بهاء طاهر.. خائن من لم يقل الحقيقة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
4966
عدد القراءات

2018-02-07

ما انفك الصعيد المصري رغم التهميش وجفوة نظرات التاريخ يُطالعنا بمنارات فكرية تضيء الطريق، بأقلام حفرت إبداعها الخالص من رحم القسوة سيمفونيةً ثورية بديعة؛ من رفاعة الطهطاوي، وعباس محمود العقاد، وصلاح عبدالصبور، مروراً بالأبنودي، وأمل دنقل، وليس انتهاء بالأديب الكبير، بهاء طاهر الذي بنى محرابه الخاص من قساوات حياة الجنوب، والمنفى، ومعارضة السلطة، والنقمة على الأوضاع القائمة في المجتمع، لتتوج مسيرته الأدبية بأرفع الجوائز "البوكر، النيل"، وغيرها من التكريمات التي لاحقت "راهب الأدب" دون أن يسعى خلفها.

بنى بهاء طاهر محرابه الخاص من قساوات حياة الجنوب والمنفى ومعارضة السلطة والأوضاع القائمة في مجتمعه

"أجل يا ولدي، الأرض تنسى صاحبها إذا هجرها"، كان أوّل الدروس التي تعلمها طاهر المولود العام 1935 من والدته الصعيدية ابنة مدينة الأقصر المصرية، فلم يعقَّ هذه الوصية وينسَ أرضه، ومسقط رأسه، وهو ما تجلّى في سيرته الذاتية التي عكست حنينه الدائم إلى جذوره الأولى، التي حاول العودة إليها، بعد تجربة منفاه إلى جنيف، التي سافر إليها بعد طرده من الإذاعة المصرية حيث مكان عمله، بدعوى أنّه شيوعي، وهو ما نفاه طاهر حين قال: "لم أكن أعلم أنّي شيوعي إلا حين طردي من العمل، ربما يعلمون عني أكثر مما أعرف عن نفسي"، وهذا القرار الذي اتُّخذ أثناء فترة حكم السادات؛ حيث عمِل على "تطهير" المجال العام من أي كوادر يشتبه في ناصريّتها، وهي أيضاً صفة لم يدّعها بهاء طاهر لنفسه، فهو لم يحسب على أي نظام سياسي، برغم تأييده غير المسيَّس لثورة يوليو 1952 في بدايتها، فلم يتخاذل في التعبير عن رأيه بقوة ووضوح، ودفع ثمناً باهظاً من الغربة والاغتراب خارج الوطن لسنوات، قضاها في العمل مترجماً بالأمم المتحدة بين عامي 1981 و 1995 قبل عودته إلى مصر، ليخلّد تلك التجربة بروايته "الحب في المنفى".

"هل تركت الغربة بمحض إرادتي وعدت بهذا الكم من الحنين؟ أم أن الغربة لا تزال تسكنني وتستوطن أفكاري، بل ومصيري نفسه؟" يتساءل بطل روايته "الحب في المنفى"، بكلمات تعكس غربتَي الكاتب؛ أولاهما عن الوطن الكبير "مصر"، وثانيهما اغترابه عن جذوره الصعيدية التي يحنّ إليها، وهو ما تجلى في حرصه على انتزاع قطعة أرض من إرثه العائلي في مدينة الأقصر، الذي أنشئ عليه قصر ثقافة بهاء طاهر الذي افتتح العام 2013، هديةَ حب وعرفان لأبناء بلدته التي تعاني فقراً ثقافياً، ومحاولة لرد الجميل لتلك المدينة التي ألهمته في رحلة إبداعه المُستقاة من الصعيد، وهو ما تجلي تحديداً في رواياته "خالتي صفية والدير"، التي تحولت إلى عمل تلفزيوني في تسعينيات القرن الماضي، ورواية "شرق النخيل"، و"أبناء رفاعة"، التي تدور أحداثهما في مدينة بصعيد مصر، وتعكس النظام القائم في الجنوب المصري، كأنّه نظام منفرد بذاته، بعيداً عن المركزية التي تتميز بها مصر.

