"رسالة التعاليم" لحسن البنا: اترك عقلك واتبعني!

صورة نادر رزق
كاتب وباحث أردني
35504
عدد القراءات

2018-02-11

وضع مؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا مجموعة من "الرسائل" لعلّ أشهرها وأخطرها على الإطلاق رسالة التعاليم، مستعيراً هذا النهج من شيوخ وعلماء السلف حين كانوا يضعون كتاباً موجزاً يشتمل على قليل من المسائل تكون ذات موضوع واحد.

"فهذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسموّ دعوتهم، وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها، أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء الإخوان فقط أوجّه هذه الكلمات، وهي ليست دروساً تُحفظ، ولكنها تعليمات تُنفّذ، فإلى العمل أيّها الإخوان الصادقون".

بهذه الكلمات يبدأ البنا رسالته موجهاً إيّاها حصراً إلى الإخوان المسلمين، أما غير هؤلاء، كما يقول "فلهم دروس ومحاضرات، وكتب ومقالات، ومظاهر وإداريات، ولكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات، وكلاً وعد الله الحسنى".

لا يمكن تجميل النظرة الاستعلائية الواضحة التي ينضح بها تقسيم البنا للمسلمين إلى الإخوان وغير الإخوان

ولا يمكن تجميل النظرة الاستعلائية الواضحة التي ينضح بها هذا التقسيم للمسلمين: الإخوان المسلمون أصحاب الحظ والحظوة الذين أنعم الله عليهم بأن كرّمهم المرشد بهذا الخطاب، أما الآخرون المساكين أصلحهم الله فلهم خطاب أقل شأناً، حاثاً إياهم على بذل المزيد من الإخلاص حتى يلحقوا بإخوانهم فـ "لكل وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات"، كأنّ البنا لم يسمع بقوله تعالى: "إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم" إلا أن تكون هذه التعاليم هي المقاييس المعيارية للتقوى التي ظلّ المسلمون غافلين عنها قروناً وكانت تحتاج لهذا الإيضاح الذي تفرد به عن غيره!

وبعد أن يفرغ حسن البنا من تلقيناته الصارمة لـ "الأخ المسلم" التي يجب ألا يحيد عنها يختتم قائلاً: "أيها الأخ الصادق :هذه مجمل لدعوتك، وبيان موجز لفكرتك، وتستطيع أن تجمع هذه المبادئ في خمس كلمات: (الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شرعتنا، والجهاد سبيلنا، والشهادة أمنيتنا)، وأن تجمع مظاهرها في خمس كلمات أخرى : "البساطة، والتلاوة، والصلاة، والجندية، والخلق .فخذ نفسك بشدة بهذه التعاليم، وإلا ففي صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين" .

مستعيناً بـ24 استشهاداً قرآنياً وبضعة أحاديث أُخرجت معظمها عن سياقاتها، يتبع البنا كعادته أسلوب الرسائل الخطابية القصيرة المركَّزة المنظمة سهلة الحفظ؛ بل واجبة الحفظ كما يقول عند ذكر أركان البيعة العشرة التي استولت على معظم رسالته هذه، وهي: الفهم والإخلاص والعمل والجـهــاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخـوَّة والثقة.

يتبع البنا كعادته أسلوب الرسائل الخطابية القصيرة سهلة الحفظ مستعيناً بـ24 استشهاداً قرآنياً أُخرجت معظمها عن سياقاتها

لم يبدأ البنا بركن "الفهم" هذا عبثاً؛ لأنَّه بداية ترك "الأخ المسلم" عقله ومتابعة شخص أقلّ ما يقال فيه، وفق هذا الفهم، إنّه "ملهم" لا يُستدرك عليه، "إنما أريد بالفهم :أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صميمة وأن تفهم الإسلام كما نفهمه، في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز"، وهذه أخطر مقولات البنا على الإطلاق، التي يصادر فيها أي رأي آخر وكأنه يتمثل ما ورد في الآية الكريمة "مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ".

ثم يشرع في تعداد أصول الفهم هذه، لعلّ أطرفها ما يحمل الرقم (18) التي أنّى لها أن تستقيم مع مفتتح كلامه السابق: "الإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح والنافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها"!

وحين نقرأ الأصل رقم (8) ونصه " والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره.." ألن نصطدم مع البنا مرة أخرى وهو القائل عن تعاليمه "وإن انصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك"، عندها ليس أمامنا لنجمع بين هذين القولين إلا أن نفهم أنّ ما يورده هو عين "الأصول" التي لا يجوز أن يقع خلاف حولها من مسلم صادق، هذا هو خلاصة ما يريد قوله؛ أي إنّ الرجل ليس في كلامه "فروع" تحتمل الخلاف، وهو ما يؤكده عند توضيحه للركن الثامن من أركان البيعة: "أما التجرد فأن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص؛ لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها: (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً)".

يتوعد البنا من يخرج عن هذه التعاليم بما يوحي أنها خطيئة ترقى إلى الخروج من الإسلام ذاته

وينتقل البنا إلى فصل الخطاب الذي يريد إيصاله من هذه التعاليم في الركن العاشر والأخير من أركان البيعة ألا وهو "الثقة"، ولكن الثقة بمن؟ "وأريد بالثقة :اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئناناً عميقاً ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة؛  (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65)".

ولا يكتفي البنا بأن يدعّم مقولته في الثقة العمياء بقيادة الإخوان (المتمثلة بشخصه) بالآية الكريمة الموجهة للرسول صلى الله عليه وسلم، بل يتابع مشدّداً عليها بقوله: "وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعاً، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات".

 

 

إنّ من ينتهي به الأمر مؤمناً بهذه التعاليم قولاً وفعلاً، كما يطلب صاحبها، سيصل إلى نتيجة بيّنة لا تحتمل أي تأويل؛ بأنّ هذا هو الإسلام وفهمه الصحيح ولا مكان للخلاف حوله، وهذا سر الفلاح في الدنيا والآخرة، وفي ذلك يقول البنا: "وأعتقد أنك إن عملت بها وجعلتها أمل حياتك وغاية غايتك، كان جزاؤك العزة في الدنيا والخير والرضوان في الآخرة، وأنت منا ونحن منك".

يختتم حسن البنا "التعاليم" بوعيد عجيب لكل من خرج عن هذه الجادّة، بما يوحي أنّ هذه "الخطيئة" ترقى إلى الخروج من الإسلام ذاته، وبما يوجب المحاسبة الإلهية على هذا الذنب الذي لا يغتفر "وإن انصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك، وإن تصدرت فينا المجالس وحملت أفخم الألقاب وظهرت بيننا بأكبر المظاهر، وسيحاسبك الله على قعودك أشد الحساب، فاختر لنفسك ونسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق".

فصل الخطاب الذي يريد البنا إيصاله في الركن العاشر والأخير من أركان البيعة هو الثقة بالمرشد

وبعد أن ينتهي المرشد الأول من شرح أركان البيعة، ينتقل إلى "واجبات الأخ العامل"، وهي في معظمها توجيهات مسلكية تتسرب إلى أدق التفاصيل في حياة العضو الإخواني من عمل ومأكل وملبس ومسكن والحض على مطالعة رسائل الإخوان وجرائدهم، ويبلغ الأمر حد "مقاطعة المحاكم الأهلية وكل قضاء غير إسلامي، والأندية والصحف والجماعات والمدارس والهيئات التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة".

وتصل هذه الواجبات التي يبلغ عددها 38 إلى منتهى التحكم بالحياة الشخصية وحرية الاختيار والحركة في الثلاثة الأخيرة منها: "أن تعرف أعضاء كتيبتك فرداً فرداً.. وأن تحضر اجتماعاتهم فلا تتخلف عنها إلا بعذر قاهر، وتؤثرهم بمعاملتك دائماً"، و"أن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتك وخاصة إذا أُمرت بذلك"، وأخيراً "أن تحيط القيادة علماً بكل ظروفك ولا تقدم على عمل يؤثر فيها جوهرياً إلا بإذن،.. وأن تعتبر نفسك دائماً جندياً في الثكنة تنتظر الأوامر".

رغم أن رسالة التعاليم لا تتجاوز 10 صفحات إلا أنها تمثّل خطاباً مشبعاً بالمتناقضات

ويبلغ البنا ذروة التزكية للمنهج الذي اختطه حين يختار الآية الكريمة خاتمة هذه التعاليم في إيحاء لا يخفى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ".

رغم أنّ هذه الرسالة لا تتجاوز من الصفحات عشراً، إلا أنّها تمثل خطاباً مشبعاً بالمتناقضات، فحين نستمع للبنا بعد كل ما ذكره يقول "ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة، من غير أن يجرَّ ذلك إلى المراء المذموم والتعصب"، لن يكون أمام من تتملّكه الحيرة من إجابة إلا أن يدرك أنّ ملخّص رسالة التعاليم هذه بكل بساطة: اترك عقلك واتبعني.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أيهما أخطر على الديمقراطية.. السياسي أم الديني؟

2019-10-14

يعدّ كتاب ألكسيس توكفيل (1805–1856) "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية، كان توكفيل سياسياً فرنسياً، وقد شغل منصب وزير الخارجية الفرنسي، العام 1851، وهو أيضاً مثقف ثقافة شاملة عميقة، وقد شُغل بتجربة الولايات المتحدة باعتبارها كانت بلداً حديثاً يمثّل تحدياً للمنظرين، وقدمت نموذجاً في العلاقة بين السياسة والدين في عملية بناء الديمقراطية، مختلفاً عن النموذج الفرنسي؛ حيث كانت فرنسا تخوض صراعاً مريراً مع ذاتها لم يتوقف منذ الثورة الفرنسية التي وقعت العام 1789، وفي الوقت الذي دخلت الثورة الفرنسية في صراع عدائي مع الدين؛ فإنّ الثورة الأمريكية (1776) أنشأت توافقاً فريداً بين الديمقراطية والدين.

يقول توكفيل إنّ أجمل أحلامه عندما دخل معترك السياسة كان المساهمة بالتوفيق بين روحي الحرية والدين

يقول توكفيل؛ إنّ أجمل حلم في حياته عندما دخل معترك الحياة السياسية؛ كان المساهمة في التوفيق بين روح الحرية وروح الدين.
يتساءل توكفيل: هل ستتراجع الديمقراطية أمام البورجوازيين والأغنياء كما تراجعت أمام الإقطاع؟ لقد أدرك توكفيل المدى الثوري للديمقراطية وحقوق الإنسان في كلّ مجالات الحياة، ونتائجه على العمل الكلي للمجتمع نفسه، لكنّ النزوع إلى المساواة قد يفتت المجتمع، ويغذي نزعة العزلة والاستقالة العامة لينكفئ الأفراد على حياتهم الخاصة، ومجتمعاتهم الصغيرة، بعيداً عن المجتمع الكبير؛ فالمساواة تضع البشر إلى جانب بعضهم، دون رابطة مشتركة تربط بينهم.

غلاف الكتاب
وهنا تتعرض المجتمعات الديمقراطية للتهديد من داخلها؛ فالديمقراطية بما هي التأكيد على أولوية الفرد وحريته تفكّك الروابط التقليدية المبينة على العادات أو المكانة الاجتماعية، وتصعّد نزعة الاحتكام إلى الأغلبية، وهو ما قد يؤدي إلى "طغيان الأغلبية"، ويتحوّل الرأي العام إلى مظهر للإكراه والتبعية، الطغيان الناعم الوديع!

اقرأ أيضاً: الإسلاموية والديمقراطية في تركيا بعد انتخابات إسطنبول
يعتقد توكفيل أنّه من المهم أن تكون بعض الأفكار العامة عن الله والوضع الإنساني موضع وفاق، "لا يوجد فعل إنساني على الإطلاق، أياً كانت الخصوصية التي نخلعها عليه، لا يخرج إلى النور من فكرة عامة جداً، وهي أنّ البشر قد خلقوا من قبل الله، من علاقاتهم بالنوع الإنساني، من طبيعة ضمائرهم وواجباتهم تجاه من هم مثلهم، لا شيء يمكن أن يحدث من دون أن تكون هذه الأفكار المنبع المشترك الذي يتدفق منه كلّ شيء آخر. لدى البشر، إذاً، مصلحة كبيرة في إنتاج أفكار محكمة بدقة عن الله، عن روحهم، عن واجباتهم العامة نحو خالقهم ونحو من يماثلونهم، ذلك أنّ الشكّ في هذه النقاط الأولى يؤدّي إلى أن تصبح كلّ أعمالهم أسيرة الصدفة، وتصمها بشكل ما بالفوضى والضعف".

يعدّ كتاب توكفيل "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية

الأفكار العامة المتعلقة بالله وبالطبيعة البشرية، إذاً، هي من بين جميع الأفكار التي تحثّ بشكل أفضل على أن تستبعد من الممارسة المعتادة للعقل الفردي، الأفكار التي بسببها هناك الكثير الذي يتم اكتسابه والقليل الذي يمكن خسارته، بسبب الاعتراف بها كسلطة، الموضوع الأول للأديان وإحدى المميزات الرئيسة لها، هو تقديم إجابة على كلّ واحد من هذه الأسئلة الأولية، إجابة واضحة دقيقة ومفهومة، تتّسم بالديمومة إلى حدٍّ كبير من قبل الجموع.
يمكن القول: إنّ كلّ دين دخل القائمون عليه في تجربة عرقلة وإعاقة حرية خلاص الروح البشرية، والسعي إلى فرض قيود وتبعية على الفكر، لكن يجب الاعتراف أيضاً –يقول توكفيل- بأنّه إذا لم ينقذ الدين البشر في العالم الآخر، فإنّه على الأقل مفيد جداً لسعادتهم وتقدمهم في هذا العالم، هذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى البشر الذي يعيشون في البلدان الحرة، وهكذا فإنّ توكفيل يرى الحرية ضرورية للدين وفهمه وتطبيقه على نحو صحيح، كما هي ضرورية بطبيعة الحال للديمقراطية.

 الدين متجذر في التجربة الفردية
إذا كانت روح الدين وروح الحرية تتعايشان في وفاق، فإنّ هذا يرجع، كما يعتقد توكفيل، إلى الاستقلال بين الدين والدولة، وقد يقلل ذلك من القوة الظاهرية للدين، لكنّه يزيد من قوته الواقعية؛ فالدين متجذر في التجربة الفردية ما يجعله قادراً على العمل والتأثير حتى من دون دعم الدولة، وفي ذلك فإنّ الشؤون الدينية يجب أن تعمل في مجالها؛ لأنّها إذا امتدت أكثر من ذلك، فإنّها تخاطر بفقدان وجودها في كلّ مجال.

اقرأ أيضاً: "الديمقراطية الحلال" تُنتَجُ وتُعلَّب في تونس
إنّ توكفيل، وهو المتحمس لفصل المؤسسة الدينية عن الدولة، قد رأى جيداً الخطر الذي يحيق بالديمقراطية، بتغليبها السياسة على ما هو ديني، أو الديني على ما هو سياسي؛ لذلك فإنّ توكفيل تميّز برؤية الإمكانية العملية لتهدئة المشاعر الديمقراطية الجامحة بكلّ كفاءة، كما يرى فيه (الدين) الإمكانية النظرية في إطار المجتمع الديمقراطي للقدرة على بلوغ مجال خارجي، القدرة على الوصول إلى شيء آخر، مختلف عن الديمقراطية الطبيعية الصافية النقية – طبيعة الإنسان المتدين- متخلصاً من كلّ اعتقاد عن المساواة ذاتها، والنتيجة أنّه لا يشيد هذه الإمكانية العملية إلا من خلال انتزاع هذه الإمكانية النظرية منها، لكن تظلّ حاجة دائمة إلى تطوير الفهم الديني وقدرته على مواكبة واستيعاب التحولات الاجتماعية والحضارية التي تمر بها الأمم، وتظلّ خطورة كبرى للمؤسسة الدينية على الحياة السياسية، عندما تعجز عن التقدم بالسرعة التي تتقدم فيها الحياة السياسية والاقتصادية، ومن ثمّ، في طبيعة الحال، ثقافة الأمم وإدراكها ورؤيتها للحقائق.

للمشاركة:

هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟

2019-10-10

كيف يمكننا إعادة بناء إشكالية العلمانية في الفكر العربي بالصورة التي تحقق لنا تجاوز مجرد الدفاع عن مفهوم مكتمل، من أجل المشاركة في إعادة تأسيسه في ضوء أسئلتنا الجديدة، أسئلة الفلسفة والسياسة والتاريخ؟

يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي

وكيف نعيد التفكير في سؤال العلمانية بالصورة التي تجعله ينفتح على الإشكالية الكبرى في تاريخنا السياسي المعاصر؛ أي إشكالية استيعاب مقدمات الحداثة السياسية بإعادة بنائها وتركيبها في ضوء معطيات حاضرنا وتاريخنا؟
وكيف نعيد بناء المجال السياسي العربي؟ وكيف نواجه الاختيار السياسي الذي يستدعي أطروحات محمد عبده بتوسط رشيد رضا، ويردد دعاوى الثورة الإيرانية لرفض مبدأ العلمنة وفك الارتباط بين السياسي والمقدس؟
يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي على مستوى اللفظ والرسم والجذر اللغوي، كما على مستوى الدلالة المباشرة أو المختزنة في طبقات معانيه المترسبة عبر الزمن. وما زال الموقف من العلمانية بحكم استعمالات المفهوم المتحزّبة مشحوناً بشحنة أيديولوجية تغشي النظر إلى المفهوم بعيداً عن قطبية القبول أو الرفض القائمة على التحليل السياسي الظرفي، وتمنع من النفاذ إلى جذوره الفلسفية والسياقات الفكرية التاريخية التي ساهمت في تشكله وتطوره.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

غلاف الكتاب
لذلك فقد ظل الحوار حول هذا المفهوم حواراً متشنجاً ومصبوغا بصبغة القبول أو الرفض باعتباره مفهوماً غربياً ينفتح على علاقة الغرب الحديث بفكره الأنواري المادي ووجهه الاستعماري بالشرق المنكفئ والمدافع عن هويته الروحية منذ السجال الشهير الذي دار بين محمد عبده وفرح أنطون على صفحات مجلة "الجامعة" وجريدة "المنار" مطلع القرن الماضي، باعتباره يؤرخ لأول استعمال لمفهوم العلمانية في الفكر العربي. 

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية
ما يشير إلى أنّ موقف الفكر السياسي العربي من العلمانية متضمن أساساً في الموقف من الغرب والتوجهات الفلسفية والسياسية الكبرى لعصر الأنوار الأوروبي، نظراً لارتباط مفهوم العلمانية بهذه الفلسفات التي فتحت السجال التاريخي الطويل بين الديني والدنيوي، وقوضت سلطة الاستبداد الديني، وأرست قيم الحداثة الليبرالية وأسس الحرية الفردية ومركزية الإنسان في الكون، فقد تنوعت التوجهات الفكرية السياسية وما رافقها من أنماط التدين الإسلامي في الوطن العربي بتنوع تلك الفلسفات نفسها، وبتعدد المواقف منها، سواء أكان قبولاً وتبنياً أم رفضاً ومجابهة.

يسعى كمال عبداللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية" إلى إعادة التفكير بمفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة

انطلاقاً من هذه الخلفية، والأسئلة "الهموم" السابقة وما يتفرع منها، ومن وعي الباحث بصعوبة البحث في المفاهيم السياسية بحكم ارتباطها بالإشكالات التاريخية والسياسية الواقعية، والمواقف والاختيارات المتشكلة حولها في الواقع الحي، يسعى الباحث المغربي كمال عبد اللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية.. إعادة بناء المجال السياسي العربي" الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع 2007 إلى إعادة التفكير في مفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة حوله، ومحاولة مقاربته في سياقاته الفكرية والتاريخية الأصلية، للإسهام في "إضاءة محتوى المفهوم بالصورة التي تجعل تبيئته وتوطينه في الجدال السياسي العربي أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على فك مغلقات كثير من إشكالات واقعنا السياسي، فكراً وممارسة". 

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟
فمن أجل التأسيس لإعادة التفكير بالمفهوم يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية وقضية العلمنة خلال القرن الماضي لاستقصاء إطاراتها المرجعية ومحتواها التنظيري وآلية تجسيدها بالممارسة العملية، من أجل مراجعتها والتمكن من بناء ما يساهم في تجاوزها بتطويرها وتطوير أسئلتها ونتائجها؛ فيقف على ثلاث لحظات مفصلية يعتبرها محطات مؤسِسة:
تتمثل اللحظة الأولى في مجادلة محمد عبده وفرح أنطون حول مسألة التأخر في العالم الإسلامي وعلاقتها بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية؛ فرغم انطلاق الطرفين من اعتقاد واحد هو الاعتراف بتأخر العالم الإسلامي، إلا أنهما قد ذهبا في سبيل البحث عن الحلول لتجاوز واقع التأخر وتحقيق النهضة مذهبين مختلفين.

 الباحث المغربي كمال عبد اللطيف
وقد رسم هذان المذهبان الملامح الأولى لاختيارين فكريين متناقضين لا يزالان متجاورين في الفكر السياسي العربي دون أن تنفتح حدود أيّ منهما على الآخر منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، الاختيار السلفي المدافع عن خصوصية التجربة الإسلامية والرافض للعلمانية وفكر الغرب الاستعماري والداعي إلى العودة إلى الإسلام الأول بمنابعه النقية، والاختيار الليبرالي "التغريبي" الذي ذهب نحو الحداثة الغربية بحماسة وضعية وتبني العلمانية وقيم الأنوار في الحرية في مجال العقيدة والمساواة والتسامح.

يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية

أما اللحظة التالية فقد دشنها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بعد ربع قرن، "والذي يعتبر امتداداً لجدال اللحظة الأولى رغم طابعه التاريخي العام"؛ إذ أثبت مؤلفه بالشواهد التاريخية والفقهية أنّ الخلافة والإمامة والملك والسلطنة أمور دنيوية لا شأن للدين بها، وأنّ الخلافة والقضاء وغيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة كلها خطط سياسية لا شأن للدين بها، إنّما يرجع الحكم فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
ويخلص عبد اللطيف من معاينة تلك التجربتين إلى أنّه وبالرغم من أهميتهما وأهمية الآفاق السياسية التي فتحتاها في باب الكتابة السياسية العربية، إلا أنهما بقيتا محكومتين بمحدودية النموذج النظري؛ "فالمرجعية الليبرالية في خطاب فرح لا تتأسس فلسفياً بقدر ما يتم التسليم بها في دائرة الكفاح الأيديولوجي المناهض للدعوة السلفية"؛ إذ غابت عنها أسئلة التأصيل الفلسفي وحضرت مكانها حماسة الدعوى التي تكتفي بالنقل والانتقاء؛ فقد أدخلت إلى الفكر العربي مفهوم الخلاص الأنواري الوضعي الذي يسعى لتجاوز الخلاص الأخروي الديني، لكنها لم تفكر بحكم حماستها النضالية في مفهوم الخلاص ذاته، ولم تفكر في الزوج المفهومي دين/دنيا، إنما "ألهبت الحماسة في دائرة المتعلمين في زمنها، لكنها لم تؤسس النظر".
نحو إعادة بناء مفهوم العلمانية
تنفتح اللحظة التاريخية الثالثة على مساهمة جيل جديد من المفكرين العرب يقدمها الباحث كنموذج للمعالجة الجديدة لمفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي، تدخل في دائرة أفق فلسفي تاريخي جديد، أفق تساهم فيه إلى جانب إنجازات محمد أركون إنجازات نظرية لمفكرين من أمثال؛ عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وناصيف نصار وهشام جعيط وغيرهم ممن يتسلحون بنفس الآليات المعرفية والتاريخية، رغم الاختلافات في الاختيارات السياسية والفلسفية العامة بينهم؛ فقد دشنت إنجازات هؤلاء المفكرين، برأيه، عصراً فكرياً جديداً في المواجهة الفلسفية لمعضلات السياسة والتاريخ في مجتمعاتنا.

يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عمداً أو جهلاً بينه وبين النزعة التغريبية

ويركز عبد اللطيف على المنجز النظري لمحمد أركون المنفتح على تاريخانية العروي الذي ذهب نحو التأصيل الفلسفي للمفهوم وتحيينه كنموذج قابل للبناء عليه في عملية إعادة التفكير في العلمانية، مع الإشارة إلى أبحاث ومحاولات ناصيف نصار وعزيز العظمة ومحمود أمين العالم وفؤاد زكريا وسمير أمين في مواجهتهم لتيارات ورموز الإسلام السياسي. فقد عمل محمد أركون على تحليل مسلمات العلمانية في سياق تشكلها وتطورها داخل الفكر السياسي الغربي والفلسفة السياسية الحديثة بما اغتنت به من فتوحات العلوم الإنسانية، كما ساهمت أسئلته المتعلقة بإعادة توسيع المفهوم في ضوء الاستفادة من دروس وتجارب الحاضر النظرية والتاريخية في بلورة تصورات تتخلص من صنمية المفهوم لتحوله إلى أداة للفهم النظري التاريخي القابل للتوظيف في الصراع السياسي والأيديولوجي الجاري في العالم العربي.

محمد أركون
لكنه وبالرغم من كل تلك الإنجازات يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عن عمد أو جهل بين العلمانية والنزعة التغريبية، وتطابق بين العلمانية والتبعية، وثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية، أو إلى تمريرها في صيغ وسط تجعل من مفهومها جزءاً من جملة المفاهيم المرتبطة بصورة عضوية به وبمحتواه.
ما يعني التخلي عن المكتسبات التي تحققت من خلال صياغة المفهوم  في أبعاد مختلفة عبر قرن من الزمان، وكأن الذاكرة العربية ذاكرة مشروخة، والعقل العربي "برميل بلا قعر" لا يجمع ولا يراكم و"يعيد ويستعيد القضايا ذاتها في دائرة مغلقة".

ثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية

لذلك يعتبر الباحث أنّ ثمة انقطاعاً حاصلاً في تاريخ الفكر السياسي العربي كما عبر عنه محمد أركون في حديثه عن غياب أي متابعة لجهود علي عبد الرازق في تشخيص وتشريح علاقة الإسلام بأصول الحكم. لذلك لا بد من العودة إلى متابعة الجهود للتفكير مجدداً في العلمانية والمشروع السياسي الليبرالي في الفكر العربي المعاصر بالعودة إلى قراءة تاريخ الفكر السياسي الإسلامي قراءة نقدية، خاصة في "ظل انتعاش الحركات الإسلامية وانتشار فكر التنظيمات الحركية "الجهادية" بشكل قوي وعنيف، ما جعل المساهمات النقدية السابقة تبدو غريبة وسط شعارات الدفاع عن الخصوصية والأصالة، ودعوات التشبث بمقومات الذات والمحافظة على نقائها والدفاع عن "الحاكمية الإسلامية" وكونية الإسلام".
يكشف مفهوم الحاكمية، كما جاء في فكر المودودي وتنظير سيد قطب، عن عمق التراجع الحاصل في المنظور الإسلامي للسلطة، والنكوص حتى عن أفكار واختيارات محمد عبده. كما يكشف استمرار الحنين إلى النموذج السياسي الإسلامي للسلطة، رغم عدم وضوحه كنموذج تاريخي، عن عدم إنجاز مهمة التفكير في أسئلة السياسي في الفكر الحديث بصورة عميقة وجذرية تتيح إعادة إنتاج المجال السياسي على ضوء أسئلة الواقع ومقتضيات النظر السياسي الحديثة والمعاصرة؛ "لذلك ستظل مسألة التنظير السياسي النقدي الهادف للقطع مع اللغة السياسية العتيقة ضمن أولويات جدول أعمالنا في الفكر السياسي العربي المعاصر، طال الزمان أو قصر".

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي
وعليه، فالعمل السياسي العفوي كعمل بلا نظر قد يكون أكثر فشلاً وأكثر كارثية من النظر بلا عمل، ولن يقود إلى بناء المشروع السياسي المطابق للتاريخ، وإقامة الدولة الوطنية المعبرة عن الإرادات الجماعية، وبناء التصورات الجماعية المستقاة من ينابيع الواقع وممكنات التاريخ؛ فليس في تاريخ الفكر الإنساني مفاهيم مكتملة إلا في رأس من يوثّن الكلمات والمفاهيم ويعبد أوثانها، وليس في تاريخ البشر والحضارات نماذج دول مثالية كاملة، إنما تجارب تاريخية وحسب، إلا في فكر من يريد أن يخرج التاريخ من رأسه لا أن يخرج رأسه من التاريخ.
لذا ستبقى مهمة إعادة بناء المجال السياسي العربي، كمجال مستقل عن الدين والأخلاق واليوتوبيا، والتفكير في العلمانية في ضوء منجزات الفكر الإنساني وتجارب الآخرين، وبالاستفادة من فتوحات الفلسفات والعلوم الحديثة على اختلاف تخصصاتها مهمة راهنة.

للمشاركة:

هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية

2019-10-03

يحمل كتاب الباحث التونسي محمد الشرفي "الإسلام والحرية: سوء التفاهم التاريخي" روح مشروعه لإصلاح التعليم في تونس والعالم العربي والذي يعتبره الباحث المقدمة الضرورية لإزالة الالتباس التاريخي بين الإسلام والحرية وقيم الحداثة.

يستقصي الشرفي أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها بالمجتمعات العربية والإسلامية في العقود الأخيرة من القرن العشرين

الكتاب الصادر عن دار بترا للنشر بالتعاون مع رابطة العقلانيين العرب 2008 ينقسم إلى أربعة فصول متكاملة، تشكل الثلاثة الأولى منها تمهيداً لا بد منه للفصل الأخير الذي حمل اسم "التربية والحداثة" الذي يعرض الشرفي من خلاله المبررات النظرية والخطوات العملية الضرورية لإنجاز عملية الإصلاح تلك، والتي عمل على بلورتها إبان تبوئه لمنصب وزير التربية والتعليم في تونس لمدة خمس سنوات تعرض خلالها لكثير من المواجهات والتهم من قبل التيار الأصولي الذي يحمل تهمة جاهزة لكل مفكر أو مشروع يخلخل حصون استبداده وتحجر أفكاره وهي تهمة "التغريب" وعداء الإسلام الذي يعتبره التيار الإسلاموي ملكاً حصرياً له، ويعتبر نفسه المعبر الوحيد عن أفكاره ونقاء أصوله وسلامة شريعته الصالحة لكل زمان ومكان، والمخول الوحيد لإحياء مجده التاريخي واستعادة خلافته.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
لذلك يذهب الشرفي بداية إلى استقصاء أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها السرطاني في المجتمعات العربية والإسلامية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم وأثر هذا الانتشار السرطاني على سيرورة تطور هذه المجتمعات، وتنامي ظاهرة التعصب الديني فيها وانحدارها بمجملها نحو العنف في علاقاتها الداخلية والبينية، ونحو الماضوية والتقليد على صعيد الثقافة السياسية والخطاب.

غلاف الكتاب
فيرى الباحث أنّ التركيز على العوامل الاقتصادية والسياسية والدوافع الاجتماعية وما يتصل بها من الفقر والبطالة والفساد وغياب الحريات العامة والهجرة الريفية نحو المدن... رغم أهمية دورها في هذا المجال إلا أنّها لا تقدم تفسيراً شاملاً لبروز ظاهرة التعصب الديني في هذه المجتمعات، خاصة حين نشهد انتشار التعصب والعنف في مجتمعات يتمتع أهلها بمستويات عيش مرتفعة جداً كما في الدول النفطية، ولا تعاني من تمايز مُشِطّ بين فئاتها الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
أما البلدان الإسلامية التي تشكل العوامل الاقتصادية والاجتماعية تفسيراً ممكناً للغضب الشعبي فيها فنجد مثيلاتها من الدول الأخرى تثار فيها مثل تلك الاحتجاجات الاجتماعية لكنها تتخذ طابعاً مطلبياً ويتشكل الرأي فيها في مؤسسات ومنظمات وجمعيات تطالب باستعادة التوازن الاجتماعي، وتسعى لإيجاد حلول لأزماتها الاجتماعية والسياسية، "فلم تغلف هنا تلك المطالب المختلفة بالمناداة الوهمية بالرجوع إلى دولة إسلامية تحل فيها جميع المشكلات بصورة عجائبية وعصا سحرية حالما يتحقق تطبيق الشريعة الإسلامية"؟ وهل يعبر ذلك عن حركة احتجاجية في مجتمعات ذات خصوصية إسلامية أم أنه مشروع سياسي قد يكون مدخلاً للعنف والرعب والظلم؟

يميل الباحث لاعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف

هذا الذي يجعل الباحث يميل إلى اعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف، متخذاً من واقع ودور المؤسسة المرجعية الرسمية في البلدان العربية، كالزيتونة في تونس والأزهر بمصر، وعلاقة هذه المؤسسات بالسلطة السياسية ومعاندتها للتحديث والعصرنة دليلاً على دور العامل الثقافي في هذا المجال، خاصة بعد التوسع الكمي للتعليم في هذه المؤسسات وتحولها إلى مؤسسات شعبية لم تعد تقتصر على النخبة الارستقراطية ذات التأدب العالي والموسوعية المعرفية.
ألم يخرج معظم القادة الأصوليين من تحت عباءة هذه المؤسسات التي أصابها الترهل والجمود الفكري والتحجر العقائدي؟ ألم يقف هؤلاء القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس تلك المؤسسات فاتهموهم بالكفر والمروق وغيرها من الأوصاف ومُنعت كتبهم وحُوربت أفكارهم التجديدية من قبل هؤلاء القادة وتواطؤ السلطات السياسية مع تلك المؤسسة التي تخشى إثارتها خوفاً من فقدان الشرعية التي تستمدها منها. ومن الأكيد أن قيم الحرية والديمقراطية والتجديد والانفتاح على الفكر الإنساني لن تجد لها بيئة مناسبة لتنمو فيها بل و"تمتنع ممارستها إلى حين إذا ما اعتقد جزء لا يستهان به من الشعب أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن له الحق بل من واجبه أن يفرض تلك الحقيقة بالقوة".

ينسحب موقف الأصوليين المتمسك بالفقه الذي تعلموه والرافض لكل تجديد على علاقة الإسلام بالقانون دون أدنى تفكر أو تمييز بين أعراف القبيلة ومجتمع الجزيرة العربية والإسلام الأول وبين مقتضيات مجتمع المدينة والدولة الحديثة، ويقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل: التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها، وحقوق الآخر غير المسلم، والقانون المتعلق بالعبودية وحرية المعتقد وعقوبة الردة، والعقوبات الجسدية كالجلد وقطع اليد، ثم العلاقة الملتبسة حتى اليوم بين الفقه ومدونة حقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: مصطلح الجاهلية المعاصرة في الخطاب الأصولي
والمسألة المهمة التي يثيرها الباحث لا تقتصر على نقاش تلك الموضوعات نقاشاً مستفيضاً وتبيان تاريخيتها ومدى استمرار صلاحيتها، أو استنادها أو عدم استنادها إلى قاعدة قرآنية فحسب، رغم أهمية ذلك، بل البحث في التناقض الفكري والفصام النفسي الذي يعيشه الفرد الإسلامي بين ما تعلمه في التعليم الديني أو المدرسي الرسمي الذي يشكل زاده الثقافي والمعرفي وبين ما يعيشه في الحياة اليومية، ودور هذا التعليم قديماً وحديثاً في إنتاج وإعادة إنتاج العنف.
فمن المعروف أن العديد من الدول الإسلامية قد تجاوزت في دساتيرها وقوانينها الوضعية الكثير من تلك الموضوعات وألغت بعض القوانين وتقبلها الإسلاميون ببراغماتية نفعية على الصعيد العملي والمعيش، كما في تونس مثلاً، لكنها ما زالت تلقن في التعليم الديني كمنظومة تشريعية متكاملة غير قابلة للتجزئة والتفكيك والتفكر بما أضفي عليها من قداسة لا تقل عن قداسة النص القرآني نفسه.

وقف القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس مؤسساتهم

وتكرس ذلك مع بروز الظاهرة الأصولية والإسلام السياسي "فبات عسيراً على المسلمين وضع ماضيهم في مكانه المناسب وإدراك منزلته، حتى يعيشوا حاضرهم كما ينبغي لهم أن يفعلوا"، ما يعني في نظر الباحث أن التخلف ليس تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً فحسب، بل هو تخلف ثقافي وفكري أيضاً و"يمثل وجود الظاهرة الإسلاموية في البلدان الإسلامية التعبير الأكثر جلاء ووضوحاً عن هذا التخلف".
ولعلّ أسوأ أنواع هذا التخلف هو التوظيف السياسي لعقوبة الردة التي كان لها الأثر الكبير في كبح ومحق أي محاولة تنويرية وتجديدية في الفكر الإسلامي في الماضي والتي يعمل الإسلاميون اليوم بالتواطؤ مع أنظمة الحكم المستبدة إلى الدفع بها إلى السطح من جديد للنيل من رأي معارض، ولمنع حرية التفكير والرأي والضمير والدين. وهو ما يدفع الباحث للسؤال عن السبب الكامن وراء تشبث الأصوليين وأهل التقليد من المسلمين بالمحافظة على هذه المظالم المنافية للعدل والمساواة.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
ولا يختلف عن ذلك موقف الإسلامويين من الدولة ومحاولات تحديث مؤسسة الحكم وتحديث القوانين الناظمة لعمل مؤسساتها المختلفة أو من الديمقراطية والعلمانية، وفصل السلطات وفصل الدين عن السياسة، وحقوق المشاركة السياسية والمساواة أمام القانون وحقوق المواطنة التي تكفل حق التمثيل والمشاركة المتساوية للجنسين وللأقليات غير المسلمة؛ حيث يجري الخلط عن جهل أو غاية وقصد بين رفض السلطة الحاكمة واستبدادها أو عجزها وفساد الحكام وبين رفض الدولة الحديثة وشيطنة وتكفير النخب السياسية الداعية للتحديث، ورفض أفكارها باعتبارها وافداً غربياً دخيلاً لتبرير التمسك بمفهوم "الدولة الدينية" أو"دولة الخلافة" والتمسك بتطبيق الشريعة وفق المدونة الفقهية التي هي عمل بشري وضع في ظرف تاريخي معين ولخدمة السلطة السياسية.

هيأت الصدمة التي أحدثتها حملة نابليون على مصر والاتصالات المستمرة بين ضفتي المتوسط في تونس لظهور جيل المصلحين الأوائل الذين أدركوا واقع التخلف في العالم الإسلامي فعملوا على خلق مؤسسات تعليمية حديثة في كلا البلدين تنفتح على العالم وتتجاوز الانغلاق الديني، لكن مساعيهم لم تستطع أن تهز جمود فكر الأزهر والزيتونة في ذلك الوقت.
ثم جاء الجيل الثاني من المصلحين بأفكارهم الإصلاحية الجذرية ممن تطعم فكرهم بأفكار النهضة الأوروبية، وتوجهت الحكومات إلى إنشاء المدارس "العصرية" إلى جانب التعليم التقليدي معتبرة أنّ إصلاح هذا الأخير أمر ميؤوس منه، ولما كان على التعليم العصري الجديد أن يؤمن التعليم الديني وتعليم اللغة العربية أيضاً فقد جرى الاعتماد من جديد على خريجي التعليم الديني لهذه المهمة، فانتقل هؤلاء بكثرة إلى المدرسة الجديدة حاملين معهم أفكارهم وبرامجهم وعقلياتهم التقليدية و"بذلك كانت الدودة في خفايا الثمرة".

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
ويلفت الشرفي في هذا المجال كيف انتشر الفكر الإخواني في عدد من الدول العربية في الأوساط الطلابية مع المعلمين الموفدين من مصر إلى هذه الدول كالجزائر والسودان بشكل خاص، وكيف "بث هؤلاء المعلمون في تلاميذهم إحساساً بالتمزق بين القيم التي تدرس من جهة وبين الواقع الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى... إذ ولّد ذلك الوضع أفراداً  منفصمي الشخصية أو متطرفين لذلك كانت نشأة الأصولية من إنتاج القطيعة بين المجتمع ومدرسته"، وما أن توسع هذا التعليم توسعاً كمياً ملحوظاً في وقت لاحق وفي مرحلة ما بعد الاستقلال حتى ترك أثره على جيل الشباب وأصبح بذاته مصدر الصعوبات الكبرى فجذور الأصولية كانت قد زرعت فيه.

يقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها

وإذا كانت التجربة التونسية التي يتخذها الشرفي مثالاً لدراسة أثر التربية والتعليم في مستقبل الدول العربية وظهور الأصولية فيها قد اكتسبت خصوصية ما مع إنشاء المعهد الصادقي كمنافس حقيقي للزيتونة وانفتاح النخبة السياسية على الحداثة الغربية، إلا أنّها لا تشذّ عن غيرها من التجارب العربية التي شكل الاستبداد السياسي وحكومات العسكر التي عملت على إنشاء جحافل الجيوش وعسكرة الدولة والمجتمع بدل تحديث التعليم عبئاً مضافاً، إلا شذوذاً نسبياً، ومع ذلك فقد ساهم في نجاتها من الوقوع في دوامة العنف كغيرها من الدول العربية.
ولما كانت الدولة قد أخذت تنافس الأصوليين في انتحال المنزع الإسلامي في الثقافة والسياسة والتشريع والتعليم فقد صبّ كل هذا التنافس في مصلحة الأصوليين أنفسهم؛ لذا يرى الباحث أن إصلاح التعليم هو المدخل الضروري لرفع سوء التفاهم بين الإسلام والحرية؛ ذلك أنّ التحديث النسبي الذي دخل على هذا التعليم منذ ما بعد الاستقلال بقي تحديثاً هشاً أو "حداثة مترددة" دخلت من الأبواب الخلفية وليس فعلاً ذاتياً مدروساً، إذ اقتصرت عمليات التحديث على الانتشار الكمي للمدارس والطلاب وإضافة المواد العلمية واللغات الأجنبية التي استمر تدريسها وفق مناهج تقليدية وتلقينية تكرس دونية المرأة التي كانت مشاركتها أو استفادتها من انتشار التعليم بحدود دنيا، عدا عن الفصل بين الجنسين وإلغاء المدارس المختلطة.

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
وقد ارتبطت رهانات هذا التعليم بالتوجه السياسي للسلطة وأيديولوجيتها، وهي أيديولوجيا ذات منزع هووي قومي أو إسلامي، أكثر من ارتباطها بضرورات تحديث المجتمع؛ الأمر الذي دفع الشرفي لاعتبار أن التخلف الثقافي والعملية التربوية والتعليم كان لهما الدور الأكبر في استمرار تخلف المجتمعات العربية وانتشار الأصولية وتفجر العنف فيها، وأنّ مكافحة هذه الظواهر لا تتم بالقمع والتسلط والعنف المضاد، إنّما بإزالة أسبابها، ما يجعل من تحديث التعليم وربطه برهانات تحديث المجتمع مهمة راهنة.

للمشاركة:



لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:

أمريكا تعاقب إيران على هجوم أرامكو.. بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قالت واشنطن، اليوم، إنّها شنّت هجمات سيبرانية ضدّ إيران، بعد الاعتداء على منشآت أرامكو النفطية في السعودية، في 14 أيلول (سبتمبر) الماضي.

وأكّد المسؤولون، الذين نقلت عنهم وكالة "رويترز"؛ أنّ الهجمات السيبرانية هي وسيلة لمعاقبة طهران دون إحداث أضرار عالمية.

ونقلت الوكالة، عن مصادر أمريكية (لم تسمها) قولهم: إنّ "واشنطن شنت هجمات إلكترونية على إيران بعد الهجوم الذي استهدف منشآت "أرامكو" النفطية، الواقعة في المنطقة الشرقية للسعودية، والتي تسببت بضجة عالمية مع تبني جماعة الحوثي اليمنية للعملية، في حين اتهمت الرياض وواشنطن طهران بتنفيذها وهو ما نفته الأخيرة".

"رويترز": واشنطن شنّت هجمات سيبرانية ضدّ إيران بعد الاعتداء على منشآت "أرامكو" النفطية

ولم تكن تلك الهجمات هي الأولى من نوعها، عام 2019، فقد كشفت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، الخميس 29 آب (أغسطس) 2019، شنّ الولايات المتحدة هجوماً إلكترونياً واسعاً على إيران؛ تسبَّب في وقف قاعدة بيانات مهمّة لديها، استخدمت لمهاجمة ناقلات نفط في الخليج.

ووفق "نيويورك تايمز"، التي أوردت تصريحاً لـ "مسؤول رفيع"؛ فإنّ الهجوم الإلكتروني الأمريكي، الذي وقع في شهر حزيران (يونيو) الماضي، تسبَّب في إعاقة مجموعة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإيراني، وقدرة إيران على تنفيذ هجمات سرية.

وبحسب الصحيفة؛ فإنّ واشنطن من أجل تنفيذ هجومها الإلكتروني على إيران استعانت بفيروس يحمل اسم "ستاكسنت"، الذي اكتُشف للمرة الأولى، عام 2010، ويعتقد أنّه صمم؛ من أجل مهاجمة منشآت نووية إيرانية.

ووقع هجوم الولايات المتحدة الإلكتروني ضدّ إيران بعد أن أسقطت إيران طائرة مسيَّرة أمريكية فوق مضيق هرمز.

المسؤول الرفيع الذي تحدث للصحيفة؛ هو ضابط استخبارات سابق، يدعى نورمان راؤول، وقال في رسالة تحمل في طياتها تهديداً واضحاً لإيران: "يجب عليك أن تنقل أمراً واحداً لعدوك بفاعلية؛ أنّ للولايات المتحدة قدرات متعددة لن يتمكن العدو من الوصول إليها أبداً، لذلك من الأفضل لجميع الأطراف أن يتوقفوا عن أعمالهم العدوانية".

وأفاد التقرير بأنّ "إيران ما تزال تحاول إصلاح أنظمة اتصالاتها المهمّة، ولم تستعد المعطيات التي فقدت في الهجوم الأمريكي عليها، إضافة إلى أنّها لم ترد عليه بعد".

وكانت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية قد نشرت، في كانون الأول (ديسمبر) 2015، تقريراً عما وصفتها بـ "أكبر الأسرار التي تخفيها حكومة الولايات المتحدة"، وتتعلّق بأخطر الأسلحة الإلكترونية التي تمتلكها، ومتى يمكن أن تستخدمها.

الصحيفة ذكرت أنّ السلاح الإلكتروني الغامض والأكثر تعقيداً، الذي استُخدم حتى الآن؛ هو "ستاكسنتStuxnet) ")، هذا الفيروس الذي بُرمِج خصوصاً لاستهداف المفاعلات النووية الإيرانية.

الصحيفة استطردت تقول: "هذا الفيروس يطرح سؤالاً خطيراً: ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة مع خصومها إذا ما قررت أن تشنّ حرباً إلكترونية عليهم؟".

وواصلت: "لم تعترف الحكومة الأمريكية، حتى الآن، بأنّها المسؤولة عن إطلاق فيروس ستاكسنت على حواسب المفاعلات النووية الإيرانية، ولم يعرف، حتى الآن، ما هو المدى الذي وصلت إليه الأسلحة الإلكترونية الأمريكية في مجال الحروب الرقمية".

من المعروف أنّ أيّة حرب ستنشأ في المستقبل على مستوى كبير سوف تصبح الهجمات الإلكترونية جزءاً منها، وتعمل الدول الكبرى الآن على تطوير أسلحتها في هذا المجال.

وشهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية توتراً وتصعيداً عسكرياً، وذلك بعد انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، الذي وقِّع عام 2015 مع طهران.

 

 

 

للمشاركة:

قطر تواصل تأييدها للعدوان التركي على سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

تواصل قطر تأييد ودعم العدوان التركي على سوريا، رغم كافة التجاوزات والانتهاكات الإنسانية التي ارتكبتها تركيا والميليشيات الموالية لها في مناطق الأكراد.

ودافع وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أمس، عن تركيا بشكل واضح وعلني، معتبراً أنّ هجومها على مناطق الأكراد في سوريا هدفه القضاء على "تهديد وشيك"، وفق ما نقلت وسائل إعلام قطرية.

وزير الخارجية القطري يرى أنّ العدوان التركي على مناطق الأكراد في سوريا هدفه القضاء على "تهديد وشيك"

وقال وزير خارجية قطر، خلال مشاركته في مؤتمر "منتدى الأمن العالمي" في الدوحة: "لا يمكننا أن نلقي اللوم على تركيا وحدها"، مضيفاً "أنقرة ردّت على خطر وشيك يستهدف الأمن التركي".

وأوضح الوزير القطري: "قالت (تركيا) منذ البداية: لا تدعموا هذه الجماعات"، في إشارة إلى "وحدات حماية الشعب" الكردية، الفصيل الكردي المسلّح الذي تعدّه أنقرة منظمة إرهابية".

وتابع: "لم يستمع أحد. يحاول الأتراك منذ عام حلّ هذه المسألة مع الولايات المتحدة من أجل إنشاء منطقة آمنة وإبعاد الخطر عن حدودهم"، معتبراً أنّ "وحدات حماية الشعب جزء من حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً في عدة دول".

وقال عبد الرحمن في المنتدى: "لا نرى أنّ تركيا تعمل ضدّ الأكراد، تركيا تعمل ضدّ مجموعة من الأشخاص في صفوف الأكراد".

هذا وقد بدأت تركيا وميليشيات ضمت مقاتلين سوريين موالين لها قبل نحو أسبوع هجوماً ضد المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا، تمكّنت خلاله من السيطرة على منطقة حدودية واسعة بنحو مئة كيلومتراً، تمتد من محيط بلدة رأس العين (شمال الحسكة)، وصولاً إلى مدينة تل أبيض (شمال الرقة)، وبعمق نحو 30 كيلومتراً.

 

 

للمشاركة:



مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:

طهران ـ النجف.. مشروعية المكان وشرعيته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

مصطفى فحص

أثبتت أحداث العراق الأخيرة أن مشروع التوسع الإيراني يواجه، لأول مرة، أزمة تهدد مشروعيته العقائدية والسياسية، بعدما وضع نفسه بمواجهة لها بعدان؛ الأول جغرافي، والثاني ديمغرافي، إذا أخذنا بعين الاعتبار مناطق المظاهرات، التي وحدها حددت الهوية العقائدية والثقافية للمتظاهرين، وانتماءاتهم الروحية، وليس المذهبية، التي تَقلَّص حضورها في تكوين الفرد العراقي، وانفعالاته، نتيجة لعوامل عددية؛ أهمها تراجع دور الاستقطاب الطائفي الذي مارسته أحزاب الإسلام السياسي، وفشل تجربتها في بناء دولة حديثة، إضافة إلى عامل اقتصادي معيشي، نتيجة الفساد وسوء توزيع الثروة، الأمر الذي انعكس على مواقف أغلب الطبقات الاجتماعية، خصوصاً العاملة، تلك التي تقطن في أكثر مناطق العراق غناً ولكنها الأشد فقراً.

مما لا شك فيه أن تقلص العامل المذهبي، خصوصاً لدى شيعة العراق، أدى إلى بروز معضلة بنيوية في علاقتهم مع طهران، وموقفهم من هيمنتها على قرارهم الوطني منذ سقوط نظام صدام حسين، هذه المعضلة باتت الآن تمس جوهر العقيدة التي تذرع بها نظام طهران من أجل تبرير مفهومه التوسعي الذي قام على مبدأين؛ تصدير الثورة كنموذج إسلامي أممي بزعامة الولي الفقيه، واستقطاب الحالة الشيعية غير الإيرانية، بعدما قدم نفسه الحامي الوحيد لها، ويأتي تركيزه على الحالة العراقية كونها تمثل الهوية العقائدية الشيعية ورمزيتها (النجف وكربلاء) يستخدمها لتبرير شرعيته خارج حدوده الوطنية، التي إذا خسرها سيتعرض مشروعه إلى انكشاف عقائدي لا يمكن تعويضه. وقد ظهر الربط الواضح والصريح ما بين قدسية المكان وعقيدة النفوذ الإيراني، في تصريح للرئيس حسن روحاني في شهر مارس (آذار) 2016، حين أكد أن «إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين».

عملياً، كشفت المظاهرات الأخيرة عن فشل مشروع الاستقطاب الإيراني بطبيعته الاستتباعية، التي استهدفت تذويب الهوية الوطنية العراقية بهدف التماهي الكامل مع طهران، حيث شكل صعود الحس الوطني دوراً لافتاً في «انتفاضة تشرين الأول» المطلبية، التي وَجَّهت إنذاراً سياسياً لطهران يحذرها من مغبة خسارة البيئة الاجتماعية الشيعية الرافضة لتصرفاتها في الشأن العراقي، وشكلت صدمة لنفوذها في العراق، ما دفعها إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين من أجل القضاء على حالة شبابية ممكن أن تتوسع، وتصبح جماهرية تهدد سيطرة حلفائه على الدولة، وتهدد وجودها في المكان الذي تستمد منه المشروعية العقائدية لمشروعه.

منذ معاهدة «زهاب» المعروفة باتفاقية «قصر شرين» ما بين السلطة العثمانية والدولة الصفوية، سنة 1639، التي حددت أُطر الوجود الإيراني في العراق حتى أبريل (نيسان) 2003، خضع استقرار النظام السياسي في إيران لتأثيرات النجف، وكانت الحركة المشروطية، أو ما يعرف بالثورة الدستورية عام 1907، المحطة الأبرز في حجم حضور النجف، وتأثيرها على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية (البازار) في الدولة الإيرانية، أما المحطة الثانية هي نفي زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني إلى النجف بعد خروجه من تركيا 1965، وفي المحطتين أثرت النجف في التحولات الإيرانية، بسبب الربط ما بين قداسة المكان، وتأثيره على الفرد أو المشروع، ففي النجف كتب الخميني كتابه الذي بنى عليه مشروعه السياسي «الحكومة الإسلامية»، كما أنه من النجف خرجت أول النصوص الإصلاحية في الفقه السياسي الشيعي للمرجع آية الله النائيني كتاب «تنبه الأمة وتنزيه الملة» الذي كتبه النائيني مطلع القرن الماضي، ويعبر عن ذروة تعاطي الحوزة العلمية الشيعية التقليدية في الشؤون السياسية، حيث انحاز مجموعة من أساتذتها إلى «الحركة المشروطية» (الدستورية) بوجه أنصار المستبدة، هذا الانحياز أو التبني النجفي للمشروطية كان له تأثير مباشر على تطور الأوضاع السياسية في إيران، وكان أحد أبرز العوامل التي مهدت للثورة الدستورية سنة 1907.

في الوعي السياسي الإيراني، هناك كتابان يملكان حيزاً كبيراً في ذاكرتهم السياسية والعقائدية صدرا في النجف؛ الأول كشف عن حجم تأثير الحوزة النجفية في المجتمعات الشيعية في العالم، والثاني بقي خارج المنظومة الفكرية النجفية الكلاسيكية التي تحافظ على مسافة دقيقة وحساسة في علاقتها المباشرة مع السياسة، والتي برزت في تحفظها على مشروع ولاية الفقيه، وتمسكها بولاية الأمة على نفسها، وبرزت في تبنيها للمشروطية الدستورية التي تنظم الحياة السياسية في البلدان التي يطبق فيها الدستور، والدعوة إلى اندماج الشيعة في أوطانهم.

يدرك النظام الإيراني أن السيادة العراقية تمر بالنجف العصية على المصادرة، ومن دونها يفقد أي نظام في بغداد أو طهران كثيراً من شرعيته التي لم تعد ممكنة، بعد انحياز النجف بطبيعتها الكلاسيكية إلى المشروطية، فباتت مشروعية طهران ومشروعها التوسعي الاستبدادي أمام تحدٍ نجفي أقرب إلى وجدان المتظاهرين ومشروعيتهم.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

 

للمشاركة:

بوتين في الإمارات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

د. حسن مدن

أدرك مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ قيام الدولة أهمية أن تكون لها علاقات مع موسكو، السوفييتية يومها، فيما كانت الولايات المتحدة تضغط في اتجاه عزل الاتحاد السوفييتي، والحيلولة دون تعاون الدول الأخرى معه، لكن الشيخ زايد، رحمه الله، ببعد نظره فهم أهمية أن تكون للإمارات علاقات دولية متوازنة.

استمرت الإمارات على النهج الذي رسمه مؤسسها، وأقامت أوجه تعاون مع روسيا، من بين ثمارها، مؤخراً، رحلة رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري إلى المحطة الفضائية الدولية بالتعاون مع روسيا، التي حلّ رئيسها فلاديمير بوتين ضيفاً على الإمارات بعد زيارة مماثلة ناجحة إلى المملكة العربية السعودية.

زيارتا بوتين إلى الرياض وأبوظبي تأتيان في التوقيت المناسب تماماً، حيث تظهر التجربة الملموسة أن مصلحة دولنا الخليجية هي في إقامة علاقات دولية متوازنة، والكف عن الاعتماد على قوة دولية واحدة هي الولايات المتحدة، فروسيا صديق مجرب للعرب، أظهرت حرصها على علاقات قائمة على الوضوح ومبنية على تبادل المصلحة المشتركة من خلال أوجه التعاون الاقتصادي والتقني والثقافي وغيرها.

لا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن القراءة الحصيفة لمجريات الوضع الدولي تشير إلى أن زمن الأحادية القطبية والتفرّد الأمريكي بالعالم قد ولى، وأن نظاماً دولياً جديداً متعدد الأقطاب قد تشكّل فعلاً، وهو يشق طريقه صعوداً إلى المستقبل، وأن روسيا، إلى جانب الصين، ركنان أساسيان في هذا العالم الجديد، ومصلحة دولنا هي في الانفتاح على هاتين الدولتين الكبريين، والتعويل على دورهما المحوري ليس فقط في التعاون الثنائي، وإنما أيضاً في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وإبعادها عن التوترات والحروب والنزاعات، بما يحافظ على ما تنعم به شعوبنا من أمن واستقرار، ويصون السلم في العالم كله.

إن أمن منطقة الخليج قضية عالمية بامتياز، ومن الخطأ ركن مسؤوليتها إلى قوة دولية واحدة أظهرت مراراً أنها لا تفكر إلا في مصالحها، وتنضج أكثر فأكثر مهمة أن يكون أمن هذه المنطقة مسؤولية جماعية مشتركة، بالنظر لما تمثله من أهمية اقتصادية للعالم، انطلاقاً من مصالحنا الوطنية والقومية بالمقام الأول، ويمكن لروسيا بما تمثله من ثقل دولي متزايد أن تضطلع بدور كبير في ذلك.

زيارة بوتين إلى الإمارات، وقبلها الزيارة الناجحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للصين تأتيان في هذا السياق.

عن صحيفة "الخليج"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية