لماذا قدّم الإخوان 3 تفسيرات مختلفة لرسالة التعاليم لحسن البنا؟

17044
عدد القراءات

2019-01-08

كتب حسن البنا القليل من الكتب، وبعض الرسائل، والكثير من المقالات، وما حظي من ذلك بالاهتمام الحقيقي رسائله الخاصة لجماعته، وأشهرها على الإطلاق رسالة "التعاليم" التي كتبها العام 1938، وتشكّل، مع رسالة "المؤتمر الخامس"، المكوّن الفكري الأهم والحقيقي لحركة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي من بعد، فقد وضع البنا فيهما خلاصة مشروعه، وأوضح طرق تنفيذه ومراحل تكوينه، كما رسم بدقّة دور كلّ عضو في التنظيم، بحسب كلّ مرحلة، لهذا قدّم البنا رسالته الى طائفة خاصّة من الإخوان، أطلق عليها "الإخوان المجاهدين"، وهم أفراد النظام الخاص، وظلّ لعشرة أعوام يشرحها لتلك الفئة المخصوصة المصنوعة على عينه، كانت رسالة "التعاليم"، ومعها رسالة "المنهج"، نصاً سرياً لمجموعة مخصوصة، لهذا كانت شروحهما غير معلنة للعامة، فلم يدوّن البنا مراده من كلّ جملة في الرسالة، مكتفياً بما لقنه شفوياً وعملياً لتلك المجموعة.

اقرأ أيضاً: هل سرق حسن البنا النار من صديقه السكري؟

لكنّ الغريب؛ أنّ الإخوان أعادوا إنتاج تلك الرسالة ثلاث مرات، مع شرح جديد في كلّ مرّة لها! ولا أحد يعلم لماذا لم يقدموها بشرح حسن البنا نفسه؟ رغم أنّ كثيراً ممّن حضروا شرح الرسالة من كاتبها الأصلي، كانوا ما يزالون على قيد الحياة وقت كتابة تلك الشروح.

قدّم البنا رسالته الى طائفة خاصّة من الإخوان وظلّ لعشرة أعوام يشرحها لتلك الفئة المخصوصة

المرة الأولى كانت العام 1952، بشرح عبد المنعم تعيلب، الإخواني الشاب الأزهري، ثمّ قدموها العام 1980 بشرح سعيد حوى، الإخواني السوري، بشرح مختلف تماماً عمّن سبقه، ثم بعد عشرة أعوام؛ أي في العام 1990، ظهر شرح ثالث لمحمد عبد الله الخطيب، مفتي الإخوان الأزهري، والملاحظ أن تركيز الإخوان الفكريّ انصب على جزء من الرسالة، وهي الأصول العشرون للفهم، وتقديمها كأنّها من متطلبات إيمان المسلمين.

تشير المعطيات إلى أنّ الإخوان المسلمين استخدموا رسالة التعاليم، باعتبارها "مانفيستو المشروع الإسلامي" بصورة براجماتية، فمع كلّ متغيّر في الحياة السياسية، يقوم الإخوان بطرح مشروعهم الإسلامي عبر إعادة طرح رسالة "التعاليم" و"الأصول العشرون للفهم"، مع شرح مختلف يوهم القارئ أنّ حسن البنا كتبها من أجل هذا الغرض.

غلاف كتيب "البيعة" والذي يحوي شرح "رسالة التعاليم"

أولاً: رسالة "التعاليم" باعتبارها أساساً للبيعة:

في مطلع الخمسينيات، بعد مقتل البنا، وقيام ثورة يوليو؛ قدّم الشاب الأزهري، عبد المنعم تعيلب، كتيّباً يشرح فيه رسالة "التعاليم"، وضع له عنواناً كبيراً؛ هو "البيعة"، ومعلوم أنّه، مع ثورة يوليو، حدثت متغيرات في السياسة، وأنّ قوة شعبية جديدة أخذت تتولد. فظهرت حاجة الإخوان إلى شرح جديد لرسالة "التعاليم"، فقد كانت قديماً تخاطب أعضاء بعينهم في الجماعة "إخوان النظام الخاص"، خطاباً سرّياً، وليس عاماً، وقام حسن البنا بشرح رسالته، في لقاءات خاصة وسرية، أمّا على أعتاب ثورة يوليو، أو بُعيد الثورة بأسابيع، (نظراً إلى تاريخ طبع الرسالة)، أخذ تعيلب يغازل الضباط الأحرار، بقوله: "كلّ جنديّ لا بدّ من أن يقسم يمين الولاء، وولاؤك لله لا يكون إلّا بعهد بينك وبينه، أن تدافع عن الإسلام حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كلّه لله، أو تموت دون ذلك"، ثم يقول، بعد عدة سطور: "والجنود وحدهم هم المدعوّون لهذه البيعة، وسترى من إيجازها ووضوح ألفاظها أنّها إلى الأوامر العسكرية أقرب منها إلى الأساليب الخطابية، فهي تحتاج إلى عزيمة وحزم أكثر مما تحتاج إلى استذكار وحفظ، فاعمدوا إلى العمل أيّها المتبايعون".

جاء شرح تعيلب مليئاً بالإشارات العسكرية وحافلاً بالإيماءات التي لم يكن يقصدها البنا

ويُلاحَظ هنا أنّ الرسالة قُدّمت باعتبارها تعليمات وأوامر يلقيها قائد لجنوده العسكريين، الذين يجب أن تكون لهم بيعة لله!! وكأن الإخوان بذلك يتقربون من الضباط الأحرار، ويذكّرون بعضهم بما كان بينهم وبين البنا من عهد قبيل الثورة.

فجاء شرح تعيلب مليئاً بالإشارات العسكرية، وحافلاً بالإيماءات التي لم يكن يقصدها البنا، وداخل شرح الرسالة الكثير من التلميحات لكيفية تكوين الحكومة الإسلامية، لكن "شهر العسل" مع السلطة الجديدة لم يطُل، وما لبث الإخوان أن دخلوا في صدام مباشر مع ثورة يوليو، بدءاً من منتصف الخمسينيات إلى نهاية الستينيات، حتى أفرج عنهم الرئيس الأسبق، أنور السادات، وسمح لهم بالعمل الدعوي والعام داخل المجتمع العربيّ والإسلاميّ.

حسن البنا

ثانياً: نظرية في العمل الحركي الإسلامي

ومع عودة الإخوان في السبعينيات، تغيّرت ملامح المشروع الإسلامي، فظهرت الحاجة إلى كتب يجتمع عليها الشباب الإسلامي المستهدف بالتجنيد، فقامت مجلة "الدعوة" في السبعينيات بإعادة طباعة رسائل حسن البنا، منفصلة أو مجمعة، بهدف تحسين صورة الحركة الإسلامية الصاعدة بعد عهد الصدامات، والتبرؤ من أفكار سيد قطب مؤقتاً، بارتداء ثوب الدعاة، والتوقف عن العنف وحمل السلاح، ولم يجدوا أفضل من حسن البنا للقيام بهذا الدور لربط الحركة الدينية الوليدة بهم.

اقرأ أيضاً: كيف يقدس الإخوان المسلمون حسن البنا ؟

واجه الإخوان مشكلة ارتداء هذا الثوب الجديد في السبعينيات، فرسالة التعاليم تتنافى صراحة مع التوجه الجديد بنبذ العنف؛ ففيها التصريح باستخدام السلاح، والخروج على المجتمع، وعلى الحاكم أيضاً، فأسقط في أيديهم، ولم يكن يصلح مع تلك المرحلة إعادة نشر شرح عبد المنعم تعيلب، فكان لا بدّ من تقديم رسالة "التعاليم"، بشكل مخفف ومخاتل، فطلبوا من سعيد الحوى، الكاتب الإخواني السوري الجنسية؛ أن يكتب في شرح هذه الرسالة، على أن يصبّ شرحه في الهدف المطلوب، وهو تمويه فكرة "استخدام الإخوان العنف والسلاح في التغيير"، والرغبة في القفز على السلطة؛ لهذا لم يأتِ كتاب حوى "في آفاق التعاليم"، باعتباره شرحاً للتعاليم؛ بل أقرب إلى تقديمها باعتبارها نظرية حركية في العمل الإسلامي تمتلك مقوّمات بناء الشخصية الإسلامية الجديدة، أو التي يسعى الإخوان إلى خلقها.

لمواكبة التيار السلفي وتأصيلاته اختار الإخوان الشيخ محمد الخطيب للشرح الثالث "نظرات في رسالة التعاليم"

جاءت "آفاق" حوّى ضمن مشروعه الذي أطلق عليه "في البناء الإسلامي"، وشمل  كتباً مثل: "جند الله ثقافة وخلقاً"، وكتاب "من أجل خطوة  إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك"،  ثم كتابه الشهير "المدخل لدعوة الإخوان المسلمين"، وفي "في آفاق التعاليم" كثيراً ما استشهد بكتاباته من الكتب السابقة.

سعى سعيد حوى لإقناع القراء بأنّ مراحل  تنفيذ مشروع حسن البنا (التعريف– التكوين– التنفيذ)؛ إنما هي مراحل الدعوة للإسلام ذاته؛ من مدخل تعريف الناس بالإسلام الحقيقي، ثمّ يتمّ تكوين المؤسسات الإسلامية، ثمّ تأتي مرحلة تطبيق الإسلام ذاته في تلك المؤسسات، رغم أنّ البنا كان يراها مراحل عمل عضو الإخوان في التنظيم، وهذا الطرح كان مناسباً لمرحلة السبعينيات لتجميع كلّ الشتات الإسلاموي في وعاء واحد، وهو الإخوان المسلمون، وانتهت تلك المرحلة بعد اغتيال الرئيس السادات بأيدي الإسلامويين أنفسهم، واحتاج الإخوان إلى أن يكونوا أكثر وضوحاً، وأن يكون مشروعهم أكثر تميزاً من بين فصائل العمل الإسلاموي، فأعادوا شرح "التعاليم" باعتباره فكراً تربوياً.

 

 

ثالثاً: ثوب الركيزة التربوية

من منتصف الثمانينيات من القرن الماضي؛ كان على الإخوان المسلمين أن يتمايزوا عن باقي فصائل الحركة الإسلاموية، فاختاروا أن توسم جماعتهم بأنّها تسعى إلى التغير عبر ركيزة التربية، فأعلنت أنّ مشروعها تربوي فقط، قائم على إعادة تكوين مقومات الشخصية المسلمة، مع عدم إنكار باقي الركائز، والجماعات الجهادية التي تؤمن بالتغيير باليد؛ أي السلاح، مثل الجهاد والجماعة الإسلامية، وجماعات التثقيف الإسلامي مثل: السلفية العلمية، أو السلفية الحركية، فلم يكن أمامهم إلا إعادة إنتاج رسالة التعاليم وفق شرح جديد لصالح فكرة التربية، وتكوين الفرد المسلم، وفق تأصيل شرعي، لا حركي، وتحويل الرسالة التي كانت لفئة مخصوصة سرية، إلى منهج تربوي للجميع، وكأنّ البنا كتبها لعموم المسلمين!

اقرأ أيضاً: "رسالة التعاليم" لحسن البنا: اترك عقلك واتبعني!

واجه الإخوان مأزقاً جديداً هذه المرة، تمثّل في الملاحظات الشرعية على جماعة الإخوان، تلك الملاحظات كانت كافية لإفساد مخططها في السيطرة على العمل السياسي والتربوي والدعوي، خصوصاً أنّها جاءت من التيار السلفي، الذي كان قد تميز عليهم بتأصيله الشرعي لحركته، وبالتالي؛ لم تكن تصلح إعادة نشر رسالة التعاليم بشرح تعيلب ولا حوى؛ لهذا اختار الإخوان لتلك المهمة أحد أقطاب الإخوان الشرعيين، وهو الشيخ محمد الخطيب، فجاء كتابه بعنوان "نظرات في رسالة التعاليم".

سعيد حوى

يستهل الخطيب شرحه للرسالة باعتبارها مسؤولية كبرى، وأنّه "غير أهل لشرح كلمات المؤسس حسن البنا"، إلا أنه سيقدم على المهمة؛ نظراً إلى أهميتها، ثم يقول عن الرسالة نفسها: "الحديث عن رسالة التعاليم وما حوته من توضيح لطريق الدعوة وبيان لمعالم المستقبل، قد وضعت قدم المسلم على بداية الطريق للوصول إلى الهدف، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا في هذا الكون، إنَّ الحديث عن هذه الرّسالة ما هو إلا سياحة في جوانبها، وليس شرحاً لها بالمعنى التقليدي المعروف، وإن شئت فقل هي قراءة جديدة لها".

مع السبعينيات كان لا بدّ من تقديم رسالة "التعاليم" بشكل مخفف ومخاتل وتولى المهمة سعيد الحوى

ويقول أيضاً: "المكانة الخطيرة التي تحتلها هذه الرسالة، والدور بالغ الأهمية، الذي أراده لها أن تضطلع به في بناء الصفّ المؤمن السليم"، موضحاً: "جاءت رسالة "التعاليم" نموذجاً فريداً، يجدد بدقة ويرسم بعناية ضوابط الفهم ودعائم التربية وأصول الحركة لجماعة الإخوان المسلمين"، فجاء هذا الكتاب ضمن مشروع كبير تبنته الجماعة لتثقيف الصفّ الإخواني، تحت عنوان "سلسلة نحو النور".

تقدم هذه المحطات الثلاث تكتيكات الإخوان الدائمة في إعادة تدوير مشروعهم وفق واقع الحال، لتناسب في كل مرة اللحظة التاريخية التي يمرون بها، وفي كلّ مرّة يزعمون أنّ هذا هو ما كان يقصده البنا، حتى لو أدى ذلك إلى تناقضات ظاهرة!

اقرأ المزيد...

الوسوم: