هل انقضى شهر العسل بين السودان وإثيوبيا؟

هل انقضى شهر العسل بين السودان وإثيوبيا؟

مشاهدة

22/12/2020

شهد مطلع الشهر الجاري توترات على الحدود السودانية الإثيوبية، على خلفية الحرب التي شنّتها حكومة آبي أحمد، ضدّ إقليم تيجراي، والتي تمكنت فيها أديس أبابا، من إعادة السيطرة على إقليم تيجراي.

ولم تكن هذه التوترات الأولى من نوعها في منطقة الحدود التي تشهد مناوشات بين العصابات الإثيوبية، من عرقية الأمهرا، حلفاء آبي أحمد، والمزارعين السودانيين في منطقة الفشقة، في ولاية القضارف السودانية؛ حيث تتوغّل العصابات مصحوبة بالمزارعين في الأراضي السودانية الخصبة، منذ ستينيات القرن الماضي.

وعقب الإطاحة بالبشير، علت الأصوات السودانية المطالبة باستعادة الأراضي التي استولى الإثيوبيون عليها، وهو ما استجابت له القيادة العسكرية.

وجاءت حرب تيجراي لتفرض على الجيش السوداني استعادة كامل ترابه، وطرد الميليشيات الإثيوبية، فبدأ الجيش عملية عسكرية، مطلع الشهر الجاري، استردّ خلالها مناطق كبيرة، وأوشك على الوصول إلى خط الحدود الدولية.

رئيس مجلس السيادة السوداني، البرهان في زيارة إلى الفشقة

وعلى الرغم من الموقف الإثيوبي المهادن، الذي أكّد عمق العلاقات مع السودان، إلا أنّ الانخراط الرسمي في دعم ميليشيات الأمهرا، وعدم ضبط الحدود، والعلاقة القوية بين آبي أحمد وعرقية الأمهرا، تطرح تساؤلات حول حقيقة الموقف الإثيوبي، خاصة بعد الانتصار الكبير على حكام تيجراي، وتوطد العلاقات مع إريتريا، المتهمة بزعزعة الاستقرار في شرق السودان.

أراضٍ سودانية تحت السيطرة الإثيوبية

قبيل العمليات العسكرية الأخيرة، كانت الميليشيات الإثيوبية تسيطر على مناطق الفشقة، إحدى المحليات الخمس، المكوّنة لولاية القضارف السودانية، وتبلغ مساحتها 251 كم مربعاً، وموقعها الجغرافي من نهر ستيت شمالاً، ونهر باسلام ونهر عطبرة، إلى منطقة القلابات جنوباً.

وتنقسم إلى؛ الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى، وتقع الأولى بين نهر ستيت شمالاً، ونهر عطبرة غرباً، والفشقة الصغرى وباسلام جنوباً، والحدود الدولية مع إثيوبيا شرقاً. وتقع الفشقة الصغرى من نهر باسلام، شرق قرية سيفاوا شمالاً، إلى القلابات جنوباً، والحدود الدولية مع إثيوبيا شرقاً.

يثير التحالف بين أبي أحمد والأمهرا تساؤلات حول الموقف الحقيقي لأحمد، الذي يواجه ضغوطات كبيرة من الأمهرا، للحفاظ على مكاسبهم في الأراضي السودانية

ويعود تاريخ تغلغل المزارعين الإثيوبيين إلى عقود سابقة، واتخذ الشكل المنهجي، المدعوم بميليشيات مسلحة من عرقية الأمهرا، منذ عام 1996، بتواطؤ من نظام البشير المخلوع، ودأبت العصابات على مهاجمة القرى والمزارع السودانية، وصولاً إلى نهر عطبرة في الغرب، بعد سحب البشير للوحدات العسكرية من مناطق الحدود.

وحول ذلك، يقول عضو  مجلس أمناء مركز القرن الأفريقي للدراسات التاريخية، عبد الباسط طاهر: "السودان لم يكن في موقف صامت، بل في الحقيقة كانت هناك تفاهمات سرية من قبل النظام الإثيوبي ممثلاً في الجبهة الشعبية لتحرير تجراي، ونظام الإنقاذ، وهذا سبب هدوء المنطقة لأكثر من 25 عاماً، رغم تجدده بين الفنية والأخرى، وهو قديم منذ منتصف الخمسينات".

عضو  مجلس أمناء مركز القرن الأفريقي للدراسات التاريخية، عبد الباسط طاهر

ويردف طاهر، لـ "حفريات": "هذه التفاهمات سقطت مع سقوط النظامين، والحكومات الجديدة ورثت هذا الملف الشائك والمعقّد، والذي يحتاج إلى الكثير من الوقت حتى يحلّ، وليس عبر فرض الأمر الواقع، فالنزاعات الحدودية المتشابكة بين القبائل والقوميات في أفريقيا ليست حديثة".

وفي نيسان (أبريل) الماضي، هاجمت ميليشيات الأمهرا، وأشهرها عصابات الشفتا، وقوات جنبوت، مناطق داخل محلية الشفقة، ولقي جندي سوداني مصرعه، وأصيب آخرون في الهجوم. وزار رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، قوات الفرقة الثانية مشاة، المرابطة على الحدود الشرقية في عدد من المواقع، وأكّد على حماية الجيش للحدود.

اقرأ أيضاً: أزمة السودان وإثيوبيا الحدودية... فرص الحوار مقابل الحسم الميداني

وأعقب ذلك، زيارة رئيس هيئة الأركان الإثيوبي، الفريق أول ركن آدم محمد، برفقة عدد من كبار القادة العسكريين، إلى الخرطوم، وأجرى محادثات مع البرهان وكبار القادة العسكريين، كما اجتمع مع رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك.

واتفق الطرفان خلال هذه المحادثات على ضبط الحدود، ومحاربة الجرائم العابرة، وقضية ترسيم الحدود.

وفي حزيران (يونيو) الماضي؛ قصف الجيش الإثيوبي معسكر الأنفال السوداني، مخلفاً إصابة واحدة، واتّهم السودان الجيش الإثيوبي بدعم العصابات الأمهرية،

وجاءت هذه الأحداث في وقت أجرى فيه الجيش السوداني مناورات عسكرية، لأول مرة مع نظيره المصري، ما جعل الإثيوبيين يربطون التصعيد السوداني، بتنسيق مع مصر، دون دليل على ذلك.

عملية عسكرية سودانية

أعلن الجيش السوداني، مطلع شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري، إطلاق عملية عسكرية لاسترداد مناطق الفشقة، ونجحت العملية الجارية في استرداد مناطق واسعة، من بينها الفشقة الكبرى، وما يصل إلى 60 % من الفشقة الصغرى، بحسب مصادر محلية، وما تزال العملية جارية.

وشنّت الميليشيات الأمهرية، التي حظيت بتغطية مدفعية من الجيش الإثيوبي في أوقات سابقة، هجمات على القوات السودانية، ولقي ضابط وثلاثة جنود سودانيين مصرعهم، وأصيب 27 آخرون، في كمين نصبته الميليشيات، في منطقة جبل أبو طيور، في 15 من الشهر الجاري.

اقرأ أيضاً: السودان يخرج من حفرة الإخوان

وفي الشهر ذاته، هاجمت ميليشيات إثيوبية قريتي؛ جميزة وأم ديسة، الواقعتين في محلية القلابات، ومنعت المزارعين من حصاد محصول السمسم، بحسب بيان صادر عن لجنة أراضي الفشقة بتجمع الأجسام المطلبية.

 ومن المقرر عقد اجتماع اللجنة المشتركة للحدود بين البلدين، في غضون أيام، وهو الأمر الذي بحثه رئيسي وزراء البلدين، على هامش اجتماع القمة الاستثنائية لمنظمة الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)، في جيبوتي.

الناشط السوداني مجدي عبدالله لـ "حفريات": آبي أحمد لا يثق في الأمهرا، لكنّه يتبنى تنفيذ مشروعه الكبير، لإثيوبيا مركزية، دون قوميات إثنية

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، إنّ حكومته تتابع عن كثب الحادث مع الميليشيات المحلية على الحدود الإثيوبية السودانية، وأضاف:  "مثل هذه الحوادث لن تكسر الروابط بين بلدينا، لأنّنا نستخدم الحوار دائماً لحلّ القضايا" .

وألمح آبي إلى وجود أطراف تنشر الفتنة بين البلدين، قائلاً: "من الواضح أنّ أولئك الذين يثيرون الفتنة لا يفهمون قوة روابطنا التاريخية"، وهي الإشارة التي كرّرتها تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتى.

اقرأ أيضاً: الغنوشي وأيام السودان... قصة يكلّلها الكثير من الغَبَش

وتعليقاً على العمليات العسكرية، يقول الباحث السوداني في الشؤون الإستراتيجية والدولية، أبو بكر عبد الرحمن: "من الاستهبال السياسيّ أن تشنّ الحكومة المركزية الإثيوبية حرباً ضدّ أقوى الأقاليم الإثيوبية، عسكرياً واقتصادياً (تقراي)، وتستمر لشهر؛ وتنجح في فرض ما تُعرف بحملة تنفيذ القانون في الإقليم، بحسب زعمها؛ بينما تعجز عن تنفيذ ذات الحملة والفعل على بضعة عصابات، وتأتي بعدها لتستنكر أعمالها، وتتحدث عن عمق الروابط والعلاقات التاريخية بين البلدين".

الباحث السوداني في الشؤون الإستراتيجية والدولية، أبو بكر عبد الرحمن

ولم يصدر بيان رسمي حول المناطق التي ما تزال تحت سيطرة الميليشيات الإثيوبية، وهناك تضارب بين المتابعين؛ وذكر ناشط من شرق السودان، لـ "حفريات"، أنّ "الجيش استردّ 60% من الفشقة الصغرى".

ما علاقة حرب تيجراي؟

ويرى الصحفي والباحث الإريتري في الشؤون الإفريقية، شفاء العفاري؛ أنّ حرب تيجراي لها آثار كبيرة على علاقات إثيوبيا بمحيطها، على الرغم من النصر الذي تحقق، لكنّ هذا النصر بمثابة نصر تكتيكي، وخسارة إستراتيجية، وأنّ السودان في وضع أقوى، مما كان عليه في عهد نظام البشير السابق، بينما إثيوبيا في موقف أضعف، ولذلك استغل السودان التوقيت المناسب لاستعادة سيادته التي فرّط فيها.

الصحفي والباحث الإريتري في الشؤون الأفريقية، شفاء العفاري

ويردف العفاري، في حديثه لـ "حفريات": "وضع السودان السابق سمح لدول عدّة بالتدخّل، في ظلّ وجود انقسامات حادّة، وحركات مسلحة متمردة، لكنّ مع خطوات تسوية ملف الحركات الانفصالية صار موقف السودان أقوى".

وعن الموقف الإثيوبي، يرى العفاري؛ أنّه يتّسم بالغموض، فآبي أحمد استثمر الموضوع، وكأنه بعيد عن الأزمة، ولم يتحرك لردع المجموعات الإثيوبية، بل هناك تصريحات رسمية تريد تحويل الأزمة إلى مسألة فتنة، وتدخلات لأطراف ثالثة.

اقرأ أيضاً: ما أواصر العلاقة بين إيران وإخوان السودان؟

ويقول الباحث السوداني، أبو بكر عبد الرحمن: "على هامش قمّة الإيجاد، تمّ التوافق على أن تبدأ لجان الحدود المشتركة بين البلدين عملها، وهذه الخطوة كانت على الدوام يعيقها الأمهرا، وأعتقد أنّ التقدم الميداني العسكري وجدية الموقف السوداني في حسم ملف الحدود، جعل أبي أحمد يمضي في قبول انعقاد اللجنة".

وهناك عدّة عوامل تحكم مصير تطورات الأزمة الحدودية، من بينها؛ إمكانية حسم الجيش السوداني معركة استعادة الأراضي عسكرياً، وكيفية ونوعية القوات الإثيوبية الباقية في هذه الأراضي، الملاصقة لبلادها، وموضوع المستوطنات الإثيوبية، وموقف الجماعات الأمهرية المسلحة، وهذه عوامل لم تتّضح بعد، خاصة أنّ الجيش السوداني لم يصطدم بعد بقوة إثيوبية كبيرة، تجعل من تدخّل أديس أبابا حتمياً، فضلاً عن احتمال استثمار التيجراي للأزمة، والتي تتحصن قواتهم في الجبال.

آبي أحمد والأمهرا

ويثير التحالف بين أبي أحمد والأمهرا تساؤلات حول الموقف الحقيقي لأحمد، الذي يواجه ضغوطات كبيرة من الأمهرا، للحفاظ على مكاسبهم في الأراضي السودانية، والتي تنبع من احتياجات مادية للإقليم، الذي يعاني من الانفجار السكاني، حيث يبلغ عدد سكانه 25 مليون نسمة.

اقرأ أيضاً: ما النتائج المترتبة على إخراج السودان من قائمة "رعاة الإرهاب"؟

وإلى جانب ذلك؛ عُرفت عرقية الأمهرا تاريخياً بغزو جيرانها، ورؤيتها المتعالية كسادة لإثيوبيا، ما يرجح اضطراب علاقاتهم مع حكومة آبي أحمد، حال تخليه عن دعمهم في أزمة الحدود، وهو ثمن لا يقدر على دفعه حتى الآن، في ظلّ حاجته الشديدة للأمهرا في دعم مشروعه السياسي.

وبحسب الناشط مجدي عبد الله، من شرق السودان؛ فإنّ قوات جنبوت، ليست مجرد عصابات مدعومة من رجال أعمال، وضباط في الجيش الإثيوبي، يتقاضون رواتب من رجال الأعمال والمزارعين، بل هي ميليشيا قومية، كانت تقيم في إريتريا، وتناوئ حكم التيجراي، وعادت لإثيوبيا مع وصول أبي أحمد للسلطة.

ويقول عبد الله لـ "حفريات": "قوات جنبوت تمثّل الأمهريين القوميين المتطرفين، وهي أحد أذرع الضغط الأمهري على أبي أحمد، ولها تواجد في الفشقة الصغرى، وأديس أبابا".

وفي السياق ذاته؛ يقول الباحث السوداني، أبو بكر عبد الرحمن: "الأمهرا مجموعة توسعية بالفطرة، ولا يعترفون بالاتفاقيات التى تنظم الحدود حتى داخل إثيوبيا، وما يمارسونه اليوم في بني شنقول نابع من اعتقادهم بأنّ بني شنقول جزء من أراضيهم، وهم يقاتلون لإرجاع بني شنقول حتى يستطيعوا السيطرة على كامل الأرض، بالتالي المياه، وحينها يخنقون السودان ومصر، لذلك على البلدين منع وصول الأمهرا للسلطة بأيّ ثمن".

اقرأ أيضاً: أبرز ردود الفعل على قرار ترامب رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب

ويتابع لـ "حفريات": "آبي أحمد لا يثق في الأمهرا، لكنّه يتبنى تنفيذ مشروعه الكبير، لإثيوبيا مركزية، دون قوميات إثنية، من خلال أضعاف المجموعة الأقوى، وهي تيجراي، فإذا تخلص منهم سيذهب إلى تقليم أظافر الأمهرا، ويمكن أن يتحالف مع السودان ضدهم، لأنّهم هم الدولة العميقة الحقيقية، وليس التيجراي كما هو شائع".

مخاوف المكوّن المدني

ورغم الاصطفاف الشعبي الكبير حول الجيش السوداني، إلا أنّ البعض يخشى من استغلال حالة الحرب في زيادة هيمنة المكوّن العسكري على السلطة، ويعبر عن هذا الموقف، عضو مجلس أمناء مركز القرن الإفريقي للدراسات التاريخية، عبد الباسط طاهر، ويرى أنّ؛ الموقف الإثيوبي الرسمي في السابق، والحالي أيضاً، يعترف اعترافاً تامّاً بسودانية المنطقة، لذلك من غير المرجّح التصعيد من جانب إثيوبيا.

اقرأ أيضاً: ماذا فعل الترابي بالسودان؟

ويتابع لـ "حفريات: "المكوّن العسكري في الحكومة السودانية موقفه تصاعدي،  فقبل حوالي الشهرين قاموا بمطاردة المزارعين  الإثيوبيين، في محاولة لإضعاف المكوّن المدني، وخلق عدو خارجي للهروب من الأزمات الخانقة، عبر إطلاق التصريحات الشعبوية، وكأنّ هناك حرباً مفتوحة بين الدولتين".

ويأتي التصعيد السوداني كعلامة على تحوّلات عدّة شهدتها السياسة المتبعة نحو إثيوبيا، بعد عام من التقارب مع المكوّن المدني، عقب الدور الإثيوبي في التوصل لاتفاق الحكم الانتقالي، بين المدنيين والعسكريين.

وسبق ذلك بأيام، قطع رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، زيارة إلى أديس أبابا، كانت مقررة ليومين، عقب ساعات من وصوله، إضافة إلى انتهاج السودان لهجة أشدّ حزماً في مفاوضات سدّ النهضة، وهي خطوات تشي بتحوّلات مقبلة.

الصفحة الرئيسية