سيرته الذاتية عكست حنينه الدائم إلى جذوره الأولى التي حاول العودة إليها بعد تجربة منفاه إلى جنيف

قدّم طاهر نموذجاً فريداً لمدرسة انسلاخ المثقف عن تملّق السلطة منحازاً لأصوات المهمشين، ضد تعسف السياسة التي تُحجّم طموحات الشعوب وتكمّم الأفواه كي تسمع ما يرضيها فحسب، وهو ما تجلّى بالتأييد العارم للكثير من قرارات الثورة الناصرية، مثل اتفاقية الجلاء والإصلاح الزراعي، دون أن يمنعه ذلك من رفض عمليات قمع الديمقراطية ومحاكمات الثورة وأزمة مارس وإلغاء حرية الصحافة وحق التظاهر وتكوين الأحزاب، كما رفضه للكثير من سياسات السادات، خاصة الانفتاح الاقتصادي الذي رأى أنه خلخل المعايير المجتمعية، وعاد بالطبقة الوسطى إلى مصاف العوام.

كما شارك بهاء طاهر في تأييد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، ثم عارض بشدة حكم الإخوان المسلمين، مثلما ظهر حين أعلن مع الروائي صنع الله إبراهيم الاعتصام بمكتب وزير الثقافة الإخواني علاء عبدالعزيز احتجاجاً على "أخونة الدولة"، قبل أيام قليلة من اندلاع ثورة الثلاثين من حزيران (يونيو) 2013، التي أطاحت بالإخوان من السلطة.

طاهر: لم أعلم أنّي شيوعي إلا حين طردي من العمل ربما يعلمون عني أكثر مما أعرف عن نفسي

يتشكل وعي المثقف دوماً من تجربته الحياتية، التي تتخللها عدة عوامل، على رأسها النظام الاجتماعي، الذي يلعب النظام السياسي دوراً في تشكله، وربّما تتفرد تجربة بهاء طاهر، بسبب الظروف السياسية التي شكلّت وعيه، فنجد التجربة الناصرية حاضرة في كل كتاباته، بشكل مباشر وغير مباشر، فهو من جيل تشرّب الهزيمة التي أنهكت قلب مصر، والوطن العربي بأكمله إثر هزيمة 1967، بعد أن تبخّرت أحلامه ببعض النصر، فضلاً عن صراعهم في سبيل الحرية، وماهية الوجود، والحياة والموت الذي كان دائماً الحاضر الغائب في كتابات بهاء طاهر، حيث صنع الأديب هذا التجانس بين الإنسان ونهايته الحتمية التي يقف البشر بأسرهم أمامها عاجزين، بعد أن صعدوا للفضاء، وصنعوا الأسلحة الفتاكة، وجعلوا العالم قرية صغيرة، يصطفون جميعاً صاغرين أذلاء أمام هذا المفترس الذي يلتهم الجميع دون أن يختار.

ولعلّ أقرب صورة صنعها طاهر للموت تلك التي اختتم بها روايته "الحب في المنفى"، حين وجد بطله مجهول الاسم، في مواجهة مع الموت الذي لم يتخيله بتلك السلاسة، والانسيابية التي نقلها، في مشهد فريد، ربما استحضرنا معه سكرات الموت، وتصالحنا مع طيفه المخيف، لبرهة خارج حدود الزمان والمكان، وهذا الحضور الجليّ للموت، هو انعكاس لتلك التجربة التي عاصرها طاهر وأبناء جيله، في الفترة الناصرية، التي حدّدت أحلام الناس بما يتواءم مع النظام الحاكم، فعاشوها قبل أن تتحقق، ثم فاجأتهم بهزيمة، أفقدت الجميع توازنهم، وصنعت غصة في القلب، لم تمحها الأيام، ومن لم يعاصر تلك المرارة، تستطيع كلمات طاهر أن تنقلها إليه، أو بالأحرى تنقله إليها.

كتب طاهر مجموعات قصصية: "الخطوبة"، و"بالأمس حلمت بك"، و"أنا الملك جئت"، و"ذهبت إلى شلال"، و"لم أكن أعرف أن الطواويس تطير"، ومن رواياته "شرق النخيل"، و"قالت ضحى"، و"نقطة النور" وله مؤلفات في النقد والدراسات منها "10 مسرحيات مصرية.. عرض ونقد"، و"أبناء رفاعة".

ومن ترجماته "فاصل غريب" ليوجين أونيل العام 1970، وكان أول من عرّف القارئ العربي بباولو كويلو من خلال ترجمة رائعته "الخيميائي" التي صدرت تحت عنوان "ساحر الصحراء" العام 1996، كما تُرجمت بعض أعماله إلى لغات عالمية، مثل "خالتي صفية والدير" التي نالت شهرة واسعة.

أعلن مع الروائي صنع الله إبراهيم الاعتصام بمكتب وزير الثقافة السابق علاء عبدالعزيز احتجاجاً على "أخونة الدولة"

جدير بهذه المسيرة التي تميزت بالصدق والاتساق مع الذات، أن تُكلَّل بما تستحقه؛ ففي العام 2008، كان طاهر على موعد مع أرفع الجوائز الأدبية الممنوحة لأديب عربي، جائزة البوكر، عن روايته "واحة الغروب"؛ فالأديب والناقد المسرحي، دارس التاريخ الدؤوب الذي تخرج في جامعة القاهرة من كلية الآداب قسم التاريخ، العام 1956، ينقلنا إلى بُعد زمني آخر من خلال روايته الأهم التي تدور أحداثها في أواخر القرن التاسع عشر، في واحة سيوة غرب مصر، في تماهٍ فريد بين الشخصيات والأحداث والزمن الذي دارت فيه الأحداث، التي بدأت بعد هزيمة أخرى سبقت نكسة 67، في أعقاب الثورة العرابية، التي أُجهضت وترتب على إجهاضها احتلال مصر من الإنجليز 74 عاماً، ويطلّ علينا الضابط محمود عبدالظاهر، أحد أبناء الثورة المهزومة، ليصوّر هذه المشاعر من الهزيمة، وهذا الصراع الإنساني المتولد منها، وتظل تلاحق الإنسان حتى مماته، تأكل روحه شيئاً فشيئاً حتى تبقيه جثة هامدة، لا يقوى على اتخاذ أي موقف، فيتحول من كل إلى نصف، كما حدث لبطل طاهر، الذي أرداه الحلم نصف ميت.

أول من عرّف القارئ العربي بباولو كويلو بترجمة رائعته "الخيميائي" التي صدرت تحت عنوان "ساحر الصحراء"

"لما ماتت أمي، غاب الأمل، وشاهت الحياة.. كنت صبياً لكني شِخت، كنت نبياً وهي وحيي"، تختزل هذه العبارة من "سيرة في المنفى" الكثير من آلام الموت، التي حملها قلب الأديب بهاء طاهر، بعد رحيل والدته، ليسطّر سطراً جديداً في سطور غربته ومنفاه الذي لا ينتهي، غربة وهزائم متلاحقة تضرب قلب طاهر، لكنها تنقش سطوراً تنقلنا معها إلى عوالم مختلفة، داخل غياهب النفس البشرية، وسراديبها التي لا تنتهي، تكشف لنا عن دواخلنا وأعماقنا، لنصبح مدينين لكاتب صادق اتسق مع ذاته، وجسّد المهزومين والمغتربين والمضطهدين، فكان خير عزاء لهم، وهو يوصيهم "أنتَ لا تخُون إنْ قُلتَ الحقِيقة، بل تخُون إنْ لَم تقُلها".

اقرأ المزيد...

الوسوم: