"حفريات" تزور "بحر البقر" في ذكرى المجزرة الصهيونية: للحكاية بقية

29674
عدد القراءات

2018-04-01

في الطريق من القاهرة إلى محافظة الشرقية، أثناء رحلة لزيارة مدرسة "شهداء بحر البقر"، شغلني سؤال: ما الذي يخبّئه المكان ولم يكتب بعد؟

48 عاماً، هي عمر المذبحة التي ارتكبها الكيان الصهيوني في حقّ أطفال القرية، التي راح ضحيتها 30 شهيداً، وعشرات الجرحى، من بين 150 طفلاً كانوا يدرسون في المدرسة الابتدائية الوحيدة بالقرية، المكونة من طابق واحد وثلاثة فصول؛ حيث ألقت طائرات الفانتوم الإسرائيلية قذائفها على الأطفال، في صباح الثامن من نيسان (إبريل) عام 1970، ليصبح ذلك اليوم هو يوم الشهيد الذي يتذكره أبناء القرية كل عام، وتتذكره مصر كلها.

كان مقدراً لساكني القرية، قبل عامين، أن يحولوها إلى جنة، لكنّ إسرائيل أحالت حياتهم إلى جحيم

ورغم الكتابات التي تحدّثت عن المذبحة وأسرارها، وأنّ أغلب شهود الحادث قد رحلوا، إلّا أنّ رغبة بالسفر إلى القرية راودتني، يقيناً بأنّ بحر البقر لم تقدّم كلّ أسرارها بعد، خاصة أنّ الجميع كتب عن المذبحة والشهداء، لكنّ أحداً لم يكتب عن المكان وناسه وحكاياته، وعن ردّ مصر على المذبحة، بعد أقلّ من شهرين، بعملية حربية أطلق عليها العدو عملية "السبت الحزين"، قتل فيها عشرات الصهاينة، وسطرت خلالها بطولات الجنود المصريين ثأراً لبحر البقر، وحوادث أخرى ارتكبها الكيان الصهيوني في حقّ أبناء مصر.

البداية

حلم راود عبد الناصر في أن يستصلح ويزرع الأراضي الصحراوية، ليخلق مصر جديدة تكون ملكاً لأبنائها، فأصدر قراراً بتأسيس الشركة العامة لاستصلاح الأراضي، عام 1959، ليستصلح ضمن إطار تحقيق هذا الحلم 118 ألف فدان، تبدأ من الصالحية القديمة التابعة لمركز الحسينية، المركز نفسه الذي يضمّ بحر البقر، وتنتهي بالإسماعيلية، بحثاً عن توفير الأمن الغذائي لمصر، لكنّ حرب 1967 أوقفت حلم ناصر، الذي ترك شواهد سجلت صمود أبناء هذا الوطن، وانتزاعهم النصر من رحم الهزيمة، كان من ضمن هذه الشواهد قرية بحر البقر!

صورة للمدرسة بعد التفجير.. والمعروضة ضمن مقتنيات متحف شهداء مدرسة بحر البقر

تأسست قرية "بحر البقر" عام 1965، قبل النكسة بعامين، وعمر المدرسة التي قصفها الصهاينة لم يكن تجاوز بضعة أعوام، وهي مجموعة قرى كان يشقّها مصرف مائي، سمّي "مصرف بحر البقر"، وجميعها تسمى بحر البقر، مصحوبة برقم من 1 إلى 7، وفي عام 1965 تم استصلاح هذه الأرض، ووزعت على الفلاحين الذين تم استقدامهم من محافظات وقرى قريبة، وفي قرية بحر البقر 2، تأسست المدرسة التي شهدت المذبحة.

أم الشهيد

على مقربة من مقر المدرسة القديم، تجلس والدة أحد الأطفال الشهداء، السيدة نبيلة علي محمد حسن في منزلها، وهي سيدة تبلغ 76 عاماً، قضت 50 عاماً منها في بحر البقر، فقد حضرت مع زوجها إليها، لكنّ الزوج سرعان ما توفي، قبل حرب 1967 بعام، تاركاً الزوجة وخمسة أطفال، لتكمل الزوجة رحلته في الأرض الجديدة، تحكي السيدة نبيلة ذكريات الحرب لـ"حفريات": "كانت أسوأ الذكريات تلك التي حدثت بعد حرب 67، ما زلت أسمع صوت طائرات الفانتوم في أذني، تضرب المكان كلّ يومين أو ثلاثة".

السيدة نبيلة علي والدة أحد الأطفال الشهداء

تستكمل أم الشهيد حديثها: "يوم الحادث، أخبرني طفلي الصغير بشعوره أنّه لن يعود إلى بيته، كانت طائرات اليهود في السماء، والموت الذي يأتون به يحلق على رؤوس أطفالنا كلّ يوم. ذهب طفلي إلى المدرسة، وبالفعل لم يعد، فقد راح شهيداً مع ثلاثين طفلاً، ونجا طفلي الثاني، لكنّه مات في حادث بعد سنوات، حين كان يعمل في إحدى الشركات بالقرية، كأن الموت كان يلاحقه".

مدرسة شهداء بحر البقر

القراءة الجغرافية السريعة، توضح العالم الذي نشأت فيه قرى بحر البقر؛ حيث تقع في مركز الحسينية، على حدود محافظة الشرقية، جنوب شرق محافظة بورسعيد، تبعد عن القنطرة بضع دقائق بالسيارة، تحدّها أيضاً قرى الصالحية، التي تضمّ، إلى جانب آلاف الأفدنة الزراعية، مناطق عسكرية مهمة، بسبب موقعها الجغرافي القريب من مدن القناة وسيناء، الصالحية في الأساس تأسست لتكون منطقة عسكرية في عصر الملك الصالح نجم الدين أيوب، الذي سميت "الصالحية" نسبة إليه.

مدرسة شهداء بحر البقر بعد أن أعيد بناؤها عام 1992

كان مقدراً لساكني القرية، قبل عامين، أن يحولوها إلى جنة، لكنّ إسرائيل أحالت حياتهم إلى جحيم.

في مدخل القرية، استقبلني مدير مدرسة "شهداء بحر البقر"، محمد عبد المعطي، وانتقلنا في سيارته إلى المدرسة، التي تضمّ متحفاً يحتوي على مقتنيات الأطفال الشهداء، بقايا كراسات الدرس، وقطع من عرائس كان يلعب بها الأطفال، وإلى جوارهم في المكان نفسه بالمتحف قطعة ضخمة من قاذفة ألقتها طائرات الفانتوم على الأطفال.

أطلقت غولدا مائير اسم "السبت الحزين" على يوم المعركة لما تكبدوه من خسائر على أيدي جنود الصاعقة المصرية

يحكي محمد عبد المعطي عن المتحف لـ"حفريات": "عام 1992، أعيد بناء مدرسة شهداء بحر البقر في مكانها الجديد، وبعد الانتهاء من المباني، تجمع أهل القرية مطالبين باستعادة مقتنيات أطفالهم المعروضة بمتحف في محافظة الشرقية، لتأسيس متحفهم الخاص داخل المدرسة، ومنذ ذلك الوقت وأهل القرية يحتفلون كلّ عام بهذا اليوم، الذي أسموه يوم الشهيد".

حكايات صمود

اصطحبني مدير المدرسة إلى منزل أحمد الدّميري في القرية المجاورة، دون موعد مسبق، وهو أحد مصابي مجزرة بحر البقر، وفي طريقنا إليه قال مرافقي: "الدميري لم يعد يفضل الحديث إلى الصحافة، يحضرون كلّ عام ليخبرهم الكلام نفسه، ولا جديد يحدث، سواء له أو لأهل القرية التي يغيب عنها كثير من الخدمات".

على باب منزل أحمد الدميري، استقبلنا بوجه بشوش، وحين علم سبب حضوري صمت قليلاً، ثم قال: "ذكرت ما حدث كثيراً قبل ذلك، لم يعد يوجد ما يقال".

أحمد الدّميري، أحد مصابي مجزرة بحر البقر

هذه كانت رؤية الدميري، لكنني كنت أرى أنّه ما يزال هناك الكثير مما لا يعرفه الناس، هنا طرحت عليه سؤالاً كان يجب أن يطرح بالفعل على أهل قرية بحر البقر: لماذا اختاروا البقاء في مكان ليس لهم فيه جذور، وتواجدهم على أرضه لم يتجاوز عامين، مكان هو أقرب لمنطقة حرب، على بعد دقائق من القناة والقنطرة، وفي الضفة الأخرى العدو يتربص بهم؟ إجابة السؤال لم تتأخر، فقد وجدتها لدى الدميري، الذي كان والده قد حضر إلى المكان من السنبلاوين في الشرقية، بعد أن حصل من الرئيس جمال عبد الناصر على خمسة فدانات يزرعها في بحر البقر، أرض بور وأخرى صحراوية تحتاج إلى عمل شاق كي يستفيد من خيرها.

يجيب الدميري عن سرّ البقاء: "قرار ترك بحر البقر كان مرفوضاً بشدة من والدي، كانت لديه إرادة البقاء واستكمال زراعة الأرض، رغم الحرب والموت الذي كنا نشاهده كل يوم".

وعن سرّ هذه الإرادة يستكمل الدميري: "في السنبلاوين كان والدي يعمل مزارعاً في أرض الإقطاع لدى الباشا، يعمل طول العام، ولا يحصل إلّا على الفتات، كانت الأرض التي حصل عليها في بحر البقر من عبد الناصر هي الأمل في حياة أفضل، مهما كلّفه ذلك الأمل، كان يجب أن يعيش حتى يحصل عليه، أو يموت دونه، لم يكن لدى والدي طريق آخر".

النصب التذكاري في المقر القديم لمدرسة بحر البقر

حديث الدميري فتح الباب لعالم بحر البقر السري الذي كنت أبحث عنه، فقد حصرنا، لعشرات الأعوام، حكاية أهل بحر البقر في المذبحة وموت الأطفال، لكن الحكايات الأخرى تشير إلى أنّ بحر البقر كانت أيقونة نصر تولدت من قلب الهزيمة.

إرادة الفقراء، ورغبتهم في عدم العودة لذكريات الإقطاع، واحتكار الباشا ورجاله لأقواتهم؛ هي حكاية كلّ مصري عانى الاستعمار وحكم الإقطاع، وحين احتلت إسرائيل سيناء، كانت محاولة لتدمير حلم هؤلاء، لكنّهم قرروا المواجهة، بأغلى ما يملكون، حياتهم وحياة أطفالهم.

يسترجع أحمد الدميري الحادث: "كنت في الفصل أجلس بجوار صديقي أحمد عبد العال السيد، وأثناء الدرس وقع القلم على الأرض، فنزلت أسفل التختة لإحضاره، وكان سقوط القلم واحتمائي بالتختة، هما ملاذي من الموت، حيث سقطت ثلاث قذائف متتابعة على المكان، وفي المستشفى سألت عن صديقي أحمد عبد العال، وكان قد مات".

يحكي والد أحمد عبد العال، في فيلم تسجيلي عن مجزرة بحر البقر، أنّه ورجال القرية كانوا يحملون بقايا الأطفال الممزقة، يضع في جلبابه الرأس منفصلة أو الأيدي والأرجل ويجمعها بعيداً عن مكان التفجير، وفي تلك اللحظة التي كان يجمع فيها أجزاء الأطفال المتناثرة علم بخبر وفاة ولده الوحيد أحمد.

بعض مقتنيات الأطفال شهداء المذبحة

السبت الحزين

مساء 30 أيار (مايو) 1970، بعد أقلّ من شهرين على مذبحة بحر البقر، وبعد الحوادث الأخرى التي راح ضحيتها مصريون مدنيون، كان الكيان الصهيوني على موعد مع ثأر رجال الكتيبة 83 صاعقة، واللواء 135 مشاة، الذين تمركزوا في اليوم السابق داخل الضفة الأخرى من القناة، في منطقة سيطرة اليهود، على بعد 3 كيلو مترات داخل العمق الصهيوني، حفروا الخنادق وانتظروا الأمر بالاشتباك، وبعد أكثر من 18 ساعة انتظار، جاء الأمر بالانسحاب قبل تنفيذ العملية، فقوة الصاعقة المصرية لا يتجاوز عددها 12 جندياً، في حين القوة الإسرائيلية التي ستمر من المكان تتجاوز 100 جندي.

على الجانب الآخر من الضفة، كانت هناك معركة لدى سكان بحر البقر من أجل البقاء أو الموت

هكذا، فهي معركة غير متكافئة، لكنّ جنود الصاعقة طالبوا باستكمال المهمة، وهو ما استجابت له القيادة العسكرية، وفي السابعة والنصف من مساء 30 أيار (مايو)، بدأ الاشتباك، الذي قتل فيه في ذلك اليوم، بحسب إعلان إسرائيل، 35 جندياً إسرائيلياً، وعادت القوة المصرية كاملة، دون أن تفقد جندياً واحداً، وأطلقت غولدا مائير على هذا اليوم، اسم "السبت الحزين"، لما تكبدوه من خسائر على أيدي جنود الصاعقة المصرية، وكانت معركة انضمّت لسجل بطولات حرب الاستنزاف التي بدأت عام 1969، لكن على الجانب الآخر من الضفة، وداخل قرى بحر البقر، كانت هناك معركة سكان القرية من أجل البقاء أو الموت، لاستصلاح أرض مصرية جديدة، تعود خيراتها إليهم وإلى مصر، وليس إلى الباشا ورجاله، كما كان سابق عهدهم قبل ثورة يوليو 1952.

اقرأ المزيد...

الوسوم: