ما العمل بخصوص "نظام التفاهة"؟!

ما العمل بخصوص "نظام التفاهة"؟!

مشاهدة

23/12/2019

فيما يسجِّل كتاب "نظام التفاهة" للفيلسوف الكندي وأستاذ النقد السياسي في جامعة مونتـريال "ألان دونو" أرقاماً قياسية وغير مسبوقة، على صعيد التسويق والبيع والقراءة في كل دول العالم، تنهمر آلاف المقالات وبلغات متعدّدة، لعرض مضمون الكتاب الذي يمثل إجابة دراماتيكية على السؤال التالي: (كيف تكون عضواً ناجحاً في عالم منقوع بالتفاهة)؟!

اقرأ أيضاً: كوميديا الموت في المشهد الثقافي العربي
والطريف في الأمر أنّ ما نشر باللغة العربية تحديداً، يكاد يكون عرضاً (مازوشياً) لما ضمّه الكتاب من نصائح وتوجيهات تهكّمية، وكأنّ العارضين لا يقرّون ما يبشر به ألان دونو فقط، بل إنهم يستمتعون باجترار ما يمور به من ألم مُمضّ وعميق، جرّاء ترسّخ "نظام التفاهة" في العالم، وعلى كل الأصعدة - وفقاً للمثل الدارج (الكلام لك يا جارة فاسمعي يا كنّة)- ودون أن يلوح أي بصيص أمل يمكن الانطلاق منه لمحاصرة "التفاهة"، والتصدّي للتافهين الذين يملأون الأسماع والأبصار بضجيجهم وخطبهم ونصائحهم وحكمتهم التي أكل الدهر عليها وشرب.

الطريف في الأمر أنّ ما نشر باللغة العربية تحديداً يكاد يكون عرضاً مازوشياً لما ضمّه الكتاب من نصائح وتوجيهات تهكّمية

ولا أريد أن أسخِّف الكتاب أو أحطّ من قدره – فهو بيان مطوّل في رثاء العصر الفروسي دون ريب – لكنني أجد صعوبة بالغة في منع نفسي من استدعاء النصائح والتوجيهات التي مار بها أدب الشطّار والعيّارين في موروثنا العربي! والتي تكاد تصب في بركة واحدة هي بركة الفهلوة المتغابية أو بركة الشطارة المتخفّية؛ حيث ينبغي للعيّار أو الشّاطر أن يُظهر غير ما يبطن عموماً، لكنه على وجه الخصوص مطالب بادعاء الغفلة والجهل وبأن يتساخف قدر الإمكان، بما في ذلك إظهار اندهاشه الشديد بأبسط البديهيات وصولاً إلى ما يريد وهو التمكّن من مطلوبه.
ومن منظور ألان دونو، فإنّ عيّار القرن الواحد والعشرين، هو الشخص المتوسط الذكاء والمواهب، القادر على فهم متطلّبات نظام العيارة هذا دون زيادة أو نقصان، والمؤهّل لخدمته دون زيادة أو نقصان أيضاً، لأن من يتمتعون بالذكاء المفرط والقدرات القيادية الحقيقية يمثلون خطراً حقيقياً على انسياب نظام التفاهة العالمي الذي ولد على يدي رئيسة وزراء بريطانيا تاتشر متدثراً باسم (التكنوقراط)؛ أي الموظفين الفنيين الذين يجيدون القيام بأعمالهم دون أن يتمتعوا بثقافة عالية أو خبرات سياسية مميزة أو صفات قيادية ملحوظة.

اقرأ أيضاً: هل نعلن الوطن العربي منطقة منكوبة فكرياً؟
إنّ هذا النظام العالمي التافه، شكلاً ومضموناً، وفقاً لتأكيد ألان دونو، لا يقتصر على الحقل السياسي فحسب؛ بل هو يمتد ليشمل سائر حقول الحياة مثل؛ الاقتصاد والتعليم والإعلام والثقافة بكل أنماطها المنظومة والمنثورة، المكتوبة والمرئية. ولعلّ السؤال الجدير بأن يُطلق ها هنا يتمثل فيما يلي: إذا كان مفكّر مثل ألان دونو الذي يقطن أحد مراكز العالم الغربي المتحضّر والمتمدّن والمعقّد، يعتقد اعتقاداً جازماً بأنّه ينتمي إلى نظام تافه يحارب التميّز والتفوّق والإبداع والقدرات القيادية الخاصة، وبأنّه لا يملك أن يفعل شيئاً إزاء هذا النظام الساحق، فما الذي يمكن للمفكّر الذي يقطن العالم الثالث أن يفعله؟ وبعبارة أخرى ما الذي يمكن للمفكّر العربي أن يفعله؟ وقد غاص الوطن العربي منذ عقود في مستنقعات السطحية والشكلانية ومحاربة الإبداع والتميز فضلاً عن قتل روح المبادرة، إلى درجة أنّ كثيراً من الأذكياء والنابهين صاروا يتعمّدون فعلاً الظهور بمظهر المساكين السّذّج الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً، وذلك بعد أن اصطلوا بنار العقاب مرّات ومرّات لأنهم لم يمتلكوا النضوج الكافي لاستيعاب أبرز حقائق الواقع العربي: إياك أن تبدو أذكى من المطلوب، وإياك أن تخلص لعملك أكثر من المطلوب، وإياك أن تفكّر بالآخرين أكثر من المطلوب! فكّر بنفسك ثم بنفسك ثم بنفسك، ثم بمن هم على شاكلتك فقط، وليذهب أولئك الحالمون إلى الجحيم!

الكتاب يمثل أفضل بيان لترسيخ التفاهة وتأبيدها مع الحرص على عدم التفكير بتجاوزها أو نقدها أو العمل على محاصرتها وإلغائها!

سأكذب على القرّاء لو أنّني ادعيت عدم تأثري العميق بأطروحة "نظام التفاهة"؛ لأن الكتاب مُحبط ومُحزن وقاسٍ إلى أبعد حدود الإحباط والحزن والقسوة، لكنني سأغامر بالقول: رغم اتفاقي مع كثير مما جاء في الكتاب، وخاصة على صعيد توصيف أعراض تمجيد السطحية والبلاهة، إلا أنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الاعتقاد بأنّ الكتاب يمثل أفضل بيان لترسيخ التفاهة وتأبيدها، مع الحرص على عدم التفكير بتجاوزها أو نقدها أو العمل على محاصرتها وإلغائها!
سأغامر بالقول أيضاً: إنّ الكتاب تسبيح طويل في محراب ما بعد ما بعد الحداثة الذاهبة باتجاه تحطيم اليقين وتفكيك الجدوى ومحو المعنى جنباً إلى جنب لإرساء العبث والتهكم واللامبالاة. سأغامر بالقول أيضاً وأيضاً: إنّني لست من دعاة نظرية المؤامرة ولا أَحْمِلُ القائلين بها على محمل الجد، لكنني أجد صعوبة بالغة في منع نفسي من التفكير بأنّ هناك من يُنفق ويعمل ليل نهار على تسويق الكتاب بأكثر عدد ممكن من اللغات والطبعات، فضلاً عن العمل ليل نهار على نشر كل ما يمكن نشره عن الكتاب، عَرْضاً أو تقريظاً – ولا أقول تحليلاً أو نقداً- وقد تعمّدت لذلك التنويه بأدب العيّارين والشطّار في مستهل هذا المقال، حتى لا يستأثر "نظام التفاهة" و"ألان دونو" بالفضل كلّه!

الصفحة الرئيسية