به مصر من خبرة في مكافحة الإرهاب

بعد استقبال الرئيس السيسي في باريس، خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2017، زار ماكرون مصر، في كانون الثاني (يناير) 2019؛ إذ أصبحت مصر عنصراً مهماً لفرنسا في مجال التسلح، خاصة بعد شرائها 24 طائرة مقاتلة من طراز "رافال"، وخلال الزيارة وقّع الرئيسان سلسلة من العقود، خاصة لمترو القاهرة، لكن ظهرت خلافات بين الرئيسَين حول ملف حقوق الإنسان، لكنّ زيارة عام 2017، حملت تعزيزاً كبيراً في الملفّ الاقتصاديّ بين البلدين، وذلك منذ التصديق على قانون الاستثمار الجديد، نهاية أيار (مايو) 2017؛ حين تمّ تأسيس عدد كبير من الشركات الفرنسية في مصر، وبحسب تصريح سابق لوزيرة الاستثمار والتعاون الدولي،  سحر نصر، فإنّ الاستثمارات الفرنسية في مصر، تتميّز بالتنوع في مختلف القطاعات، خاصة في مجال البنى التحتية؛ وسائل النقل والصناعة التقليدية، وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

اقرأ أيضاً: انطلاق مؤتمر للمساعدات بسقف منخفض.. هل ينفد صبر فرنسا من لبنان؟

بحسب البيانات الحكومية؛ تقدّر الاستثمارات الفرنسيّة في مصر بـ 4.5 مليار يورو، وتشمل الصناعات الزراعية وتكنولوجيا المعلومات. أعمال بناء، أعمالاً ترتبط بالطاقة الجديدة والمتجددة، ووسائل النقل، والبنوك، والطيران، وتحلية المياه، والبنية التحتية والسياحة.

اقرأ أيضاً: لبنان بين فرنسا "المنقذة" وتسلّط "حزب الله"

 ويرى الكاتب الصحفي بجريدة "الشروق" المصرية، والمتخصص في ملف الشؤون الخارجية، جرجس فكري؛ أنّ زيارة الرئيس السيسي تأتي في وقت مهمّ وحسّاس بالنسبة إلى فرنسا، التي تعاني أزمات متتالية؛ بداية من أزمتها في الملفّ الليبيّ والمتوسط، إلى أزماتها المتعاقبة مع تركيا في الملفّات نفسها، وأخيراً ملفّ الإرهاب الذي تعاني فرنسا من ويلاته أيّما معاناة.

جرجس فكري

ويتابع فكري، في تصريح لـ "حفريات": "زيارة السيسي هي دفعة كبيرة للعلاقات المصرية الفرنسية، خاصة على الصعيد الاقتصادي والأمني، وذلك لما تتمتع به مصر من خبرة في ملف مكافحة الإرهاب، خاصة أنّها أصبحت الآن أكثر جذباً للاستثمارات، لا سيّما الفرنسية؛ إذ إنّ هذه العلاقات القوية، تمثل تأكيداً على قوة التحالف الإقليمي في مواجهة المدّ التركيّ، الذي تزيد عزلته يوماً تلو الآخر في المنطقة".

مصر وفرنسا في مواجهة العثماني

تعيش فرنسا، منذ اندلاع احتجاجات السترات الصفراء، أزمة داخلية جاءت تبعاتها في التظاهرات الأخيرة، التي كانت آخرها السبت الماضي، تحت شعار "لا لقانون الأمن الشامل"، لكنّ الرئيس الفرنسيّ، الذي ينتظر انتخابات رئاسيّة ربما تعطيه تمنحه فترة ثانية أو لا، يشهد حصاراً بين أزمات داخلية وخارجية، أكبرها أزمته مع تركيا، والتي ستحتلّ حيّزاً كبيراً في اجتماعه مع الرئيس السيسي، حيث بات الملفّ التركيّ أحد أعقد الأزمات الخارجية التي تعيشها فرنسا، والتي وصلت ذروتها خلال الشهر الماضي، بعد أن أعلنت تركيا؛ أنّ الدين الإسلامي بات يتعرض لحملة تشويه وكراهية من الدولة الفرنسية، في بيان نُقل على الإنترنت، اتّهم فيه أردوغان نظيره الفرنسي بالاختلال العقليّ، والاختباء وراء قيم حرية التعبير والديمقراطية، فيما جاء الردّ المصريّ، بمثابة قطع الطريق على المتاجرة الدينية بالقضايا الدينية؛ إذ أكّد بيان الرئاسة المصريّة على وجوب احترام قيم حرّية التعبير.

اقرأ أيضاً: فرنسا.. منظمة مرتبطة بالإخوان تتفادى "الحل" بمغادرة البلاد

تدرك مصر وفرنسا جيدًا أنّهما يجابهان عدواً واحداً، يحاول تطويق المنطقة عبر إرسال المرتزقة إلى ليبيا، لتأمين عمليات نهب النفط الليبي، ومحاصرة مصر من الغرب، ودول المغرب العربي من جهة الشرق، ومحاولاته المستمرّة لتصدير الإرهاب عبر دول الساحل والصحراء، ثمّ الاعتداء على السيادة اليونانية والقبرصيّة، والتنقيب عن النفط في المياه الحدودية.

الصفحة الرئيسية