ردود الفعل على الجرائم الإرهابية تتناسى الإنسانية وتفتش في دين الضحايا

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
4856
عدد القراءات

2017-12-03

في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، وعقب عيد الشكر في الولايات المتحدة الأمريكية يحتفل العالم بالجمعة السوداء، والتي تزيد فيها المشتريات بشكل ملحوظ، في هذا السياق كانت الجمعة السوداء في مصر ذات طابع خاص؛ حيث ارتفع عدد الشهداء الذين اصطفوا خلف أبرياء آخرين سبقوهم، سقطوا ضحايا العنف الديني، من أهالي سيناء، الذين راحوا ضحية الهجوم الإرهابي على مسجد الروضة في بئر العبد.

وبينما نكست دول أعلامها، وأطفأت أخرى أنوار أبراجها، حداداً على شهداء مصر، كانت هناك ردات أفعال متباينة بين المصريين، والعرب بشكل عام، على مواقع التواصل الاجتماعي، يرصدها هذا التقرير.

ترشيحات أخرى على قوائم الموت
القتل قتل، ولا يسعنا أنْ نسمّيه غير ذلك، وبينما تعددت التدوينات على مواقع التواصل الإجتماعي، والتي تشترك جميعها في نبرة الأسى، وتحفل بالترحم على الشهداء جاءت هذه التغريدة المثيرة للدهشة، والتي انتشرت سريعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتشير  صاحبتها وهي تستنكر حادثة القتل الجماعي داخل داخل المسجد إلى جرم آخر ترى أن الجناة ارتكبوه بعدم استهداف الملاهي الليلية وأصحابها! وكأنّ القتل داخل الملاهي يمنح القاتل مبرراً، والقتل شرعية!.

ثمة من يستنكر حادثة القتل الجماعي داخل داخل المسجد ويلوم الجناة لعدم استهداف الملاهي الليلية وأصحابها

على جانب آخر، نشر نقيب المهن الموسيقية الفنان هاني شاكر، عبر حسابه الرسمي على موقع "إنستغرام"، صورة ثلاثية مجمعة لمسجد وكنيسة مدمرين نتيجة الهجمات الإرهابية، وصورة ثالثة ليهود يعيشون بأمان، معلقاً عليها قائلاً: قتلوا أبناء الجمعة وأبناء الأحد ولا زال أصحاب السبت آمنين، في إشارة صريحة لليهود، وهو ما أثار جدلاً كبيراً ونقاشاً حاداً بين الرافضين والمتفقين معه.
وفي تعليق آخر جاء خارج النص والسياق، أبدت الإعلامية رشا مجدي تفهماً غريباً لتفجير الكنائس، وقتل المسيحيين، ورجال الجيش والشرطة؛ حيث سألت النائب علاء عابد في مداخلة هاتفية ببرنامج "استوديو البلد"، عن دوافع الإرهابيين للحادث، قائلة: "أنا عقلي مش قادر يستوعب الحادث، شفنا هجمات بين الإرهابيين والشرطة والجيش، وقلنا إنه عنف متبادل معاهم، وهذه الجماعات المتطرفة بتهاجم العديد من الكنائس، وقلنا آه معتبرين إنه دين غير الدين الإسلامي وعدو ليهم برضه، وقلنا ماشي، لكن مسلمين إزاي"!.

في عالم إخواني موازٍ
بعد انتشار صور الحادث الإرهابي في الروضة بالعريش، توالت تعليقات من جانب أشخاص ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، حاولوا استدعاء واقعة فض اعتصام رابعة العدوية عام 2013، ومقارنتها بحادثة المسجد، متباكين على قتلاهم، ومُحمّلين الدولة مسؤولية الفشل في حماية أهل سيناء، بل والتواطؤ مع الإرهابيين، في شماتة لا تليق بالمصاب، وإن كانت تليق بأدبيات الجماعة، مثال على ذلك ما دوّنه الكاتب ساري عرابي على موقع "الجزيرة" في مقاله المعنون بـ"الطريق من جريمة مسجد رابعة إلى جريمة مسجد الروضة".

جرى الترويج في أعقاب تفجير الروضة لنظرية المؤامرة، وأن الدولة تتعاون مع الإرهاب لإخلاء سيناء وتوطين الفلسطينيين

وقام آخرون بالترويج لنظرية المؤامرة، مدعين أنّ الدولة تتعاون مع الإرهاب من أجل إخلاء سيناء لتوطين الفلسطينيين، وانتشرت على صفحاتهم تعليقات لجيلا جامليئيل، وزيرة شؤون المساواة الاجتماعية الإسرائيلية والتي قالت في حوار صحفي لها أنّ "أفضل مكان للفلسطينيين ليقيموا فيه دولتهم هو سيناء".
تلميحات سلفية
من بين الأدبيات الفكرية في المذاهب الإسلامية المختلفة، والتي تحفل بالتراشق بالأحكام والفتاوى، التي يتبعها أبناء كل فرقة إسلامية، يبقى للسلفية لمستها الخاصة، التي لا يُعفى منها أحد حتى أبناء الإسلام أنفسهم، والذين برزت تعليقاتهم، حول إباحة قتل الصوفية، الذين يطلقون عليهم "عبدة الأضرحة"، ويساوون في قتلهم مع المسيحيين واليهود، ويرى آخرون بأنّ التصوف ليس إسلاماً حيث يخلو من الجهاد، وقتال المشركين، فهو الإسلام الذي تريده أمريكا وإسرائيل، وأعداء الإسلام، ومن ثم تجب مقاومته ومحاربته كما يُحارب غير المسلمين، ولا عجب من ذلك، فقد كفروا كبير المتصوفة المسلمين الأندلسي "محيي الدين بن عربي"، ومن ثم فإنّ كل أتباع الصوفية كفار، وانطلاقاً من قاعدة التكفير الواسعة، فالقتل جائز ما دام بفتوى من مشايخ السلفية.


الإخوان وحضور لا يغيب
بينما يُلقي الإخوان اللوم على الدولة المقصرة أمنياً بحق أهالي سيناء، مع افتراض سيناريوهات مختلفة، تورط فيها الدولة بتهمة المشاركة في إخلاء سيناء من أهلها، هناك على الجانب الآخر، من يتهمون الإخوان بالضلوع في تلك العملية، وأنها جاءت انتقاماً من أتباع الجماعة لإسقاط حكمهم، ومحاولة إغراق مصر في بوتقة إرهاب لا قرار لها، وأنّ كل الإرهاب الذي تعيشه مصر، ليس سوى وجه مختلف من أوجه الجماعة المحظورة، التي تغيره حسب المشهد السياسي في مصر، وخير مثال على ذلك هو التقرير المنشور في صحيفة "المصريون" وجاء بعنوان "مفاجأة.. علاقة الإخوان بصاحب فتوى مجزرة الروضة"، مع التعقيب بضرورة مواصلة الاصطفاف خلف القيادة السياسية التي يرون أنها تواجه وحدها الإرهاب.

القطب الآخر للصراع الطائفي في مصر
بينما يعاني المسيحيون المصريون من هول ما حدث بعد سلسلة تفجيرات دموية طالت كنائسهم، وأسقطت العشرات من الشهداء، خلال العام الحالي، اصطف المسيحيون، معبرين عن ألمهم الشديد جرّاء ما وقع في سيناء، مستشعرين هذا الألم الذي اختبروه سابقاً، حين كانوا هم ومقدساتهم أهدافاً صريحة للإرهابيين، وقد أبرزت التعليقات المسيحية، تعاطفاً كبيراً من المسيحيين، بينما ذهب وفد من الكنيسة، إلى الأزهر، لتقديم واجب العزاء لشيخ الأزهر، مؤكدين تضامنهم غير المشروط مع إخوانهم المسلمين، حيث أبرز الحادث أنّ الهدف ليس المسيحيين وحدهم، إنما كل أبناء مصر.
ردود الأفعال تتباين في جوانب مختلفة، موضحة التوجهات الفكرية لأقطاب مختلفة من المجتمع، وهو ما يؤكد وجود التباس في إطار الحرب على منظومة الإرهاب، الذي وقعت مصر في آتونه في السنوات السابقة، ولا زالت تواجهه حتى اليوم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: