ما لا تعرفه عن "المكتبة الخالدية" في القدس

4938
عدد القراءات

2018-08-30

ضمن شارع باب السلسلة في البلدة القديمة بالقدس، تقع المكتبة الخالدية ببنائها التاريخي الراسخ، وبوابتها العتيقة الشهيرة، كمكانٍ غير محايد، لا يعلن انتماءه سوى للعرب والمسلمين.

سعى الصهاينة منذ استيلائهم على كامل المدينة العام 1967، طمس معالم دينية وتاريخية وثقافية تميزها، خصوصاً هذه المكتبة، بما تحمله من سيرة حضارية تشهد على تاريخها العريق الذي طالما أرّق الاحتلال.

للمخطوطات بيتٌ يحميها

لكل حاضنة للكتب سيرتها العظيمة، وتعد المكتبة الخالدية من أهم مكتبات فلسطين قاطبةً؛ حيث تتركز أهميتها في قدمها، وقدم محتوياتها ومخطوطاتها، وفي الغيظ الذي ينتاب الاحتلال لمجرد وجودها.

تعد المكتبة الخالدية من أهم مكتبات فلسطين بحكم عراقتها وقِدَم محتوياتها ومخطوطاتها

المكتبة، تأسست العام 1899 على يد الحاج راغب الخالدي، وذلك لسببٍ رئيسي يتجاوز كونها مجرد وقفٍ إسلاميٍ أو مكتبةٍ عامة، حيث لاحظ الخالدي أنّ الكتب والمخطوطات المهمة تتفرق بين بيوت العائلة، ويتم توارثها، فقرّر جمعها تحت سقفٍ واحدٍ يحميها، وتتحدث المكتبة عن نفسها في الزاوية التعريفية بموقعها الإلكتروني الخاص:

"إعلان تأسيس المكتبة الخالدية، هو تأكيد على الصلة بين المكتبات والثقافة التي ترقى إلى عصر الإغريق ومطلع العصر الإسلامي، فالعرب لما دخلت عليهم الحضارة والمدنية أسّسوا المكتبات والمدارس، كما أنّ نشر العلم هو أساس التقدم والازدهار.. وإن القصد من المكتبة هو أن تكون ذخراً للديار المقدسية لا مجرد تقليد للمؤسسات الثقافية الأجنبية، بل لمنافستها".

صورة من داخل المكتبة الخالدية والتقطت عام 1900

هذا الوعي بضرورة التنوير، وتأسيس سردية علمية وفكرية عربية مبكرة، رافق مؤسسي المكتبة وروادها منذ البداية، فلم تكن حكراً على العائلة المؤسِّسة لها، بل لكل زوارها وداعميها، لكنّ الأسطورة التي دارت عن "انقراض العائلة" العام 1099م بعد سقوط القدس في يد الصليبيين واختفائهم منذ ذلك الحين، جعلت من المكتبة رمزاً لدحض هذه القصة من خلال عودة الأسرة للقدس، وتأسيس المكتبة فيها.

أراد مؤسّسوها أن تكون رمزاً للتقدم والتنوير وأن تتميز كونها عربيةً وإسلامية لا تقلد المؤسسات الأجنبية

وقد كان رواد الفكر والتاريخ من العرب، أمثال العلامة محمد كرد علي، وكوركيس عواد، ومؤرخ القدس عارف العارف، إضافة إلى المستشرق البريطاني "مرغليوث"، كانوا جميعاً من رواد المكتبة وممن ذكروها في مؤلفاتهم.

وفي دراسته المنشورة العام 2000، يشير الباحث الفلسطيني وليد الخالدي، إلى وجود أكثر من 1200 مخطوطةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ ثمينة بين جنبات المكتبة، يعود تاريخ بعضها إلى العام 1200 ميلادية، كما يصل مجموع كتبها، برغم ما ضاع أو سُرق أو أُتلف، حوالي 12000 كتاب، ومن أشهر مخطوطات المكتبة: "الملخص للمتحفظين"، "منادح الممادح وروضة المآثر"، و"كتاب شاناق في السموم والترياق".

اقرأ أيضاً: الطباعة في الأردن وفلسطين.. استجابة نخبوية للإصلاح

ويذكر الخالدي، أنّ المكتبة مرّت بأطوار مختلفة في الفترة الواقعة بين عامي 1900 و1967 حيث بات أهم عدوٍ لها، هو الاحتلال.

الاحتلال واعتقال التاريخ

يشكِّل أي معلمٍ عربيٍ فلسطيني، أو إسلامي، مشكلةً للاحتلال الصهيوني وأسلوبه في تبرير وجوده على أرض فلسطين، خصوصاً في منطقة القدس الشرقية، والمكتبة الخالدية، مثلها مثل أي معلمٍ فلسطيني، تخوض مع الاحتلال معارك عديدة من أجل البقاء، والإبقاء على التاريخ والنور والفكر؛ إذ بدأت محاولات الاستيلاء عليها بعد نكسة 1967، فادّعت المحكمة الصهيونية العامة بدايةً، أنّ الأرض المقامة عليها المكتبة، هي من أملاك الغائبين؛ أي إنّها بلا أصحاب.

وهو ما دحضه مُلاّك الأرض والمكتبة، بسبب وجود الوثائق التي كذّبت مزاعمهم، فلم يتمكن الاحتلال من مصادرة الأرض وما عليها.

حاول الاحتلال مصادرة المكتبة مراتٍ عديدة لكنه فشل

وبعد سنوات، ظهر حاخام صهيوني هو "غورين"، ويقول عنه الخالدي في دراسته ذاتها "إنّه أصرّ على مصادرة المكتبة، واعتبر وجودها نداً لوجوده كونه جاراً لها في السكن"، لكنه لم ينجح هو الآخر، بسبب وقوف عددٍ كبيرٍ من الأشخاص تحت اسم "لجنة أصدقاء المكتبة الخالدية" دعماً لها ومنعاً لمصادرة أرضها.

حاول الاحتلال مصادرة أرض المكتبة مرات عديدة لكنّه لم ينجح بسبب صمود روادها وداعميها

بعد ذلك، بدأت المكتبة معركتها مع بلدية القدس الإسرائيلية، وتم منع ترميم المكتبة مراتٍ عديدة، لكن بمساعدة من عائلة الخالدي، ومجموعة من العلماء والمتخصصين، أبرزهم المستشرق "لورنس كونراد"، بدأت عملية ترميم لا تحتاج إذناً من الاحتلال، وهي ترميم المخطوطات.

وخلال تلك العملية المثيرة، تم اكتشاف أكثر من "10000" ورقة، كانت مخبأة عشوائياً تحت السقف القرميدي للمكتبة، وهي تعود لمخطوطاتٍ قيمة، تم جمعها وتصنيفها لاحقاً.

وبصورةٍ عامة، تصبّ قوات الاحتلال جام غضبها على ممتلكات الفلسطينيين في القدس، ولعل العائلة التي خسرت مئات العقارات لها في القدس، بقيت هي والمقدسيين، تحافظ على هذه المكتبة، فهي تجمع التاريخ والفكر والعروبة والحق الفلسطيني، كلها معاً، لتنضوي تحت سقفٍ واحد.

اقرأ أيضاً: مكتبة الإسكندرية.. الفنّ والأدب في مواجهة التطرف

التقط مؤسس المكتبة راغب الخالدي مبكراً أهمية التنوير، وهو يفكر بحملة نابليون على فلسطين في القرن الثامن عشر، حيث قال: "إنّ العرب لما دخلت عليهم الحضارة والمدنية، أسسوا المكتبات والمدارس في أراضيهم، وأخذ الفرنجة يتبعونهم في هذا العمل، لكن الفرنجة تركوا الظن والشك، منطلقين نحو اليقينيات، وهو ما جلبهم إلى هنا...".

اقرأ المزيد...

الوسوم: