"من الدعوة إلى التنظيم السري".. تجربة المليجي وأطوار الإخواني المنشق

5374
عدد القراءات

2018-11-12

لا يأخذ المنشق قرار انشقاقه عن تنظيمه هكذا دفعة واحدة؛ بل قد تلوح في البداية إرهاصات الانفصال في أفقه وتحدثه بها نفسه، متخذة أشكال انتقادات للمنهج والحركة، وهو في خضمّ انخراطه في عمله التنظيمي، كما قد يتصور أن تلك الانتقادات يمكن أن تتبلور في شكل رؤى إصلاحية سيفلح التنظيم إن أخذ بها وطبقها، وسينفض بلا شك الغبار من فوق عقله وجسده، فيتقدم للأمام لتحقيق غاياته القصوى.

اقرأ أيضاً: 10 منشقين عن الإخوان يكشفون أسرار المعبد

تتلاطم أمواج التفكّر والتدبر داخله، بعدما يتعرض لصدمات نفسية، أو مواقف حركية تدعوه للتأمل، فيبدأ بالحديث النقدي لذاته، التي تراوده بعد ذلك في الإفصاح عن مكنوناتها للأقربين.

يرى المليجي أنّ المال أفسد قادة الإخوان: الخلط بين المال وقيادة الدعوة قد أصاب الاثنين في مقتل

يلتقط التنظيم أيضاً تلك التطورات مبكراً، فيحاول ترويضه والسيطرة عليه بطرق تدرب عليها التنظيميون في محاضنهم التربوية، فقد ينجحون في السيطرة عليه وقد يعاود هو ممارسة النقد، حتى يضعوا عليه دوائر حمراء تتفعل في الأطر التنظيمية، ليتم تحييده، والإقلال من خطره، ومحاصرة عدواه.. حتى تأتي مرحلة يتم فصله إدارياً من التنظيم، والتخلص منه وبتره.

يبقى المنشق في أزمة نفسيه مركبة، تهفو روحه وتحنّ إلى ما مضى، ويزداد حنقه على التنظيم، الذي يقلب له ظهر المجن، وينهش في لحمه وعظمه، إلا أنّ وجوده خارج جماعته قد يسمح له برؤية أكثر وضوحاً من بعيد، فيتجاوز المرحلة تلو المرحلة، حتى ينجح في التخلص من بقايا الجماعة التي ظلت تسرح في عقله ووجدانه.

منشق لا منتزع

يأتي كتاب القيادي الإخواني، السيد عبدالستار المليجي، "تجربتي مع الإخوان .. من الدعوة إلى التنظيم السري"، معبراً عن الإخواني المنشق الذي ما تزال جراح فصله حية، إذ كتبه وهو ما يزال يؤمن بأنّ المشكلة ليست في القواعد التي بنيت عليها جماعة الإخوان، بل هي آتية من القادة الذي انحرفوا بها عن مسارها القويم!

 السيد عبدالستار المليجي

تتلخص الفكرة التي يدور حولها الكتاب، من خلال مذكرات كاتبه الشخصية، في أن "السريين الجدد-الأبناء الخالصين للنظام الخاص القديم- اختطفوا الجماعة التي عكف جيل السبعينيات على إعادة بنائها، وتحويل الجماعة كلها إلى تنظيم سري، والتخلص من قادة جيل السبعينيات بعد ذلك".

إذن فأزمة "المليجي" ليست جذرية تجاه تنظيم الإخوان، بل هي إشكالية تسلط تيار على تيار، وسلب القيادة منه، وتحويله من المسار العلني إلى المسار السري المغلق.

اقرأ أيضاً: القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

وضح ذلك جلياً في مقدمة الكتاب التي كتبها أحمد رائف، أحد مؤرخي الجماعة والمؤيدين لها، حيث يقول: "والدكتور السيد عبدالستار إنما يريد بكتابه هذا، أن يساهم في مسيرة تصحيح الإخوان المسلمين ذلك الجمهور العريض المخلص، والذي أسلم قيادته إلى صفوة منها قلة جاهلة من الناس تريد مغنماً وتطلب ديناراً أو درهماً، وتبحث عن مكسب رخيص على حساب شباب صغير حسن النية، ومنهم من لا يجد قوت يومه...".

إذن هو تنظيم في الأصل جيد، كما يرى "المليجي" في هذا الوقت، لكنه تعرض لانحرافات على يد القيادة، ويأتي الكتاب في محاولة تصحيح المسار.. يكمل "رائف": "كثير من الشباب الإخواني مخلص ومستقيم، ولا يتردد في تنفيذ أوامر لقيادة هي في بعض الأحيان جاهلة، وقد تكون أيضاً مغرضة، ولكنه يثق بهم ويظن بهم الخير، ويرى أنهم يأخذونه إلى طريق الآخرة الصحيح، ونحن لا شك نجد من بين هذه القيادة من هو على الخير، فهي ليست كلها فاسدة، وإن كان فيهم من على هذه الصفة فإنّ فيهم من ليس كذلك، وتعرفهم بسيماهم وفي لحن القول."...لم تبق أفكار المليجي كما هي بل أخذ طوراً جديداً فيما بعد، وصل إلى حد عدم إيمانه بجدوى التنظيم.

اقرأ أيضاً: القيادي المنشقّ البشبيشي: أفكار الإخوان خبيثة وفاسدة

في فترة ما قبل ثورة يناير المصرية، انتشرت مقولات لباحثين تتحدث عن أن هناك تيارين رئيسيين داخل الجماعة، الأول: هو التيار "البناوي"، نسبة إلى المؤسس الأول للجماعة حسن البنا، أو التيار "التلمساني"، نسبة إلى عمر التلمساني، المرشد الثالث للجماعة، والتيار الثاني هو التيار القطبي: نسبة إلى سيد قطب، أو تيار النظام الخاص، إلا أن هذه المقولات سقطت بعد ثورة حزيران (يونيو) العام 2013.

 

فتنة الأموال

أتى العام 2007، ولم تكن ثمة مشكلات معروفة لسيد عبدالستار المليجي، مع جماعته،  حتى تسربت لإحدى الصحف المصرية رسالة له، كان قد أرسلها لمكتب إرشاد الجماعة في القاهرة، تطالب بالكشف عن مصير الأموال التي راكمتها الجماعة عبر سنين، واختلاط تلك الأموال بالذمة المالية الخاصة لعدد من قادة الجماعة.

اقرأ أيضاً: تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم

يلمح "رائف" لهذه المسألة في مقدمة الكتاب: "عندما يغلب الهوى والشح وحب المال تكون الدعوة والجماعة مشروعاً استثمارياً جذاباً يحصد من خلاله المال الكثير، وهذا لم يكن في الماضي بل هو الآن"... لكن الحقيقة أنّ مسألة الذمة المالية قد أثيرت أيام المؤسس الأول للجماعة، وعلى لسان وكيلها المفصول، أحمد السكري.

اقرأ أيضاً: هل يخضع وزير الداخلية الأردني لتيار "الإخوان"؟

جاء في رسالة المليجي لمكتب الإرشاد والتي نشر نصها كاملاً في كتابه ما يلي: لن يكون مقبولاً أبداً في حق الدعاة إلى الله، لن يقبل مجتمع مصر، وغالبيته من الفقراء، أن ينقاد دعوياً لقيادات أرستقراطية، وكانزة للمال على هذا النحو، المنتمين للجماعة يشعرون أن هناك تفاوتاً طبقياً غير مبرر، ولا مفهوم بين قيادات غنية تلعب بالفلوس، وبين إخوان فقراء لا يجدون ثمن الفول والطعمية، ويموت أطفالهم مرضاً لأنهم لا يجدون ثمن الدواء، لا يجوز أن نضع أنفسنا في الرمل غير عابئين بالأثر السلبي لهذه المتناقضات، والخروقات التي تلطخ ثوب دعوتنا.

اقرأ أيضاً: هل سقطت الهيمنة الإخوانية على العالم العربي؟

يتحدث المليجي عن الفروق الطبقية الهائلة في الجماعة، وعن الثراء الذي ظهر على عدد من قادتها، وعن مصير الأموال المتراكمة المجمعة من جيوب أعضاء الجماعة الفقراء، واختلاطها في الذمم المالية لهؤلاء القادة، الذين يتحدثون عن شرعية الثراء هذا وجوازه شرعاً، فهناك من الصحابة الغني وهناك الفقير "وفق دفعهم".

طالب عبدالستار بإعلان ميزانية الجماعة في مصر، ونشرها بالصحف والتعود على ذلك سنوياً

يقول المليجي: بعض الإخوان المسلمين من القيادات الجديدة يناقش القضايا على محك يجوز ولا يجوز شرعاً، وليعلم هذا وهؤلاء السائرون على دربه، أنّ المسألة المالية في مجتمع فقير لها معايير أخرى، وحيثيات يجب أن تحترم، نعم نحن ندرك أنّ التأويلات الأرستقراطية للدين وأحكامه أكثر مما تعد أو تحصى، ولكننا كجماعة دعوية معنيون باختيار التأويل الذي يبيض وجهنا في الدنيا والآخرة، كما علينا أن ندرك أنّ الشاغل لعقلية الناس هو القدوة التاريخية للدعاة الأجلاء الزاهدين.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" وأحلام حكم العالم باسم "الخلافة"

يرى المليجي أنّ المال أفسد قادة الإخوان حيث يكمل: "الخلط بين المال وقيادة الدعوة قد أصاب الاثنين في مقتل وتجربتنا الطويلة خير شاهد على ذلك، ومن يدرس ما حدث في قضية سلسبيل يدرك أنّ مصائب جمة حطت على جماعتنا منذ وطئت مصر أقدام هذا المشروع الذي تم تحضيره وتجميعه في لندن".

يسترسل: "علينا أن نتّفق على أنّنا جماعة دعوة ولسنا جماعة استثمار ولا يجب أن نجمع من المال إلا ما هو مطلوب لتسيير دولاب العمل الدعوي بالفعل وعند الحاجة إليه، وعلى ذلك فمسألة فرض اشتراكات دورية ثابتة على أعضاء الجماعة يجب إعادة النظر في جدواها بعدما أصبحنا أكبر جماعة ممولة لوزارة الداخلية من جراء ما تصادره من أموال مكدسة في بيوت القيادات الجديدة".

اقرأ أيضاً: من شاعر رومانسي إلى إرهابي في "الإخوان المسلمين"!

طالب عبدالستار بإعلان ميزانية الجماعة في مصر، ونشرها بالصحف والتعود على ذلك سنوياً وإعلان الذمة المالية لكافة القيادات الإخوانية التنظيمية المتمثلة في مكتب الإرشاد وأعضاء مجلس الشورى ومسؤولي المحافظات. رفضت الجماعة ذلك المطلب واعتبرت أنه هراء لا يجب الالتفات إليه؛ إذ يستحيل كشف ميزانيتها أو مصادر تمويلها، وإلا باتت صيداً ثميناً لخصومها.

نظرية الجماعة المختطفة!

يشدد "رائف" في مقدمته على "إخوانية" عبدالستار المليجي، فيقول إنّه من "ذؤابة الإخوان المسلمين وله تجربة عريضة في عالم الإخوان، فقد انتبه الرجل إلى النظام السري يحاول العودة لكي يدير الحركة داخل الجماعة، وقد بين ذلك بصورة لا تدع مجالاً للشك والالتباس وهو ما يعرض الجماعة للدمار...".. بعد وفاة أحمد رائف بسنوات قليلة، تعرضت الجماعة لأكبر نكباتها في التاريخ على  يد قادتها.

اقرأ أيضاً: حكم جديد على مرشد الإخوان في مصر بقضية "عنف العدوة"

يحمل "رائف" كما "المليجي" قدراً كبيراً من السخط على المرشد الخامس للجماعة، مصطفى مشهور، فيرجع له المسؤولية عن عملية إعادة إحياء التنظيم السري، وتمكنه من مفاصل الجماعة: "قد قدر لي أن أكون مشاهداً لنشأة النظام السري الحديث، وقد كان أثناء وجودي في المعتقل عندما قام على إنشاء هذه السرية الحديثة الأستاذ مصطفى مشهور، وهو الذي جعلها وسيلة وغاية وفلسفة وسلوكاً".

ويردف قائلاً: "وقد نجح السريون بالفعل في الاستيلاء على الجماعة في كانون ثاني (يناير) 1996، بوصول مصطفى مشهور إلى موقع المرشد، والرجل مجبول عليها، وعاش حياته في الجماعة قيادياً في التنظيم السري القديم أو الأول الذي كان يرأسه عبدالرحمن السندي".

اقرأ أيضاً: ما الذي كشفته وثائق "سي آي إيه" عن أسرار الإخوان المسلمين في الثمانينيات؟

أما المليجي فيتحدث في الفصل الأول عن الفترة التي انخرط فيها في الجماعة ثم تعرض للصدمة قائلاً: وبينما أنا منهمك في أداء واجباتي شعرت بجراح آلام نازفة؟ طعنات في ظهري؟ الطعنات تتكاثر وأنا أقاوم آلامها؟ يبدو أنني مجبور إلى الخلف وعندما التفت اكتشفت.

كنت أعتقد أنهم تابوا بعدما خابوا لمرات عدة.. وتحت آلام الطعنات التي وجهت لي ممن كنت أعتبرهم إخواني، اكتشفت أننا جماعة من البشر ومنا الصالحون ومنا دون ذلك، وأننا طرائق قدداً، واكتشفت أن الأسس التي اجتمعنا عليها لم تأخذ حظها من الفهم والتطبيق، وأننا في حاجة ماسة لإدارة حوار داخلي أخوي لتصحيح الأخطاء.

فبادرت بلقاء المسؤول الأول المرشد العام، ونقلني بدوره إلى مكتب الإرشاد فسمعوا تفاصيل وجهة نظري بكل شفافية من جانبي، وانتظرت الرد ولكنه تأخر، ثم مارسوا الرد عملياً، فانطلقت حملة داخلية لتشوية سمعتي، رسائل إلى كل مكان تأمر بمحاصرتي، وانخرطوا يبنون سداً عازلاً بيني وبين إخواني الذين جندت حياتي للتواصل معهم، ولم أجد وسلة غير الكتابة والتواصل بالمراسلة فكانت رسائلي إلى مكتب الإرشاد ليصححوا أنفسهم، ومن حولهم، وكان الرد مزيداً من التعنت وسوء المعاملة، وتأكدت ساعتها فيها شيء مختبئ غير الذي أرى وأسمع وتبين بالدراسة والبحث أن الانحراف عن الأصول قد بلغ الذروة ولابد قبل الموت من شهادة.

السكري الجديد

يشبه "عبدالستار" نفسه بـ"أحمد السكري"، وكيل جماعة الإخوان، والرجل الثاني في الجماعة، والذي اعترض على تحويل مسار الجماعة من الدعوي إلى السياسي، فأفضى به الحال إلى الفصل من قبل صديق عمره، حسن البنا.

فيقول في كتابه: من يطالع كتاب حسن البنا مذكرات الدعوة والداعية، سوف يدهش من قوة عاطفة البنا وحبه لأخيه الأكبر أحمد السكري، لدرجه أنه يقول فيه نصاً "كانت الصداقة بيني وبين الأخ أحمد أفندي السكري قد توثقت أواصرها إلى درجة أن أحدنا ما كان يصبر أن يغيب على الآخر، طول هذه الفترة أسبوعاً كاملاً دون لقاء" ويندهش المرء من تحول هذا الحب إلى البغضاء والقطيعة بين هذين الأخين.

اقرأ أيضاً: سيد قطب مُلهم الإخوان ومرجع الحركات الجهادية

ينقل "عبدالستار" ما كتبه عباس السيسي، أحد أهم رموز الجماعة، عن السكري: "لقد كان الأستاذ السكري في المساجد ويشرح الأهداف دعوة الإخوان وخاصة في خطب الجمعة، ولقد كان خطيباً مفوهاً ومؤثراً يأخذ الألباب ومجامع القلوب يحرك العواطف والمشاعر .. ولم تمض أسابيع حتى تقدم كثير من الناس للانضمام إلى الجمعية".

اقرأ أيضاً: ملامح سقوط المشروع الإخواني

كيف انقلب الحال هكذا فجأة يقول "السيسي": فوجئنا ذات يوم بإعلان في صدر عدد من مجلة "الإخوان المسلمون" الأسبوعية بتكوين لجنة للتحقيق مع الأستاذ أحمد السكري، الوكيل العام لجماعة الإخوان.. وفزع الإخوان في كل مكان لهذا النبأ الذي يتوقعون أن يؤدي إلى فتنة شديدة قاسية بين صفوف الإخوان لما ينتهزه أعداء من فرصة للانقضاض على الجماعة والثأر منها.

هنا يتداخل "المليجي": "لاحظ: مصطلحات (فوجئنا) وفــ (فزع الإخوان في كل مكان)، لتدرك أن مشكلة تغييب الإخوان عما يجري في جماعتهم وصدور قرارات علوية من هيئات معينة يعتبر مشكلة قديمة وأليمة في وقت واحد".

"عقدت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمون اجتماعها العادي الدوري الثالث يوم الخميس الموافق 27 تشرين ثاني (نوفمبر) وأقرت عدة قرارات منها القرار رقم 5 بالموافقة التامة.

اقرأ أيضاً: الأُلتراس تطوي صفحة الاستغلال الإخواني للرياضة

على قرار المرشد العام وبإعفاء أحمد السكري أفندي من عضوية الجماعة بناءً على تفويق الهيئة السابقة لفضيلته، ولما تعرفه الهيئة من تصرفات الأستاذ أحمد السكري قبل الإعفاء وبعده فإنها تقرر بالإجماع اعتباره ناقضاً للعهد حانثاً لليمين خارجاً على الجماعة محارباً للدعوة وكذلك من اتصل به أو ناصره"..، وفق ما نقله المليجي عن السيسي.

اقرأ أيضاً: 5 محن عصفت بجماعة الإخوان المسلمين

يتداخل "المليجي" مرة أخرى عند هذه النقطة بملاحظة جديدة: "لاحظ عزيزي القارئ، غلظة الصفات التي استعملها حملة المباخر وحيودها عن الحقيقة لمجرد أن الأستاذ السكري كان لا يعلق في شعبة المحمودية علامات، ولا يضع بها أعلام ولا شعارات، وكان يرى أن هذا يعكر صفو الدعوة ويقلل من ربانيتها، وكان يرى أن حزب الوفد في هذا الوقت أقرب الأحزاب إلى الإخوان من حيث المطالب الوطنية، ولم يكن يلزم غيره بشيء من ذلك، كما أن المرشد كان في منزلة الأخ الصغير بالنسبة له ولاحظ أن أحمد السكري يعتبر مؤسس أصيل لجمعية الإخوان وشريكاً أصيلاً في بعثها للحياة، كما لاحظ أنّ ما يسمى بالهيئة التأسيسية جاءت بعدما ترك المحمودية وترك الإسماعيلة واستقر بالعاصمة، وكان الأستاذ السكري يعتبر من أفضل مقدمي الدعوة لطبقة المثقفين والساسة والوجهاء إلى جانب العامة والفقراء وهو ما يتضح يجلاء من وصف الأستاذ عباس السيسي لمجهوداته في الإسكندرية".

انتشرت قبل ثورة يناير مقولات تتحدث أن هناك تيارين داخل الجماعة، الأول نسبة للبنا أما الثاني فنسبة لقطب

يتساءل المليجي مستنكراً: أين العهد الذي نقضه وأين الحنث الذي جاء بالقرار وشر البلية ما يضحك، وكيف وصفوه بأنه محارب للدين مرة واحدة، إنهم يقولون بالفم المليان أن الدين هو حسن البنا وكل من يختلف معه يكون محاربا للدين.

ويورد "المليجي" في كتابه رسالة السكري العريضة التي أرسلها إلى رفيقه "البنا" والتي جاء فيها: ولا أكتمك الحق يا أخي ما كنت لأتصور يوماً من الأيام أن يبلغ بك الأمر، فيطاوعك قلبك وضميرك وتطاوعك هذه العاطفة التي دامت بيننا سبعة وعشرين عاماً كنت المثل الأعلى لوفاء المحبين، وتنسى كل ذلك في طرفة عين وكأنك تريد أن يشهد الناس مأساة أليمة لأمثالنا ونحن دعاة الحق الإخاء والحق.

اقرأ أيضاً: المصريون والجيش... و "الإخوان"

تقدمت إليك بالدواء أرجو به الإنقاذ والشفاء فأخذتك العزة وأشحت بوجهك، وقربت أهل الفساد ورميت بالدعوة في أحضان السياسة والسياسيين، وضحيت بأهل الرأي والإخلاص والسداد.

لم يكن بمقدور البنا أن يتحمل رفيقه المؤسس، فمضى كلاهما في طريقه حتى اغتالت الجماعة النقراشي باشا في كانون الأول (ديسمبر) العام 1948، واغتيل حسن البنا على إثر ذلك، ودخلت الجماعة في طريقها المسدود.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أيهما أخطر على الديمقراطية.. السياسي أم الديني؟

2019-10-14

يعدّ كتاب ألكسيس توكفيل (1805–1856) "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية، كان توكفيل سياسياً فرنسياً، وقد شغل منصب وزير الخارجية الفرنسي، العام 1851، وهو أيضاً مثقف ثقافة شاملة عميقة، وقد شُغل بتجربة الولايات المتحدة باعتبارها كانت بلداً حديثاً يمثّل تحدياً للمنظرين، وقدمت نموذجاً في العلاقة بين السياسة والدين في عملية بناء الديمقراطية، مختلفاً عن النموذج الفرنسي؛ حيث كانت فرنسا تخوض صراعاً مريراً مع ذاتها لم يتوقف منذ الثورة الفرنسية التي وقعت العام 1789، وفي الوقت الذي دخلت الثورة الفرنسية في صراع عدائي مع الدين؛ فإنّ الثورة الأمريكية (1776) أنشأت توافقاً فريداً بين الديمقراطية والدين.

يقول توكفيل إنّ أجمل أحلامه عندما دخل معترك السياسة كان المساهمة بالتوفيق بين روحي الحرية والدين

يقول توكفيل؛ إنّ أجمل حلم في حياته عندما دخل معترك الحياة السياسية؛ كان المساهمة في التوفيق بين روح الحرية وروح الدين.
يتساءل توكفيل: هل ستتراجع الديمقراطية أمام البورجوازيين والأغنياء كما تراجعت أمام الإقطاع؟ لقد أدرك توكفيل المدى الثوري للديمقراطية وحقوق الإنسان في كلّ مجالات الحياة، ونتائجه على العمل الكلي للمجتمع نفسه، لكنّ النزوع إلى المساواة قد يفتت المجتمع، ويغذي نزعة العزلة والاستقالة العامة لينكفئ الأفراد على حياتهم الخاصة، ومجتمعاتهم الصغيرة، بعيداً عن المجتمع الكبير؛ فالمساواة تضع البشر إلى جانب بعضهم، دون رابطة مشتركة تربط بينهم.

غلاف الكتاب
وهنا تتعرض المجتمعات الديمقراطية للتهديد من داخلها؛ فالديمقراطية بما هي التأكيد على أولوية الفرد وحريته تفكّك الروابط التقليدية المبينة على العادات أو المكانة الاجتماعية، وتصعّد نزعة الاحتكام إلى الأغلبية، وهو ما قد يؤدي إلى "طغيان الأغلبية"، ويتحوّل الرأي العام إلى مظهر للإكراه والتبعية، الطغيان الناعم الوديع!

اقرأ أيضاً: الإسلاموية والديمقراطية في تركيا بعد انتخابات إسطنبول
يعتقد توكفيل أنّه من المهم أن تكون بعض الأفكار العامة عن الله والوضع الإنساني موضع وفاق، "لا يوجد فعل إنساني على الإطلاق، أياً كانت الخصوصية التي نخلعها عليه، لا يخرج إلى النور من فكرة عامة جداً، وهي أنّ البشر قد خلقوا من قبل الله، من علاقاتهم بالنوع الإنساني، من طبيعة ضمائرهم وواجباتهم تجاه من هم مثلهم، لا شيء يمكن أن يحدث من دون أن تكون هذه الأفكار المنبع المشترك الذي يتدفق منه كلّ شيء آخر. لدى البشر، إذاً، مصلحة كبيرة في إنتاج أفكار محكمة بدقة عن الله، عن روحهم، عن واجباتهم العامة نحو خالقهم ونحو من يماثلونهم، ذلك أنّ الشكّ في هذه النقاط الأولى يؤدّي إلى أن تصبح كلّ أعمالهم أسيرة الصدفة، وتصمها بشكل ما بالفوضى والضعف".

يعدّ كتاب توكفيل "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية

الأفكار العامة المتعلقة بالله وبالطبيعة البشرية، إذاً، هي من بين جميع الأفكار التي تحثّ بشكل أفضل على أن تستبعد من الممارسة المعتادة للعقل الفردي، الأفكار التي بسببها هناك الكثير الذي يتم اكتسابه والقليل الذي يمكن خسارته، بسبب الاعتراف بها كسلطة، الموضوع الأول للأديان وإحدى المميزات الرئيسة لها، هو تقديم إجابة على كلّ واحد من هذه الأسئلة الأولية، إجابة واضحة دقيقة ومفهومة، تتّسم بالديمومة إلى حدٍّ كبير من قبل الجموع.
يمكن القول: إنّ كلّ دين دخل القائمون عليه في تجربة عرقلة وإعاقة حرية خلاص الروح البشرية، والسعي إلى فرض قيود وتبعية على الفكر، لكن يجب الاعتراف أيضاً –يقول توكفيل- بأنّه إذا لم ينقذ الدين البشر في العالم الآخر، فإنّه على الأقل مفيد جداً لسعادتهم وتقدمهم في هذا العالم، هذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى البشر الذي يعيشون في البلدان الحرة، وهكذا فإنّ توكفيل يرى الحرية ضرورية للدين وفهمه وتطبيقه على نحو صحيح، كما هي ضرورية بطبيعة الحال للديمقراطية.

 الدين متجذر في التجربة الفردية
إذا كانت روح الدين وروح الحرية تتعايشان في وفاق، فإنّ هذا يرجع، كما يعتقد توكفيل، إلى الاستقلال بين الدين والدولة، وقد يقلل ذلك من القوة الظاهرية للدين، لكنّه يزيد من قوته الواقعية؛ فالدين متجذر في التجربة الفردية ما يجعله قادراً على العمل والتأثير حتى من دون دعم الدولة، وفي ذلك فإنّ الشؤون الدينية يجب أن تعمل في مجالها؛ لأنّها إذا امتدت أكثر من ذلك، فإنّها تخاطر بفقدان وجودها في كلّ مجال.

اقرأ أيضاً: "الديمقراطية الحلال" تُنتَجُ وتُعلَّب في تونس
إنّ توكفيل، وهو المتحمس لفصل المؤسسة الدينية عن الدولة، قد رأى جيداً الخطر الذي يحيق بالديمقراطية، بتغليبها السياسة على ما هو ديني، أو الديني على ما هو سياسي؛ لذلك فإنّ توكفيل تميّز برؤية الإمكانية العملية لتهدئة المشاعر الديمقراطية الجامحة بكلّ كفاءة، كما يرى فيه (الدين) الإمكانية النظرية في إطار المجتمع الديمقراطي للقدرة على بلوغ مجال خارجي، القدرة على الوصول إلى شيء آخر، مختلف عن الديمقراطية الطبيعية الصافية النقية – طبيعة الإنسان المتدين- متخلصاً من كلّ اعتقاد عن المساواة ذاتها، والنتيجة أنّه لا يشيد هذه الإمكانية العملية إلا من خلال انتزاع هذه الإمكانية النظرية منها، لكن تظلّ حاجة دائمة إلى تطوير الفهم الديني وقدرته على مواكبة واستيعاب التحولات الاجتماعية والحضارية التي تمر بها الأمم، وتظلّ خطورة كبرى للمؤسسة الدينية على الحياة السياسية، عندما تعجز عن التقدم بالسرعة التي تتقدم فيها الحياة السياسية والاقتصادية، ومن ثمّ، في طبيعة الحال، ثقافة الأمم وإدراكها ورؤيتها للحقائق.

للمشاركة:

هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟

2019-10-10

كيف يمكننا إعادة بناء إشكالية العلمانية في الفكر العربي بالصورة التي تحقق لنا تجاوز مجرد الدفاع عن مفهوم مكتمل، من أجل المشاركة في إعادة تأسيسه في ضوء أسئلتنا الجديدة، أسئلة الفلسفة والسياسة والتاريخ؟

يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي

وكيف نعيد التفكير في سؤال العلمانية بالصورة التي تجعله ينفتح على الإشكالية الكبرى في تاريخنا السياسي المعاصر؛ أي إشكالية استيعاب مقدمات الحداثة السياسية بإعادة بنائها وتركيبها في ضوء معطيات حاضرنا وتاريخنا؟
وكيف نعيد بناء المجال السياسي العربي؟ وكيف نواجه الاختيار السياسي الذي يستدعي أطروحات محمد عبده بتوسط رشيد رضا، ويردد دعاوى الثورة الإيرانية لرفض مبدأ العلمنة وفك الارتباط بين السياسي والمقدس؟
يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي على مستوى اللفظ والرسم والجذر اللغوي، كما على مستوى الدلالة المباشرة أو المختزنة في طبقات معانيه المترسبة عبر الزمن. وما زال الموقف من العلمانية بحكم استعمالات المفهوم المتحزّبة مشحوناً بشحنة أيديولوجية تغشي النظر إلى المفهوم بعيداً عن قطبية القبول أو الرفض القائمة على التحليل السياسي الظرفي، وتمنع من النفاذ إلى جذوره الفلسفية والسياقات الفكرية التاريخية التي ساهمت في تشكله وتطوره.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

غلاف الكتاب
لذلك فقد ظل الحوار حول هذا المفهوم حواراً متشنجاً ومصبوغا بصبغة القبول أو الرفض باعتباره مفهوماً غربياً ينفتح على علاقة الغرب الحديث بفكره الأنواري المادي ووجهه الاستعماري بالشرق المنكفئ والمدافع عن هويته الروحية منذ السجال الشهير الذي دار بين محمد عبده وفرح أنطون على صفحات مجلة "الجامعة" وجريدة "المنار" مطلع القرن الماضي، باعتباره يؤرخ لأول استعمال لمفهوم العلمانية في الفكر العربي. 

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية
ما يشير إلى أنّ موقف الفكر السياسي العربي من العلمانية متضمن أساساً في الموقف من الغرب والتوجهات الفلسفية والسياسية الكبرى لعصر الأنوار الأوروبي، نظراً لارتباط مفهوم العلمانية بهذه الفلسفات التي فتحت السجال التاريخي الطويل بين الديني والدنيوي، وقوضت سلطة الاستبداد الديني، وأرست قيم الحداثة الليبرالية وأسس الحرية الفردية ومركزية الإنسان في الكون، فقد تنوعت التوجهات الفكرية السياسية وما رافقها من أنماط التدين الإسلامي في الوطن العربي بتنوع تلك الفلسفات نفسها، وبتعدد المواقف منها، سواء أكان قبولاً وتبنياً أم رفضاً ومجابهة.

يسعى كمال عبداللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية" إلى إعادة التفكير بمفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة

انطلاقاً من هذه الخلفية، والأسئلة "الهموم" السابقة وما يتفرع منها، ومن وعي الباحث بصعوبة البحث في المفاهيم السياسية بحكم ارتباطها بالإشكالات التاريخية والسياسية الواقعية، والمواقف والاختيارات المتشكلة حولها في الواقع الحي، يسعى الباحث المغربي كمال عبد اللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية.. إعادة بناء المجال السياسي العربي" الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع 2007 إلى إعادة التفكير في مفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة حوله، ومحاولة مقاربته في سياقاته الفكرية والتاريخية الأصلية، للإسهام في "إضاءة محتوى المفهوم بالصورة التي تجعل تبيئته وتوطينه في الجدال السياسي العربي أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على فك مغلقات كثير من إشكالات واقعنا السياسي، فكراً وممارسة". 

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟
فمن أجل التأسيس لإعادة التفكير بالمفهوم يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية وقضية العلمنة خلال القرن الماضي لاستقصاء إطاراتها المرجعية ومحتواها التنظيري وآلية تجسيدها بالممارسة العملية، من أجل مراجعتها والتمكن من بناء ما يساهم في تجاوزها بتطويرها وتطوير أسئلتها ونتائجها؛ فيقف على ثلاث لحظات مفصلية يعتبرها محطات مؤسِسة:
تتمثل اللحظة الأولى في مجادلة محمد عبده وفرح أنطون حول مسألة التأخر في العالم الإسلامي وعلاقتها بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية؛ فرغم انطلاق الطرفين من اعتقاد واحد هو الاعتراف بتأخر العالم الإسلامي، إلا أنهما قد ذهبا في سبيل البحث عن الحلول لتجاوز واقع التأخر وتحقيق النهضة مذهبين مختلفين.

 الباحث المغربي كمال عبد اللطيف
وقد رسم هذان المذهبان الملامح الأولى لاختيارين فكريين متناقضين لا يزالان متجاورين في الفكر السياسي العربي دون أن تنفتح حدود أيّ منهما على الآخر منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، الاختيار السلفي المدافع عن خصوصية التجربة الإسلامية والرافض للعلمانية وفكر الغرب الاستعماري والداعي إلى العودة إلى الإسلام الأول بمنابعه النقية، والاختيار الليبرالي "التغريبي" الذي ذهب نحو الحداثة الغربية بحماسة وضعية وتبني العلمانية وقيم الأنوار في الحرية في مجال العقيدة والمساواة والتسامح.

يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية

أما اللحظة التالية فقد دشنها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بعد ربع قرن، "والذي يعتبر امتداداً لجدال اللحظة الأولى رغم طابعه التاريخي العام"؛ إذ أثبت مؤلفه بالشواهد التاريخية والفقهية أنّ الخلافة والإمامة والملك والسلطنة أمور دنيوية لا شأن للدين بها، وأنّ الخلافة والقضاء وغيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة كلها خطط سياسية لا شأن للدين بها، إنّما يرجع الحكم فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
ويخلص عبد اللطيف من معاينة تلك التجربتين إلى أنّه وبالرغم من أهميتهما وأهمية الآفاق السياسية التي فتحتاها في باب الكتابة السياسية العربية، إلا أنهما بقيتا محكومتين بمحدودية النموذج النظري؛ "فالمرجعية الليبرالية في خطاب فرح لا تتأسس فلسفياً بقدر ما يتم التسليم بها في دائرة الكفاح الأيديولوجي المناهض للدعوة السلفية"؛ إذ غابت عنها أسئلة التأصيل الفلسفي وحضرت مكانها حماسة الدعوى التي تكتفي بالنقل والانتقاء؛ فقد أدخلت إلى الفكر العربي مفهوم الخلاص الأنواري الوضعي الذي يسعى لتجاوز الخلاص الأخروي الديني، لكنها لم تفكر بحكم حماستها النضالية في مفهوم الخلاص ذاته، ولم تفكر في الزوج المفهومي دين/دنيا، إنما "ألهبت الحماسة في دائرة المتعلمين في زمنها، لكنها لم تؤسس النظر".
نحو إعادة بناء مفهوم العلمانية
تنفتح اللحظة التاريخية الثالثة على مساهمة جيل جديد من المفكرين العرب يقدمها الباحث كنموذج للمعالجة الجديدة لمفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي، تدخل في دائرة أفق فلسفي تاريخي جديد، أفق تساهم فيه إلى جانب إنجازات محمد أركون إنجازات نظرية لمفكرين من أمثال؛ عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وناصيف نصار وهشام جعيط وغيرهم ممن يتسلحون بنفس الآليات المعرفية والتاريخية، رغم الاختلافات في الاختيارات السياسية والفلسفية العامة بينهم؛ فقد دشنت إنجازات هؤلاء المفكرين، برأيه، عصراً فكرياً جديداً في المواجهة الفلسفية لمعضلات السياسة والتاريخ في مجتمعاتنا.

يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عمداً أو جهلاً بينه وبين النزعة التغريبية

ويركز عبد اللطيف على المنجز النظري لمحمد أركون المنفتح على تاريخانية العروي الذي ذهب نحو التأصيل الفلسفي للمفهوم وتحيينه كنموذج قابل للبناء عليه في عملية إعادة التفكير في العلمانية، مع الإشارة إلى أبحاث ومحاولات ناصيف نصار وعزيز العظمة ومحمود أمين العالم وفؤاد زكريا وسمير أمين في مواجهتهم لتيارات ورموز الإسلام السياسي. فقد عمل محمد أركون على تحليل مسلمات العلمانية في سياق تشكلها وتطورها داخل الفكر السياسي الغربي والفلسفة السياسية الحديثة بما اغتنت به من فتوحات العلوم الإنسانية، كما ساهمت أسئلته المتعلقة بإعادة توسيع المفهوم في ضوء الاستفادة من دروس وتجارب الحاضر النظرية والتاريخية في بلورة تصورات تتخلص من صنمية المفهوم لتحوله إلى أداة للفهم النظري التاريخي القابل للتوظيف في الصراع السياسي والأيديولوجي الجاري في العالم العربي.

محمد أركون
لكنه وبالرغم من كل تلك الإنجازات يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عن عمد أو جهل بين العلمانية والنزعة التغريبية، وتطابق بين العلمانية والتبعية، وثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية، أو إلى تمريرها في صيغ وسط تجعل من مفهومها جزءاً من جملة المفاهيم المرتبطة بصورة عضوية به وبمحتواه.
ما يعني التخلي عن المكتسبات التي تحققت من خلال صياغة المفهوم  في أبعاد مختلفة عبر قرن من الزمان، وكأن الذاكرة العربية ذاكرة مشروخة، والعقل العربي "برميل بلا قعر" لا يجمع ولا يراكم و"يعيد ويستعيد القضايا ذاتها في دائرة مغلقة".

ثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية

لذلك يعتبر الباحث أنّ ثمة انقطاعاً حاصلاً في تاريخ الفكر السياسي العربي كما عبر عنه محمد أركون في حديثه عن غياب أي متابعة لجهود علي عبد الرازق في تشخيص وتشريح علاقة الإسلام بأصول الحكم. لذلك لا بد من العودة إلى متابعة الجهود للتفكير مجدداً في العلمانية والمشروع السياسي الليبرالي في الفكر العربي المعاصر بالعودة إلى قراءة تاريخ الفكر السياسي الإسلامي قراءة نقدية، خاصة في "ظل انتعاش الحركات الإسلامية وانتشار فكر التنظيمات الحركية "الجهادية" بشكل قوي وعنيف، ما جعل المساهمات النقدية السابقة تبدو غريبة وسط شعارات الدفاع عن الخصوصية والأصالة، ودعوات التشبث بمقومات الذات والمحافظة على نقائها والدفاع عن "الحاكمية الإسلامية" وكونية الإسلام".
يكشف مفهوم الحاكمية، كما جاء في فكر المودودي وتنظير سيد قطب، عن عمق التراجع الحاصل في المنظور الإسلامي للسلطة، والنكوص حتى عن أفكار واختيارات محمد عبده. كما يكشف استمرار الحنين إلى النموذج السياسي الإسلامي للسلطة، رغم عدم وضوحه كنموذج تاريخي، عن عدم إنجاز مهمة التفكير في أسئلة السياسي في الفكر الحديث بصورة عميقة وجذرية تتيح إعادة إنتاج المجال السياسي على ضوء أسئلة الواقع ومقتضيات النظر السياسي الحديثة والمعاصرة؛ "لذلك ستظل مسألة التنظير السياسي النقدي الهادف للقطع مع اللغة السياسية العتيقة ضمن أولويات جدول أعمالنا في الفكر السياسي العربي المعاصر، طال الزمان أو قصر".

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي
وعليه، فالعمل السياسي العفوي كعمل بلا نظر قد يكون أكثر فشلاً وأكثر كارثية من النظر بلا عمل، ولن يقود إلى بناء المشروع السياسي المطابق للتاريخ، وإقامة الدولة الوطنية المعبرة عن الإرادات الجماعية، وبناء التصورات الجماعية المستقاة من ينابيع الواقع وممكنات التاريخ؛ فليس في تاريخ الفكر الإنساني مفاهيم مكتملة إلا في رأس من يوثّن الكلمات والمفاهيم ويعبد أوثانها، وليس في تاريخ البشر والحضارات نماذج دول مثالية كاملة، إنما تجارب تاريخية وحسب، إلا في فكر من يريد أن يخرج التاريخ من رأسه لا أن يخرج رأسه من التاريخ.
لذا ستبقى مهمة إعادة بناء المجال السياسي العربي، كمجال مستقل عن الدين والأخلاق واليوتوبيا، والتفكير في العلمانية في ضوء منجزات الفكر الإنساني وتجارب الآخرين، وبالاستفادة من فتوحات الفلسفات والعلوم الحديثة على اختلاف تخصصاتها مهمة راهنة.

للمشاركة:

هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية

2019-10-03

يحمل كتاب الباحث التونسي محمد الشرفي "الإسلام والحرية: سوء التفاهم التاريخي" روح مشروعه لإصلاح التعليم في تونس والعالم العربي والذي يعتبره الباحث المقدمة الضرورية لإزالة الالتباس التاريخي بين الإسلام والحرية وقيم الحداثة.

يستقصي الشرفي أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها بالمجتمعات العربية والإسلامية في العقود الأخيرة من القرن العشرين

الكتاب الصادر عن دار بترا للنشر بالتعاون مع رابطة العقلانيين العرب 2008 ينقسم إلى أربعة فصول متكاملة، تشكل الثلاثة الأولى منها تمهيداً لا بد منه للفصل الأخير الذي حمل اسم "التربية والحداثة" الذي يعرض الشرفي من خلاله المبررات النظرية والخطوات العملية الضرورية لإنجاز عملية الإصلاح تلك، والتي عمل على بلورتها إبان تبوئه لمنصب وزير التربية والتعليم في تونس لمدة خمس سنوات تعرض خلالها لكثير من المواجهات والتهم من قبل التيار الأصولي الذي يحمل تهمة جاهزة لكل مفكر أو مشروع يخلخل حصون استبداده وتحجر أفكاره وهي تهمة "التغريب" وعداء الإسلام الذي يعتبره التيار الإسلاموي ملكاً حصرياً له، ويعتبر نفسه المعبر الوحيد عن أفكاره ونقاء أصوله وسلامة شريعته الصالحة لكل زمان ومكان، والمخول الوحيد لإحياء مجده التاريخي واستعادة خلافته.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
لذلك يذهب الشرفي بداية إلى استقصاء أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها السرطاني في المجتمعات العربية والإسلامية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم وأثر هذا الانتشار السرطاني على سيرورة تطور هذه المجتمعات، وتنامي ظاهرة التعصب الديني فيها وانحدارها بمجملها نحو العنف في علاقاتها الداخلية والبينية، ونحو الماضوية والتقليد على صعيد الثقافة السياسية والخطاب.

غلاف الكتاب
فيرى الباحث أنّ التركيز على العوامل الاقتصادية والسياسية والدوافع الاجتماعية وما يتصل بها من الفقر والبطالة والفساد وغياب الحريات العامة والهجرة الريفية نحو المدن... رغم أهمية دورها في هذا المجال إلا أنّها لا تقدم تفسيراً شاملاً لبروز ظاهرة التعصب الديني في هذه المجتمعات، خاصة حين نشهد انتشار التعصب والعنف في مجتمعات يتمتع أهلها بمستويات عيش مرتفعة جداً كما في الدول النفطية، ولا تعاني من تمايز مُشِطّ بين فئاتها الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
أما البلدان الإسلامية التي تشكل العوامل الاقتصادية والاجتماعية تفسيراً ممكناً للغضب الشعبي فيها فنجد مثيلاتها من الدول الأخرى تثار فيها مثل تلك الاحتجاجات الاجتماعية لكنها تتخذ طابعاً مطلبياً ويتشكل الرأي فيها في مؤسسات ومنظمات وجمعيات تطالب باستعادة التوازن الاجتماعي، وتسعى لإيجاد حلول لأزماتها الاجتماعية والسياسية، "فلم تغلف هنا تلك المطالب المختلفة بالمناداة الوهمية بالرجوع إلى دولة إسلامية تحل فيها جميع المشكلات بصورة عجائبية وعصا سحرية حالما يتحقق تطبيق الشريعة الإسلامية"؟ وهل يعبر ذلك عن حركة احتجاجية في مجتمعات ذات خصوصية إسلامية أم أنه مشروع سياسي قد يكون مدخلاً للعنف والرعب والظلم؟

يميل الباحث لاعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف

هذا الذي يجعل الباحث يميل إلى اعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف، متخذاً من واقع ودور المؤسسة المرجعية الرسمية في البلدان العربية، كالزيتونة في تونس والأزهر بمصر، وعلاقة هذه المؤسسات بالسلطة السياسية ومعاندتها للتحديث والعصرنة دليلاً على دور العامل الثقافي في هذا المجال، خاصة بعد التوسع الكمي للتعليم في هذه المؤسسات وتحولها إلى مؤسسات شعبية لم تعد تقتصر على النخبة الارستقراطية ذات التأدب العالي والموسوعية المعرفية.
ألم يخرج معظم القادة الأصوليين من تحت عباءة هذه المؤسسات التي أصابها الترهل والجمود الفكري والتحجر العقائدي؟ ألم يقف هؤلاء القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس تلك المؤسسات فاتهموهم بالكفر والمروق وغيرها من الأوصاف ومُنعت كتبهم وحُوربت أفكارهم التجديدية من قبل هؤلاء القادة وتواطؤ السلطات السياسية مع تلك المؤسسة التي تخشى إثارتها خوفاً من فقدان الشرعية التي تستمدها منها. ومن الأكيد أن قيم الحرية والديمقراطية والتجديد والانفتاح على الفكر الإنساني لن تجد لها بيئة مناسبة لتنمو فيها بل و"تمتنع ممارستها إلى حين إذا ما اعتقد جزء لا يستهان به من الشعب أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن له الحق بل من واجبه أن يفرض تلك الحقيقة بالقوة".

ينسحب موقف الأصوليين المتمسك بالفقه الذي تعلموه والرافض لكل تجديد على علاقة الإسلام بالقانون دون أدنى تفكر أو تمييز بين أعراف القبيلة ومجتمع الجزيرة العربية والإسلام الأول وبين مقتضيات مجتمع المدينة والدولة الحديثة، ويقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل: التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها، وحقوق الآخر غير المسلم، والقانون المتعلق بالعبودية وحرية المعتقد وعقوبة الردة، والعقوبات الجسدية كالجلد وقطع اليد، ثم العلاقة الملتبسة حتى اليوم بين الفقه ومدونة حقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: مصطلح الجاهلية المعاصرة في الخطاب الأصولي
والمسألة المهمة التي يثيرها الباحث لا تقتصر على نقاش تلك الموضوعات نقاشاً مستفيضاً وتبيان تاريخيتها ومدى استمرار صلاحيتها، أو استنادها أو عدم استنادها إلى قاعدة قرآنية فحسب، رغم أهمية ذلك، بل البحث في التناقض الفكري والفصام النفسي الذي يعيشه الفرد الإسلامي بين ما تعلمه في التعليم الديني أو المدرسي الرسمي الذي يشكل زاده الثقافي والمعرفي وبين ما يعيشه في الحياة اليومية، ودور هذا التعليم قديماً وحديثاً في إنتاج وإعادة إنتاج العنف.
فمن المعروف أن العديد من الدول الإسلامية قد تجاوزت في دساتيرها وقوانينها الوضعية الكثير من تلك الموضوعات وألغت بعض القوانين وتقبلها الإسلاميون ببراغماتية نفعية على الصعيد العملي والمعيش، كما في تونس مثلاً، لكنها ما زالت تلقن في التعليم الديني كمنظومة تشريعية متكاملة غير قابلة للتجزئة والتفكيك والتفكر بما أضفي عليها من قداسة لا تقل عن قداسة النص القرآني نفسه.

وقف القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس مؤسساتهم

وتكرس ذلك مع بروز الظاهرة الأصولية والإسلام السياسي "فبات عسيراً على المسلمين وضع ماضيهم في مكانه المناسب وإدراك منزلته، حتى يعيشوا حاضرهم كما ينبغي لهم أن يفعلوا"، ما يعني في نظر الباحث أن التخلف ليس تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً فحسب، بل هو تخلف ثقافي وفكري أيضاً و"يمثل وجود الظاهرة الإسلاموية في البلدان الإسلامية التعبير الأكثر جلاء ووضوحاً عن هذا التخلف".
ولعلّ أسوأ أنواع هذا التخلف هو التوظيف السياسي لعقوبة الردة التي كان لها الأثر الكبير في كبح ومحق أي محاولة تنويرية وتجديدية في الفكر الإسلامي في الماضي والتي يعمل الإسلاميون اليوم بالتواطؤ مع أنظمة الحكم المستبدة إلى الدفع بها إلى السطح من جديد للنيل من رأي معارض، ولمنع حرية التفكير والرأي والضمير والدين. وهو ما يدفع الباحث للسؤال عن السبب الكامن وراء تشبث الأصوليين وأهل التقليد من المسلمين بالمحافظة على هذه المظالم المنافية للعدل والمساواة.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
ولا يختلف عن ذلك موقف الإسلامويين من الدولة ومحاولات تحديث مؤسسة الحكم وتحديث القوانين الناظمة لعمل مؤسساتها المختلفة أو من الديمقراطية والعلمانية، وفصل السلطات وفصل الدين عن السياسة، وحقوق المشاركة السياسية والمساواة أمام القانون وحقوق المواطنة التي تكفل حق التمثيل والمشاركة المتساوية للجنسين وللأقليات غير المسلمة؛ حيث يجري الخلط عن جهل أو غاية وقصد بين رفض السلطة الحاكمة واستبدادها أو عجزها وفساد الحكام وبين رفض الدولة الحديثة وشيطنة وتكفير النخب السياسية الداعية للتحديث، ورفض أفكارها باعتبارها وافداً غربياً دخيلاً لتبرير التمسك بمفهوم "الدولة الدينية" أو"دولة الخلافة" والتمسك بتطبيق الشريعة وفق المدونة الفقهية التي هي عمل بشري وضع في ظرف تاريخي معين ولخدمة السلطة السياسية.

هيأت الصدمة التي أحدثتها حملة نابليون على مصر والاتصالات المستمرة بين ضفتي المتوسط في تونس لظهور جيل المصلحين الأوائل الذين أدركوا واقع التخلف في العالم الإسلامي فعملوا على خلق مؤسسات تعليمية حديثة في كلا البلدين تنفتح على العالم وتتجاوز الانغلاق الديني، لكن مساعيهم لم تستطع أن تهز جمود فكر الأزهر والزيتونة في ذلك الوقت.
ثم جاء الجيل الثاني من المصلحين بأفكارهم الإصلاحية الجذرية ممن تطعم فكرهم بأفكار النهضة الأوروبية، وتوجهت الحكومات إلى إنشاء المدارس "العصرية" إلى جانب التعليم التقليدي معتبرة أنّ إصلاح هذا الأخير أمر ميؤوس منه، ولما كان على التعليم العصري الجديد أن يؤمن التعليم الديني وتعليم اللغة العربية أيضاً فقد جرى الاعتماد من جديد على خريجي التعليم الديني لهذه المهمة، فانتقل هؤلاء بكثرة إلى المدرسة الجديدة حاملين معهم أفكارهم وبرامجهم وعقلياتهم التقليدية و"بذلك كانت الدودة في خفايا الثمرة".

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
ويلفت الشرفي في هذا المجال كيف انتشر الفكر الإخواني في عدد من الدول العربية في الأوساط الطلابية مع المعلمين الموفدين من مصر إلى هذه الدول كالجزائر والسودان بشكل خاص، وكيف "بث هؤلاء المعلمون في تلاميذهم إحساساً بالتمزق بين القيم التي تدرس من جهة وبين الواقع الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى... إذ ولّد ذلك الوضع أفراداً  منفصمي الشخصية أو متطرفين لذلك كانت نشأة الأصولية من إنتاج القطيعة بين المجتمع ومدرسته"، وما أن توسع هذا التعليم توسعاً كمياً ملحوظاً في وقت لاحق وفي مرحلة ما بعد الاستقلال حتى ترك أثره على جيل الشباب وأصبح بذاته مصدر الصعوبات الكبرى فجذور الأصولية كانت قد زرعت فيه.

يقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها

وإذا كانت التجربة التونسية التي يتخذها الشرفي مثالاً لدراسة أثر التربية والتعليم في مستقبل الدول العربية وظهور الأصولية فيها قد اكتسبت خصوصية ما مع إنشاء المعهد الصادقي كمنافس حقيقي للزيتونة وانفتاح النخبة السياسية على الحداثة الغربية، إلا أنّها لا تشذّ عن غيرها من التجارب العربية التي شكل الاستبداد السياسي وحكومات العسكر التي عملت على إنشاء جحافل الجيوش وعسكرة الدولة والمجتمع بدل تحديث التعليم عبئاً مضافاً، إلا شذوذاً نسبياً، ومع ذلك فقد ساهم في نجاتها من الوقوع في دوامة العنف كغيرها من الدول العربية.
ولما كانت الدولة قد أخذت تنافس الأصوليين في انتحال المنزع الإسلامي في الثقافة والسياسة والتشريع والتعليم فقد صبّ كل هذا التنافس في مصلحة الأصوليين أنفسهم؛ لذا يرى الباحث أن إصلاح التعليم هو المدخل الضروري لرفع سوء التفاهم بين الإسلام والحرية؛ ذلك أنّ التحديث النسبي الذي دخل على هذا التعليم منذ ما بعد الاستقلال بقي تحديثاً هشاً أو "حداثة مترددة" دخلت من الأبواب الخلفية وليس فعلاً ذاتياً مدروساً، إذ اقتصرت عمليات التحديث على الانتشار الكمي للمدارس والطلاب وإضافة المواد العلمية واللغات الأجنبية التي استمر تدريسها وفق مناهج تقليدية وتلقينية تكرس دونية المرأة التي كانت مشاركتها أو استفادتها من انتشار التعليم بحدود دنيا، عدا عن الفصل بين الجنسين وإلغاء المدارس المختلطة.

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
وقد ارتبطت رهانات هذا التعليم بالتوجه السياسي للسلطة وأيديولوجيتها، وهي أيديولوجيا ذات منزع هووي قومي أو إسلامي، أكثر من ارتباطها بضرورات تحديث المجتمع؛ الأمر الذي دفع الشرفي لاعتبار أن التخلف الثقافي والعملية التربوية والتعليم كان لهما الدور الأكبر في استمرار تخلف المجتمعات العربية وانتشار الأصولية وتفجر العنف فيها، وأنّ مكافحة هذه الظواهر لا تتم بالقمع والتسلط والعنف المضاد، إنّما بإزالة أسبابها، ما يجعل من تحديث التعليم وربطه برهانات تحديث المجتمع مهمة راهنة.

للمشاركة:



فرنسا تبحث عن مخرج لمشكلة جهادييها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

بحث وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، اليوم، في بغداد، إمكانية نقل ومحاكمة الجهاديين الأجانب، بمن فيهم 60 فرنسياً، محتجزين في شمال شرق سوريا؛ حيث تشنّ تركيا هجوماً منذ أكثر من أسبوع.

ويجتمع لودريان مع القادة العراقيين، في حين يخشى الأوروبيون من هروب الجهاديين المحتجزين في سجون أو مخيمات يحرسها الأكراد في المنطقة، حيث بدأت تركيا هجومها في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ويحتجز لدى الأكراد 12 ألف جهادي بينهم 2500 إلى 3000 أجنبي.

وزير الخارجية الفرنسي يبحث في بغداد إمكانية نقل ومحاكمة الجهاديين المحتجزين في شمال شرق سوريا

ومن المقرر أن يجتمع لودريان مع نظيره العراقي محمد علي الحكيم، والرئيس برهم صالح، ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي، للتأكد، على حدّ قوله: "من أنّه يمكننا أن نجد الوسائل اللازمة لتشكيل هيئة قضائية قادرة على محاكمة جميع هؤلاء المقاتلين بمن فيهم بداهة المقاتلين الفرنسيين".

وتمّت إدانة 14 فرنسياً، في العراق، بالانضمام إلى تنظيم داعش، ومن بين 12 نُقلوا من السجون السورية الكردية إلى بغداد، وقد حُكم على 11 منهم بالإعدام وعلى ثلاثة، بينهم امرأتان، بالسجن مدى الحياة.

 

للمشاركة:

محاكمة امرأة حاولت تفجير كاتدرائية القديس بولس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

وجهت محكمة في لندن اتهامات بالإرهاب لامرأة منتمية لتنظيم داعش الإرهابي، حاولت تفجير كاتدرائية القديس بولس.

وقالت الشرطة؛ إنّ محكمة وستمنستر الجزائية أمرت في جلستها أمس بتجديد حبس المتهمة صفية أمير الشيخ (36 عاماً)، على أن تمثل أمام محكمة أولد بيلي، في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

وأوضحت الشرطة، في بيان؛ أنّ عملية الإعداد للتفجير تضمنت السفر إلى لندن والنزول بفندق بهدف استطلاع الأوضاع، ثم تنفيذ التفجير.

صفية أمير الشيخ متهمة بالانتماء لتنظيم داعش والإعداد لأعمال إرهابية في بريطانيا

وصفية الشيخ من سكان منطقة هيز بغرب لندن، وهي متهمة بالإعداد لأعمال إرهابية، في الفترة بين آب (أغسطس) وتشرين الأول (أكتوبر) هذا العام، منها التواصل مع شخص توقعت أنه يمكن أن يساعدها في صنع مواد ناسفة.

يذكر أنّ الشرطة عثرت على كلمة تعلن فيها صفية الولاء لتنظيم داعش الإرهابي.

وقال رئيس شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، نيل باسو، الأسبوع الماضي؛ إنّ السلطات البريطانية تمكنت من إحباط 22 هجوماً، منذ آذار (مارس) 2017 حتى الشهر الجاري.

وأضاف باسو، وهو أيضاً مساعد مفوض الشرطة، أمام مؤتمر الإرهاب الدولي؛ وفق النصّ الذي وزعته سكوتلانديارد، فإنّ سبعة من تلك الهجمات متعلقة بما يشتبه في أنّه إرهاب يميني.

ومن أكثر المخاطر المحتملة التي تقلق الضباط البريطانيين؛ عودة المقاتلين الأجانب، والمهاجمين الذين يتحركون بشكل منفرد، والمختلين عقلياً، إضافة إلى الخطر المتنامي للإرهاب اليميني.

 

للمشاركة:

بالأرقام.. خروقات الحوثيين لاتفاق ستوكهولم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

كشف محافظ الحديدة، الدكتور الحسن طاهر؛ أنّ إجمالي عدد الخروقات الحوثية منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، في تشرين الثاني (ديسمبر) الماضي، وصلت إلى 11000 خرق، ما أدّى إلى مقتل 300 مدني، وإصابة الآلاف بجروح، كما تسبّبت تجاوزات الميليشيا في نزوح 30 ألف أسرة من الحديدة وتضرر آلاف المنازل والمدارس والمساجد.

محافظ الحديدة: أدّى11 ألف خرق لاتفاق السويد لمقتل 300 مدني ونزوح 30 ألف أسرة من الحديدة

وعبر طاهر عن استيائه من لجوء الحوثيين في الآونة الأخيرة إلى تجنيد الأطفال ودفعهم إلى مواقعهم العسكرية في الحديدة دروعاً بشرية، بينما كشف لجوء الحوثيين إلى طريقة جديدة للثراء، من خلال التلاعب بأسعار المشتقات النفطية، وفق ما نقلت عنه صحيفة "البيان" الإماراتية.

واستعرض محافظ الحديدة خروقات الميليشيا الحوثية المستمرة لوقف إطلاق النار، من خلال استمرار الأعمال العسكرية وإطلاق الصواريخ والمقذوفات العسكرية على مواقع الجيش الوطني والمدنيين في عدد من مديريات الحديدة، إضافة إلى رصد دفع الحوثيين نحو 1500 مقاتل، بينهم مئات الأطفال إلى مدينة الحديدة، في انتهاك واضح لما جرى عليه الاتفاق للحدّ من التصعيد.

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال في الحديدة ودفعهم إلى مواقعهم العسكرية كدروع بشرية

وأشار إلى أنّ الهجمات والقصف الكثيف وتصعيد التسللات والاستهداف المفتوح بلا توقف، حوّل خروقات ميليشيا إيران إلى عملية عسكرية حقيقية، تنفَّذ فعلياً بتصعيد يومي للقضاء نهائياً على اتفاق السلام برعاية الأمم المتحدة.

وقال: "مماطلات عناصر الميليشيا في تنفيذ اتفاق السويد، وتهربهم من التزاماتهم لم تأتِ بجديد، بقدر ما أكدت الحقيقة الماثلة أمام الجميع، وهي أنّ الحوثيين لا يؤمن جانبهم، ولا يمكن الوثوق بهم، أو إبرام المعاهدات والاتفاقات معهم، لأنّهم ببساطة غير ملتزمين بها، وليس في نيتهم تطبيقها".

وأكّد المحافظ طاهر؛ أنّ الاتفاق لم يحرز أيّ تقدم، وأنّ الأوضاع في الحديدة (غرب اليمن) تعقدت أكثر مما كانت عليه قبل الاتفاق، الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني (ديسمبر) الماضي، بين الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين، مشيراً إلى أنّ الميليشيا، إلى اليوم، تواصل منع وصول الفريق الأممي إلى منطقة المطاحن وصوامع الغلال في الحديدة، وهي تلك المنطقة التي استهدفتها ميليشيا الحوثي الإيرانية بمقذوفات عسكرية، نتج عنها حرق وتدمير غذاء ملايين اليمنيين.

محافظ الحديدة يرفع تقريراً إلى الجنرال الهندي، أبهيجيت جوها، لاتخاذ أيّة خطوات لوقف تجاوزات الميليشيا

وأشار إلى أنّ التصعيد العسكري الحوثي يؤكد عدم جدية الميليشيا في السلام ووقف إطلاق النار، وتنفيذ اتفاق استوكهولم الخاص بالحديدة، في ظلّ عدم فتح المعابر ومنع عقد اللقاءات المشتركة بمدينة الحديدة، حيث تقصف الميليشيا بشكل عشوائي وبالأسلحة الرشاشة والقذائف المدفعية على مدينة حيس وأطرافها، بينما تواصل القصف في الجبلية وأطراف التحيتا الجنوبية، كما أنّها لجأت إلى أساليب الثراء بتهريب الأموال من الحديدة إلى صنعاء ثم إلى صعدة، إضافة إلى التلاعب بأسعار المشتقات النفطية.

وأوضح محافظ الحديدة؛ أنّه تمّ رفع تقرير إلى الجنرال الهندي، أبهيجيت جوها، رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة لاتخاذ أيّة خطوات لوقف تجاوزات الميليشيا وانتهاكاتها، ومنها: الزجّ بالمقاتلين داخل المدينة، وإلزام ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران بإظهار جديتهم والتزامهم بتنفيذ اتفاق السويد حول الحديدة، والالتزام بوقف إطلاق النار، وإزالة المظاهر المسلحة، ووقف عمليات التحصين والدفاعات العسكرية.

 

للمشاركة:



إطلاق جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن بناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي يجسد روح الريادة التي تتميز بها دولة الإمارات.

ودون سموه أمس على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» قوله: بإطلاق جامعة متخصصة بالذكاء الاصطناعي في أبوظبي.. نخطو خطوة طموحة نحو تسخير إمكانات التكنولوجيا لتعزيز التقدم وتمهيد الطريق لابتكارات جديدة تعود بالفائدة على دولة الإمارات والعالم.

وكان قد أعلن في أبوظبي أمس عن إطلاق جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أول جامعة للدراسات العليا المتخصصة ببحوث الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.

جاء الإعلان عن الجامعة خلال مؤتمر صحفي أقيم في مدينة مصدر حضره الشيخ محمد بن حمد بن طحنون آل نهيان، رئيس مجلس إدارة شركة مطارات أبوظبي، ومعالي الدكتور سلطان بن أحمد الجابر وزير دولة رئيس مجلس أمناء جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، ومعالي الدكتور أحمد بن عبد الله حميد بالهول الفلاسي وزير دولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة ومعالي عمر بن سلطان العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي، والدكتور عبداللطيف محمد الشامسي، مدير مجمع كليات التقنية العليا، وعدد من الخبراء والمسؤولين والمعنيين بالقطاع الأكاديمي.

وتقدم الجامعة برامج ماجستير العلوم والدكتوراه في المجالات الرئيسة للذكاء الاصطناعي وتشمل 3 تخصصات رئيسة وهي تعلم الآلة والرؤية الحاسوبية ومعالجة اللغات الطبيعية. كما تقدم لجميع الطلاب المقبولين منحة دراسية كاملة، ومزايا تتضمن مكافأة شهرية والتأمين الصحي والإقامة والسكن، فيما تعمل الجامعة مع كبريات الشركات المحلية والعالمية لتأمين التدريب للطلاب ومساعدتهم في الحصول على فرص عمل.

وأطلقت الجامعة موقعها الإلكتروني الرسمي الذي يتيح للطلاب الخريجين التقدم، فيما من المقرر فتح باب التسجيل في أغسطس 2020، بينما ينطلق العام الدراسي الأول لطلاب الدراسات العليا في حرم الجامعة بمدينة مصدر سبتمبر 2020.

رؤية القيادة

وقال معالي الدكتور سلطان بن أحمد الجابر وزير دولة رئيس مجلس أمناء الجامعة: يتماشى إطلاق أبوظبي للجامعة مع رؤية القيادة الرشيدة في التركيز على استشراف المستقبل وبناء القدرات في المجالات التي ترسخ المشاركة الفاعلة لدولة الإمارات في إيجاد حلول عملية قائمة على الابتكار وأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا لضمان استدامة التنمية والتقدم والرفاه للإنسانية.

وأضاف: «توجه الجامعة دعوة مفتوحة من أبوظبي إلى العالم للعمل يداً بيد لإطلاق الطاقات الكاملة التي توفرها التكنولوجيا المبتكرة للذكاء الاصطناعي والذي بدأ بالفعل في تغيير العديد من جوانب حياتنا وعالمنا».

وقال معاليه: «لا شك في أن استثمار الفرص والقدرات التي يزخر بها الذكاء الاصطناعي سيسهم في تمكين وتطوير الإنسان وتشجيع المخيلة البشرية الخصبة لاستكشاف الفرص وتطبيق الحلول القادرة على الارتقاء بجودة الحياة، وهنا يأتي دور الجامعة التي ستعمل على إعداد وتمكين رواد الابتكار القادرين على المضي قدماً نحو عصر جديد يدعمه الذكاء الاصطناعي».

وأشار معاليه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على إحداث تحول اجتماعي واقتصادي واسع التأثير بما يشبه النقلة النوعية التي أحدثها اختراع الكهرباء والقطار والهواتف الذكية والعديد غيرها من الابتكارات التكنولوجية، ولاغتنام الفرص المتنوعة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، علينا الاستعداد والتحضير وتهيئة البنية التحتية المناسبة والاستثمار في تطوير المهارات وإطلاق مؤسسات أكاديمية متخصصة في هذا المجال.

ولفت الجابر إلى أن القيادة الرشيدة لطالما أدركت أهمية اكتساب هذه القدرات كما يتضح من خلال رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإيمان سموه الراسخ بأهمية المعرفة كأداة للتقدم الاجتماعي، حيث يعد إطلاق الجامعة دليلاً واضحاً على التزام دولة الإمارات تجاه تشجيع الابتكار وتمكين جيل الشباب في الدولة ومختلف أنحاء العالم.

عقول مبتكرة

من جهته، أكد معالي الدكتور أحمد بن عبد الله حميد بالهول الفلاسي، وزير الدولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة، عضو المجلس الاستشاري للجامعة، أن الجامعة ستعمل على استقطاب الكفاءات والخبرات في مجال الذكاء الاصطناعي وأفضل العقول القادرة على الابتكار وتقديم الأبحاث العلمية التي تسهم في جهود الدولة ضمن القطاع، حيث تعد الجامعة منبراً للمتميزين ومنصة للمبدعين ومكاناً للمفكرين الذين سيعملون على الارتقاء بالنظريات العلمية الحالية وترجمتها على أرض الواقع. ولفت معاليه إلى أن تشكيل مجلس الأمناء بوجود الكوادر والكفاءات من مختلف دول العالم، يدلل على أهمية الجهود التي تبذل والرسالة العالمية التي تنطلق من دولة الإمارات، حيث لا تهدف الجامعة إلى تنمية الجهود البحثية المحلية فقط بل تشمل العالم أجمع، انطلاقاً من توجهات الدولة ورسالتها العميقة في ضرورة توحيد الجهود العالمية وتسخير الرؤى والأفكار والإمكانيات التي تمكن من تحفيز العقول المبتكرة لإيجاد الحلول المستدامة عالمياً.

ومن ناحيته، قال معالي عمر بن سلطان العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي رئيس المجلس الاستشاري للجامعة: يجسد إطلاق الجامعة محطة من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وهي الرؤية الثاقبة وبعيدة المدى تجاه اقتصاد المستقبل، خاصة أن هذا الاقتصاد يعتمد على الذكاء الاصطناعي ومفاهيمه واستخداماته وتوظيفه في مختلف القطاعات الحيوية ذات الأهمية للدولة.

وأشار إلى أن دولة الإمارات تمضي قدماً في تمكين الكادر البشري من المواطنين من تلقي مفاهيم الذكاء الاصطناعي وإجراء الأبحاث وتجميع البيانات وتصدير النظم العلمية للعالم، وهو ما ستقدمه الجامعة عبر استقطاب أفضل العقول والمواهب والتي ستعمل عن قرب بإشراف ومتابعة من مجلس الأمناء الذي يضم مجموعة من الخبراء والمتخصصين العالميين الذين وجدوا في الإمارات منصة علمية لإطلاق الجهود العلمية المشتركة.

أهداف استراتيجية

وحددت الجامعة 6 أهداف استراتيجية تشمل دعم جهود إمارة أبوظبي لإرساء دعائم اقتصاد المعرفة القائم على الذكاء الاصطناعي وضمان استدامته، وضمان رفد مختلف القطاعات والمؤسسات العامة بالكوادر البشرية والمهارات والموارد التي تكفل لها تبوء المكانة الأمثل ضمن فئتها في ميادين استخدام الذكاء الاصطناعي، واجتذاب أفضل المواهب والكفاءات في القطاع من شتى أرجاء المنطقة والعالم، إضافة إلى التميز في بحوث الذكاء الاصطناعي وتطوير استخداماته الفعالة في شتى ميادين الأعمال بالتعاون مع المؤسسات الصناعية والعامة سعياً إلى تحسين إمكانات الابتكار والإنتاجية والنمو، وأن نغدو جهة موثوقة لتقديم المشورة لمختلف القطاعات والمؤسسات العامة في المسائل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ودعم مجمعات الابتكار والشركات الناشئة في الدولة.

وتم اختيار خبراء من جميع أنحاء العالم للانضمام إلى مجلس أمناء الجامعة، بما فيهم البروفيسور السير مايكل برادي، الذي يتولى مهمة الرئيس المؤقت لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والذي يشغل حالياً منصب أستاذ تصوير الأورام في جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة، والبروفيسور أنيل جاين، الأستاذ في جامعة ولاية ميشيغان في الولايات المتحدة الأميركية، والبروفيسور أندرو تشي تشي ياو، عميد معهد علوم المعلومات متعددة التخصصات في جامعة تسينغهوا في بكين بالصين، والدكتور كاي فولي، مسؤول تنفيذي في مجال التكنولوجيا ومستثمر رأسمالي استثماري في بكين بالصين، والبروفيسورة دانييلا روس، مديرة مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة الأميركية، وبينج شياو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «جروب 42».

ويحظى مجلس الأمناء بدعم مجلس استشاري يترأسه معالي عمر بن سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ويضم كلاً من معالي الدكتور أحمد بالهول الفلاسي، وزير دولة لشؤون التعليم العالي والمهارات المتقدمة، ومعالي سارة الأميري، وزيرة دولة مسؤولة عن ملف العلوم المتقدمة، ومعالي جاسم الزعابي، رئيس دائرة المالية في أبوظبي، والدكتور ون لي مين، كبير علماء ذكاء الآلة في شركة علي بابا.

تعاون

أعلنت الجامعة عن تعاونها مع المعهد التأسيسي للذكاء الاصطناعي، الذي يتخذ من أبوظبي مقراً له، ويعد واحداً من أبرز المعاهد في مجال الامتياز والريادة لبحوث الذكاء الاصطناعي وذلك للإشراف على طلاب الدكتوراه وتطوير المنهج التعليمي.

وبموجب هذه الشراكة، سيكون المعهد شريكاً في مجال البحوث التعاونية.

وستعمل الجامعة على توفير أفضل الفرص للطلاب، عبر منصة تتيح لهم التواصل مع شبكة من الشركاء الاستراتيجيين في مجال الذكاء الاصطناعي وغيره من القطاعات ذات الصلة، لتتيح لهم اكتساب الخبرات المهمة عبر منحهم فرصاً تدريبية في مجالات مثل الرعاية الصحية والاتصالات والتكنولوجيا والهيئات الحكومية والتمويل وغيرها، ويمكن لهذه الفرص التدريبية أن توفر بوابة نحو الوظائف المستقبلية الواعدة لطلاب جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بعد التخرج.

ومن خلال برامج الإرشاد المهني والتوظيف وفرص التواصل سيقدم قسم شؤون الخريجين للطلاب الأدوات اللازمة لإدارة تطورهم المهني بنجاح طوال مسيرتهم المهنية. وتحتوي الجامعة على مكتبة جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وتعتبر مصدراً لمجموعة واسعة من الموارد والخدمات، وتسهم في تقديم الدعم في التعليم والبحوث في المجتمع الجامعي، حيث تقع المكتبة في مبنى مركز المعرفة، وتوفر مساحة للتفاعل بين أعضاء الهيئة التدريسية والطلاب وتحتضن مناطق هادئة للتركيز ومناطق أخرى للمطالعة وقاعات للدراسة لتقدّم مجتمعة بيئة تحفز الإنتاجية والإبداع البحثي، ويمكن الوصول إلى الموارد من خارج المكتبة إلكترونياً أو عبر زيارتها، كما يمكن طلب الموارد في حال عدم توفرها.

شروط القبول

تشمل متطلبات القبول في برامج الماجستير، حصول المتقدم على شهادة البكالوريوس أو ما يعادلها من جامعة أو كلية معترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات، ويجب أن يكون الطالب ضمن الـ 20% من الطلبة الأوائل على الدفعة مع معدل تراكمي لا يقل عن درجة 3.2 (على مقياس 4.0) أو ما يعادلها، إضافة إلى متطلبات اللغة الإنجليزية وتشمل الحصول في اختبار التوفل على مجموع درجات في الاختبار عبر «الإنترنت» بلا يقل عن 90 مع تحقيق 20 درجة فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة، أو شهادة الآيلتس الأكاديمي: بمعدل لا يقل عن 6.5 درجة مع تسجيل 6 درجات فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة. وتشمل متطلبات القبول في برامج الدكتوراه، حصول الطالب على شهادة الماجستير أو ما يعادلها من جامعة أو كلية معترف بها من قبل وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات، ويجب أن يكون الطالب ضمن الـ 20% من الطلبة الأوائل على الدفعة مع معدل تراكمي لا يقل عن درجة 3,2 (على مقياس 4,0) أو ما يعادلها، إضافة إلى متطلبات اللغة الإنجليزية وتشمل اختبار التوفل عبر الإنترنت بالحصول على مجموع درجات لا يقل عن 90 مع تحقيق 20 درجة فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة، أو شهادة الآيلتس الأكاديمي بمعدل لا يقل عن 6.5 درجة مع تسجيل 6 درجات فما فوق في كل قسم وضمن جلسة واحدة.

عن صحيفة "الاتحاد الإماراتية"

 

للمشاركة:

عنصرية اليمين المتطرف تتفجر في الملاعب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

تعاني الساحة السياسـية الأوروبية من بروز اليمين العنصري. هـذه الظـاهرة تكاد تمس جل أقطار القارة، وهي أحزاب تشترك بعـدد مــن الأهــداف والشــعارات المشــتركة، مثــل العنصرية ومعارضــة الهجــرة ومعــاداة الأجانــب والتعصب القومي والديني وانتقــاد الطبقــة السياســية الحاكمة.

وفي العقود الأخيرة أضحت هذه الأحزاب تشكل جزءا من المشهد السياسي الأوروبي، وذات ثقل شعبي معتبر، وطرفا ثابتا في المعادلات الانتخابية، وفاعلا سياسيا يتزايد تأثيره في صياغة الرأي العام الأوروبي خاصة بعد تفشي ظاهرة الهجرة غير الشرعية وموجات الإرهاب التي تضرب المدن الأوروبية.

وتعمل التيارات المتطرفة للترويج لأطروحاتها خاصة في الفضاءات المفتوحة من ذلك الفضاء الافتراضي وملاعب كرة القدم الخضراء، إذ يحدث مرارا أن تتحول هذه الملاعب إلى مسارح لمشاهد وهتافات عنصرية من طرف اليمين المتطرف. حيث تحوز هذه المباريات على إعجابه بالنظر لما تحظى به من اهتمام إعلامي كبير تعتبرها هذه المجموعات فرصة سانحة لتمرير أفكارها العنصرية، مستغلة حماسة العدد الكبير من الشباب المتابع بشغف لكرة القدم.

وفي هذا السياق تعمد التيارات اليمينية إلى استغلال ظاهرة “الالتراس” والأنصار المتحمسين لتجييش الفئات الشابة وإذكاء نزعات كره الآخر والتعصب ورفض المختلف والعنصرية، وذلك بتصوير الفريق الخصم في صورة العدو لتسقط عليه رؤيتها ومقاربتها العنصرية المتطرفة.

وفي تأكيد لتنامي النزعات العنصرية داخل البلدان الأوروبية المتزامنة مع صعود التيارات اليمينية التي اكتسحت الفضاءات الرياضية، شهدت مباراة بلغاريا وإنكلترا هتافات عنصرية تجاه لاعبي المنتخب الإنكليزي من ذوي البشرة السمراء.

وأطلقت مجموعة من المشجعين البلغاريين الذين كانوا يرتدون ملابس سوداء ويؤدون تحية التيار اليميني هتافات عنصرية تجاه لاعبي المنتخب الإنكليزي، الأمر الذي دعا إلى توقيف المباراة في أكثر من مناسبة.

وخلفت الحادثة الكثير من ردود الفعل السلبية والرافضة للهتافات العنصرية، وفي أول رد فعل حول ما حصل دعا رئيس الحكومة البلغارية بويكو بوريسوف رئيس اتحاد كرة القدم في بلاده بوريسلاف ميهايلوف إلى تقديم الاستقالة من منصبه.

وقال بوريسوف على حسابه على موقع فيسبوك “أناشد بوريسلاف ميهايلوف الاستقالة فورا!”، وأضاف “من غير المقبول أن يرتبط اسم بلغاريا بالعنصرية ورهاب الأجانب”.

وتابع “أدين بشكل قاطع سلوك البعض ممن تواجدوا في الملعب”، مشيرا إلى أن بلاده تعتبر “من أكثر الدول تسامحا في العالم”.

ولا يعتبر وجــود اليمــين المتطــرف في الأنظمــة السياســية الأوروبيــة ظــاهرة جديــدة، ذلــك أن الفاشـية والنازيــة والقوميـة المتطرفــة هيمنـت علــى أوروبـا في حقبــة مـا بــين الحـربين العــالميتين، ودفعتهـا نحــو الحرب. أما المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فهي حركات تشترك كلها في العديد من  الخصائص على الرغم من اختلاف القوميات (فرنسية وألمانية وإنكليزية وهولندية وبلجيكية). من هذه الصفات كره اليمين المتطرف للحداثة السياسية والفكرية والأخلاقية. فهي عموما ضد الديمقراطية ولكنها تقبل بها رغما عنها وخاصة إذا كانت تعطيها الأصوات الكافية لانتخاب نوابها في البرلمان.

والسنوات القليلة الماضية تشهد عموم أوروبا صعودا مستمرا للأحزاب اليمينية، حيث صعد إلى المراتب الأولى في إيطاليا كل من حزبي رابطة الشمال وحركة الخمس نجوم بقيادة ماتيو سالفيني ولويجي دي مايو، أما فرنسا، فقد تحصل فيها حزب الجبهة الوطنية الذي تقوده ماريا لوبان على نسبة 23.31 بالمئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، متراجعة بشكل طفيف عما كان عليه الأمر في الانتخابات السابقة، لكنها تظل أفضل من حزب الجمهورية للأمام بزعامة إيمانويل ماكرون، الذي حقق 22.41 بالمئة من الأصوات.

وبدورها تشهد الأحزاب اليمينية المتطرفة تقدما في دول أخرى مثل بريطانيا وألمانيا وبولندا، مما أثار الذعر في أوروبا خشية على الاتحاد والتكتل الاقتصادي العالمي.

وتعمل هيئات رياضية مثل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) من خلال حملات “لا للعنصرية”، لزيادة الوعي العام حول التمييز في كرة القدم، وكذلك وضع إستراتيجيات لمكافحة التعصب.

وأصدر الاتحاد الأوروبي بروتوكولا من ثلاث خطوات تجاه الهتافات العنصرية في الملاعب الأوروبية تبدأ بطلب الحكم من مذيع المباراة مناشدة الجماهير بوقف الهتافات العنصرية، وإذا استمر الأمر يطلب الحكم من اللاعبين مغادرة الملعب إلى غرف الملابس لفترة معينة على أن يقوم المذيع بمناشدة الجمهور مرة جديدة وإذا استمرت الأمور على حالها يعلن الحكم إيقاف المباراة نهائيا.

ولم تتوقف ردود الفعل المنددة والرافضة لهذا الحادث العنصري على الطرف البلغاري وإنما جلبت معها مواقف سياسية حادة وغاضبة، من قبل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون  الذي دان الهتافات العنصرية ووصفها بأنها “مقززة” وقال “العنصرية التي شاهدناها وسمعناها مقززة ولا مكان لها في عالم كرة القدم”.

وأضاف “إنه أمر لا يمكن قبوله في بلغاريا أن يتم ربطها بالعنصرية ورهاب الأجانب رغم أنها واحدة من أكثر الدول تسامحا في العالم ويعيش فيها أناس من مختلف العرقيات والديانات في سلام”.

وتم تغريم الاتحاد البلغاري وعدد من الأندية البلغارية بسبب أحداث عنصرية عدة مرات على مدار السنوات القليلة الماضية.

وبعد يوم على الهتافات العنصرية التي أطلقتها الجماهير البلغارية تجاه لاعبي إنكلترا، أعلن الاتحاد البلغاري لكرة القدم الثلاثاء عن استقالة رئيسه بوريسلاف ميهايلوف. وقال الاتحاد في بيان على موقعه الرسمي “قدم رئيس الاتحاد البلغاري لكرة القدم ميهايلوف استقالته التي سيتم تسليمها إلى أعضاء اللجنة التنفيذية في اجتماعها الجمعة”، مضيفا أن القرار “نتج عن التوتر الذي حصل في الأيام الأخيرة والذي يضر بكرة القدم البلغارية والاتحاد المحلي”.

وقال يوردان ليتشكوف نائب رئيس الاتحاد البلغاري “أشعر بخيبة أمل لهذا التركيز على العنصرية. لا يحتاج الناس للتركيز على هذه المسألة في مباراة بالتصفيات بهذا الحجم وأمام منافس مثل إنكلترا”.

وحذرت دراسات عديدة من انتشار العنصرية في أوروبا؛ من ذلك ما نشرته جامعة هارفارد حول مستويات العنصرية في الدول الأوروبية، في دراسة استمرت من عام 2002 إلى 2015.

عن صحيفة "العرب اللندنية" 

للمشاركة:

"حماس" والعدوان التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-17

أمجد عرار

طوال العام الماضي لم يكفّ قادة حركة حماس عن التودّد لدمشق، واستعانوا بالعديد من الوساطات في محاولة لاستعادة العلاقات معها، بعدما انقلبوا عليها وانتقلوا إلى الدوحة، مراهنين على سقوط سريع للدولة السورية بأيدي جماعتهم، «الإخوان»، لكن القيادة السورية رفضت كل الوساطات، وكررت في كل مرّة أنها لا تثق بقيادة «حماس» الذين تنكّروا لكل ما قدّمته لها سوريا، التي تحمّلت الضغوط والعقوبات ورفضت المساس بوجودهم بأراضيها، مكاتب ومعسكرات.

هذا الأسبوع جاء الاختبار الذي يؤكّد أن عدم ثقة القيادة السورية في محلّه، إذ لم يكن حتى بعض المتشائمين يتوقّع أن «حماس» يمكن أن تصدر مواقف علنية مؤيدة لاحتلال تركيا أرضاً عربية وإسلامية.

«حماس» أيّدت العدوان التركي وأوعزت، أو سمحت، لنفر من أتباعها بتنظيم «وقفة» دعم للعدوان التركي ورفع يافطات تشيد بعملية «نبع السلام»، وهو الاسم الذي أطلقته أنقرة على عمليتها، منتهجة ذات الأسلوب الذي ينتهجه الاحتلال الإسرائيلي في إطلاق أسماء مضلّلة على عملياته العدوانية.

لم تتعلّم قيادة «حماس» من تجربة العلاقة مع مصر، حين وقفت «بالباع والذراع» مع جماعة الإخوان، إبان عزل الرئيس الراحل محمد مرسي في ثورة 30 يونيو 2013، ثم عادت بعد بضع سنوات لتحاول الاقتراب من القاهرة، لدرجة أنها رفعت صوراً عملاقة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شوارع غزة، ويبررون تغيير الموقف بأن مصر نافذة غزة الوحيدة على العالم، مع أن هذه حقيقة وبديهية وليست اكتشافاً عثروا عليه في باطن الأرض.

لا يستلزم الأمر كثير جهد لفهم موقف حماس، فهي أولاً وثانياً وأخيراً فرع تابع لتنظيم دولي، ولا تستطيع أن تتناقض مع موقف «الجماعة» حتى لو كان هذا الموقف مضادّاً للمصالح الفلسطينية، تماماً مثلما فعلت ما تسمى «المعارضة السورية» حين استظلّت بالعلم التركي ودخلت معه كقوة احتلال لوطنها.

وهنا يصح الاستشهاد بمواقف كثيرين، حتى من المقربين للحركة، الذين نصحوا قادتها بالتعامل مع الخصوصية الفلسطينية كخط أحمر، من غير المسموح تجاوزه مراعاة لأي اعتبار آخر.

وعلى أية حال، لن تطول الفترة التي تصل فيها قيادة الحركة للحظة اكتشاف خطأ الحسابات مرّة أخرى، ذلك أن تركيا نفسها بدأت تدرك فشل رهاناتها وخططها وأطماعها في سوريا، فضلاً عن الدرس الأمريكي الواضح والمتمثّل بالتخلي السريع عن حلفائها في شمال سوريا.

عن صحيفة "البيان الإماراتية"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية